عدم اشتراط البيعة للرئيس

مسألة ـ 13ـ لا يشترط البيعة في تولي الرئيس إدارة البلاد لعدم الدليل على وجوبه، وفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) لا يدل على الوجوب، وإنْ جاز ذلك بل استحب للقدرة، قال سبحانه: ((لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))[1] ولا يصح إخلاف الرئيس السابق للرئيس اللاحق إلا إذا رضي به المسلمون، لما تقدم من أن النصب حق للمسلمين في إطار الشرائط المقررة في الإسلام، من الأخلاف ولاية العهد، أما كون ذلك إرثاً كما هو الحال في بعض الرؤساء فذلك ما لم يعرفه الإسلام ولا يقرُّ به، حتى إنه إذا كان الخَلَفُ جامعاً لكل الشرائط، كان للمسلمين قبوله أو رفضه، ثم السلطات الموجودة في الإسلام ثلاث، يضاف إليها سلطة رابعة.

الأولى: سلطة التشريع، وليس المراد بالتشريع سن القانون، فقد عرفت أنّه حق الله سبحانه وحده، حتى إنّ الرسول والإمام ناقلان فقط، الرسول ينقل عن الله، والإمام ينقل عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، بل المراد بالتشريع أمران:

أ- ما يفعله المجتهدون من رد الفروع إلى الأصول، واستنباط الأحكام من الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل.

ب-        الثاني ما يفعله مجلس الأمة من النظر في مصالح المسلمين، والأمر بها في إطار اجتهاد المجتهدين، ويصح أن يكون النائب هو مجتهداً، كما يصح أن يكون المجتهد نائباً، وسيأتي الكلام حول ربط الأمور الثلاثة (الدولة) و (المجتهد) و (المثقفين الزمنيين) بعضهم ببعض.

الثانية: سلطة التنفيذ أي الوزراء الذين ينفذون آراء مجلس الأمة، ويطبقونها على المجتمع، وإنّما فككنا بين السلطتين مع أنّ التفكيك لا يلزم شرعاً (إذ من الممكن أن يكون النائب وزيراً وبالعكس) لأنّ مهام كل سلطة كثيرة، ولا يتمكن إنسان واحد أو فئة أنْ يجمع بينهما ولو فرض الجمع لزم النقص وسرى الخبال إلى كلتا المهمتين، ثم إنّه إذا تدخلت، لزم خطران، يستغل المنفذ السلطة التشريعية لفائدته، ويدل على الانفكاك الذي ذكرناه ما تقدم في الدليل الثالث عشر من المسألة الثالثة، من كون هذا الأسلوب أقرب إلى طاعة الله، وأبعد عن سيطرة الظالمين وأنفع للمسلمين.

الثالثة: سلطة القضاء، ويلزم أنْ تكون مستقلة لكثرة مهامها مما لا تجتمع مع السلطتين السابقتين، ولئلا تستغل إحدى السلطات السلطة الأخرى في نفعها الشخصي.

إن قلت: ألا تكفي العدالة المشروطة في هذه السلطات في كونها سداً أمام استغلال الإنسان سلطته لنفع نفسه؟.

قلت:

أولاً: لا إشكال في لزوم عدالة رئيس الدولة ـ أي الفقيه ـ وكذلك لا إشكال في لزوم عدالة القاضي، أما لزوم عدالة المشرع والمنفذ فهو محل نظر لاحتمال كفاية الوثاقة، كما هو ظاهر من قوله (عليه السلام): (إن كان مثلك ومثل عبد الحميد، فلا بأس)[2] فإنّ قرينة الحكم والموضوع تدل على كفاية الثقة، وإن كان اشتراط العدالة أحوط وأقرب، لما تقدم من أنّه أقرب إلى طاعة الله، وأبعد عن سيطرة الظالمين وأنفع للمسلمين.

وثانيهما: مهما كان الإنسان عادلاً فإنّ غير المعصوم محل الاشتباه والسهو والنسيان والانزلاق، كما هو المشاهد في بعض الدول، وكثيراً ما يتمكن أصدقاء العادل وأقرباؤه أن يزينوا له خلاف الواقع، فيراه مشروعاً، بينما هو غير مشروع.

أما السلطة الرابعة: فهي سلطة الإعلام والمطبوعات فاللازم أن تكون هي مستقلة أيضاً، كما يلزم أن تكون في غاية النزاهة لئلا تلبس الحق بالباطل، وتهتك الأعراض بغير سبب، وتدعو لأجل المال، إلى ما ليس بصحيح، وأحياناً يضر المجتمع، ثم إنه يجب أن تضاف إلى الوزارات المتعارفة في الدولة وزارة الإرشاد، لأجل تبليغ الإسلام في الداخل والخارج، وليكون له فرع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))[3] فإن الآية وأن كان لا يبعد أن يراد بها كل المسلمين وتكون (من) نشوية بقرينة (هم المفلحون) إذ معناه أن ما عداهم ليس مفلحاً إلاّ أن القدر المتيقن منها لزوم وجود فئة هذا بشأنهم.

ثم إنّ من أهم الوزارات وزارة الدعوة والإرشاد، فيلزم أن يكون لها فروع بعدد البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، ويلزم أن يكون لها من الرصيد والأعوان ما يقوم بأربع مهمات رئيسية:

الأولى: مهمة مكافحة الإلحاد التي انتشرت في العالم بشكل مدهش.

الثانية: مهمة مكافحة عبادة غير الله، سواء أكان بشراً كالمسيح (عليه السلام)، أم حجراً كالأصنام التي تعبد إلى الآن في قطاعات واسعة من العالم، كالهند والهند الصينية واليابان والصين وغيرها.

الثالثة: مهمة مكافحة الأديان المزيفة والمحرفة كالبهائية والمجوسية.

هذا بالإضافة إلى مهماتها الأخر في سبيل الإنقاذ ومكافحة المنكر والفساد، بقي أمران:

الأول: ما تقدم من الإشارة إليه من النسبة بين الدولة والفقهاء والمثقفين الزمنيين.

الثاني: في أنه هل يلزم وحدة الدولة الإسلامية أم لا.

أمّا الأول فالظاهر لزوم أن يكون مجلس الفقهاء المشتمل على الرئيس الأعلى للدولة وأعوانه ومستشاروه من سائر الفقهاء، ويعضدهم الخبراء، أعلى سلطة في الدولة، فالأمة إنما تنتخب الرئيس لها من هذا المجلس، فهو مجلس حر يصل إليه الفقهاء العدول الذين هم مراجع التقليد في الأمة، وهي سلطة منفصلة عن الدولة مشرفة عليها، ويكون انتخاب الرئيس الأعلى للدولة منها، وللأمة أن تقلد أي مرجع تشاء، سواء أكان داخلاً في هذا المجلس أم لا، وسواء أكان الرئيس الأعلى للدولة أم لا؟ ولا يحق لرئيس الدولة ولا لأفراد هذا المجلس استغلال مكانتهم، لأجل تقليد الناس إياهم بل (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أنْ يقلدوه)[4] ، كما لا يحق لوزارة الإرشاد أنْ تتدخل في شؤون أئمة الجماعة والخطباء والمؤلفين، بل هم أحرار، ما لم ينحرفوا عن جادة الإسلام، فالدين إنّما يحدد سلطة الدولة، لا أنّه يحق للدولة أنْ تحدد سلطة الدين، وإنّما يكون بينهما تعاون لإرشاد العباد وإصلاح البلاد واللازم جعل صيغة ملائمة تبقي (حرية الفقهاء والعلم والدين والشعائر) وتوجب (التعاون بين مجلس الفقهاء والدولة).

وأمّا الثاني: فالظاهر أن وحدة الدولة أفضل، لأنها قوة ليس فوقها قوة.

وقد قال سبحانه: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا))[5]

وقال: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ))[6] إلا أنّه لا دليل على وجوب ذلك، نعم إذا كانت دول متعددة فاللازم عليهم أمران:

الأول: عدم إقرار أي منهم ما يخالف الإسلام من الحدود بينهما، إذ ذلك خلاف الإسلام الذي يقول بحرية المسلم في سفره وإقامته وتجارته واشترائه والأرض وبنائه وغير ذلك.

الثاني: لزوم التعاون بينهم في إنماء المسلمين داخلاً وخارجاً، وفي الوقوف صفاً واحداً أمام أعداء الإسلام، فيكون بينهم شبه (اتحاد) إذا لم تكن (وحدة) لكن الأفضل، بل الأحوط، بل يراه بعض الفقهاء لازماً، توحيد البلاد الإسلامية في حكومة واحدة مركزية، وإنْ كانت مقتسمة إلى ولايات ولكل ولاية انتخابه ورئيسه، كما هو الحال في (أمريكا) مثلاً.

أمّا الطريق إلى توحيد الحكومة الإسلامية فهو أن تعمل فئة من المخلصين المضحين بتشكيل نواة من جميع المدن الإسلامية من إندونيسيا إلى پاكستان وتقوم تلك النواة بتنمية نفسها، وتعمل جاهدة بكل هدوء وسلام ولا عنف، لأجل إزالة الحواجز المصطنعة، وتحكيم حكم الإسلام في البلاد، وتطبيق الإسلام على نفسها، مهما ارتطم بالقانون، فمثلاً لا يعمل بقوانين الحدود، ولا بقوانين الجنسية ولا بقوانين القومية، وهكذا، وتجعل مناهجها في المعاملات والقضاء والأحوال الشخصية وغيرها، الإسلام فقط، وتستعد لأنْ تتلقى كل إهانة واضطهاد في سبيل ذلك، ومن الطبيعي أنْ تكبر النواة وتكبر حتى تصل إلى حيث تسقط حكومات هذه المناطق، أو تنجبر لانضمامها إلى الحركة، بأنْ تبقى حكومة محلية خاضعة لقانون الإسلام ـ كما كان بعض رؤساء القبائل في زمان رسول (صلى الله عليه وآله) يخضع للإسلام ويقرره الرسول في إمارته، ولا بد حينئذ أن تعطي هذه الحركة ثمارها الطيبة ولو بعد خمسين سنة، وأمامنا في التاريخ عدة أمثلة، أولها حركة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي زماننا حركة الصين، وحركة الهند بزعامة غاندي، والأفضل اتباع حركة الرسول (صلى الله عليه وآله)، إذ حركة الصين لم تنجح بشرياً، وإن نجحت حكومياً، إذ هي بلاد صادرت حريات الناس وقتلت الملايين، وحركة الإسلام للبشر لا ضد البشر، وحركة الهند وإن نجحت بشرياً، إلا أنّ عدم استعمال سلاح الدفاع أَخَّر من نجاحها (وإن كان لهم عذر ذلك لأنهم واجهوا أطغى قوى الاستعمار).

أمّا الرسول (صلى الله عليه وآله) فقد استعمل سلاح اللا عنف والسلام، إلاّ إذا اضطر فاستعمل السلاح للدفاع، كما هو المشهور في التواريخ، مثله مثل الطبيب الذي يستعمل السلام والدواء، فإذا اضطر، بَتَر عضواً وأجرى عملية جراحية، وعلى كل حال فهذه مسألة ثانوية، وإنّما المهم، الشروع في هذه الحركة، لإعادة بلاد الإسلام تحت لواء الوحدة الإسلامية، ولواء الأحكام الإسلامية، ولواء الاستقلال بعد أن صارت ذيلاً للشرق والغرب وعملائهم، من حين تركوا العمل بأحكام الإسلام، وسادت فيهم الأنانيات والجهل والإثرة، كما اكتوى الجميع بنارها، من غير فرق بين الحكام والشعوب، وليست إعادة الإسلام إلى الحياة شيئاً مستحيلاً أو بعيداً، بعد أنْ كان الإسلام دين العدالة والحرية والفطرة، وكان المسلمون مهيئين نفسياً لقبوله. والله المستعان.


[1] ـ سورة الأحزاب: الآية 21.

[2] ـ وسائل الشيعة ج 12ص270 الباب16 من أبواب عقد البيع وشرائطه ح2.

[3] ـ سورة آل عمران: الآية 104.

[4] ـ بحار الأنوار: ج 2 ص88 الباب 14 ح12.

[5] ـ سورة آل عمران: الآية 103.

[6] ـ سورة الأنفال: الآية 60.