تواضع الحكام

مسألة ـ 28ـ من أهم ما يجب أن يتسلح به العاملون في الحقول الإسلامية التواضع في مقابل الله، وفي قبال العبادة، وفي قبال العلم، وفي قبال العمل، فإنّ التواضع سمة الناجحين، بينما التكبر سمة الفاشلين، وحكم الإسلام وهداية الناس إلى الطريق المستقيم، فضل من الله يؤتيه من يشاء، ولا يؤتيه للمتكبرين العصاة، قال الشاعر:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى ترك المعاصي

وعلله بأنّ العلم فضل *** وفضل الله لا يؤتى لعاصي

أما التواضع في قبال الله، فهو بإطاعته في كل صغيرة وكبيرة، نفساً وجسداً وقد تقدم تفسير قوله (عليه السلام): (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أنْ يقلدوه)[1] وإنّ مراكز الطاعة اثنان: القلب والجسد، وعلى كل أنْ يترك العصيان وأنْ يأتي بالطاعة.

قال تعالى: ((وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ))[2] فالعلو على الله أنْ يتكبر على أحكامه ويستهين بها، ويرتكب معاصيه ويترك طاعته.

وفي آية أُخرى: ((لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ))[3] ويكفي في ذلك عبرة أقدم قصة في تاريخ البشر، والتي ستبقى إلى الأبد ميزان التقدم والتأخر، وهي قصة آدم والشيطان، حيث إنّ الأول عصى الله في الطمع، والثاني عصاه في الكبر فطردهما الله سبحانه كليهما من رحمته.

أما آدم وحواء فقد تابا: ((قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ))[4] فتاب الله عليهما: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))[5] بينما الشيطان بقي على تكبره قائلاً: ((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ))[6] فطرده الله إلى الأبد من رحمته، وقال: ((اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ))[7].

وأما التواضع في قبال عباد الله، فيكفي في ذلك سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أمام أعدائه ومناوئيه، كيف كان يعاشرهم بلطف وتواضع، وهو يملك إبادتهم في عشرات القصص، التي من أظهرها قصة وروده (صلى الله عليه وآله) مكة، بكل تواضع ونسبته الفتح إلى الله وحده وعفوه عن ألد أعدائه، وقد كان عيسى (عليه السلام) يغسل رجل تلاميذه ليفعلوا بالناس من بعده مثله، وعلي (عليه السلام) غسل أيدي ضيفه، وهو حاكم على خمسين دولة إسلامية (حسب التوزيع الحالي)، والإمام الرضا (عليه السلام) دلك جلد الرجل الخراساني، وهو ولي عهد كل العالم الإسلامي (في الظاهر) وخليفة الله في أرضه.

وأما التواضع في قبال العلم، فعن لسان العلم قيل: (اعطني كلك أعطك بعضي) فإنّ العلم من المهد إلى اللحد، ومن قصر فإنّما أسقط نفسه وأخّر من حظه، وقد سئل أحد كبار العلماء: من أين وصلت إلى ما وصلت؟ قال: بعدم تكبري، فقد كنت أسأل عن كل ما لا أعلم.

وأما التواضع في قبال العمل، فيكفي في ذلك دليلاً قوله تعالى: ((كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ))[8] وقوله سبحانه: ((وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى))[9] والتاريخ والتفسير مشحونان بالقصص والعبر حول هذه الأمور الأربعة، فإنّ هذه الأمور لازمة لكل إنسان، بالأخص لمن يريد إقامة دولة الإسلام أو صار في هيئة حكومة الإسلام، لما يكتنف هذين الأمرين من الصعوبات والمشاكل، التي لا تحلها إلاّ التوسل بالله والتواضع لعباده، والخبرة بالحل، وعدم الاستهانة حتى بصغائر الأمور، ومن يريد أحد الأمرين (الوصول إلى الحكم، أو البقاء في الحكم) ولا يعمل بما تقدم فلا بد وأنْ يكون مصيره الفشل، يقول الشاعر:

ومن طلب العلا سهر الليالي *** يغوص البحر في طلب اللئالي

وقال شاعر آخر:

لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتال

ثم إنّ التواضع إنّما هو عنصر من عناصر التقدم، وإلاّ فالإنسان الذي يريد إقامة حكم الله في الأرض، وإنقاذ المظلومين من أيدي الظالمين، لا بد له من إيجاد حالة المسؤولية في نفسه، وحالة المسؤولية ليست بالأعمال الشكلية، ولا بالمظاهر التقدمية والتحررية، بل هي حالة توجب صرف الطاقات من المال والفكر، بل والنفس أحياناً، بل والشخصية ـ وهي أهم الجميع ـ بأنْ يسقط اعتباره في الإجماع، كما نشاهد ذلك في الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، فإنّهم كانوا يضحون بكل شيء حتى بسمعتهم، فكان الناس (لا السلطة فقط) يقولون عنهم: إنّه مجنون، ساحر، كافر، كذاب، كاهن، مسحور، إلى غير ذلك، والإمام الحسين (عليه السلام) تحطمت سمعته، فقال الناس: إنّه (خارجي) إلى غير ذلك من الأمثلة، وإذا وجد في نفس الإنسان حالة المسؤولية يجب أنْ يعمل لأمرين:

الأول: إيجاد الوعي السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي في القطاع العام، حتى يشعر الناس بواقعهم الفاسد.

الثاني: إيجاد المواجهة بين الناس وبين المفسدين، وحيث إنّ الكلمة الأخيرة ـ دائماً ـ للأمة لابد وأنْ يسقط الفاسدون ليأخذ مكانهم الصالحون.

قال سبحانه: ((وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ))[10] وذلك سنة كونية، فإنّ الصالح ـ أخيراً ـ يكون له الغلب، يقول الشاعر:

للمتقين من الدنيا عواقبها *** وإنْ تعجل فيها الظالم الآثم


[1] ـ بحار الأنوار: ج2 ص88 الباب14 ح12.

[2] ـ سورة الدخان: الآية19.

[3] ـ سورة الحجرات: الآية 1.

[4] ـ سورة الأعراف: الآية23.

[5] ـ سورة البقرة: الآية37.

[6] ـ سورة ص: الآية76.

[7] ـ سورة الأعراف: الآية18.

[8] ـ سورة الطور: الآية21.

[9] ـ سورة النجم: الآية 39.

[10] ـ سورة الأنبياء: الآية105.