تحويل المجتمعات إلى مؤسسات

مسألة ـ 9ـ المجتمع الإسلامي يجب أنْ ينقلب إلى ألوف المؤسسات حتى يصبح دولة عصرية آمنة من التزعزع الانهيار والانهزام أمام الأعداء، ولنفرض أولاً أن يكون هناك تكتلان أو ثلاث مثلاً لهما فروع في كل القرى الأرياف بل المدن الكبار يبدي الناس نشاطهم من خلال هذه التكتلات.

وفي الحديث الشريف (يد الله مع الجماعة)[1] والتكتل لأجل البناء والمنافسة في الخير وتقوية الإسلام وبلاده ليس تفرقاً، كي يقال: إنه مشمول لقوله سبحانه ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا))[2] ، ولقوله سبحانه ((وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ))[3] وذلك لأنّ المراد بالتفرق المنهي عنه: ما كان من عداء وبغضاء وتفاخر وما أشبه.

أمّا لأجل التنافس في الخير، وإيجاد الحماس للتقدم، فذلك محبوب، قال سبحانه: ((وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ))[4] ، والسبق، والرماية، والمصارعة (كما روي من إعزاء الرسول (صلى الله عليه وآله) للحسن والحسين (عليهما السلام) للمصارعة بينهما)[5] ، إنما جعلت لتلك الغاية، وإنْ كان في ذلك إيجاد تكتل أو أكثر، وقد كان التكتل منذ زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين القبائل من ناحية، وبين الأوس والخزرج من ناحية ثانية، وبين المهاجرين والأنصار من جهة ثالثة، وقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) أقرها حيث كان يجعل لكل قبيلة رئيساً ولواءً.

نعم، يجب أن تكون التكتلات للتعارف لا للتناكر.

قال سبحانه: ((إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ))[6] وحيث إنّ الزمان الحاضر لا يمكن فيه التكتل القبلي؛ لأنّ الثقافة والآلة الحديثة ونوعية الحياة لا تنحصر في قبيلة دون قبيلة، بل حسب المهن والثقافات وما أشبه، فالكتلة أصبحت تحت وحدات عصرية، مثلاً وحدة المحامين، ووحدة المعلمين، وكتلة الفلاحين، وكتلة العمال، إلى غير ذلك، فإذا انحشرت البلاد تحت كتلتين كبيرتين ـ مثلاً ـ لإبداء نشاطات السياسة، تنقسم كل كتلة إلى فروع وكتل صغيرة، لاحتواء مختلف نشاطات البناء والتقوية والتقدم، ولا بأس أن نتعلم من الحضارة المعاصرة أسباب قوتها، لنأخذ بها.

ففي الحديث: (أعقل الناس من جمع عقل الناس إلى عقله)[7]

وفي حديث آخر: (الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أين وجدها)[8]

وفي حديث ثالث: (الحكمة كالجوهر يؤخذ ولو من فم كلب)[9]

وقد قال علي (عليه السلام): (الله الله... ونظم أمركم)[10].

والحزب المحظور في الإسلام هو الحزب الذي ينتهي إلى برلمان يكون بيده التشريع والتنفيذ.

أما الحزب بمعنى الكتلة وإنْ انتهى إلى برلمان بيده التنفيذ والتطبيق للقواعد الإسلامية على متطلبات الأمة فذلك داخل حزب في الله، ولا فرق بين أنْ تكون المؤسسات مرتبطة بالتكتل الكبير أم لا، وإنْ كان الأفضل الارتباط.

والأفراد المثقفة المجربة في هذه التكتلات هي التي تصلح أن يقفز بها إلى الإمام لأجل إدارة البلاد سواءٌ أفي مجلس الوزراء، أم في مجلس الأمة، أم في المجلس البلدي، أم في السفارات أم في الإدارات، أم في المؤسسات الحكومية، أم الشعبية، أم في غير ذلك.

وفي الحقيقة، فالتكتلات والمؤسسات ليست إلاّ مدارس التجربة الحيوية، لتصقيل المواهب وظهور الكفاءات وتبيين المعادن المختزنة في كل إنسان.

فقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)[11].

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في فلسفة بعثة الأنبياء: (وليثيروا لهم دفائن العقول)[12].

ثم إنّ الحريات الإسلامية توفر لكل فرد ولكل كتلة كلَّ أسباب حاجتها وتقدمها، فكل من يريد مقراً لكتلته أُعطي أرضاً أو بناية وتسهيلات، وكل من يريد جريدة، أو مطبعة، أو مجلة، أو دار إذاعة، أو دار تلفزيون، أو يريد فتح مدرسة، أو نادياً، أو بناء مسجد، أو حسينية، أو مكتبة، أو غير ذلك، توفر له الدولة والأمة كل عون وخدمة وإمكانية، وفي مثل هذا الجو تظهر المواهب وتخدم الكل ويكون التنافس الحر في التقدم.

ولا فرق في المؤسسات التي ذكرناها بين خارج بلاد الإسلام أو داخلها، ولذا كان من الضروري أنْ يكون من مهمة السفارات الإسلامية فتح الطريق أمام الإسلام بكل إمكانياتها، ومن المعلوم أنّه إذا تبدلت البلاد إلى المؤسسات، وحُرِّض الناس على إعمال طاقاتهم، وتفجير إمكانياتهم، وكانت كل أقسام الحريات متوفرة لهم، قفز بلد الإسلام في أقل مدة ممكنة إلى أعلى مراتب الاجتماع الإنساني، وظهر ثانياً مصداق (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)[13] كما ظهر مصداق قوله تعالى ((وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ))[14].


[1] ـ نهج الفصاحة: ص 646 ح3211.

[2] ـ سورة البقرة: الآية103.

[3] ـ سورة الأنفال: الآية46.

[4] ـ سورة المطففين: الآية26.

[5] ـ بحار الأنوار: ج43 ص262 ح7.

[6] ـ سورة الحجرات: الآية13.

[7] ـ انظر روضة الواعظين: ج1 ص8.

[8] ـ نهج البلاغة: الحكمة رقم 80.

[9] ـ انظر تنبيه الخواطر: ج1 ص 81.

[10] ـ نهج البلاغة: الوصية رقم 47.

[11] ـ أصول الكافي: ج8 ص177 ح197.

[12] ـ نهج البلاغة: الخطبة 1.

[13] ـ العوالي: ج1 ص226 ح118.

[14] ـ سورة آل عمران: الآية139.