أجهزة الدولة الإسلامية

مسألةـ31ـ قد عرفت أنّ الدولة الإسلامية تشبه الدولة الديمقراطية مع فروق شرعية، فنقول: على هذا الدول الإسلامية تبنى على خمسة أجهزة: ـ

الأول: السلطة التطبيقية (المسماة بالتشريعية في الدولة الديمقراطية) وهي مجلس الأمة المنبثق عن اختيار الأمة لوكلاء تعتبر فيهم العلم والعدالة والفقاهة والكفاءة، وشأن هذا المجلس أنْ يطبق القواعد الإسلامية على الصغريات المبتلى بها وربما يقال: بصحة أنْ يكون الوكيل ثقة ذا كفاءة، وإنْ لم يكن فقيهاً إذا كان في المجلس فقهاء عدول، لا ليسن القانون إلاّ حسب نظرهم، فالمجلس مكون من خبراء مختارين للناس مع توفر العدالة والفقاهة فيهم في الجملة.

الثاني: السلطة التنفيذية، وهي عبارة عن رئيس الدولة الذي يجب أنْ يكون جامعاً لشرائط مرجع التقليد، بالإضافة إلى الكفاءة ـ كما تقدم وجهه في بعض المسائل السابقة، وعن مستشارين ووزراء له يساعدونه في الدراية والتنفيذ وحال الوزراء حال النواب في الشرائط المذكورة.

أما الرئيس الأعلى، فتعيينه بيد الأمة مباشرة، أو بواسطة النواب، كما لا يحق للأمة أنْ تفوض تعيين مستشاري الرئيس ووزرائه بيد الرئيس، أو بيد مجلس الأمة، أو بيد الشعب مباشرة كل ذلك لإطلاق الأدلة.

الثالث: السلطة القضائية، وهي سلطة مستقلة، يعتبر في القاضي فيها ما ذكر من الشروط في الفقه الإسلامي، والكل حتى رئيس الدولة خاضعون لها، كما نجد أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) استعد أن يتقاضى في قصة ناقة الأعرابي إلى علي (عليه السلام)[1] وقال (صلى الله عليه وآله): (أقضاكم علي)[2] ، وكذلك في قصص أخرى مذكورة في كتب الفريقين، وكذلك استعد علي (عليه السلام) أنْ يتقاضى إلى قاضيه في قصة الدرع[3]، كما ذكرها كتاب الغارات وغيرها، إلى غير ذلك، ويحق للأمة أنْ تعين قاضي القضاة (وزير العدل) بنفسها، أو تخول الرئيس أو مجلس الأمة في تعيينه لإطلاق الأدلة كما تقدم.

الرابع: السلطة الصحافية، وهي في الحقيقة سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، بل تشتمل على إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل وتقويم الضال، وتدخل فيها سلطة الإعلام مطلقاً، وهي بمنزلة الكتب والناس والشعراء الذين كانوا يقومون بهذه المهمة في العصور الإسلامية وتعيين رئيسها، أما بسبب الأمة مباشرة أو بسبب رئيس الدولة أو بسبب مجلس الأمة ـ كما تقدم ـ.

الخامس: ما يسمى بـ (الرتل الخامس) أو (بالأمن) أو (بالمباحث) وهي عبارة عن العيون والجواسيس، التي تجعلها الدولة الإسلامية، لمهمات ثلاثة: ـ

الأولى: مهمة التجسس على الكفار في الداخل والخارج، لتعرف الدولة نشاطهم ومقدار قوتهم وما أشبه.

الثانية: مهمة حفظ الموازين والقوانين في داخل الدولة، لئلا تفشوا المنكرات ولا يستهان بالقوانين.

الثالثة: جمع المعلومات التي تهم الدولة وتكون سوراً واقياً ضد الإشاعات التي يطلقها أعداء الدولة أو الذين لا غرض لهم إلاّ أنّهم جاهلون غافلون، بالإضافة إلى ترويج الدولة في مهامها وفي إيصال أغراضها إلى الأمة، فإنّ المقابلات الفردية لها أثرها في تحقيقي الحق وإزهاق الباطل، وليس المباحث في الإسلام لأجل كبت الحريات، وخنق الأصوات، وإلقاء الناس في التهلكة، كما هو حال المباحث في غالب الدول المسماة بالإسلامية ـ في الحال الحاضر ـ وهذه السلطة (المباحث) تجد في الإسلام لها أمثلة، فقد جعل الرسول (صلى الله عليه وآله) بعض العيون على الكفار كما جعل (صلى الله عليه وآله) عيناً على المنافقين، وكذلك كان علي (عليه السلام) يدور في الأسواق، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد أقيم هذا الشيء في أزمته من الحكم الإسلامي باسم (المحتسب) وقد سمي بهذا الاسم، لأنّه لا يحتسب الأمور أو أنّه من (الحسبة) أي يعمل قربة وحسبة لله سبحانه.

ثم إنّك قد عرفت لزوم اقتصار الدولة الإسلامية على أقل قدر من الدوائر، إذ الدائرة الزائدة كبت لحريات الناس، وإهدار لأموال الدولة، وتعطيل لطاقات الموظفين، وحيث تتقلص الدوائر لا تحتاج الدولة إلى أموال كثيرة، ولذا تتوفر الأموال في الدولة لتوزع ـ بعد رواتب الموظفين وكفاية المشاريع ـ بين عامة المسلمين، كما كان يفعله الرسول (صلى الله عليه وآله) وحلفاؤه حقاً أو باطلاً.


[1] ـ انظر وسائل الشيعة: ج18 ص200 الباب 18 ح1، المستدرك: ج17 ص382 ح2.

[2] ـ التبصير في الدين: ص161، المقاصد الحسنة ص72.

[3] ـ المستدرك: ج17 ص359 ح5 عن الغارات ج1 ص124 ط جامعة طهران.