وظائف الدولة الإسلامية

مسألة ـ21ـ من الواجبات على الدولة الإسلامية إنقاذ المسلمين الذين يعيشون في سائر الدول، سواء أكانوا تحت دولة تسمى بالإسلامية وليست بإسلامية حقيقة لعدم تطبيقها قوانين الإسلام، أم كانوا تحت دولة غير إسلامية اسماً وواقعاً مما يضغط على المسلمين ضغطاً شديداً متزايداً كالدول الشيوعية، أو ضغطاً غير متزايد كالهند ونحوها.

ويدل عليه من الكتاب قوله سبحانه: ((وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ))[1] فإذا وجب القتال، وجب ما دونه بطريق أولى.

وقوله سبحانه: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ))[2] فإنّه كما تجب الشدة على الكافر يجب الرحمة على المؤمن ـ بقرينة المقابلة ـ في غيرها ما علم استحبابه.

وقوله سبحانه: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ)) [3] والآية في مقام التشريع فتدل على أنّ هذا هو شرع الله.

ومن السنة: ما دل على وجوب إنقاذ المسلم، فقد روى الكليني عن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال أيما مؤمن منع مؤمناً شيئاً، مما يحتاج إليه، وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثم يؤمر به إلى النار[4].

إلى غيرها من الروايات المذكورة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ذكرنا بعضها في كتاب الفقه فراجع.

ثم إنّ إنقاذ أولئك المسلمين يكون بأمرين أساسين وتتبعهما فروع:

الأول: تنظيمهم من الداخل.

الثاني: إيجاد العون من الخارج.

أما تنظيمهم في الداخل، ولنفرض ذلك في بلاد شبه حرة فيشمل:

أ-          تنظيمهم سياسياً حتى يتدخلوا في مختلف مرافق الدولة، سواء أكانت دولة انتخابية أم دولة دكتاتورية، فإنّ التنظيم السياسي لكل أمة بدء إحيائها، وبدون السياسة لا ينفع غيرها مطلقاً أو نفعاً يذكر، وسنأتي إلى تفصيل ذلك في مسألة آتية.

ب-        تنظيمهم اقتصادياً، فإنّ (الكرامة الاقتصادية توجب الكرامة الاجتماعية والعكس بالعكس) وفي الأثر (الفقر سواد الوجه في الدارين)[5].

ت-        تنظيمهم ثقافياً بكلا شقي الثقافة الدينية والدنيوية، فإنّ الثقافة الدينية أساس السعادة، والثقافة الدنيوية توجب إمكان اهتبال الدنيا، وفي الحديث (من لا معاش له، لا معاد له) ولذا قدمه الله سبحانه في قوله: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ * أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا))[6].

ث-        تنظيمهم اجتماعياً، فإنّ تقوية الاجتماع بالتكتلات والهيئات والجمعيات والنقابات والنوادي وما أشبه، توجب تقدم الأمة، وفي الحديث: (يد الله مع الجماعة)[7].

إلى غير ذلك، ومن المعلوم أنّ لكل واحد من هذه الأمور فروعاً وشؤوناً.

ثم إنْ كان السلاح مباحاً حمله في تلك الدولة غير إسلامية، أو التي بالاسم فقط إسلامية، فاللازم أنْ يحمل المسلمون السلاح وذلك بـ:

هـ - تنظيمهم سلاحياً فإنّ الخير كل الخير تحت ظلال السيف، وفي الآية الكريمة ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ))[8] ، وإذا لم يكن حمل السلاح جائزاً في قانون الدولة، فاللازم دخول المسلمين فيها، في القوات المسلحة، فإنّ كل فئة لها ضباط وقواد لا بد من أنْ يحترموا مما يعكس احترامهم في كل مرافق الحياة، والويل كل الويل لأمة يفقدون مثلث السعادة (السياسة، الاقتصاد، والسلاح)، وقد رأينا العراق كيف كانت الشيعة لهم عِزٌ واحترام وكلمة مسموعة ما دام كانت (العشائر الشيعية) تحمل السلاح، وحيث نزعت بريطانيا منهم السلاح على أيدي ما يسمى (بالحكام الثوريين) الذين ابتدئوا بـ (بعد الكريم قاسم) ذهبت شوكتهم، واندثرت عزتهم، وذهب ريحهم، وهكذا في بعض البلدان الأخر التي لا يهمنا ذكرها وتفصيل الكلام حولها.

ثم هذه الأمور التي ذكرناها إنْ أمكن كلها علناً، قاموا بها علناً، وإنْ لم يتمكنوا من القيام بها علناً، يلزم أنْ يقوموا بها سراً، وهذا ما يسمى بالتقية، وقد قال سبحانه: ((لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْ‏ءٍ إلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ))[9]. وقد ورد في الحديث: (التقية ديني ودين آبائي)[10] ، فهو أمر عقلائي يعمل به كل عاقل في تمرير مبادئه، والإبقاء على نفسه، في قبال الأعداء الذين يريدون اجتثاث جذورهم، وقد عمل بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في أول الإسلام، حيث أخفى دينه عن المناوئين، كما نزل في عمّار ((إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ))[11] ، وكما أخفى (نعيم) إسلامه وأوجد الوقيعة بين المشركين واليهود، إلى غيرها من قصص الأنبياء (عليهم السلام)، وبالأخص قصة نبينا (صلى الله عليه وآله) وأصحابه ـ وتفصيل الكلام في ذلك في باب التقية ـ.

والحاصل: إنّ التقية لها دوران (دور إيجابي) و (دور سلبي) فلا يراد بها (السلب) فقط بل (الإيجاب) أيضاً بأنْ تخفي طريقتك لأجل تمشية أمرك، وهذا هو معنى (الحرب خدعة)[12] ، مما يفعله الفدائيون في كل زمان ومكان، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخفي بعض حروبه، حتى ينجح، وحتى لا تكثر القتلى.

وكيف كان، فاللازم على المسلمين، في كل بلد كابت للحريات، أنْ يعملوا بالبنود السابقة في سرية واختفاء، ويساعدهم المسلمون في الخارج دولة وأفراداً وجماعات، لكن غالب الكل يقع على عاتق الدولة الإسلامية، هذا كله بالنسبة إلى الأمر الأول الذي هو عبارة عن تنظيم المسلمين في الداخل.

وأما الأمر الثاني: وهو أيجاد العون لهم من الخارج، فاللازم على الدولة الإسلامية (ونقول الدولة باعتبارها أكثر إمكانية، وإلاّ فهو واجب كل فرد قادر) أنْ ينظم مسلمي خارج البلاد المعينة، لمساعدة مسلمي الداخل، مالياً، وإعلامياً، وسائر الخدمات، فتجعل لهم صناديق خيرية لمساعدتهم (والصناديق تستحصل المال من المساعدات، ومن أرباح التجارات، وما أشبه ذلك)، كما تنشر الدولة أحوالهم في مختلف وسائل الإعلام (سواء أكانت ملكاً للدولة الإسلامية، أم كان النشر تبرعاً، أم بإيجار، وما أشبه) وكذلك توجد الدولة الإسلامية الضغط الكافي على الدولة الكابتة للحريات، بسبب المجتمعات الدولية، والجمعيات المدافعة عن حقوق البشر، وغير ذلك من أسباب الضغط، أما إذا لم ينفع كل ذلك في إطلاق حريات المسلمين، فاللازم أنْ تهيئ الدولة الإسلامية وسائل إسقاط دولة الديكتاتور، بما تراه الدولة الإسلامية صلاحاً، وكل ما ذكرناه من (الأمرين) بحاجة إلى الخبراء والمستشارين والفقهاء، الذين يرشدون الهيئات العاملة الطريق الصحيح الموافق للشريعة الإسلامية ولموازين العالم المعاصر.


[1] ـ سورة النساء: الآية75.

[2] ـ سورة الفتح: الآية29.

[3] ـ سورة التوبة: الآية 71.

[4] ـ أصول الكافي ج2 ص367 باب من منع مؤمناً ح1.

[5] ـ بحار الأنوار: ج 69 ص30 ذيل 26.

[6] ـ سورة البقرة: الآية201.

[7] ـ نهج الفصاحة: ص646 ح3211.

[8] ـ سورة الأنفال: الآية 60.

[9] ـ سورة آل عمران: الآية28.

[10] ـ وسائل الشيعة: ج11 ص460 الباب24 ح3.

[11] ـ سورة النحل: الآية106.

[12] ـ وسائل الشيعة: ج 11 ص102 الباب 53 من أبواب جهاد العدو.. ح1و2و3.