حكم الطوائف المسلمة في الدولة

مسألة ـ 17ـ في البلاد الإسلامية:

أ-          طائفتان إسلاميتان هما: السنة والشيعة، ولعلّ كل واحدة منهم قريب نصف المسلمين، كما دل على ذلك بعض الإحصاءات، ويلحق بهما الفروع المتفرعة منهما مثل الزيدية، والإسماعيلية، والبهرة، والخوارج، والظاهرية. وما أشبه.

ب-        الأقليات الدينية التي لها أصل ديني ثابت كاليهود والنصارى والمجوس.

ت-        الأقليات التي تربط نفسها بالدين، وإنْ لم يكن لدينها أصل كالبهائية والقاديانية.

ث-        من لا دين له أصلاً كالمشركين الملحدين ومن إليهم، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية في البلاد الإسلامية (لغات) و (قوميات) و (إقليميات) و (ألوان) وما إلى ذلك، أما بالنسبة إلى الناحية الأولى:

1ـ فالدولة الإسلامية تؤاخي بين كل المسلمين أصولا وفروعاً، والمعيار في معاملتهم الأخوة الإسلامية.

مع جعل حرية البحث، والنقاش، والنقد البناء لكل طائفة ليظهر ما عنده من الأدلة للتوصل إلى الحقيقة، فإنّ الحقيقة واحدة والاختلافات لا توجب تصدع الوحدة الإسلامية، كما أنّها تحفز الأطراف لأجل تحقيق الحق، واتباع السبل الحقيقة.

2ـ والأقليات الدينية التي لهم كتاب؛ فهم محترمون في الدولة الإسلامية وقد ورد فيهم (ألزموهم بما التزموا به)[1] ولهم واجبات وحقوق، واللازم عليهم أنْ يعملوا بواجباتهم، وأن يؤدوا حقوقهم، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب (الفقه) القسم الخاص بالجهاد.

3ـ و الأقليات الأخر، لا يتعرض الإسلام لها بسوء، بل إنْ تمكن الإسلام، أقنعهم باعتناق الإسلام حسب قوله تعالى ((ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))[2] وإلاّ جرى عليهم الحكم الذي ذكره الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر (الناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)[3] ومنه يعلم حكم القسم.

4ـ والجزية التي تؤخذ من أهل الكتاب إنّما في مقابل (الخمس والزكاة) التي تؤخذان من المسلم، كما أنّ القسمين الثالث والرابع تؤخذ منهما أيضاً الحقوق المالية، حسب نظر الدولة الإسلامية، بما لا يكون مجحفاً، ويكون مقتضى العدل والإنصاف، قال سبحانه: ((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى))[4] واحتمال أنْ تخير هاتان الطائفتان بين الإسلام والسيف غير تام، كما ذكرناه في كتاب الجهاد، ولم يعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا من أمير المؤمنين (عليه السلام) عمل ذلك، بل فتح الرسول بلاد الكفار كمكة، وكان أهلها مشركين، ومع ذلك لم يعمل الرسول (صلى الله عليه وآله) السيف فيهم حتى يسلموا، وكذلك كان في الدولة الإسلامية أبان حكم الإمام كثير من غير أهل الكتاب، ولم يخيرهم (عليه السلام) بين الإسلام والسيف، بل شعار الإسلام: ((لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ))[5] وقال سبحانه: ((فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ))[6].

نعم، الواجب على غير المسلمين ألا يظهروا المناكير، كما أنّ لهم أنْ يرجعوا إلى حكم الإسلام، فقد قال علي (عليه السلام): (لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم)[7].

وقد قرر في الإسلام ميراث المجوسي الذي يختلف عن ميراث المسلمين، والحكم الذي قرره الإسلام للأقليات أفضل من الحكم الذي قرره الشرق والغرب، فإنّ كليهما لا يحترمان أحكام الأقليات في الأمور القضائية، بل اللازم عليهم مراجعة محاكم الدولة.

أما بالنسبة إلى الفروق اللغوية والعرقية وما أشبه، فالإسلام لم يعتبر أياً من تلك الفروق، بل قانون الإسلام تساوي المسلمين، والمفاضلة إنّما تكون بالتقوى فقط، ولذا فالدولة التي تشتمل على ألوان من هذه الفروق لا تهتم بأي فرق، بل كل إنسان له الكفاية يصل إلى مرتبة علمية أو عملية في الدولة من دون أن يكون للونه وللغته ولقوميته ولإقليميته أي مدخل في رفعته أو ضعته، فإنّ الإسلام أذاب كل هذه الفروق، وصهر المسلمين كلهم في بوتقة واحدة، ولذا فكل مسلم في أي بلد إسلامي فهو مواطن، له كل مزايا المواطن، كما أنّ عليه كل واجبات المواطن، وفي الحديث: (من تعزّى بعزاء الجاهلية فاعظوه بهن أبيه (لاتكنوا))[8] فإن من يخرج عن الهن لا يفتخر، فإنّ الفخر فخر الأحساب لا فخر الأنساب.


[1] ـ وسائل الشيعة ج 15 ص321 الباب20 ح5.

[2] ـ سورة النحل: الآية 125.

[3] ـ نهج البلاغة: الكتاب رقم53.

[4] ـ سورة المائدة: الآية8.

[5] ـ سورة البقرة: الآية256.

[6] ـ سورة الغاشية: الآية21.

[7] ـ بحار الأنوار: ج 40 ص136 الباب 93 ح29.

[8] ـ انظر كنز العمال: ج1 ص260 رقم1303، ومسند أحمد بن حنبل ج5/136.