السعي لنيل منصب الرئاسة

مسألة ـ 6ـ الظاهر استحباب السعي من العالم الجامع للشرائط لنيل منصب الرئاسة في الدولة الإسلامية بقصد إقامة الأحكام، إذا كان يرى نفسه أكفأ من غيره، أو أراد طلب الثواب، قال سبحانه في ذلك: ((فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ))[1].

أما إباء عليٍّ (عليه السلام) عن تقلد الحكم بعد عثمان، فقد كان لأجل إتمام الحجة على الذين يشقون العصا بعد البيعة، كما أتمَّ عليهم بذلك الحجة بعد ذلك وقد أشار (عليه السلام) إلى شيء من ذلك في الخطبة الشقشقية[2]، قال (عليه السلام): (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها) ممّا يدل على وجوب القيام بالأمر مع المكنة فإنْ كان واحداً وجب عليه عيناً، وإنْ كان متعدداً وجب عليه كفاية، فإن في ذلك أسوةً بالأنبياء والأئمة حيث طلبوا الحكم، بالإضافة إلى أنّه مقدمة إقامة الدين ونشر العلم وقطع دابر الظلمة، قال تعالى: ((أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ))[3] كما أنّ إظهار الإمام الحسين (عليه السلام) أنّ أصحابه في حلٍّ من بيعته[4] كان لأجل أنّه أراد هدم صروح الأمويين ومن على شاكلتهم بسبب المظلومية كما فعل ذلك بالفعل، ولذا وقف إلى اليوم (عليه السلام) خطاً في قبال الحكام الجائرين، وهذه الغاية لا تتأتى إلاّ بما يكون في غاية المظلومية، ومراده (عليه السلام) بحل البيعة، البيعة التي بايعوه بها، لا البيعة التي في أعناقهم من الله سبحانه حيث إنّه إمام مفترض، كما أن إرساله الرسل إلى أهل البصرة وأهل الكوفة يستنجدهم لنصرته كان لأجل إتمام الحجة، ومزيداً في إظهار المظلومية كما يقال: إنه استنجد فلم ينصره أحد، ولا تنافي المظلومية مع تلك الحروب المريرة التي خاضها هو (عليه السلام) وأصحابه (عليهم السلام)، وذلك لأن يعطي طلاب الحق درساً في الثبات، وإيقاع أكبر الهزائم بأصحاب الباطل وإنْ علموا أنّ المصير الموت.

ومنه تعلم محرر الهند غاندي حيث قال: تعلمت من الحسين (عليه السلام) أن أكون مظلوماً فأنتصر.

أمّا الإمام الصادق (عليه السلام) فإنما لم يقبل الرئاسة حيث عرضها عليه أبو مسلم الخراساني؛ فلأنه كان أمامه خياران، إمّا أنْ يقبل ويقع آلةً بيد أبي مسلم وأتباعه؛ حيث إنّه بحكم كونه ثائراً كان بيده القوة، وكان معنى ذلك أن يكون الإمام ستاراً لهوى أبي مسلم وجماعته، لا أن يكون بيده الحكم والسلطة، أو يقبل الحكم ويكون ديكتاتوراً يزيح أبا مسلم بالقوة، كما فعله المنصور حيث قتل أبا مسلم ويوجب ذلك تحطم معنويات الإمام وإخراجه عن كونه أسوة صالحة للمستقبل وهذا كله كان أسوأ.

والإمام الرضا (عليه السلام) لم يقبل ولاية العهد إلاّ بالقوة لأنّه كان يعلم كذب المأمون، وإنّما قبل أخيراً لا لخوفه من الموت من أجل تهديد المأمون، بل لإرادته إسقاط شرعية حكم المأمون حيث إنّ ولي العهد إذا لم يتدخل في أي شأن من شؤون الدولة كان ذلك وصمة عار على جبين الدولة، ودلالة على عدم اعترافه بالشرعية، وبذلك هدم الإمام أسس دولة المأمون.

وهنا سؤال يفرض نفسه، وهو أنّه أ لم يكن بإمكان الأئمة الطاهرين أنْ يجمعوا أصحابهم وينظموهم ويثوروا ويأخذوا الحكم؟

والجواب: إنّه كان بإمكانهم ذلك، إلا أنّ ذلك كان يسبب لهم ثلاثة أمور كلها خلاف المصلحة:

الأول: عدم إمكانهم تثقيف الأمة بالثقافة الفقهية الإسلامية، لأنّ لوازم الحكم من الحرب، والسلم، وتقسيم المال، والإدارة وغيرها لا يدع لهم مجالاً للتثقيف، ولذا نرى أنّ الرسول والإمام حيث كانا مشغولين بذلك، لم يتمكنا من نشر الأحكام بالقدر الكافي، ولم ينشر من آثارهما الفقهية إلا القليل مع أن وضع القانون من أهم الأمور.

الثاني: إنّ توسعة البلاد الإسلامية، ودخول الثقافات الأصولية الغربية والشرقية كفلسفة الرومان والفرس في أذهان المسلمين كان من أخطر ما يكون على مباني الإسلام وعقائدها، التي هي سبب سعادة البشر، وهذا كان بحاجة إلى أكبر قدر من العمل والجهد والتثقيف لتقوية مباني الإسلام، مما كان لابد من أحد أمرين: إما الحكم، وإما بيان أسس الإسلام، وكان الثاني أرجح لامتداد ذلك طول الأجيال، ولذا اختار الله الأئمة (عليهم السلام) أنْ يقوموا بهذا الدور.

ولا يقال: كيف فهمُ الأصول سبب سعادة، لأنه يقال: أما سعادة الآخرة فواضح، وأما سعادة الدنيا فمثلاً عقيدة التوحيد أصل لتساوي الناس أمام الله سبحانه، لأن كلهم عبيده، فلا يكون هناك تفاضل إلا بالتقوى، ومعنى ذلك أن الميزان هو الكفاءات؛ (إذ التقوى تفجير لكل كفاءات الإنسان من صدق وأمانة ووفاء وتعاون وغيرها) وجعل الكفاءات ميزان الإنسان هو إسعاد البشرية كلهم.

ثم إنّ الأئمة (عليهم السلام) في نفس الوقت الذي كانوا يشرحون القوانين الإسلامية في أسس فقهية وكانوا يهيئون مقدمات إسعاد البشر إلى الأبد، كانوا يعملون الأعمال السياسية بواسطة أولادهم وتلاميذهم، ولذا قامت الثورات الشيعية في طول البلاد وعرضها، ابتداءً من ثورة المختار، ثم ثورة طباطبا ووصولهم للحكم في العراق قبل سنة المائتين من الهجرة ثم الداعي الكبير، وفي إيران وقبله الأدارسة في المغرب، إلى غيرها من الثورات التي وصلت إلى الحكم، مع الغض عن مثل ثورة زيد وعيسى ويحيى وغيرهم، وبذلك جمع الأئمة (عليهم السلام)، بين السياسة وبين التثقيف الفقهي وبين إرسال دعائم الأصول الإسلامية التي هي أسباب سعادة البشر، وإذا كانوا يأخذون بزمام الحكم فاتهم الأمران الأولاّن، ولهذه الأمور تفاصيل تاريخية لسنا بصددها الآن.

وكيف كان، فالمستحب للإنسان الجامع للشرائط السعي لنيل الرئاسة إذا رأى نفسه أكفأ أو أراد الثواب والأجر، أما إذا رأى توقف تطبيق الإسلام على رئاسته فذلك من أوجب الواجبات عليه، والأدلة الأربعة على كلا الأمرين موجودة ولا بأس بالتبرك بذكر واحدة من الروايات في هذا الباب.

فقد[5] روى تحف العقول عن الحسين بن علي (عليه السلام) ويروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: اعتبروا أيها الناس، بما وعظ الله به أولياءه (إلى أن قال): وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون ذلك، بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق، واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤنة في ذات الله، كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع ـ الخبر.

بل الظاهر أنّ ذنب العصاة يكون على من يقدر ثم لا يقدم، فقد روى المفيد (ره) عن الحرث بن المغيرة قال: لقيني أبو عبد الله (عليه السلام) في بعض طرق المدينة قبلا، فقال: يا حرث، قلت: نعم، فقال: لأحملن ذنوب سفهائكم على حلمائكم، قلت: ولِمَ جُعلتُ فِداكَ؟ قال: ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون ما يدخل علينا منه العيب عند الناس والأذى أن تأتوه وتعظوه وتقولون له قولاً بليغاً. قلت: إذاً لا يقبل منا ولا يطيعنا؟ قال (عليه السلام): فإذاً فاهجروه واجتنبوا مجالسه[6].


[1] ـ سورة المطففين: الآية26.

[2] ـ نهج البلاغة : الخطبة رقم 3.

[3] ـ سورة الشورى: الآية13.

[4] ـ مقتل الحسين للمقرم: ص86 (في الرخصة في المفارقة).

[5] ـ تحف العقول: ص168.

[6] ـ بحار الأنوار ج 2ص22 الباب 8ح63.