رئاسة الفقيه الجامع للشرائط

مسألة ـ7ـ الرئاسة للفقيه الجامع للشرائط واجب كفائي إذا كان هناك أفراد متعددون صالحون لسد هذا المنصب، وإذا لم يكن إلاّ شخص واحد ـ فرضاً ـ وجب علينا بلا إشكال، وذلك للأدلة العامة التي تقدم بعضها، كما أنّ الناس يجب عليهم تعيين الواحد عينا، وتعيين أحدهم إذا كانوا متعددين كفاية ويجب على الناس معاداة أئمة الجور والتنقيص منهم والاستمرار في ذلك حتى سقوطهم، ورجوع الأمر إلى من عيّنه الله سبحانه، كل ذلك للأدلة العامة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأدلة الخاصة الدالة على وجوب كلمة الحق عند السلطان الجائر، وفعل الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) مع الطغاة والظلمة.

فقد روى الشيخ المفيد في قصة إخراج أبي ذر (ره) من الشام قال: إن الناس خرجوا معه إلى دير المران فودعهم ووصاهم... (إلى أن قال:) أيّها الناس، اجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضباً لله عزّ وجلّ إذا عصي في الأرض، ولا ترضوا أئمتكم بسخط الله، وإنْ أحدثوا ما لا تعرفون فجانبوهم، واذروا عليهم، وإن عذبتم وحرمتم وسيرتم حتى يرضى الله عزّ وجلّ، فإنّ الله أعلى وأجل لا ينبغي أنْ يسخط برضا المخلوقين ـ الخبر[1].

ولا يخفى أنّ ذلك إنّما هو إذا لم يكن هناك أمر أهم يقتضي المراودة وتقبل الوظيفة كما ذكره الفقهاء في باب معونة الظالم، ولذا قبل يوسف (عليه السلام) وزارة ملك مصر، وكان في بلاط فرعون عمران أبو موسى الكليم (عليه السلام)، ومؤمن آل فرعون، وكان أبو ذر (ره) يحارب في جيش معاوية مع الروم، وسلمان وحذيفة وعمار وأضرابهم في إمارتي بصرة والمدائن.

وقد ورد في الأحاديث جهاد الحسن (عليه السلام) في فتح إيران، وجهاد الحسين (عليه السلام) في فتح إفريقيا، إلى غير ذلك.

وكان هذا الباب ما أظهره الإمام الحسن (عليه السلام) من الصلح مع معاوية، مع أنّه كان في الحقيقة لأجل تربية المجاهدين الذين يفجرونها ثورة عارمة بقيادة الإمام الحسين (عليه السلام) لا في وجه يزيد وبني أمية، بل في وجه كل ظالم إلى يوم القيامة، ولذا تمكنت هذه الثورة أنْ تقتلع جذور تلك الاستبدادات والاستهتارات بحقوق الناس، من قطع الرؤوس والطواف بها وإحراق البيوت وما أشبه، ولذا لا تجد في عالمنا اليوم من هذه الأمور أثراً وسوف تستمر ثورة الإمامين التربوية والمواجهية حتى يأتي يوم لا تجد لظلم الحاكم على المحكوم أثراً ـ في كل الكرة الأرضية ـ بإذن الله تعالى وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في كتيب صغير بعنوان: (ثورة الإمام الحسن (عليه السلام)).

ثم إنّ لا إشكال في جواز تزاحم فقيهين أو أكثر لنيل مرتبة الرئاسة للدولة الإسلامية للأصل بعد عدم الدليل على عدم جواز ذلك، وما دل على أنه إذا حكم بحكمهم (عليهم السلام) لا يجوز رده لا يشمل نيل الرئاسة فحال ذلك حال تشاح إمامين على إمامة الجماعة، كما أنه لا دليل على لزوم تعيين الناس لأحدهما، بل الظاهر أدلة جواز إدارة أحد الخصمين قاضياً والخصم الآخر قاضياً آخر جواز ذلك بالفحوى.

نعم إذا أشغل المنصب أحدهم لم يجز لفقيه آخر مزاحمته ونقض حكمه ـ كما أفتى بذلك غير واحد ـ لأنه بانصبابه يكون من أولي الأمر فيشمله دليل ((أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ))[2] ولما تقدم في كتاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية، ولأنّه يوجب النزاع والخصام الذي لا يرضى به الشارع قطعاً، وقد قال سبحانه: ((وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها)) ، وذلك شامل للفساد الموجب من معارضة ولي الأمر.


[1] ـ المستدرك: ج 2ص362 الباب7 ح7.

[2] ـ سورة النساء: الآية59.