تأسيس النقابات لتحسين الوضع

مسألة ـ 11ـ من الضروري إيجاد النقابات، والتكتلات، والهيئات، والجمعيات، لتحسين أوضاع الناس، وتقديم البلاد إلى الأمام، فإنّ (يد الله مع الجماعة)[1] والمسلمون كالبدن الواحد إذا اشتكى عضو اشتكت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)[2] ومن الأكيد تشكيل هذه الأمور ليكون لكل إنسان (عمل) و (زوجة) و (دار) و (أثاث) و (سيارة) وأن يتمكن من (تعليم أولاده) و (دواء مرضاه) و (ضمان أوقات بطالته لعدم العمل أو للمرض والهرم وما أشبه) و (سائر ما يحتاج إليه، كسفر التنزه وما أشبه) وأنْ يتمكن (من تنمية مواهبه وتفجير طاقاته) ليعيش حراً كريماً موفور الحاجات، كما أراد الإسلام.

قال سبحانه: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ))[3] وهذا لا يمكن إلاّ بجعل الناس كتلاً وجمعيات ونقابات.

وهذا غير التيار السياسي الذي يجب أنْ يسود كل البلاد لأجل الانتخابات واللازم الاهتمام الكافي بالقرى والأرياف وأصحاب البساتين والخيم وما أشبه، فإن هؤلاء قد ظُلمِوا في العصر الحديث أكبر قدر من الظلم، وتأخروا تأخراً مريعاً، مع أنهم المعدن الصافي ومحل نبت الرجال الشهم الأصفياء الشجعان، فاللازم الاهتمام المضاعف بشأنهم، اهتماماً لإيصالهم حد المدنية، واهتماماً كما يهتم للمدنية ولا يكون ذلك إلاّ بتنظيم جملة كبيرة من تكوين الجمعيات، لأجل إيجاد المدارس، والمستشفيات، والأطباء، والقضاة، والماء، والكهرباء، والتلفون، والبريد لهم، بالإضافة إلى تعمير القرية تعميراً كتعمير المدينة، وجعل المساجد، والحسينيات، والمغتسلات، والمكتبات فيها، وتبليط طرقهم سواء أ لإيصال بعضهم إلى بعض، أم لإيصالهم إلى المدينة، والعناية ببساتينهم، وشق الأنهر، والترع لأجلهم، وضرب الآبار الارتوازية لأجل إروائهم، والاعتناء بشأن عالمهم لئلا تخلو القرية من القدر الكافي من المرشدين وأئمة الجماعة، وتنظيم الأسرة فيهم بما يسبب زواج فتيانهم وفتياتهم عند البلوغ والرشد الشرعيين، وبهذه الأمور وغيرها وهي كثيرة، تكون السطوح بين المدينة والقرية متساوية، ويكثر المثقفون ويكثر الضرع والزرع، ولا ينسحب أهالي القرى إلى المدن حتى تهدم القرى، وتحرم الناس من بركاتها، ولا تسبب إزعاج المدن بما لا طاقة لها به، هذا من ناحية تكوين الجمعيات والهيئات والنقابات لإصلاح القرى والأرياف، حكومية وشعبية، ومن ناحية ثانية يلزم أن يكون في الحكومة المركزية جهاز خاص مكون من لجنة أو لجان من كل الوزارات، لأجل الاستطلاع العام والإشراف العام على خريطة القرى واحتياجاتها وإمكانياتها لتوزع الأمور الممكنة على تلك القرى، مثلاً توزع المعامل، والمستشفيات المناسبة، كمستشفى المجذومين، والجامعات المناسبة على القرى المناسبة، ليتبادل النفع بين القرى والمدن والحكومة المركزية، وحكومات القرى والأرياف، كما أن من الضروري دمج ما أمكن من القرى بعضها في بعض، لتقوى كل قرية بالقرية الأخرى أكثر فأكثر، فإن الاجتماع قوة، ويد الله مع الجماعة، ويجب ألاّ تنهك المدينة القرية باستدارها، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان يأمر بتوزيع زكاة كل قرية في أهلها ومصالحها، فإن زاد شيء أُرسل إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

وكذا من الضروري جعل اللجنة في الحكومة المركزية طرق المواصلات بحيث تمر على القرى النائية، كمرورها على القرى القريبة، مع ملاحظة ألاّ يخل ذلك براحة المسافرين وأشغالهم، ولعل هذا هو مقصود القرآن الحكيم في قصة (سبأ)[4] حيث يقول: ((جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ... وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ)) فإنّ تكوين القرى بين القرى المتباعدة بما يربطها بشبكة مواصلات بالقرى المتباعدة يجعل القرى المتباعدة مأهولة بالسكان وموفورة بالحوائج، كما يجعلها في متناول الأيدي، فيخرجها من العزلة والوحشة والانقطاع، فتكون مصايف ومشاتي للمدن، ممّا يحشرها ضمن الاجتماع المدني العام، ويخرجها عن كونها مصداقاً للآية الكريمة: ((الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ))[5] ومن الضروري أيضاً أن يكون للقرى نواب خاصون في البرلمان يدافعون عن حقوقهم، ويهتمون بشؤونهم، فإنّ النائب عن البلد والقرية، لا ينفع القرية لأنه ينجذب إلى البلد بحكم كون البلد، أقوى مركزاً له في الدائرات الانتخابية، وبحكم كون أكثرها مثقفين، ممّا يريد إرضاءهم لتحصيل المكانة والشهرة، فاللازم أنْ تنظم الدوائر الانتخابية بحيث يكون للقرى نواب خاصون.

كذلك من الضروري أنْ يُخصص للقرى قسط عادل من الإذاعة والتلفزيون والمسارح والأفلام والصحف وما إليها، ثم إنّ ما ذكرناه في هذه المسألة بين واجب ومستحب لشمول إطلاق الأدلة من قبيل: (لا يتوى حق امرئ مسلم)[6] و (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه)[7] و (الناس سواسية كأسنان المشط)[8] و (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)[9] و (رحماء بينهم)[10] وغير ذلك.


[1] ـ نهج الفصاحة: ص646 ح3211.

[2] ـ المصدر: ص561ح2712.

[3] ـ سورة الإسراء: الآية 70.

[4] ـ انظر تفسير الآيات من 15 إلى 18 من سورة سبأ في مجمع البيان: المجلد5 ج22ص198.

[5] ـ سورة التوبة: الآية 97.

[6] ـ فقه الرضا: ص308.

[7] ـ وسائل الشيعة ج17 ص 376 الباب 1 ح11.

[8] ـ نهج الفصاحة: ص 635 ح 3149.

[9] ـ سورة الأنفال: الآية 60.

[10] ـ سورة الفتح: الآية29.