القومية، الأقلية، الشيوعية

مسألة ـ 18 ـ لقد جاء الغرب إلى المسلمين بالقوميات، وقد جاء الشرق إلى المسلمين بالشيوعية، وكلا المبدأين باطلان بالنظرة الإنسانية، بل الإسلامية، فإنّ القومية ترى ترجيح القوم على غيره وإنْ كان الغير أكثر كفاءة، مع أنّ العقل والمنطق يقولان بأنّ الكفاءة هي المعيار، فالأكثر كفاءة أولى، وإنْ لم يكن قوماً، والأقل كفاءة ليس له أولوية، وإنْ كان قوماً فإذا أراد الإنسان أن يبني داراً فهل يأتي ببنّاء من قومه لا كفاءة له، أم يأتي ببنّاء من غير قومه له الكفاءة؟ وكذا لو مرض هل يراجع طبيباً أكثر كفاءة من غير قومه، أو يراجع طبيباً أقل كفاءة من قومه؟ وكذا قُل في سائر الأمور، وقد قرر الإسلام الكفاءة، لأنّه اتقاء مواضع السقوط والانحطاط سواء أفي الأمور الدينية أم الدنيوية، وقد جاء الغربيون بهذا المبدأ لتحطيم الوحدة الإسلامية، فأتاتورك نادى بالقومية التركية، وبهلوي بالقومية الفارسية، وعبد الناصر بالقومية العربية، والبرزاني بالقومية الكردية، وهكذا هلّم جرّاً، كما أنّهم جاؤوا بمبدأ الإقليمية فجعلوا لكل إقليم حدوداً، وإنْ كان كلاهما شريكين في القومية فللعراق حدود، ولسوريا حدود، وللأردن حدود، وهكذا، وبهذا الأسلوب حطموا البلاد، وأسقطوها عن القوة والعزة وسلبوا ثرواتها، إلى آخر ما هنالك، والعلاج لإزالة هذا الشيء تذكير المسلمين بأنّ القومية تضر دينهم ودنياهم، وإنّ المسلمين إنّما تقدموا لإزالة هذه الفوارق، فالرسول (صلى الله عليه وآله) كان تحت لوائه أبو ذر العربي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كما كانت تحت لوائه صفية اليهودية الأصل، ومارية النصرانية الأصل، وأم أيمن الحبشية الأصل وسودة العربية الأصل... هذا بالنسبة إلى القوميات.

أما بالنسبة إلى الشيوعية، فقد جاء بها الشرق، وإن كان منبتها الغرب ـ أولاً ـ وهي تعتمد على ثلاثة أخطاء كبيرة، كلها ضد العقل والمنطق والإنسان.

الأول: الخطأ في الفلسفة الكونية، حيث تزعم أنْ لا إله، وإنّ الطبيعة هي التي خلقت كل شيء من الأزل، وستبقى إلى الأبد، وهذا منطق مفلوج، لا يرتضيه عقل طفل، فكيف بعقول العقلاء، إلاّ أنّ شأن الإنسان اتباعه للأخطاء إذا طبَّل لها وزمّر، ألم يقع العالم من قبل في خطأ الوثنية؟ وألم يقع قسم كبير من الناس في خطأ التثليث؟

الثاني: الخطأ في علاج الاقتصاد، حيث جعل اقتصادهم كل الناس فقراء وجعل المال بيد الدولة، فاجتمعت الدولة والمكان في جانب قلة قليلة، كما اجتمع الفقر والمحكومية في جانب الكثرة الكاثرة.

الثالث: الخطأ في الحكم، وكان ذلك وليداً للخطأين الأولين ـ كما أنّ الخطأ الثاني نشأ من الخطأ الأول ـ فقد جعل من الحاكم دكتاتوراً، ليس فوقه دكتاتور، كما جعل من الإنسان آلة بسيطة في المعمل، لا يقام له وزن، ولذا هددوا كرامة الإنسان، بما لم يهدد مثله في أي تاريخ، واللازم على الدولة الإسلامية علاج ذلك لا في بلاد الشيوعيين ـ فإنّ ذلك سيأتي في مسألة أخرى ـ بل في بلاد المسلمين، فقد اعتاد الشرق الملحد أنْ يكوّن في بلاد الإسلام نواة للشيوعية في خفية وسرية، وتساعدها بالدعم المالي والفكري، فتأخذ النواة تنمو وتنمو حتى تؤتي أبشع الثمار، أو يقع في ريبها من زان نواة وغيره، والمحل الذي تنمو فيه الشيوعية، هو المحل غير الإسلامي، فإذا قوى الإسلام عقيدة وعملاً، لم تجد الشيوعية الأرض الصالحة للنمو، وتقوية الإسلام بأمور:

الأول: تعميم الإيمان وتقويته في النفوس، فإنّ الإيمان يمنع من خرافة (عدم الإله).

الثاني: إزالة الحرمان، فإنّ الفقر محل خصب لنمو الشيوعية، وقديماً قالوا: (كاد الفقر أنْ يكون كفراً)[1] ، والشيوعية وإنْ لم تكن تزيل الفقر، بل تزيده سوءاً، إلاّ أن دعاياتهم المضللة تجعل من الشيوعية جنة، تسبب انحراف المغفلين، حتى إذا جاؤوها لم يجدوها شيئاً كالسراب، ولكن قد فات الأوان، واستحكمت قبضة الدولة الشيوعية على الأمة بما لا خلاص لهم منها.

الثالث: إطلاق الحريات، فإنّ الكبت يولد الانفجار، وكل هذه العلاجات كفيل لها الإسلام، فإنّه يعمم الإيمان ويزيل الحرمان، ويحد من الطغيان ولذا فاللازم على الدولة الإسلامية، الاهتمام بكل هذه الشؤون في برنامج خاص مستمر، يقع على طبق الواقع، وبقدر الاحتياج، لا أنْ تجعل ذلك من الأمور الهامشية، أو الروتينية، ويشهد لصدق ما ذكرناه أنّ الدولة الغربية حيث وفرت بعض هذه الأمور الثلاثة ـ في الصورة الناقصة التي تعلم بها ـ تمكنت من إزالة الشيوعية عن بلادها، بما لم يبق منها شيء يذكر.

ثم يأتي بعد ذلك كله لزوم الدعاية المنظمة ضد أباطيل الشيوعية بجوانبها الثلاثة، جانب الفلسفة الباطلة، وجانب الاقتصاد المنهار، وجانب الديكتاتورية الهائلة، فإنّ من أوجب الواجبات على المسلمين الاهتمام لتحطيم الإلحاد المنظم، ولإنقاذ الناس من أيدي الديكتاتوريين، الذين استعبدوا المسلمين والمستضعفين بما لا نظير له من الإذلال والإهانة، طول التاريخ المحفوظ، حتى في عصر الفراعنة، فإنّهم إنّما كانوا قد استعبدوا جماعة خاصة من الناس، لا كل الناس الذين تحت سلطتهم، وإني أرى أنّ من الواجب أنّ جماعة من العلماء يبتدئون بتشكيل منظمة لأجل القيام بتحطيم الشيوعية، ويكون هؤلاء كنواة مركزية لحركة واسعة النطاق، لها فروع في كل بلد ممكن، وينشرون أكبر قدر من الكتب والأشرطة والمناشير، ويتصلون بمختلف وسائل الإعلام، وينشرون مبادئ الإسلام في قِبال المبادئ الشيوعية، وذلك لأجل أمور:

الأول: إنقاذ الشعوب من الديكتاتوريات.

الثاني: إنقاذ المسلمين الذين يعيشون في بلاد الشيوعية تحت أكبر قدر من الكبت والإرهاب والتصفيات الجسدية والسجون والتعذيب.

الثالث: تحطيم الإلحاد المنظم الذي يدعو بكل قوة وإمكانية، إلى الإلحاد.

قال سبحانه: ((وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ))[2] ولا يخفى أنّ الإلحاد أخطر المبادئ على البشرية، بينما الإيمان أفضل المبادئ لرفاه البشر وسعادتهم (لا في الآخرة فحسب، بل في الدنيا) ولذلك لوضوح أنّ معنى (الإيمان بالله) تساوي البشر أمامه، وأنّه لا يحق لأحد أنْ يستعبد أحداً، وإنّ الأفضل هو الأكثر كفاءة علماً وعملاً، وهذه المبادئ المنبثقة من الإيمان، أحسن كفيل لرفاه البشر وسعادته، بما لا مثيل له في أي مبدأ.

(بقي شيء) وهو أنّه هل تجوز إجازة الأحزاب الشيوعية في الدولة الإسلامية؟.

والجواب: إنّه لا تجوز إجازة حزب يدعو إلى الإلحاد وتحطيم الحريات، وإلى استعباد الناس، فإنّه لا حرية لأعداء الحرية.

ثم هل تجوّز البلاد الشيوعية أنْ يؤسس المسلمون فيها الأحزاب الإسلامية؟

لا يقال: إنّه ينافي ((لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ))[3] لأنّه يقال: ((لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ)) لا أنّه لا إكراه في رفض الفساد، فإنّه يجب أنْ يكره الناس على ترك الفساد، كما يكرهون على عدم السرقة وعدم قتل الناس وعدم البغاء، إلى غير ذلك.

إنْ قلت: أليست الأديان والمبادئ متساوية أمام القانون؟

قلت: من الخطأ أنْ نجعل المفسد كالمصلح، فهل يجوز أنْ تعطي وزارة التجارة رخصة استيراد البضائع الفاسدة؟ والعقيدة الفاسدة؟، والدعوة الفاسدة أضرُّ من الطعام الفاسد.

وهناك سؤال يفرض نفسه، وهو أنّه: إذا أخذ الإسلام بالزمام فماذا يفعل بالشيوعيين؟

والجواب: قد ألمحنا سابقاً إلى أنّ الإسلام يهيئ المناخ الملائم لسعادة الناس، وبذلك تختفي الشيوعية تلقائياً كما تختفي الجريمة تلقائياً، حينما يوفر الإسلام جو الفضيلة.

لا يقال: إنْ لم تجز إجازة الأحزاب الشيوعية فلماذا ترك الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ابن الكوّاء، وترك الإمام الصادق (عليه السلام) ابن أبي العوجاء؟؟

لأنّه يقال: الملحدون موجودون في كثير من الأزمنة، وليس الكلام في وجود أفراد فاسدي العقيدة وإنّما الكلام في إجازة حزب منظم يدعو إلى الإلحاد وينشر مبادئ توجب الكبت والفقر.


[1] ـ نهج الفصاحة: ص449 ح2114.

[2] ـ سورة النساء: الآية75.

[3] ـ سورة البقرة: الآية 256.