حول العقوبات الإسلامية

 مسألة ـ 15ـ لا تطور في عقوبات الإسلام الثابتة بالشريعة المقدسة، ولبيان ذلك يجب أنْ تعلم أمور:

الأول: إنّ الإسلام لا يعاقب على مخالفة القوانين المجعولة، سواء أكان جاعلها الملك أم الأمير أم الپرلمان أم غيرها، بل الإسلام يعاقب على مخالفة القوانين الإلهية فقط، وهي ما ذكرت في الكتب الإسلامية، وبذلك تحصر العقوبات في الجرائم فقط، أما العقوبات لمن خالف قانون الاستيراد، أو قانون التصدير، أو قانون.. أو قانون فليست موجودة في الإسلام، لأنّ هذه القوانين غير موجودة في الإسلام، وبذلك لعلّ العقوبة تقل إلى واحد في المائة، بالنسبة إلى القوانين الموجودة الآن.

الثاني: إنّ الناس تحت الحكم الإسلامي تقل جرائمهم، لأنّهم يعتقدون بالإسلام، ولأنّهم يرون رقيباً عليهم، ولأنّهم يعتقدون بأنّ القانون الإلهي في صالحهم، وكم فرق بين أنْ يرى الإنسان الدواء في صالحه فيشربه، وإذا لم يشربه كان ذلك شاذاً نادراً، وبين أنْ يرى أنّ الشيء الذي يقدم إليه باسم الدواء سم، حيث إنّه لا يهتم بالمنع، إلاّ إذا خاف عقاب الدولة، وكذلك مثل القوانين الوضعية والأحكام الإسلامية، ولذا ترى المتدين تقل جرائمه بما لا نسبة لها مع جرائم غير المتدين، فهل وجدت متديناً سرق، أو زنى، أو شرب الخمر، أو قتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، أو قطع طرف إنسان، أو لاط أو ما أشبه ويدل على ذلك دلالة بسيطة ما إذا دخل الإنسان السجون الحالية، أو مستشفيات الأمراض الزهرية ومستشفى الأعصاب، فإنّه لا يجد من الذين فيها واحداً بالمائة من المتدينين، وإذا وجد متديناً في السجن لا بد وأنّه عمل مخالف القانون لا مخالف الشرع.

والحاصل أنّ الإيمان الذي تبثه الدولة الإسلامية يوجب أنْ يكون لكل إنسان رادع داخلي يكفي لإيقافه غير الإجرام.

الثالث: الدولة الإسلامية تنظف الإجراء فلا تجد في بلا الإسلام خمراً ولا قماراً، ولا محل دعارة، ولا أحواضاً، ومسابح، ومدارس مختلطة، ولا نساء خليعات، ولا سينمات مستهترات، وإلى غيرها مما يغوي الإنسان القليل الإيمان بالجريمة، ولذا فالجو لا يساعد على الجريمة، وإنما بالعكس، بل الجو يساعد على عدم الجريمة.

الرابع: الدولة الإسلامية تعطي كل حاجيات الفرد، فكل فرد في الدولة مكفي المؤونة، لا بمعنى أنّ الدولة تعطي كل حاجة مباشرة، بل بمعنى أنّ الطاقات الإنسانية تتحرك في الدولة، في كل الأبعاد لوجود المال والحرية والإيمان ـ كما تقدم بيانه في مسألة سابقة ـ والدولة تكون مساعدة ومكملة للأمة، وعليه لا تكون حاجة للإنسان غير موفورة، وهذا بدوره يقف أعظم حاجز أمام الإجرام.

مثلاً جريمة السرقة تنشأ غالباً من الفقر، والإسلام لا يدع فقيراً في الدولة، ولذا لما رأى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فقيراً يتكفف في عاصمة دولته (الكوفة) الوسيعة ـ وربما قيل: إنّ نفوسها كانت ذلك اليوم أربعة ملايين، وقف الإمام متعجباً قائلاً: (ما هذا)؟ بلفظ (ما) لا بلفظ (من) قيل له: إنّه نصراني، كبر وعجز فأخذ يتكفف، قال (عليه السلام): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أجروا له من بيت المال راتباً[1].

وقال (عليه السلام): (ولعلّ هناك بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع، أو لا طمع له بالقرص)[2].

وجريمة الزنا تنشأ غالباً من فقد الزوج والزوجة، والإسلام يزوج الفتاة إذا بلغت العاشرة ورشدت، ويزوج الفتى إذ أكمل الخامسة عشر، أو قبل ذلك فلا إنسان بالغ غير متزوج، وحتى إنّ البغيّة التي كانت مهنتها البغاء قبل الإسلام فالإسلام يزوجها، كما ورد بذلك رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ ذكرها الوسائل[3] ـ وعليه فلا يوجد زنا أو لواط أو سحق أو عادة سرية، وقد ورد: إنّ إنساناً استعمل (الاستمناء) فجيء به إلى الإمام (عليه السلام)، فضربه حتى احمرّت يده، وزوّجه من بيت المال[4].

وجريمة القتل إنّما توجد في المجتمع ذي الطبقات والأحقاد، والإسلام ينظف المجتمع عن الطبقات وعن الأحقاد، ولذا لا يكون هناك قتل، ولا مقدماته ولا توابعه ولا جراحات، وهكذا، وهكذا، ولذا تقل الجرائم في المجتمع قلة لا مثيل لها.

الخامس: لا سجون في الإسلام إلاّ نادراً، فإنّ الناس الذين يسجنون تراهم قليلاً جداً كالمرأة المرتدة حتى تتوب، والواجد الذي لا يعطي دينه، ومن إليهما ولذا كان سجن الإمام في الكوفة من (الخوص) وشرد منه السجناء، ثم بنى سجناً عادياً وسمي (بالمحبس) وكان ذلك عملاً اضطرارياً، حيث إنّ الكوفة ذات النفوس الكثيرة، ارتطمت في الفوضى في أواخر أيام عثمان، مما كان اللازم نوعاً من التشديد لإرجاع الأمور إلى نصابها، وحيث إنّه لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله) اضطرار إلى ذلك لم يبن سجناً، بل غالب بلاد الإسلام لم تكن لها سجون، حتى في بعض أزمنة الخلفاء بالباطل، واقرأ كتاب (عذر التقصير إلى محمد (صلى الله عليه وآله) والقرآن) لترى ماذا يقول المسيحيون عن بلاد الإسلام في زمن العثمانيين.

الخامس: بعد كل ذلك من:

1.         تنظيف الجو.

2.         وإملاء الإيمان.

3.         وإعطاء الحاجيات.

4.         وتحطيم الفوارق.

5.         ورفع القوانين الكابتة، يأتي دور الإسلام في مطاردة الجريمة مطاردة شديدة، فيجلد الزاني، ولماذا الزنا ويجد الإنسان الزوج؟ أليس هذا اعتداء على الفرد وعلى المجتمع؟ ويرجم الزاني المحصن، ولماذا الزنا المحصن؟ إنّ امرأة لها زوج يغدو ويروح عليها ويقوم بحاجاتها إذا زنت ألا تستحق أنْ تعاقب أشد العقاب؟ حيث عبثت بالمجتمع وجعلت المحصنات بفعلها في حافة الرذيلة وهددت الأسرة؟ وقل ـ لمن يقول بصراحة هذا العقاب ـ ماذا جزاء زوجتك وأنت تشبعها في حاجاتها الجسدية والجنسية، إذا اختلطت بإنسان آخر وزنت معه؟ ويقطع يد السارق، ولماذا السرقة؟ وهو مكفول كل حاجاته، أليس مثل هذا الإنسان يستحق أنْ يؤخذ بأشد النكال؟

السادس: الإسلام لا يجري العقوبة إلاّ بعد شروط يصعب توفرها إلاّ نادراً، مثل شهادة شهود عدول رأوا بأم أعينهم، مثلاً رأى الزنا كالميل في المكحلة، أربعة رجال عدول، ورأى السرقة شاهدان عادلان مع شروط أخرى، إلى غيرها مما ذكر في فقه الإسلام، ولم يكن في ارتكاب الجريمة جهل، ولا اضطرار، ولا إكراه، ولا شبهة للمرتكب، ولا للحاكم، للقاعدة المشهورة (الحدود تدرأ بالشبهات)[5].

السابع: وبعد كل ذلك فهل الأفضل صرامة العقاب، أو ترك المجرم بعقاب خفيف يوجب تماديه في الغي، ويوجب عدوى مرضه إلى غيره، ويوجب إغراق المجتمع في الخوف والفوضى والإرهاب، كما نجده اليوم في البلاد التي تسمى بالراقية، كفرنسا، وبريطانيا، وأمريكا، وألمانيا الغربية، واليابان ـ كما يعرف ذلك كل من قرأ الصحف واستمع إلى الإذاعات، أو عاش في تلك البلاد ـ إنّ نسبة الإسلام إلى قسوة العقوبة، إنّما نشأت من الجهل بموازين الإسلام، أو من الجهل بأنّه إذا لم تكن صراحة، أوجب الفوضى والاضطراب في البلاد.

الثامن: لا شك أنّ الإسلام يجبُّ ما قبله[6] والاستبصار يجبُّ ما قبله، كما ورد بكلا الأمرين متواتر الروايات المعمول بها قديماً وحديثاً، وقد ذكرنا طرفاً من الكلام في ذلك في كتابي الزكاة والحج وغيرهما من شرح العروة، لكن هل يجري هذا القانون إلى ما سبق على قيام الدولة الإسلامية أم لا، احتمالان، وإنْ كان الأرجح أنّ ذلك بيد الحاكم الإسلامي الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لأمور:

الأول: عفو النبي (صلى الله عليه وآله) عن جملة من الكفار ومنهم أهل مكة، حيث قال (صلى الله عليه وآله): اذهبوا فأنتم الطلقاء[7] مع وضوح أنّهم لم يسلموا، وإنّهم كانوا أساؤوا إلى المسلمين بالقتل والجرح ونهب الأموال، وذلك بضميمة (ولكم في رسول الله أسوة حسنة)[8] ، وحيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) منَّ عليهم، نقول بأنّ الفقيه له المنّ، كما أنّ له الأخذ، وذلك حسب ما يراه لصلاح الإسلام والمسلمين، واحتمال ذلك كان من ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخاصة مدفوع بأنّ الأصل في أعماله (صلى الله عليه وآله) كونه لبيان الحكم إلاّ ما خرج بالدليل، ولذا لم يعد ذلك من اختصاصاته (صلى الله عليه وآله) .

الثاني: مَنَّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على من حاربه في البصرة، مع أنهم كانوا قتلوا وجرحوا وفعلوا كل منكر، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (يا علي، حربك حربي[9]) ومَنّه (عليه السلام) كان مِثلُ مَنِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (مننت على أهل البصرة كما منَّ النبي على أهل مكة[10])، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الجهاد (الفقه) وكونه (عليه السلام) فعل ذلك بالولاية الخاصة بهم، خلاف الظاهر كما عرفت، لا يقال: فلماذا خطب (عليه السلام) بعد مقتل عثمان، وقال: بأنّه يأخذ قطائع عثمان[11]، لأنّه يقال: قد تقدم أنّ ذلك كان له، فإنْ رأى الصلاح أخذ، وإنْ رأى الفساد ترك، ولعلّ سر تفريقه (عليه السلام) إنّ قتل الناس والاقتصاص منهم يثير الناس كثيراً، ويطبع الدولة بطابع القسوة والوحشية، ويسبب زحزحة أصول الحكم.

أما أخذ المال فلا يسبب أي ذلك، ولذا نرى في الحكومات الثورية الحاضرة يأخذون أموال العهد المباد، التي جمعوها من قوت الشعب، بينما يتركون غالب الناس إلاّ المجرمين، الذين يتطلب عقلاء الناس إجراء عقوبة القتل أو القصاص أو السجن بحقهم.

الثالث: دوران الأمر بين الأهم والمهم، حيث إنّ قتل الناس وسجنهم والقصاص منهم ربما يوجب تشويه سمعة الإسلام وزعزعة كيانه فلا بد للحاكم الإسلامي أنْ يلاحظ الأهم والمهم من الأمرين، وهذا هو سر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يتعرض بأذىً للفارين من الزحف في أُحد وحنين وغيرها ولا للراوين لحكمه وحكم الله تعالى، كما في متعة الحج وغيره، مع أنّهم كانوا على تقديره فسّاقاً يستحقون التعزير، هذا كله بالنسبة إلى القتل والقصاص ونحوهما، أما بالنسبة إلى مرتكبي المنكرات كما إذا أخذ الإسلام بزمام الحكم في بلد كان قبل ذلك غارقاً في أوحال الأحكام التي لم ينزل الله بها من سلطان، وفي أعمال كذلك كالزنا وشرب الخمر، وتعاطي الربا ونحو ذلك، فذلك أيضاً إلى رئيس الدولة، ويدل عليه أمران:

الأول: الأولوية بالنسبة إلى حقه في عدم قتل مستحقي القتل.

الثاني: ما ذكرناه في الدليل الثالث من الأهم والمهم، ويؤيد ذلك ما ورد في الوسائل في باب إنّ على الإمام أنْ يزوج الزانية بزوج يمنعها من الزنا، عن الشيخ بإسناده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زنت وشردت أنْ يربطها إمام المسلمين بالزوج، كما يربط البعير الشارد بالعقال[12].

التاسع: في الحكومات التي تسمى باسم الإسلام، وهي ليست مسلمة لا تجري الحدود، وإنْ كان المجري مجتهداً، أو كان مأموناً عن الضرر، مثلاً لا يصح قطع يد السارق وقتل الزاني الغاصب، إلى غير ذلك لأنّه لا إطلاق للأدلة بحيث يشمل الأمر في ظل غير الحكومة العاملة بالإسلام، فإذا قدر المجتهد بأنْ يقتل مستحق القتل خفية، لا يصح له أنْ يقتله، إلى غيرها من الحدود، والقول بإطلاق الأدلة غير تام، بعد أنْ المتيقن أو المنصرف منها ما كان في أجواء إسلامية، فإنّ الجو الإسلامي يكمل النواقص، ثم يأمر بعقوبة صارمة للمجرم، أما في غير الأجواء الإسلامية فحيث لا تكميل للنواقص، فلا يعمل بجريان الأحكام، والمسألة بعد حاجة إلى مزيد التتبع والتأمل.

العاشر: لا إشكال في لزوم ردع المنكر ولو تحت ظل حكومة غير إسلامية، وعليه فاللازم الردع بما يمكن لو بضرب المرتكب لما فيه القتل والرجم، وذلك لإطلاق أدلة رفع المنكر ودفعه، ولا تقيده الأمور الخاصة، لما عرفت من أنّها إنّما تكون تحت حكم إسلامي صحيح، ومنه يعلم وجوب إخبار السلطة بفاعل المنكر، كالآكل في رمضان، أو الزاني، أو ما أشبه، وإنْ كانت السلطة غير شرعية تعاقب بغير العقوبات الإسلامية.

الحادي عشر: الظاهر جواز جعل الحاكم الغرامة المالية على بعض المحرمات، إذا لم يتمكن من إجراء الحدود المقررة ـ لما تقدم ـ وذلك لإطلاق أدلة ردع المنكر الشامل لذلك، وكذلك جعل السجن، لكن الأمرين حالة استثنائية لا يصار إليها إلاّ عند الاضطرار، فالاضطرار يسقط التكليف الأولي، وأدلة النهي عن المنكر يثبت حكماً استثنائياً يراه الحاكم الإسلامي صالحاً فهو مثل أكل الميتة للمضطر، فتأمل.

الثاني عشر: يجوز للحاكم الإسلامي التحديد من صلاحيات الناس، بتضييق دائرة (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم[13]) إذا كان ذلك صلاحاً للأمة، مثل جعل قوانين للمرور، إذا كان عدم الجعل يسبب فوضىً واضطراباً وتعريضاً للأنفس والأموال إلى الخطر، فإنّه وإنْ كان تحديداً للناس في حريتهم إلاّ أنّه لأجل أمر أهم، ولأنّه مقتضى الولاية المجعولة له، فإنّ معنى كونه ولياً أنْ يعمل حسب صالح الأمة، وربما يستدل لذلك بقاعدة لا ضرر، بناءً على شمولها للنوعي أيضاً، كما أنّها تشمل الشخصي، وهذا وإنْ كان غير بعيد إلاّ أنّ المشهور لا يقولون به.

أما النقض على ذلك بأنّه مستلزم أنْ يرفع الوضوء ممن لا ضرر له إذا كان في الوضوء ضررٌ نوعيٌ، والحال أنّه لا يقول به أحد غير وارد، إذ لا يرى العرف ربطاً بين (لا ضرر) وبين غير المتضرر في استعمال الماء بخلاف، مثل المقام حيث يرون ربطاً بين الأمرين، والسر أنّ كل إنسان في محل الخطر المحتمل، والواجب على الولي رفع الخطر، ومن قبيل قواعد المرور وجعل الأنظمة الصحية كتزريق الناس بالإبر عند خوف الوباء، فإنّه وإنْ كان تحديداً لحريتهم إلاّ أنّ الأدلة المتقدمة شاملة له، ثم في المقام أمران: الأول: إنه إذا حكم الحاكم الإسلامي بأمثال هذه الأمور، وجب على الناس اتباعه، وحرم مخالفته، لأنّ أمره أمر الإمام (فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد عليهم كالراد علينا، وهو على حد الشرك بالله)[14] ، لا يقال: كيف يصبح حلال محمد حراماً وبالعكس؟ لأنّه يقال: لم يصبح الحلال حراماً وبالعكس، وإنّما دخل كل من الحرام والحلال تحت عنوان آخر كعنوان الاضطرار ونحوه، فهو من باب تبدل الموضوع لا من باب تبدل الحكم، ولذا استدل بالعنوان الثانوي في رد من أشكل على المجدد الشيرازي بأنّه كيف يحرم التنباك؟ فإنّه كان حلالاً فهو حلال إلى يوم القيامة، وإنْ كان حراماً فلماذا استحله من قبل ذلك؟ وحاصل الرد أنّه حان حلالاً لما لم يضر، أما إذا سبب الضرر فهو حرام.

ووجوب سماع الحكم حين تحريم الحاكم الإسلامي ليس خاصاً بمن يرى الضرر، بل هو حرام لأجل النهي وإنْ لم ير فيه الفرد ضرراً أصلاً، كما إذا جاء إلى الإشارة وكانت حمراء فإنّه لم يجز له أنْ يتعداها وإنْ علم أنّه لا ضرر ولا خوف اصطدام، لا يقال فأيُّ فرقٍ بين حاكمٍ إسلاميٍ وحاكم الجور، حيث تقولون بجواز المخالفة في الثاني دون الأول، لأنّه يقال الفرق هو أنّ الثاني ليس ولياً دون الأول، فالحاكم الإسلامي مَنْ خُوِلَ من قبل المالك سبحانه وتعالى.

الثاني: حيث إنّ الناس لا يرتدعون ـ في كثير من الأحيان ـ بسبب الأمر والنهي، كالأمر بالتزام قوانين المرور، وكالنهي عن استيراد الأطعمة عن البلد الذي اجتاحه الوباء، يحق للحاكم الإسلامي جعل غرامة مالية أو نحوها، لأجل الردع والحكم بذلك ثانوي.

فلا يقال كيف والحال أنّ الضرائب الإسلامية محدودة، والسجن في الإسلام لأفراد خاصين، ليس منهم مخالف المرور ومستورد الأطعمة في أيام الوباء، لكن من الضروري أنْ يكون العقاب الرادع أقرب إلى روح الإسلام والعدالة وأوفر لأكبر قدر ممكن من الحرية، لأنّه حالة اضطرارية، والضرورات تقدر بقدرها.

لا يقال: فكل ما يفعله حكام الجور في هذا الزمان من تحديد الحريات، والسجن، وأخذ الغرامة صحيح في نفسه، وإنْ لم يصح من هذا الحاكم الخاص.

لأنّه يقال: ليس لذلك، إذ الغالب أنّ حكام الجور يغرقون في الكبت، بينما الإسلام يحدد الأمر بالضرورة، مثلاً في بعض البلاد الإسلامية، إذا أراد الإنسان تعمير داره يلزم عليه أخذ الموافقة، بينما نرى عدم الاحتياج في بلد آخر، وكذلك بالنسبة إلى الاستيراد والتصدير والمكوس وغيرها.

ثم ما ذكرناه من صلاحية الحاكم الإسلامي للأمور المذكورة، تبين أنّه لا فرق بين أن يكون تحديداً لحرية ذاتية، أو تحليلاً لمحرم ذاتي، كما رأى الحاكم الإسلامي أنّ رفع المكوس من البضائع الأجنبية يوجب تحطيم الصناعة الوطنية، وبالنتيجة تضرر المسلمين وتأخرهم عن الكفار أو استعمار الكافر لبلاد الإسلام استعماراً اقتصادياً، فإنّه يحق له الردع، بأي شكل من الأشكال، ولو بجعل المكوس إذا لم يكن علاج إلاّ بذلك، أو كان هو أحد العلاجات الممكنة، إذ كما أنّه يبيح الاضطرار للأمر الواحد إذا اضطر إليه، يبيح الاضطرار ولعدة محرمات ذاتية متساوية، مثلاً كل من السجن وأخذ الغرامة وحرمان المستورد للبضاعة المستوردة محرم ذاتاً، يحل اضطراراً لأمر أهم، فإذا دار الأمر بين العقوبات الثلاث جاز أي منهما إذا كانت متساوية في قدر الاضطرار، هذا ولكن ظاهرهم في كتاب الحدود أنّ المخالفة إنّما توجب التعزير فقط، فاللازم ملاحظة هذا الأمر بأنْ يكون الرجوع من التعزير إلى عقاب آخر، من باب الأهم والمهم إذا كانت هناك جهة مرجحة، ثم إنّه يمكن أنْ يستدل لجواز الغرامة والسجن حال الاضطرار بأمور:

الأول: قول علي (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر حين ولاّه مصر: (فامنع من الاحتكار (إلى أنْ قال) (عليه السلام)) فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف)[15] فإنّ إطلاق (نكل وعاقب) شامل للغرامة والسجن.

الثاني: قوله (عليه السلام): (لي الواجد يحل عقوبته وسجنه) فإنّ العقوبة تشمل الغرامة[16].

الثالث: ما رواه الدعائم عن علي (عليه السلام): أنه قضى فيمن قتل دابة عبثاً، أو قطع شجراً، أو أفسد زرعاً، أو هدم بيتاً، أو غور بئراً، أو نهراً، أنْ يغرم قيمة ما استهلك وأفسد، وضرب جلدات نكالاً، وإنْ أخطأ ولم يتعمد ذلك فعليه الغرم ولا حبس عليه ولا أدب، فإنّه أثبت الغرامة للإفساد، وإنْ لم يكن له مالك ـ لإطلاق الموضوع ـ كما جعل الحبس له في صورة العمد[17].

الرابع: ما رواه الشيخ عن الأصبغ، عن علي (عليه السلام) أنه قضى في الدين أنه يحبس صاحبه فإنْ تبين إفلاسه والحاجة فيخلى سبيله حتى يستفيد مالاً[18] وقضى في الرجل يلتوى على غرمائه أنه يحبس ثم يؤمر به ينقسم ماله بين غرمائه بالحصص فإن أبى باعه فقسمه بينهم.

الخامس: ما رواه الشيخ بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) لا يحبس في الدين إلاّ ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال اليتيم ظلماً، ومن ائتمن على أمانة فذهب بها وإن وجد له شيئاً باعه، غائباً كان أو شاهداً.

أقول: من المحتمل أنْ يراد أنّه (عليه السلام) ما كان يحبس حبساً طويلاً، إلاّ الثلاثة الذين استثناهم، كما احتمله الشيخ.

السادس: ما في بعض الروايات من أنّ الإمام (عليه السلام) كان يعاقب بغير التعزير، فقد روى الشيخ بإسناده عن طلحة، عن جعفر (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) أنّه رفع إلى أمير المؤمنين رجل وجد تحت فراش امرأةٍ في بيتها فقال (عليه السلام): هل رأيتم غير ذلك؟ قالوا: لا، قال فانطلقوا به إلى محزرة فمرغوه عليه ظهراً لبطن ثم خلوا سبيله[19].

السابع: ما في بعض الروايات من أنّه (عليه السلام) صفع الرجل الذي كان ينظر إلى امرأة في الطواف، وأنه (عليه السلام) صفع ظالماً في الكوفة، وقال: إنّه حق السلطان، والصفع غير التعزير الذي هو بالسوط، كما ورد أنه كان يؤدب بالدرة وهي غير السوط[20].

الثامن: ما رواه الوسائل في باب جواز منع الإمام من الزنا والمحرمات ولو بالحبس والقيد، عن الصدوق، عن ابن سنان، عن الصادق (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إنّ أمي لا تدفع يد لامس فقال: (صلى الله عليه وآله) فاحبسها، قال: قد فعلت، قال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال (صلى الله عليه وآله): قيدها فإنّك لا تبرها بشيء أفضل من أن تمنعها من محارم الله عزّ وجلّ[21].

التاسع: ما رواه الوسائل في باب من يجوز حبسه من كتاب القضاء، عن علي (عليه السلام) قال: يجب على الإمام أن يحبس الفساق من العلماء والجهال من الأطباء والمفاليس من الأكرياء[22].

العاشر: ما رواه الوسائل في كتاب الشهادات في باب شاهد الزور يضرب، عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)، أنّ علياً (عليه السلام) كان إذا أخذ شاهد زور، فإنْ كان غريباً بعث به إلى حيه، وإنْ كان سوقياً بعث به إلى سوقه فطيف به، ثم يحبسه أياماً ثم يخلي سبيله[23]، إلى غيرها من الروايات المتفرقة، التي يجدها المتتبع، مما يدل في الجملة على أنّ التعزير ليس هو العقاب الوحيد للمخالفة، وإنْ كانت المسألة بحاجة إلى تتبع تام، وتأمل في كلمات الأعلام.


[1] ـ وسائل الشيعة ج 11 ص49 الباب 19 من جهاد العدو ح1.

[2] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم 45.

[3] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص574 الباب 3 من نكاح البهائم ح1.

[4] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص574 الباب 3ح1.

[5] ـ كما في وسائل الشيعة ج18 ص336 الباب 24 ح4 و العوالي: ج1 ص236 ح147..

[6] ـ العوالي: ج2 ص54 ح 145 وص224 ح38....

[7] ـ بحار الأنوار: ج 19ص181 ووسائل الشيعة: ج 11ص120 الباب 72 ح1.

[8] ـ سورة الأحزاب: الآية 21.

[9] ـ بحار الأنوار: ج 40 ص177و190.

[10] ـ انظر وسائل الشيعة ج 11 ص58 الباب25 ح6.

[11] ـ نهج البلاغة: الخطبة 15.

[12] ـ وسائل الشيعة ج 18 ص412 الباب 44 ح1.

[13] ـ بحار الأنوار: ج 2 ص272.

[14] ـ وسائل الشيعة: ج 18 ص98 الباب 11 ح1.

[15] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم 53.

[16] ـ وسائل الشيعة ج 13 ص90 الباب 8 ح4.

[17] ـ المستدرك: ج 3 ص 272 الباب34 ح7.

[18] ـ الاستبصار: ج3 ص47 الباب 25 ح3.

[19] ـ وسائل الشيعة: ج18 ص 410 الباب40 ح2.

[20] ـ وسائل الشيعة ج 18ص 578 الباب4 ح1.

[21] ـ وسائل الشيعة ج 18ص414 الباب 48 ح1.

[22] ـ وسائل الشيعة ج 18 ص221 الباب 32 ح3.

[23] ـ وسائل الشيعة: ج 18 ص224 الباب 15ح3.