ضوابط تصرفات الرئيس

مسألة ـ 5ـ الظاهر أنّه يشترط في تصرفات رئيس الدولة الإسلامية أن تكون تابعة للمصلحة، فلا يصح التصرف الذي ليس بمصلحة، وإنْ لم يكن مفسدة، وتدل عليه الأدلة الأربعة:

الأول: الكتاب الحكيم، قال سبحانه: ((وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))[1] فإنّه يفهم منه بالأوْلى عدم جواز التصرف في أمور الأمة بدون الصلاح، لأنّه لا شك في كونه أهم من مال اليتيم، هذا بالإضافة إلى أنّ الفقيه بتصرفاته يتصرف في أموال الأيتام وأنفسهم، ولا يجوز التصرف في أموالهم إلاّ بالتي هي أحسن، فكيف بالتصرف في أنفسهم، بل يمكن أنْ يستدل لذلك بقوله سبحانه: ((وَكَتَبْنا لَهُ فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأُخذُوا بِأَحْسَنِها))[2] بضميمة استصحاب الشرائع السابقة. وإنّ الأخذ بالأحسن لا يراد به ما ليس بمفسدة، بل ما كان صلاحاً.

الثاني: السنة المطهرة مثل: (لا يتوى حق امرئٍ مسلم)[3] و (لا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم)[4] فإنّ عدم ملاحظة المصلحة إبطال لحق المسلمين، مثلاً إذا كانت قيمة الطائرات في الأسواق مليون دينار وأمكنه أنْ يشتريها بمليون إلاّ خمسين ألفاً فلم يفعل ذلك، يصدق عرفاً أنّه أبطل حق المسلمين، بالإضافة إلى أنّه كثير يصدق عليه أنّه أضرّهم فلا يجوز لدليل لا ضرر ونحوه، وفي الحديث المتقدم، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، إلماع إلى ذلك.

الثالث: الإجماع الذي ادعاه بعضهم في شرحه للعروة في باب التقليد في مسألة ولاية الفقيه.

الرابع: العقل، فإنّ جعل الولاية إنّما هو باعتبار المحافظة على مصلحة المسلمين، فعدم رعايتها والتقول إلى عدم المفسدة خلاف الحكمة المجعول لأجلها الولاية، وبذلك يظهر أنّ قول بعضهم بكفاية عدم المفسدة للأصل، محل منع.

ثم اللازم على الرئيس مراعاة الاحتياط بكل حزم ورؤية، فإنّ منصبه أخطر من منصب القاضي، وقد وردت فيه روايات شديدة.

فعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من جعل قاضياً، ذبح بغير سكين)[5].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (في رواية إسحاق بن عمار): يا شريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو شقي[6].

أقول: المراد بوصي النبي أعم من كل مأذون، كما لا يخفى.

وفي رواية البرقي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: القضاة أربعة، ثلاثة في النار، وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم أنّه قضى بجور فهو في النار،ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النّار، ورجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة[7].

ورواية الصدوق في الفقيه: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عزّ وجلّ فقد كفر بالله[8].

وفي رواية أخرى: من حكم في درهمين فأخطأ كفر[9].

وفي رواية ثالثة: إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه ولمن عن يساره: ما ترى ما تقول فعلى ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين[10].

وفي صحيحة أبي بصير: من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله فهو كافر بالله العظيم[11].

وفي رواية أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله): لسان القاضي بين جمرتين من النار حتى يقضي بين الناس، فإما في الجنة وإما في النار[12].

وفي رواية سعيد، قال أبو عبد الله (عليه السلام) لابن أبي ليلى القاضي: ما تقول إذا جيء بأرض من فضة، وسماء من فضة ثم أخذ رسول الله بيدك فأوقعك بين يدي ربك فقال: يا رب، إنّ هذا قضى بغير ما قضيت[13]، إلى غيرها من الروايات الكثيرة.

وقد ورد في خصوص الحكم ما رواه الدعائم[14]، عن علي (عليه السلام) أنه قال: كل حاكم يحكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت. وقرأ: ((يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ))[15].

ثم إنّ المراد بالكفر في بعض الروايات السابقة: الكفر العملي لا الكفر العقيدي، كما ورد أنّ تارك الحج كافر[16]، وأنّ النمام كافر[17]، أو المراد التشبيه من جهة التخويف والمبالغة لضرورة أن المعصية بغير منكر الضروري ليست سبباً للكفر، كما أنّ اللازم على رئيس الدولة الإسلامية الاستشارة، كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستشير أصحابه مع وفور رأيه وعصمته ورجحان عقله، وأنْ يأخذ حسب الظاهر بآرائهم، فإن ذلك تسليمٌ واستمالة، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يفعل ذلك لهذين الأمرين، وإلاّ لم يكن محتاجاً لآرائهم كما هو واضح، وأنْ يتصف بالصفات التي تقدمت في الثامن عشر من المسألة الثالثة ـ أي أن ينتخب المسلمون من له تلك الصفات ـ وأنْ يذاكر العلماء دائماً، ففي نهج البلاغة فيما كتب (عليه السلام) إلى قثم بن العباس[18]: (واجلس لهم العصرين فافتِ المستفتي وعلّم الجاهل وذاكر العالم)، دعوى السيد الرضي مع نسبة نهج البلاغة إلى الإمام (عليه السلام) يكفي في حجية سنده فحاله حال (من لا يحضره الفقيه).


[1] ـ سورة الأنعام: الآية152.

[2] ـ سورة الأعراف: الآية145.

[3] ـ فقه الرضا: ص308.

[4] ـ المستدرك: ج2 ص147 الباب 6 ح9.

[5] ـ وسائل الشيعة : ج18 ص8 الباب3ح8.

[6] ـ وسائل الشيعة: ج18ص6 الباب3ح2.

[7] ـ وسائل الشيعة: ج 18 ص11 الباب4 ح6.

[8] ـ من لايحضره الفقيه ج 3 ص 3 الباب2 ح1.

[9] ـ وسائل الشيعة: ج 18 ص18 الباب5 ح5.

[10] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص158 الباب4ح1.

[11] ـ وسائل الشيعة : ج18 ص18 الباب 5ح2.

[12] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص166 الباب12 ح2.

[13] ـ المستدرك: ج18 ص8 الباب 4 ح9.

[14]  المستدرك :ج3 ص 173 الباب 4 ح7.

[15] ـ سورة النساء: الآية 60.

[16] ـ كما في بحار الأنوار: ج74ص49، ومكارم الأخلاق: ص435.

[17] ـ كما في بحار الأنوار: ج74ص49، ومكارم الأخلاق: ص435.

[18] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم 67.