تغيير القانون تدريجاً

مسألة ـ 30ـ إذا قامت الدولة الإسلامية، فاللازم أنْ يكون الانتقال من الأحكام غير المشروعة إلى الأحكام الشرعية، بالتدريج، والهدوء، لئلا يحدث رد الفعل الموجب، إما تمكن الأعداء من الإطاحة بالدولة الإسلامية، وإما عدم قدرة الأمة على استيعاب التغيير المفاجئ، مما يسبب الفوضى، وإما سوء السمعة للإسلام، مما يوجب تنفر الناس عن الإسلام، وإيقاف المد الإسلامي، فإن كل ذلك محرم ومحظور وملاحظتها أهم من ملاحظة تطبيق بعض الأحكام الإسلامية في الفترة الانتقالية التي لا تكون إلاّ قصيرة، هذا بالإضافة إلى قاعدة الأسوة، فقد طبق رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإسلامي تدريجاً، واحتمال أنْ ذلك لأنّ الإسلام لم يكن قد نزل جملة غير تام؛ إذ يأتي الكلام في أنّه لماذا لم ينزل الإسلام جملة واحدة.

قال سبحانه: ((وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً))[1]. فالتدرج كان لأمرين:

الأول: لتثبيت الفؤاد.

الثاني: لأنّ اللازم الإنزال مرتلاًَ، لعدم قدرة الناس على الاستيعاب مرة واحدة.

وفي الحديث النبوي: لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة، وجعلت لها بابين[2]، كما أنّ في حديث سعد بن معاذ، حيث أرسله الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن دلالةً على ذلك.

1ـ يجب تشكيل لجان من كل البلاد لأجل حفظ الدولة من الانهيار، وهذه اللجان مُسيّرة لأوامر المركز، ومراقبة الدوائر الرسمية عن التخلف، ومشرفة على البلاد، عن التخريب الذي قد يقوم به المخربون، ولا يستشكل بأنّه (لا تجسس في الإسلام) لأنه لا فرق بين التجسس وبين جمع المعلومات، والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن اللازم على الدولة الإسلامية أنْ تكون لها دائرة لجمع المعلومات، كما أنّ التجسس على المخرب جائز شرعاً، ولذا كان يبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالعيون والجواسيس على الكفار، وكذلك فعله علي (عليه السلام)، وقال الإمام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية: كن عيني على المدينة[3].

وبعد استقرار البلاد تطعم الدوائر الرسمية ببعض الأفراد الصالحة من هذه اللجان، ويسرح المقدار الزائد الذي لا حاجة للدولة إليه.

2ـ تشكيل الجيش الشعبي في كافة البلاد لتكون حافظة للدولة الفتية، إذ لا يؤمن من الجيش السابق، حيث إنّ من الممكن أن يكون الطموح أو إغراء أعداء الإسلام يوجب لهم القيام بالانقلاب أو تقطيع بعض البلاد إلى دويلات أو القيام بأعمال التخريب، إذا رأوا الساحة فارغة لهم، ثم وبطول الزمان واستقرار الدولة يجعل هذا الجيش الشعبي قوة احتياطية، بعد تطعيم الجيش النظامي بعناصر صالحة منه، وتسريح آخرين تنتهي مهمتهم.

3ـ تشكيل محاكم شعبية في كل بلد للقيام بمهمة القضاء السابق، لكن على الأسلوب الإسلامي يكون قوام كل واحدة منها، بعض رجال الدين العدول، العارفين بالأحكام الإسلامية، اجتهاداً (أو تقليداً، فإنّا نرجو جواز ذلك إذا كان رجل الدين وكيلاً عن المجتهد) وبعض القضاة والمحامين السابقين، لأجل عرفانهم بالمجاري الطبيعية لسير الدعاوى والمرافعات، وبعض المعتمدين من أهل البلد الذين يعرفون الناس ويكونون سندا للمحكمة في حكمها.

4ـ الإبطال التدريجي ـ بكل سرعة ممكنة ـ للمحرمات المتفشية في البلاد مثل إبطال محلات الخمر، مع تعويض أصحابها بمال يقدرون به من التكسب الحلال، بما يكفل لهم العيش المتوسط، وإبطال المباغي مع تزويج النساء البغايا، بعد تطهيرهن وتعقيمهن، وإيجاد دور المتعة أي المحلات التي تقوم بالعقد والإرشاد، لتسد مسد المباغي، وإبطال البنوك الربوية، وجعل قواعد المضاربة محلها، بما لا يسبب عدم ربح المودعين، مما يوجب سحبهم المال من البنوك المسبب لإفلاسها.

5ـ جعل ضوابط قوية على الحدود تراعي كلاً ـ من حرية السفر إلى البلاد الإسلامية، ومنها إلى سائر البلاد، كما تراعي كُلاً من استيراد وإصدار الأموال بدون (مكوس) ـ ومن عدم إيجاب ذلك تحطم الاقتصاد بسبب استيراد كميات هائلة من البضائع، مما يضر الاقتصاد الإسلامي، أو إصدار كميات هائلة، مما يضر معيشة الناس، والحاصل يراعي (قانون الحرية) و (قانون لا ضرر) و (قانون حرمة المكوس).

6ـ فصل البنين والبنات عن بعضهم البعض، في المعاهد والنوادي وما أشبه مع توفير الدرس، والترفيه لكلا الجانبين، مثلاً يجعل بعض المدرسة لهم، وبعضها لهن، وهكذا.

7ـ إعطاء المرأة حقها المهضوم، وإدخالها في مختلف مجالات الحياة التي تليق بكرامتها، وأمر الإسلام بها تدريجياً بما لا يسبب هزّة اجتماعية عنيفة تترتب عليها محاذير.

8ـ إعطاء العامل والفلاح وغيرهما من سائر الطبقات المحرومة حقوقهم المغدورة، وإرجاع الكرامة الإسلامية إليهم، ليكون لهم شأنهم الإنساني في الاجتماع.

9ـ العفو التدريجي عن مجرمي العهود السابقة، حسب جدول زمني مع ملاحظة ألاّ يسبب ذلك فرصة تكرار الإجرام في المجتمع، فيبدأ أولاً بإطلاق سراح الذين سماهم القانون مجرمين، مع أنهم ليسوا في منطق الإسلام مجرمين، ثم المجرمين الحقيقيين الذين كانوا حسب المنطق الإسلامي مجرمين، وليس ذلك تعطيلاً للحدود، فإنّ ولي المسلمين له هذا الحق، ولذا عفا رسول الله عن مجرمي مكة وغيرهم، وعفا أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مجرمي البصرة وغيرهم، ولا شك أنهما أسوة، بل يمكن أن يستفاد من قاعدتي (الإسلام يجبُّ ما قبله) و (الإيمان يجبُّ ما قبله)[4] حكمٌ عامٌ في كل تغيير عام من الانحراف إلى الإصلاح، وأنّه بيد ولي الأمر إنْ شاء عفا، خصوصاً إذا كانت المصلحة في ذلك.

10ـ التدرج في تهيئة الجو الإسلامي العام، فإنّ القدر المتيقن من أدلة العقوبات إنّها إنّما تجري في الجو الإسلامي، فإذا وفّر الإسلام جو الغنى ورفع العوز عن الكل، أجرى عقوبة القطع على السارق وكذلك إذا لم يكن حوانيت خمر يحميها القانون، أجرى الإسلام على شاربها الحد المقرر وهكذا، وقد ذكرنا في كتاب الجهاد تفصيل ذلك، وإنّ مثل الارتداد العمومي ونحوه لا يوجب إقامة الحدود عموماً فراجع، وإنْ كانت المسألة فيما نحن فيه بحاجة إلى المزيد من التتبع والتأمل، والله العالم.


[1] ـ سورة الفرقان: الآية32.

[2] ـ كنز العمال: ج12 ح34666.

[3] ـ تاريخ الطبري: ج6 ص191 (مقتل محمد بن علي بن أبي طالب)

[4] ـ بحار الأنوار: ج40 ص230.