الاعتراف، الحلف، الاسترداد، والاستعمار

مسألة ـ 27ـ لا يجوز لفرد مسلم أو دولة إسلامية أنْ تعترف بدولة غير إسلامية، اسماً كدول الكفار، أو واقعاً كالبلاد التي تسمي حكومتها أنفسها بحكومة الإسلام، لكنّهم يخالفون الإسلام عملاً، وذلك لحرمة تأييد الظالم، والدولة غير الإسلامية من أظهر مصاديقها، إلاّ في موردين:

الأول: إذا انطبق على تلك الدول عنوان المعاهدة أو الذمة، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان يعاهد الكفار، كما أنّ مسائل الذمة معروفة دليلاً وفتوىً، وقد ذكرنا جانباً من ذلك في كتاب الجهاد.

الثاني: إذا كانت الضرورة تقتضي ذلك فإن الضرورات تبيح المحظورات، ولقانون الأهم والمهم، كما يجب الاعتراف بالدولة الإسلامية المشروعة، لوجوب تأييد المسلم إذا توقف تأييدها على الاعتراف بها، إلاّ إذا كان في الاعتراف محذور خارجي.

2ـ لا يجوز عقد الحلف مع الكفار إذا كان في ذلك ضرر للمسلمين، كما هو الغالب الآن حيث إنّ الأحلاف تنتهي غالباً إلى الاستعمار.

نعم، إذا توقف إنقاذ بلاد الإسلام من خطر أهم على التحالف جاز، وأحياناً وجب فأمثال (ميثاق بغداد) وحلف (سنتو) وحلف (وارسو) لا يجوز لبلد إسلامي الدخول فيها، وإذا دخلت الحكومة المسماة باسم الإسلام، في أحدها كان ذلك غير ملزم، لأنّ العقد المحرّم شرعاً لا أثر له، بل هو كبيع الخمر والخنزير، وتجب مقاومة هذه الأحلاف إلى أن تسقط، ومن قبيل هذه الأحلاف الصلح مع إسرائيل، ولو ردت القدس وكل البلاد التي غصبتها عام (67) م، إذ فلسطين كلها أرض إسلامية، ولا يحق لفرد أو دولة أنْ تبيع أرض الإسلام للأجانب.

3ـ ويجب على المسلمين دولاً وأفراداً السعي لاسترداد الأراضي الإسلامية، التي قطعها الكفار من أرض المسلمين، كالهند وبلاد المسلمين في الصين وروسيا وأوربا وأسبانيا وغيرها، إذ الغصب لمدة بطول المدة لا تصبح يد الغاصب عليها شرعية، كما أنّ من الواجب شرعاً إيصال مظالم الكفار على المسلمين في داخل بلاد الكفر إلى سمع العالم حتى يكون ذلك مقدمة لإنقاذهم، فإن إنقاذ المسلم المضطهد واجب بالأدلة الأربعة.

قال تعالى: ((وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ))[1] بل ظاهر من الآية المباركة وجوب إنقاذ المستضعفين من أيدي المستغلين، ولو كان المستضعف كافراً والظالم ليس مسلماً، فإنّ الظلم منكر يجب رفعه والنهي عنه.

4ـ ثم إنّه يحرم على المسلمين ربط البلاد بالاستعمار العسكري، كذلك يحرم عليهم ربطها بالاستعمار الفكري والاقتصادي، والسياسي وغيرها، ويجب على كل مسلم أنْ يجاهد لإنقاذ البلاد من هذه الأنواع من الاستعمار، فإنّ كل إضرار بالمسلمين محرم، وكل سبب من أسباب علو الكافر على المسلم حرام، فإنّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام[2]، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه[3]، وإذا ربطت البلاد بنوع من أنواع الاستعمار، يجب على كل مسلم الكفاح لاستعادة الحقوق المغصوبة إلى المسلمين، وليس الواجب على أهل ذلك القطر المُستَعمر فقط، بل هو واجب على كل مسلم.

قال سبحانه: ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ))

وفي الحديث: (من نادى يا للمسلمين فلم يجيبوه فليسوا بمسلمين) ولا يخص الإنقاذ بأهل لغته ونحو ذلك، فإنّ المسلم أخو المسلم من غير فرق بين الألوان والأقطار واللغات والقوميات.

5ـ والدولتان الإسلاميتان المجاورتان المحدودتان بحدود دولية، لا اعتبار بهذه الحدود في نظر الإسلام، لأنّه لا حدود بين الإسلام، فلا حاجة إلى إجازة الدولة في الذهاب من بلد إلى بلد، والذين يقومون بحراسة الحدود المصطنعة بمختلف أسباب الحراسة، يفعلون أبشع المنكرات، لأنّهم يمزقون المسلمين وذلك ما لا يجوز شرعاً، فأمثال هذه الوظائف محرمة ذاتاً، بالإضافة إلى حرمتها من جهة ولاية الجائر، فمثلاً عمل مدير البريد ليس محرماً ذاتاً، أما عمل حافظ الحدود في وجه المسلمين حرام ذاتاً، كما أنّ نقل البضائع من بلد إلى بلد ليس محرماً، وإنْ منع عنه القانون وسمّاه تهريباً، وسمى المسافر بدون الرخصة تسللاً.

نعم، إذا كانت هناك دولة إسلامية شرعية، وجعل بعض الأمور المذكورة من باب مصلحة المسلمين، لم تجز مخالفته من باب وجوب إطاعة أوامر رئيس الدولة الإسلامية الصحيحة.

6ـ ولا يجوز لمسلم قتل الثوار المسلمين المطالبين بحقوقهم، إذا ثاروا على دولة غير إسلامية، كما إذا ادعى العراق بالقومية العربية، فثاروا الأكراد يطالبون بالحقوق المشروعة لهم، من تساويهم بسائر إخوانهم في ما جعل الإسلام المسلمين فيه متساوين، فإنّه لا يجوز للعراقيين العرب أنْ يقتلوا الأكراد، بل اللازم إعطائهم الحقوق المشروعة، ولا اضطرار في قتلهم، فإنه لا تقية في الدماء، وقد نقل الشيخ المرتضى في المكاسب الإجماع على ذلك، وسكت هو عليه، مما يظهر منه قبوله الإجماع.

نعم، إذا كانت دولة إسلامية شرعية، وثارت فئة تطالب بشيء غير مشروع، كانوا داخلين في (البغاة) الذين يقاتلون حتى تفيء إلى أمر الله على الموازين المذكورة في كتاب الجهاد، ومما ذكرنا يظهر أنّه لا يجوز هجوم مسلمي دولة على مسلمي دولة أخرى، إلاّ إذا كان الهجوم تحت شرائط الإسلام، ولأجل (سبيل الله، أو إنقاذ المستضعفين).


[1] ـ سورة النساء: الآية 75

[2] ـ العوالي: ج1 ص220 ح93.

[3] ـ العوالي: ج1 ص226 ح118.