باب الاجتهاد مفتوح في وجه الفقيه

مسألة ـ 8 ـ باب الاجتهاد مفتوح في وجه الفقيه، إذ ليس معناه الاّ فهم الحكم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وكل هذه المصادر موجودة، وما دل على الرجوع إلى الكتاب والسنة والإجماع والعقل لم يكن خاصاً بزمان دون زمان، بل مقتضى أبدية الدين.

كقوله تعالى: ((وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ))[1].

وكقوله (عليه السلام): (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة)[2]. وغيرها أبدية الاجتهاد.

قال سبحانه: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ))[3].

وقال (صلى الله عليه وآله): إني مخلف فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي)[4] ، والمراد بالعترة: قولهم وفعلهم وتقريرهم، كما أنّ العترة شاملة للرسول (صلى الله عليه وآله) إمّا بالأولوية وإمّا بتقريب أنّ الإطلاق يشمله، مثل (آل إبراهيم) و (آل عمران) و (آل لوط) و (آل فرعون)، والمستعملات في القرآن الحكيم حيث تشمل (إبراهيم) و (عمران) و (لوط) و (فرعون). فلا يشكل أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) خلف أحاديثه فلماذا لم يذكرها في هذا الحديث.

أمّا من رواه (كتاب الله وسنتي)، فالمراد السنة أعم من العترة؛ لأنهم (عليه السلام) كالرسول، قولاً وفعلاً، وتقريراً، بل هم امتداد له، كما أنّ باقي الأئمة (عليهم السلام) امتداد لعلي (عليه السلام) في آية الولاية، فلا يقال: (إنّما) حصر، فلا يشمل سائر الأئمة (عليهم السلام)، هذا بالنسبة إلى إطلاق أدلة الرجوع إلى الكتاب والسنة.

وأمّا إطلاق أدلة الرجوع إلى الإجماع والعقل، فإنّ قوله (عليه السلام): (فإنّ المُجْمَعَ عليه لا ريب فيه)[5] وقوله (عليه السلام): (إنّ لله حجتين)[6] فإنّهما مطلقان شاملان لكل زمان ومكان، هذا بالإضافة إلى ضرورة عدم غلق باب الاجتهاد عندنا، أمّا العامّة الذين غلقوا باب الاجتهاد فكان له سببان:

الأول: إنهم رأوا الفساد الناشئ من انفتاح باب الاجتهاد، حيث إنّ كل إنسان فعل محرماً قطعاً، وقال: إنّه اجتهاده وإنّ (المصيب له أجران والمخطئ له أجرٌ واحد) [7] فمعاوية حارب علياً (عليه السلام) لأنّه مجتهد، ويزيد قتل الحسين (عليه السلام) لأنّه مجتهد، والمأمون علق رأس أخيه على باب داره لأنه مجتهد، والمتوكل كان يشرب الخمر لأنه مجتهد، وهكذا.

وإلى هذا أشار السيد محمد باقر الطباطبائي (ره) في قصيدته:

حتى رأيتم بلغ السيل الزبى *** جعلتم التقليد فيه مذهبا

الثاني: إنّ الحكام أرادوا أن يفعلوا كل شيء ولا يكون لهم معارض من العلماء؛ إذ لو كانت السلطة فقط بيد الحكام وكان الاجتهاد وفهم الأحكام بيد العلماء، كان العلماء يعارضون الحكام في مناكيرهم.

أمّا إذا انسد باب الاجتهاد، وكان العالم ناقلاً عن الأئمة الأربعة وهم لم يقولوا في هذا الفرع المحرم الذي يريد السلطان ارتكابه، أو الفرع الواجب الذي يريد السلطان اجتنابه شيئاً، فلا يحق للعالم أنْ يقول بأنّه حرام فلماذا يرتكب؟ أو الواجب فلماذا يترك؟، وبذلك يستريح الحاكم من مزاحمة العالم له.

ولكن لا يخفى بطلان كلا مستندي غلق باب الاجتهاد، إذ يرد على الأول أنّه لا يحق لأحد أنْ يجتهد في قبال النص، وقول: إنّ معاوية وأضرابه كانوا مجتهدين، لم يكن إلاّ تبريراً تافهاً لجرائمهم ومنكراتهم، ولذا لم يقبله عقلاء المسلمين من أول يوم.

ويرد على الثاني أنّ السلطان إذا أراد ارتكاب المنكر لم يفرق إن قال بذلك أئمة المذاهب أم لا، فالعالم الورع عليه أنْ ينهى، وإنْ لم يجد هذا المصداق في كلام أحد من أئمة المذاهب، وغير الورع لا يهمه عصيان السلطان وإنْ وجده في كلمات الأئمة كلهم.

وعلى أي حال، فباب الاجتهاد مفتوح، وغلقه سبب جمود أهل السنة، كما أنّ جعلهم الأئمة الأربعة فوق سائر المجتهدين، كان عملاً سياسياً، تحول فيما بعد إلى مسلك ديني لهم، ثم جاء دور الوضّاعين ليختلقوا الأساطير حول الأربعة، كما يظهر ذلك من مطالعة كتاب (الغدير) وغيره.

وكيف كان، فالاجتهاد إنّما هو في تطبيق الأصول على الفروع، كما قال الإمام الرضا (عليه السلام): (علينا الأصول وعليكم الفروع)[8] ومنه فهم الأهم والمهم في صورة تعارض واجبين أو حرامين أو واجب وحرام.

ولذا أفتى الفقهاء بجواز قتل المسلم الذي تترس به الكفار، إذا توقف الفتح على قتله كفهم موارد سائر القواعد العامّة كقاعدة (لا يتوى حق امرئٍ مسلم)[9] ، وقاعدة (لاضرر ولا ضرار)[10] ، وقاعدة (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)[11] ، وقاعدة (ما لا يدرك كله لا يترك كله)[12] ، وقاعدة (الضرورات تقدر بقدرها)[13] ، وقاعدة (من ملك شيئاً ملك الإقرار به)[14] ، وقاعدة (لا حرج)[15] ، وقاعدة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)[16] وقاعدة (الشورى) ، وغيرها وغيرها، ممّا يحتاج إليه الفقيه خصوصاً إذا كان رئيس الدولة.


[1] ـ سورة الأحزاب: الآية40.

[2] ـ وسائل الشيعة ج 18 ص124 الباب 12ح47.

[3] ـ سورة القمر: الآية 17.

[4] ـ وسائل الشيعة ج18ص19 الباب5 ح9.

[5] ـ وسائل الشيعةج18 ص75 الباب9 ح1.

[6] ـ تحف العقول: ص288.

[7] مسند أحمد بن حنبل : ج4 ص 198 ، وكما في العوالي : ج4 ص 63 ح16.

[8] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص41 الباب6ح152.

[9] ـ فقه الرضا: ص308.

[10] ـ العوالي: ج1 ص220 ح93.

[11] ـ بحار الأنوار ج2 ص272.

[12] ـ العوالي: ج4 ص58 ح207.

[13] ـ انظر: كشف الخفاء: ج2 ص35 رقم1640.

[14] ـ مفتاح الكرامة: ج9 ص225.

[15] ـ انظر: أصول الكافي: ج1 ص191 باب الأئمة شهداء ح4.

[16] ـ سورة الأنفال: الآية 160.