طريق إصلاح الدولة

مسألة ـ20ـ الدولة الإسلامية إذا قامت يجب أنْ تبدل الأوضاع بكل حزم وحذر، لئلا يكون تبديلها رد الفعل، بل تشرع من أسهل الطرق، فتبدل أولاً بأول، وتصلح ما أمكن إصلاحه، فتصلح أولاً الدوائر بأمور:

الأول: تقليلها حتى تكون بقدر الاحتياج، بدون زيادة عليها في أعداد الدوائر، أو في أعداد أفراد الدائرة الواحدة، وقد تقدم أنّ حجم الدوائر وحدات، وأفراداً صارت أكثر من أضعاف القدر المحتاج إليها.

الثاني: إعطاء الدوائر الممكنة بيد الأمة، حتى تخفف من كاهل الدولة أولاً، وتشغل الأمة بالأعمال الحيوية ثانياً، فإنّ الدولة لم توضع إلاّ لإشاعة العدل وتقديم الأمة إلى الأمام ـ بما في ذلك بناء نفسياتهم على الإيمان والفضيلة، وبناء اقتصادهم وسياستهم وغير ذلك ـ فلا وجه لتدخل الدولة في كل الشؤون، فمثلاً تفوض الدولة المطارات والقطارات والمواصلات، والشركات، والمعامل وما أشبه إلى أيدي الناس، وكل حاجة من حاجات الناس، تحرضهم الدولة ببنائها، فإذا احتاجت البلاد إلى (معمل الأدوية) مثلاً، حرضتهم الدولة لبنائها وهكذا، وإذا كانت الأمة لا تستطيع البناء بمفردها، ساعدتها، عن طريق الأسهم، أو تبني الدولة بنفسها الشيء المحتاج إليه، ثم تعرضه للبيع، تماماً أو بعضاً، حسب تقبل الناس للاشتراء والمشاركة، فإنّه إذا فعلت الدولة ذلك اشتغل الكل، وظهرت الطاقات، ولم تبق مصلحة معطلة.

الثالث: تسليم الأمور إلى الكفاءات، فتبدل الدولة كل غير ذي كفاية من رؤساء الدوائر، ومن أشبههم إلى أصحاب الكفاءات، الذين يتوفر فيهم العلم، والفضيلة، وفهم الدنيا، فإنّ الكفوء الواحد يفعل ما لا يفعله ألف غير كفوء، مع ملاحظة إعطاء كل ذي حق حقه، فالمحسوبية والمنسوبية لا مجال لهما في الدولة الإسلامية، وقد سئل شيخ من بني أمية ـ بعد انقراض دولتهم ـ كيف انقرضت دولتكم مع العلم أنّها كانت قوية ضاربة بإجرائها في الأرض؟ قال: من خطأ الحكام، فقد أعطوا المناصب الكبيرة لأناس صغراء، وأعطوا المناصب الصغيرة لأناس كبراء، فلا الصغير تمكن من إدارة المنصب الكبير، لعدم قدرته، ولا الكبير قام بشأن الأمر الصغير لأنفته ورؤية نفسه أرفع من المنصب، وبين ذا وذا ضاعت الدولة.

وقد تقدم سابقاً وجوب إصلاح القوانين، فإنّ وضع صيغة عملية للدولة بمختلف شؤونها، وللأمة بمختلف حاجاتها، بحيث تكون تلك الصيغة مطابقة للإسلام أولاً ومطابقة للعصر ثانياً يحتاج إلى جمهور مكثف من رجال العلم الديني، ورجال العلم الزمني، بحيث يكونون ذوي مستويات رفيعة جداً في العلم، وقد زاولوا الاجتماع مدة مديدة، حتى عرفوا حاجات الناس ومشاكلهم وطرق حلها، مثلاً الإسلام يحرم (الربا) ويحرم (المكس) ويحرم (تشريح الأموات) فالدولة الإسلامية إنْ أبقت على البنوك الربوية، وعلى (الجمارك) وعلى (كلية الطب بأسلوبه الحالي) كان معنى ذلك هدر قيم الإسلام، وإنْ ألغى كل ذلك تضعضع الاقتصاد، ودخلت البضائع الأجنبية البلاد بحيث تحطم الاقتصاد الوطني الإسلامي: وذلك ضرر على المسلمين، وتأخر الطب، إذاً فاللازم أنْ تضع عدة خبراء محنكين من رجال العلمين، مناهج (لبنوك لا ربوية) (ولحدود لا عشرية) و (لكلية طب لا تشريحية) بحيث يحفظون على قوانين الإسلام وفي نفس الوقت يحفظون على اقتصاد البلاد والطب المتقدم، إلى غير ذلك من الأمثلة.

ثم من ناحية أخرى، الواجب على الدولة الإسلامية، أنْ تجد العمل المناسب للّذي تعطلهم الدولة عن العمل الذي كانوا يزاولونه، لأنّه عمل غير مشروع، أو لأنّ الدائرة زائدة عن قدر الحاجة بذاتها، أو بعدد أفرادها، مثلاً تلغي الدولة الإسلامية البغاء، فالنساء اللاتي كنّ يتعاطينها، يلزم أنْ تجد لهن الدولة ممر رزق إذا كنّ فقيرات، كما أنّ من الأفضل ـ بل اللازم أحياناً ـ أنْ تجد لهن الدولة أزواجاً، وقد تقدم حديث أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر بتزويج المومسة[1]، وكذا تجد الدولة العمل المناسب بالنسبة إلى السراق الذين تابوا، وبالنسبة إلى العشارين الذين كانوا يزاولون أحد المكوس من البضائع وبالنسبة إلى (المباحث) الذين كانوا يهدفون خنق الأصوات وتحديد الحريات.

ولا يخفى أنّه لا بأس بجعل الدولة (المحتسب) للنهي عن المنكر، وإخبار السلطة بذلك، كما لا بأس أنْ تجعل الدولة الإسلامية (العيون) على الكفار، وشأن هؤلاء (جمع المعلومات) لا كبت الحريات، وخنق الأصوات ومن الواضح الفرق الشاسع بين الدائرتين، وبالنسبة إلى عمال إدارة السجون، وما أشبه، حيث قد عرفت أنّها في الدولة الإسلامية، صغيرة إلى أبعد حد، وبالنسبة إلى غيرها وغيرها مما يطول تعدادها.


[1] ـ وسائل الشيعة ج 18 ص412 الباب44 من حد الزنا ح1.