الدخول في دوائر الحكومات الكافر

مسألة ـ 24 ـ 1ـ الدخول في دوائر الحكومات الكافرة جائز للمسلم، وتطبيقه قوانينهم على الكافرين، مباح له وذلك لقاعدة (ألزموهم بما التزموا به)[1].

قال علي (عليه الصلاة السلام): (لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم)[2].

وفي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الأحكام؟ قال: تجوز على أهل كل ذي دين بما يستحلّون[3].

وفي الموثق: لكل قوم نكاح[4].

وللعلّة في رواية الهيثم بن أبي مسروق، عن بعض أصحابه قال: ذكر عند الرضا (عليه السلام) بعض العلويين ممن كان ينتقصه، فقال (عليه السلام): أما أنه مقيم على حرام؟ قلت: جعلت فداك، كيف وهي امرأته؟ قال: لأنه قد طلقها، قلت: كيف طلقها؟ قال (عليه السلام): طلقها وذلك دينه لحرمت عليه[5]، فإنّ قوله (عليه السلام): (وذلك دينه) ظاهر في إلزام كل ذي دين بدينه، ولا ينافي ذلك (عدم الحرمة واقعاً)؛ إذ المراد التجرّي بعد أن علم من الخارج أن الأحكام الواقعية لا تتغير بأهواء الناس.

ومثله ما في تعليل رواية محمد بن عبد الله العلوي: قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تزويج المطلقات ثلاثاً؟ فقال لي: إنّ طلاقكم الثلاث لا يحل لغيركم، وطلاقهم يحل لكم، لأنكم لا ترون الثلاث شيئاًً وهم يوجبونها[6].

إلى غير ذلك من الروايات التي نحن الآن لسنا بصددها وليس المراد بالدين (الدين المُنزل) لوضوح أن أهل الكتاب لم يعملوا بدينهم المُنزل، بل حرفوا الكَلِمَ عن مواضعه، ونسوا حظاً مما ذكروا به، بل دينهم المعمول به عندهم، ولذا ذكر جمهرة من الفقهاء القدماء والمتأخرين توارث المجوس بالسبب الصحيح عندهم، وإن كان فاسداً عندنا، كما ذكروا جواز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم، وإن لم يصح أخذ ثمنها من المسلم.

بل المفهوم من هذه الروايات والفتاوى أنه لا يلزم كون دينهم له أصل منزل، بل يكفي كون ذلك طريقتهم المعترف بها لديهم، وإنْ كانوا وثنيين مثلاً، ولذا لا يصح التزويج بزوجة الوثني ولا أخذ ماله.

2ـ كما أنّ الظاهر جواز تطبيق الموظف الداخل في حكومات الكفار أحكام المسلمين عليهم، مثلاً لو راجعه اثنان في قصة مال أو زوجة، جاز له أنْ يطبق عليهم حكم الإسلام، قال سبحانه: ((إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ))[7] والأدلة السابقة لا تدل على وجوب تطبيق أحكامهم، بل تدل على جوازه ويدل عليه أيضاً ما عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت رجلان من أهل الكتاب نصرانيان أو يهوديان كان بينهما خصومة فقضى بينهما حاكم من حكامهم بجور، فأبى الذي قضي عليه أن يقبل، وسأل أن يُرَدَ إلى حكم المسلمين؟ قال: يُرَدُ إلى حكم المسلمين[8] ثم إنّ جواز الحكم بحكم الإسلام مطلقاً إلاّ ما علم خروجه من نص أو إجماع أو ضرورة، مثل أنه لا يصح أن يطبق حكم الله الواقعي على زوجة رجل ليست زوجته لتحريم الإسلام مثل هذا الزواج، كما إذا كانت أخته من الرضاعة، إلى غيرها من الأمثلة.

3ـ أمّا تطبيق حكم آخر ليس حكمهم، ولا حكم الله عليهم فذلك غير جائز قطعاً، لأصالة العدم، بعد عدم الدليل على الجواز، كما إذا طبق على اليهودي أحكام المجوسي أو بالعكس.

4ـ كما لا يجوز ألاّ يحكم بينهم ويتركهم وشأنهم فيرجعون إلى أحكامهم أو ما أشبه ذلك، فعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم[9].

5ـ كل ما سبق بالنسبة إلى تطبيق المسلم حكم الكافرين على أنفسهم ـ أما تطبيق المسلم ـ (في دولة الكافر) حكم الكافر على المسلم المراجع له الذي يعيش في دولة الكفر فذلك غير جائز للأصل، بعد وجوب الحكم بما أنزل الله: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ))[10] إلاّ إذا اضطر المسلم الحاكم على ذلك، لأمرٍ أهم، ولم يكن إلى حد الدم، لأنه لا تقية في الدماء، وهذه المسألة مذكورة في محلها من كتاب القضاء والحدود، كما لا يجوز له ألاّ يحكم إلاّ إذا كان الحكم على سبيل الوجوب الكفائي، وكان يوجد من فيه الكفاية غيره.

6ـ والدخول في حكومات المخالفين جائز للمولى، ويجوز أنْ يطبق عليهم أحكام أنفسهم للأولوية في مثل (لحكمت بين أهل التوراة)[11] ولعموم العلة في بعض الروايات السابقة.

وعن معاذ بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، وأردت أنْ أسألك عن ذلك قبل أنْ أخرج، إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودتكم وحبكم فأخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا فأدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال (عليه السلام): اصنع كذا، فإني أصنع كذا[12].

ويؤيده عمل السيد بحر العلوم في مكة حيث كان يفتي كل مذهب حسب مذهبه.

أما السيد قاضي نور الله، فالمنقول عنه أنه كان يفتي بفتوى الأئمة (عليهم السلام) لكن كان يخفي ذلك في ضمن فتوى إحدى المذاهب الأربعة، فهو كان يعمل بما ذكرناه قبلاً من جواز الفتوى بمذهب أهل الحق لمن لا يرى ذلك، وإنّما كان مذهبه مخالفاً، فتأمل.

كما يؤيد جواز أعمال المؤالف في دولة المخالف، بل يدل عليه تأييد الإمام (عليه السلام) لعلي بن يقطين، وداود الزربي وغيرهما في بقائهم في حكم المخالفين، مع وضوح أنّ الحكم الذي كان يحكمه الوزراء في دولة بني العباس، كان حكم المخالفين لا حكم أهل البيت (عليهم السلام) .

وكيف كان، فيجوز للموالي في دولة المخالفين أن يحكم بحكمهم، وأنْ يحكم بالحق، وألاّ يحكم للأصل (إلاّ إذا توقف الحق على حكمه ولم يكن غيره) حيث إنّ الظاهر أنّ أدلة وجوب الحكم، مثل ((لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ))[13] ونحوه يشمله، وهل يجوز أنْ يحكم لمذهب بالفتوى من مذهب آخر؟ احتمالان: من (إطلاق ألزموهم)[14] ومن انصرافه إلى مذهبه لا مذهب آخر.

لا يقال: كيف تقولون بجواز الدخول في حكومة المخالفين مع أنّه لا تحق الولاية إلاّ لأهلها؟

لأنّه يقال: يدل على ذلك دخول سلمان، وأبي ذر وعمار، وعلي بن يقطين، وداود الزربي وغيرهم، فإنّ الأئمة (عليهم السلام) قرّروهم على ذلك، ولأنّه من باب دوران الأمر بين الأهم والمهم، فإنّهم يخففون من الظلم، وقد فعله من قبل يوسف الصدّيق (عليه السلام) .

7ـ ولا فرق بين المخالف الحاكم حسب مذهبه باسم الإسلام، كما في بني العباس ونحوهم، أو المخالف الحاكم حسب الموازين غير الدينية، مثل المخالفين اليوم، الذين يحكمون حسب قوانين الشرق والغرب للمناط، فإنّ الحكم حيث لم يكن لله سبحانه، لا فرق بين أنْ كان باسم الله أو باسم غيره، فإجازتهم (عليهم السلام) بأن يكون الإنسان والياً عند بني العباس، يستفاد منه إجازتهم (عليهم السلام) الولاية عند غيرهم، بل ربما كان هذا أولى، لأنه لا يهدم الدين باسم الدين بخلاف مثل بني العباس، الذين كانوا يهدمون الدين باسم الدين، كالمنافق الذي هو أشد ضرراً من الكافر.

قال سبحانه: ((جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ))[15].

وقال في آية أخرى: ((إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ))[16] ووجه الأشدية أنهم لا يتخذون أعداء كما يتخذ الكافر فيهدمون من الداخل، وسر قبولهم في صف المسلمين مع هذه الحالة أنهم في صفوف الكفار أشد ضرراً، فهم من ناحية أخبث نفساً، لأنهم جمعوا بين الكفر الخداع، ومن ناحية لابد للإسلام منهم تقليلاً لجبهة الكفار ولو صورة، ثم إنّه يدل على الجواز في المقام وفي ما قبله وفي ما بعده جملة من الروايات:

مثل ما رواه الكليني، عن الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، عن رجل في ديوان هؤلاء وهو يحب آل محمد ويخرج مع هؤلاء في بعثهم، فيقتل تحت رايتهم؟ قال: يبعثه الله على نيته. قال: وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئاً فيغنيه الله به فمات في بعثهم؟ قال (عليه السلام): هو بمنزلة الأجير إنّه إنّما يعطي الله العباد على نياتهم[17].

وصحيحة زيد الشحام، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من تولى أمراً من أمور المسلمين فعدل فيهم وفتح بابه، ورفع ستره، ونظر في أمور الناس، كان حقاً على الله أن يؤمن روعته يوم القيامة ويدخله الجنة؟[18].

ورواية زياد بن أبي سلمة، عن موسى بن جعفر (عليه السلام): يا زياد، لئن أسقط من شاهق فأتقطع قطعة قطعة، أحبُّ إليَّ من أنْ أتولّى عملاً أو أطأ بساط رجل منهم، إلا لماذا، قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلاّ لتفريج كربة مؤمن، أو فك أسره، أو قضاء دينه[19].

ورواية علي بن يقطين: إنّ لله تعالى مع السلطان من يدفع بهم عن أوليائه[20].

قال الصدوق: وفي خبر آخر، أولئك عتقاء الله من النار[21]، قال: وقال الصادق (عليه السلام): كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان[22].

وفي ذيل رواية زياد بن أبي سلمة: وإن وليت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك، يكون واحدة بواحدة[23].

وعن المقنع: سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، عن رجل يحب آل محمد (صلى الله عليه وآله) وهو في ديوان هؤلاء يقتل تحت رايتهم؟ قال: يحشره الله على نيته[24].

وفي رواية أبي بصير: ما من جبار إلاّ ومعه مؤمن يدفع الله به عن المؤمنين، وهو أقلهم حظاً في الآخرة لصحبة الجبار[25].

وعن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: إنّ لله تعالى في أبواب الظلمة من نوّر الله به البرهان، ومكّن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه، ويصلح الله بهم أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضرر، وإليهم مرجع ذوي الحاجة من شيعتنا، يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقاً، أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، يزهر نورهم لأهل السماوات، كما يزهر نور الكواكب الدرية لأهل الأرض، أولئك نور يوم القيامة، تضيء منه القيامة، خلقوا والله للجنة وخلقت لهم، فهنيئاً لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله، قلت: بماذا جعلت فداك؟ قال: يكون معهم فيسرّنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد[26].

وعن المقنع قال: روي عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: إنّ لله مع السلطان أولياء يدفع عن أوليائه[27].

وعن علي بن يقطين، أنّه كتب إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّ قلبي يضيق ممّا أنا عليه من عمل السلطان، وكان وزيراً لهارون، فإنْ أذنت ـ جعلني الله فداك ـ هربت منه، فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم (واتق الله) أو كما قال[28].

وعن العبيدي، قال: كتب أبو عمر الحذاء إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام): وقرأت الكتاب والجواب بخطه يعلمه أنّه كان يختلف إلى بعض قضاة هؤلاء، وأنّه صير إليه وقوفاً ومواريث بعض ولد العباس أحياءً وأمواتاً، وأجرى عليه الأرزاق وأنّه كان يؤدّي الأمانة إليهم، ثم إنه بعد عاهد الله ألاّ يدخل لهم في عمل وعليه مؤنة، وقد تلف أكثر ما كان في يده، وأخاف أنْ ينكشف منه ما لا يحب أنْ ينكشف من الحال، فإنّه منتظر أمرك في ذلك فما تأمر به؟ فكتب (عليه السلام) إليه: لا عليك، وإنْ دخلت معهم، الله يعلم ونحن ما أنت عليه[29].

إلى غيرها من الروايات، والتي يستفاد منها أن الولاية التي بذاتها محرمة عن الجائر (لأجل أنه لا ولاية له حتى يعطيها لغيره، فلا يحق للوالي التصرّف في شيء من الأمور، فإنّه تصرّف لم يأذن به الله، بل إنّما أذن في تصرّف أوليائه فقط) أجيزت من قبلهم (عليهم السلام) لأجل المعاش، بشرط الإحسان إلى الإخوان، وقد تكون واجبة إذا توقف الذب عن المؤمنين عليها، كما أنها تكون واجبة أيضاً إذا توقف الأمر المهم عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفع المنكر. وقد رأيت كيف أنّ إطلاق الأدلة يشمل كل ولاية عن كل جائر سواء أكان الجائر كافراً أم مسلماً مخالفاً أم مؤالفاً.

8 ـ ومنه يُعْلَمُ حكم الولاية عن قبل المؤالف الجائر، وحيث إنّ الرسالة لم توضع لتفصيل هذه المسائل، فعلى الطالب أنْ يرجع إلى كتاب المكاسب للشيخ المرتضى (ره) وغيره من الكتب المفصلة.

ولذا دخل نصير الدين الطوسي (ره) مع المغول، ودخل القاضي نعمان مع الفاطمية، وإنْ كان لم يعلم فسقهم، فإنّ بعضهم كانوا اثني عشريةً، كما يظهر من التواريخ، وقد نشروا العدل كما يظهر من تواريخهم وليس كل حاكم حكم في التاريخ الإسلامي جائراً، وإن لم يأخذ بالشورى، لوضوح أنّهم على ثلاثة أقسام:

الأول: من أخذ الحكم بالسيف، وهو يمكن أنْ يكون أخذه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل ذلك وكان في نفسه عادلاً، ولا إشكال في أنّه حاكم بالحق، إذا استأذن من العلماء النواب للأئمة (عليهم السلام).

الثاني: من أخذ الحكم وراثة، وهذا أيضاً يمكن أنْ يكون عادلاً جامعاً للشرائط.

الثالث: من أخذه بأحد الطريقين ولم يكن جامعاً للشرائط، فهذا من مصاديق الجائر، فتوهم جور الكل في غير محله، وجملة من الصفوية على أحد الطريقين الأولين، كما يدل على ذلك دخول العلماء الجهابذة أمثال الكركي، والمجلسي، والبهائي، والداماد، وغيرهم، في حكمهم، بالإضافة إلى كشف تاريخهم عن حسن سيرتهم، وكذلك بعض القاجارية، إلى غير ذلك، فقد حكم الشيعة وأئِمّتُهم (عليهم السلام) على طول التاريخ الإسلامي، بما لا يقل عن حكم غير الشيعة بكثير، فالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) والإمام الحسن (عليه السلام) حكما، كما دخل في الحكم سلمان وعمار وغيرهما، ثم حكم المختار، وما نرى حوله من التشويش ليس إلاّ دخيلاً أو محمولاً على التقية، وحكم بنو طباطبا في العراق، وحكم في الحجاز واليمن الشرفاء من بني الحسن (عليه السلام)، كما حكم في إيران الدعاة، وخدا بنده، والصفوية، والصفارية، وغيرهم، وحكم في العراق بنو بويه، كما حكم اسبهند الذي تشيع على يدي ابن فهد الحلي (ره) وفي سوريا بنو حمدان، وفي مصر الفاطميون، وفي المغرب الأدارسة، وكذلك حكم الشيعة في كل من الهند وأفغانستان وأندونيسيا، إلى غيرها مما هو كثير، والمتكفل بتفصيله كتب التواريخ ولعل الله يقيض من يجعل همه كتابة تواريخ هؤلاء مفصلاً، ومدى شرعية كل حاكم حكم، فإن ذلك بنظري يستوعب ما لا يقل عن عشرين مجلداً، وعلماؤنا الكبار على الأغلب، إمّا دخلوا الحكم، إمّا مستقيماً، أو غير مستقيم، بأن شاركوا في توجيه الحكام، وإمّا حاربوا الحكام مقاطعة، أو تهجماً عليهم باللسان أو حرباً بالسلاح، ففي العصر الأخير حارب والدي (ره)، والسيد الحكيم، وابن العم، وغيرهم، حكومات الملكيين في العراق، ثم قاسم وعارف وبكر ـ حرباً بالكلام والمقاطعة والقلم وما أشبه، وقبلهم حارب السادة: القمّي، والسيد أبو الحسن، والبروجردي وغيرهم، حكومتي الملكيين والبهلوي الأول، وحارب قبلهما الآخوند الخراساني الاستبداد في إيران كما حارب صاحب العروة والسيد الحبوبي وغيرهما العثمانيين في العراق، وكذلك حارب قائد الثورة الشيخ محمد تقي الشيرازي الإنكليز في العراق، وقبلهم حارب الميرزا الكبير الإنكليز في إيران في قصة التنباك الشهيرة، وقبله حارب السيد محمد المجاهد، كما أن السيد شرف الدين حارب فرنسا في الأقطار السورية، إلى غيرها وغيرها ممّا تفصيله يحتاج إلى مجلدات، وقد ذكر شيئاً منها السيد الأمين في الأعيان،والشيخ الأميني في شهداء الفضيلة، وعلماؤنا الآن في حالة حرب مع أسرة البهلوي في إيران، وحزب البعث في العراق، ونسأل الله أنْ ينصرهم بمحمد وآله الطاهرين.

وكيف كان، فقد ظهر ممّا ذكرناه في هذه المسألة أمران:

الأول: حكم الدخول في حكومات الظلمة.

الثاني: إنّ الداخل كيف يطبق القوانين على الكافر والمسلم، المخالف والمؤالف.

ثم إنّ تصرفات الحكومات الجائرة كافرة كانت أو مسلمة، موالية أو مخالفة (عقيدة) عاملة بالإسلام أو بقوانين الشرق والغرب محرمة، لأنّها تصرفات لم يأذن بها الله تعالى، لكنّ هذه التصرفات أُبيحت لنا، فإذا أعطوا إنساناً مالاً أو اشتروا منه شيئاً وأعطوا ثمنه أو باعوا له أو ما أشبه ذلك من سائر المعاملات جاز له التصرف، وذلك لروايات جوائز السلطان وغيرها ممّا تقدم بعضها.

وفي صحيحة أبي ولاّد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب من أعمالهم وأنا أمر به وأنزل عليه فيضيفني ويحسن إليّ، وربما أمر لي بالدراهم والكسوة وقد ضاق صدري من ذلك؟ فقال (عليه السلام) لي: كل وخذ منها فلك المهنأ وعليه الوزر[30].

وصحيحة أبي المعزا، أمرُّ بالمعامل فيجيزني بالدراهم آخذها؟ قال (عليه السلام): نعم، وقلت: أحجُّ بها؟ قال (عليه السلام): وحج بها[31].

ورواية محمد بن هشام، أمر بالمعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: قلت نعم، قلت: وأحجُّ بها؟ قال: نعم وحج بها[32].

ورواية محمد بن مسلم وزرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام): جوائز السلطان ليس بها بأس[33].

وقد دلّت جملة من الروايات على أخذهم الجوائز من السلطان، وكان يأخذ الجوائز ابن مسعود وعمار وأبو ذر وغيرهم، كما أخذ الإمام الصادق (عليه السلام) الجائزة للشقيري في نصيحة مشهورة نصحه بها، لمّا أعطاه (عليه السلام) عطاءه من الخليفة، إلى غير ذلك.

ومن ذلك كلّه تبين أنّ الدخول في مناصب الدولة لأجل الإصلاح جائز، وأخذ أموالهم جائز، والتعامل معهم جائز، إلاّ أنّ كل ذلك حرام، على نفس السلطان، فتصدّيه باطل، وأخذه المال من الناس سواء أ كان بعنوان الزكاة أو غير ذلك حرام ومعاملته باطلة ـ إذا كانت معاملات سلطانية، لا المعاملات الشخصية فإنها صحيحة ـ، إذ ليست الحكومات الجائرة مالكة ولا مأذونة، وإنما أجاز الولي الحقيقي بالنسبة إلينا.

وممّا تقدم يظهر أنّ الروايات الواردة في المنع عن الدخول في ولايتهم ومعاونتهم محمولة على غير الموالي، الذي يدخل بقصد الإصلاح وحسن النية ومن أراد الاطّلاع على تفصيل ما ذكرناه فعليه بكتاب المكاسب للشيخ المرتضى (ره)، في مبحث إعانة الظالم والولاية.

ومن ذلك كلّه ظهر أنّ قوانينهم ومعاملاتهم التي يجرّونها بعنوان السلطة ـ لا المعاملات الشخصية ـ ليست ملزمة إذا كانت في نفسها حلالاً، أما إذا كانت في نفسها حراماً، كجعلهم المكوس وأخذها، فاللازم عدم التعاون معهم في تنفيذها إلاّ في مقام الاضطرار.

نعم، إذا كانت وظائفهم تنفع المسلمين، بحيث يضرهم التخلف عنها، وجب ذلك، لا من حيث إنّهم عاملون لهم، وإنّما من حيث لزوم عدم الإضرار بالمسلمين، مثلاً المشرف على امتحان الطلاب لا يحق له ترك الإشراف، من جهة أنّه يسبب خروج الطلاب جهلةً، ويسبب ذلك تأخير البلاد الإسلامية وضرر المسلمين، وكلاهما محرمان، إلى غير ذلك من الأمثلة، إذاً كانت وظائفهم بالنسبة إلى الوفاء وعدمه على ثلاثة أقسام: قسم يحرم الوفاء، لكونه محرماً في نفسه، وقسم يوجب الوفاء من حيث إنّه واجب في نفسه، وقسم يُجوّز الوفاء، إذا لم يكن أحد القسمين السابقين.


[1] ـ العوالي: ج3 ص514 ح76.

[2] ـ بحار الأنوار: ج40 ص136 الباب93 ح28.

[3] ـ وسائل الشيعة: ج 17 ص598 الباب3 من أبواب ميراث المجوس ح1 وص484 الباب 4 من أبواب ميراث الإخوة.. ح4.

[4] ـ وسائل الشيعة: ج 11ص 59 الباب26 ح2.

[5] ـ وسائل : ج15 ص 35 الباب 30 ح2.

[6] ـ وسائل الشيعة ج 15 ص321 الباب 30 ح9.

[7] ـ سورة النساء: الآية105.

[8] ـ وسائل الشيعة: ج 18 ص218 الباب27 ح2.

[9] ـ وسائل الشيعة ج18 ص218 الباب 27 ح1.

[10] ـ سورة المائدة: الآية 44.

[11] ـ بحار الأنوار: ج 40 ص136 الباب93 ح28.

[12] ـ وسائل الشيعة ج18 ص108 الباب11 ح36.

[13] ـ سورة النساء: الآية 105.

[14] ـ العوالي: ج3 ص514 ح76، و وسائل الشيعة ج17 ص598 الباب3 ح1.

[15] ـ سورة التوبة: الآية 73.

[16] ـ سورة النساء: الآية 145.

[17] ـ وسائل الشيعة ج12 ص146 الباب 48 ح2.

[18] ـ وسائل الشيعة ج12 ص140 الباب46 ح7.

[19] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 140 الباب 46 ح9.

[20] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 139 الباب 46 ح1.

[21] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 139 الباب 46 ح2.

[22] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 139 الباب 46 ح3.

[23] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 140 الباب 46 ح9.

[24] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 139 الباب 46 ح6.

[25] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 134 الباب 44 ح4.

[26] ـ بحار الأنوار: ج72 ص381 الباب 82 ح46.

[27] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 139 الباب 46ح5.

[28] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 143 الباب 46 ح16.

[29] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 143 الباب 46 ح14.

[30] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 156باب 51 ح1.

[31] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 156 الباب 51 ح2.

[32] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 157 الباب 51 ح3.

[33] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص 157 الباب 51 ح5.