الاهتمام بالاقتصاد

مسألة ـ 14 ـ من الضروري اهتمام الدولة الإسلامية بالاقتصاد، ففي المثل (الكرامة الاقتصادية توجب الكرامة الاجتماعية).

فعن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: ((رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً))[1] قال: رضوان الله في الجنة في الآخرة، والسعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا[2].

وعن المعلّى بن خنيس قال: رآني أبو عبد الله (عليه السلام) وقد تأخرت عن السوق فقال (عليه السلام): اغدُ إلى عزك[3].

إلى غيرها من الروايات الكثيرة، التي تحث على الغنى والتجارة وغير ذلك، والاقتصاد في الدولة الإسلامية يعتمد:

أ-          على إطلاق حريات الناس في التجارة والزراعة، والصناعة، والعمارة، وحيازة المباحات، وما أشبه ذلك، حتى إذا أثرت الأمة أثرت الدولة، لإعطائهم الضرائب الإسلامية، وقلّة ما يقع على الدولة من الإرهاق، لقلّة الفقراء والمساكين.

ب-        على اتجار نفس الدولة.

ت-        على ما تستفيده من المعادن وغيرها.

ث-        على قلّة موظفي الدولة، فإنّ كثرة الموظفين التي نشاهدها في الدول الحاضرة، هي نتيجة (الديكتاتوريات) و (الجهل) وقد رأيت في تقرير دولي أنّ (جمال عبد الناصر) كان بحاجة إلى موظفين قلة، لإدارة شؤون مصر، لكنه ضاعف العدد أضعافاً كثيرة، لأجل أنه كان يحتاج إلى المصفقين، و بهذه الخطوة أوجب إفلاس مصر، وإفقار أهلها، كما أنّ تكثير الدوائر لا وجه له إلاّ الجهل، فإن الدوائر الكثيرة توجب كبت الحريات، وإضاعة الطاقات، وتكثير جيش العاطلين، إذ موظفو تلك الدوائر عاطلون في الحقيقة، يضاعفون الكَلَّ على الأمة، كَلُّ أنهم يستهلكون ولا يعملون عملاً نافعاً للأمة وكَلٌّ أنّهم يستنفذون طاقات الناس في مراجعة الدوائر، وصرف أموالهم فيما لا يعود لهم إلاّ بالضرر، فعلى الدولة الإسلامية أن تبطل كل الدوائر الزائدة، كدائرة الجنسية، والإقامة، والهوية، والمباحث، والجمارك، وغيرها.

كما أنّ على الدولة الإسلامية إرجاع الدوائر اللازمة إلى حجمها الطبيعي، كدائرة القضاء ونحوها، فإنّ دائرة القضاء الموجود الآن أكبر من دائرة القضاء الموجود في الإسلام بمائة ضعف أو ما يشبه ذلك.

هـ ـ على عدم تبذير رؤساء الدولة في رواتبهم في شؤونهم الشخصية، أو ما يسمى بشؤون الدولة، فالرسول (صلى الله عليه وآله) كان يصرف لنفسه كأقل المسلمين في معيشته.

فقد روي عن إحدى زوجاته: كنا نعيش بالأسودين (الماء والتمر)، وكنا نُطعم بالأحمرين (اللحم والحنطة)[4].

وكان (صلى الله عليه وآله) يشد حجر المجاعة على بطنه، إلى آخر ما هو معروف من سيرته الطاهرة، ولا شك أنه أسوةٌ للحاكم، كما أنّه أسوةٌ لكل مسلم ومسلمة، وعليٌ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحتاط لبيت المال حتى إنّه أطفأ السراج الذي كان زيته من بيت المال، وأوقد سراجاً ثانياً، حيث جاءه طلحة والزبير، يريدان التكلم معه، حيث لم ير أنَّ كلامهما مربوط بشؤون المسلمين[5]، وقصة الحديدة المحماة مع أخيه عقيل مشهورةٌ، وفي نهج البلاغة مذكورة[6]، وقد وقف كل أملاكه التي غنمها واستصلحها بيده الكريمة، كما أنه لما توفي لم يترك إلاّ (سبعمائة درهم) فضل من عطائه أراد به اشتراء خادم لأهله، بينما خلّف (سبعمائة درهم) دينار، كما ذكره المجلسي (ره) في كتابه القيم بحار الأنوار[7]، وكان يعجبه من الطعام ما جشب، ومن اللباس ما خشن، وكان يقول: (أ أقنع من نفسي أنْ يقال لي: أمير المؤمنين، ولا أشاركهم مكاره الدهر)[8] وحيث فعل هذا، كان لكل عائلة في مملكته الواسعة دار (كما يظهر من بعض الأخبار) وكان شبح الفقر معدماً، حتى إنّه لم يكن يقطع بوجود فقير واحد في مملكته، حتى قال: (لعل هناك باليمامة أو الحجاز من لا عهد له بالشبع أو لا طمع له في القرص)، انظر كلمة (لعل...!)[9].

ومن فذلكة القول أنْ يقال: إنّ الإمام كان من الجائز له ألاّ يطفئ الشمعة، ويعطي أخاه، لكنّه أراد أنْ يكون مثالاً صادقاً لحفظ أموال الأمة إلى هذا القدر، وأنْ يعدُّ جوع إنسان، والحال أنّ الحاكم شبعان يعدُّ من أكبر الأمراض

وحسبك داءً أنْ تبيت ببطنة **** وحولك أكبادٌ تحنُّ إلى القِدِّ

وإذا قست هذا بما شاهدناه من (سرقة رئيس فيتنام 6 أطنان من الذهب) و (سرقة هيلاسي لاسي ثلاثمائة مليون دولار) و (سرقة الشاه وحده ثلاثة وعشرين مليارد دولار) و (سرقة أخته ثلاثة مليارات) و (بناء سارق عربي داراً لنفسه بعشرة ملايين دينار، بينما كان راتبه قبل ثورته ثمانية عشر ديناراً فقط) و (صرف سارق عربي آخر ثلاثين مليون دولار على مائدة قمار واحدة) وغيرها.... وغيرها، تعرف لما افتقرت الشعوب في عالم يعج بالمال، ثم إنّ الدولة الإسلامية إلى جانب عدم تبذيرها وعدم سرقتها، لا تحتكر المال، بل المال مال الله، والأمة عباد الله، والدولة أمين الله، ولذا تقوم بكل حوائج الناس، فلا تجد في الدولة الإسلامية إنساناً ليست له داراً، أو محتاجاً، أو فتىً أو فتاةً بلا زواج، أو إنساناً عاطلاً عن العمل، لأنّه إذا كان عطله بسبب عدم رأس المال، زوّده برأس المال، وإن كان سببه عدم العمل، فإنّه حيث تطلق الدولة الحريات، فلا أحد لا يجد عملاً، وقد حدّث التاريخ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ ذات ليلة ـ كان كاسف البال، فلما رؤى في غدها، سئل عن سبب ذلك؟ قال (صلى الله عليه وآله): لأنّه كان عندي البارحة أربعة دراهم، وقد صرفتها في مصرفها اليوم، ولذا زال ما بي من الهم، وكان يرى بيت مال المسلمين في إبان حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، تبعد فيه السوائم، حيث كان الإمام يوزع أموال المسلمين بينهم.

أمّا اليوم؛ فتجد كثيراً من الناس في أشد حاجة إلى دارٍ، وإلى زوجةٍ أو زوجٍ، وإلى معاشٍ، وإلى عملٍ، ثم ترى إلى جانب ذلك (السرقة) و (تكديس الأموال في البنوك الداخلية والخارجية) و (احتكار الأراضي) و (كبت الحريات) وقد قلت (ذات مرة): لو أني كنت الآمر للعراق كنت (أطلق الحريات حتى يتمكن كل إنسان أن يعمر ويزرع ويحوز ويبني ويفعل ما يشاء من الأعمال المحللة) وكنت (أعطي كل من يريد الأرض الكافية لداره وزراعته وسائر شؤونه) وكنت (أساعد كل محتاج إلى إي شأن من شؤونه بالمال الكافي ليقيم أوده) حتى لا تجد بعد سنتين من تاريخ تطبيق هذه البنود الإسلامية، إلاّ وكل إنسان له دار، وزوجة أو زوج، وعمل، ومعاش، بقدر كاف ولم أقل ذلك جزافاً، وإنما بعد محاسبة دقيقة وملاحظة النسبة بين النفوس والوارد (غير) ذلك، وإذا أخذ الإسلام بالزمام ـ خصوصاً في البلاد النفطية ـ فسيرى الإنسان بأم عينه صدق هذا الكلام.

بقي شيء وهو: إنّ الدولة الإسلامية لا تفرّق بين مسلم ومسلم، فكل مسلم في البلد الإسلامي له كل الحقوق وعليه كل الواجبات، فلا تنظر الدولة إلى الجنسية، واللون، واللغة، وسائر الفروق التي جاء بها الاستعمار.

بل تعمل بقوله سبحانه: ((إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ))[10]

وبقوله: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ))[11]

وبقوله (صلى الله عليه وآله): (لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلاّ بالتقوى)[12].

والحديث في هذا المقام طويل نكتفي منه بهذا القدر، مع ضرورة الإلماع إلى أنّ الدولة الإسلامية إذا قامت في مكان فليست الدولة تسبب الفوضى بتحطيم كل مقومات الدولة لسابقة دفعة، حتى يسود الهرج والمرج.

بل تطبيق الإسلام تدريجياً حسب اقتضاء الظروف، فلا مانع من عدم الهدم السريع إذا اضطرت إلى عدم الهدم، ومن المعروف أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) تدرج حسب أمر الله في بيان الأحكام، مع أنّ الله سبحانه كان قد قرر إنزال كل الأحكام من أول يوم، قال تعالى: ((وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً))[13] نعم يجب أن يكون عدم الهدم حسب الضرورة القصوى، فإنّ الضرورات تبيح المحظورات، والضرورات تقدر بقدرها.

ثم إنّ ما تقدم من إعطاء الإسلام لحاجات الفرد ليس خاصاً بالبلاد النفطية ـ كما وربما يزعم ـ ففي بعض العهود الإسلامية الصحيحة كانت حاجات الناس موفورة، وإنْ لم يكن نفط ولا معدن آخر، بل وإنْ لم يكن لهذه المعامل الكبيرة الكثيرة الإنتاج أثرٌ، والسر يتلخص في كلمات:

1.         الحريات الموفورة.

2.         الأرض المباحة لكل أحد.

3.         الإيمان المحفز لصحة العمل.

4.         إشغال الناس كل طاقاتهم الفكرية والبدنية.

5.         عدم سرقة الأموال وعدم التبذير فيها، والدولة الإسلامية إذا قامت توفر كل ذلك.

ففي صدد البند الأول يقول سبحانه: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ))[14].

وللبند الثاني ورد: (الأرض لله ولمن عمّرها)[15].

وللبند الثالث يقول القرآن الحكيم: ((قُلِ اعْمَلُوا))[16].

ويقول: ((كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ))[17].

وفي الحديث: (الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله)[18].

وللبند الرابع ورد في الحديث: (فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة)[19]. ومن المعلوم أنّ فكرة إصلاح الدنيا داخلة في هذه الكلية.

وتقدم في حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله)[20].

وفي حديث: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان إذا رأى أحداً سأل عن عمله؟ فإنْ قيل: لا عمل له، قال (صلى الله عليه وآله): سقط من عيني[21].

وفي حديث آخر أنّه (صلى الله عليه وآله) رأى يداً عاملة قد أثر فيها العمل، فقال (صلى الله عليه وآله): إن هذه يد يحبها الله.

وفي حديث ثالث: إنه (صلى الله عليه وآله) رأى فاطمة (عليها السلام) في عمل شاق، فقال لها: يا فاطمة، تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة[22].

أما البند الخامس: فهو من الوضوح بمكان.

وفي الآية الكريمة: ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ))[23].

وفي حديث آخر: (إن الله أوحى إلى داود (عليه السلام) نعم العبد أنت لولا أنك تأكل من بيت المال، فبكى داود وأخذ يأكل من كسب يده)[24].

إلى غيرها من الأحاديث الكثيرة في كل بند بند.


[1] ـ سورة البقرة: الآية201.

[2] ـ وسائل الشيعة ج12 ص2 الباب1ح1.

[3] ـ وسائل الشيعة ج12 ص3 الباب 1ح2.

[4] ـ سنن ابن ماجه: ج2 ص1388 ح4145.

[5] ـ انظر بحار الأنوار: ج41 ص116.

[6] ـ نهج البلاغة: الخطبة 224.

[7] ـ بحار الأنوار: ج40 ص319ح3 ومناقب آل أبي طالب: ج2 ص93.

[8] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم 45.

[9] ـ المصدر نفسه.

[10] ـ سورة الأنبياء: الآية92.

[11] ـ سورة الحجرات: الآية13.

[12] ـ المستدرك: ج2ص340 الباب75 ح6.

[13] ـ سورة ص: الآية39.

[14] ـ سورة الأعراف: الآية 157.

[15] ـ وسائل الشيعة: ج17 ص326 الباب 1 ح5.

[16] ـ سورة التوبة: الآية 105.

[17] ـ سورة الطور: الآية21.

[18] ـ وسائل الشيعة: ج 12ص42 الباب 23 ح1.

[19] ـ نهج الفصاحة: ص436 ح2059.

[20] ـ وسائل الشيعة ج12ص24 الباب 9 ح13.

[21] ـ انظر المستدرك: ج 13 ص11 الباب2 ح4 (الطبعة الجديدة).

[22] ـ نور الثقلين : ج5 ص 594.

[23] ـ سورة آل عمران: الآية 161.

[24] ـ وسائل الشيعة: ج12 ص 22 الباب 9 ح3.