ما يلزم معرفته لتأسيس دولة إسلامية

مسألة ـ33ـ يلزم على كل مسلم مثقف يريد إنهاض الإسلام من جديد أنْ يعرف أمرين:

الأول: الهيكل الأساسي للدولة الإسلامية وسر قوتها والمؤثرات التي سببت سقوط الدولة، أو ضعفها حين كانت قائمة.

الثاني: التاريخ الإجمالي للزعماء الذين قام على أيديهم الإسلام، أما إقامة الدولة أو إقامة الأرضية (الخلفية) الصلبة التي بسببها بقي الإسلام حياً، كما أنزله الله، سواء أفي زمان قيام دولته أم في زمان سقوط دولته، ونحن تلميحاً إلى الأمرين نذكر موجزاً عن المفصل بمقدار ما يقتضيه هذا الكتاب فنقول: أما الأمر الأول؛ فيظهر ببيان أمور:

الأول: إنّ هناك أمرين يسببان وحدة القانون في أمة أو أمم.

الأول: وحدة الحاجة والهدف، فمثلاً إذا كان هناك (ماء واحد) منفصل عن القرى وكلهم محتاجون إليه، لابد وأنْ يوحد الماء قوانين هذه القرى انطلاقاً من أنّه كيف يقسم هذا الماء؟ وكيف يكرى النهر مثلاً إذا احتاج إلى الكري؟ ومن يكريه.؟ وعلى من المال؟ وكيف يقضى بينهم إذا حدث تنازع؟ وبحكم الاختلاط بين أهالي القرى لابد وأنْ يفهم بعضهم تاريخ بعض ولا بد وأنْ تحترم كل قرية تقاليد وعادات القرى الأخرى، ولابد لهذا الاحترام المتبادل من ضوابط، والضوابط بدورها تحتاج إلى جعل قواعد عامة إلى غير ذلك، مما ينتهي بالآخرة إلى وحدة القانون مطلقاً، أو وحدة قانون مشترك بين الجميع، وإنْ كانت لكل قرية قوانين خاصة بها في الجملة، وهذا هو سر وحدة قوانين أهل بلد واحد وأهل قطر واحد، وما إلى ذلك (هذا بالنسبة إلى وحدة الحاجة).

أما بالنسبة إلى وحدة الهدف فمثلاً إذا كانت قرى مشتتة لا ترتبط بعضها ببعض، هاجمها جميعاً عدو واحد، فإنّ هذا العدو يسبب لهم قانوناً واحداً، حيث إنّ الدفاع المشترك يكون كالحاجة المشتركة في توحيد قوانين القرى، بل الهدف المشترك مصداق من مصاديق الحاجة المشتركة، وبهذا يظهر كيف أنّ الدنيا تسير إلى حكومة واحدة هي حكومة الإسلام، إذ تقارب الدنيا بعضها من بعض، ووحدة الحاجة والهدف الناشئة عن التقارب والاتصالات، لابد وأنْ تنتهي بها إلى وحدة القانون، وحيث إنّ قانون الإسلام أفضل قانون يحل مشاكل البشر ويوجب لهم السعادة لابد وأنْ تنتهي الدنيا إلى قانون الإسلام.

الثاني: وحدة الدين، فمثلاً في الإسلام حيث إنّ المسلمين ـ من مختلف البلاد واللغات وغيرهما ـ يعترفون بإله واحد لهم جميعاً، لابد وأنْ ينخرط كلهم في قانون هذا الإله، الذي بدوره يسبب وحدة القانون للجميع، وهذا هو سر المساواة بين المسلمين، وأنّه لا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى، وأنّ كل امرئ بما كسب رهين، وأنّه لا قوميات ولا إقليميات ولا غير ذلك من الوجوه الفارقة، التي لا ترجع إلى الكفاءة (والكفاءة عبارة أخرى عن التقوى).

الثاني: حيث عرف وجه وحدة القانون نقول: سر قوة القوانين وضعفها اشتمالها على المبادئ السامية وعدمه، فكلما اشتمل القانون العام على المبادئ السامية، تكون القوانين قوية والعكس بالعكس، وهذا هو سر قوة الإسلام وأبديته، حيث إنّه على أسمى المبادئ سواء أفي العقيدة، أم في الشريعة أم في النظام فمثلاً عقائده (الله، الرسالة، الإمامة، المعاد) خالدة لا تقبل تعديلا ولا تبديلاً، وشرائعه (والعبادية، والأخلاقية، والاجتماعية، والمعاملية،وغيرها) كلها أسست على أسس إنسانية فطرية واقعية تكون مطابقة للحقيقة ولنفع الإنسان مائة في المائة، ونظامه (كالشورى في الحكم، واشتراط عدالة الحاكم، وإن الأمة بيدها التنفيذ والتطبيق لا التشريع) أحسن نظام عرفه البشر في مسيرته الطويلة.

الثالث: وهنا يأتي الكلام حول (الشورى) وحول نقيضه (الحكم المطلق) فإن الإسلام (بعد اعترافه بأنه لا شورى في قبال النبي والإمام، لأنهما جعل من الله للأصلح بحال الأمة، في إدارتهم) جعل أساس الحكم في الشورى من الرعية لانتخاب الرئيس المشتمل على مواصفات خاصة مشروطة في الرئيس مما قرره الإسلام، ورفض (الحكم المطلق وراثياً أو غير وراثي) وبهذا أمن الإسلام من الانحراف في القيادة، كما أمن (بجعله القوانين العامة) من الانحراف في القانون، فلا التشريع ينحرف ولا التنفيذ ينحرف،وقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) يعلمان المسلمين (في خطواتهما) الاستشارة كما كانا يعلمانهم التساوى للحاكم مع الرعية في سبل العيش (وكيفية السلوك، بل علماهم لزوم أن يكون الحاكم، ذا سلوك أشق في العبادة والمعاملة،وذا معيشة أكثر جفافاً وزهداً).

ففي القرآن الحكيم: ((وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ))[1] ،

وقال علي (عليه السلام) ((أ أقنع أن يقال لي أمير المؤمنين ولا أشاركهم جشوبة العيش ومكاره الدهر،أم أبيت مبطاناً، وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أنْ تبيت ببطنة *** وحولك أكباد تحن إلى القد

إلى آخر كلامه (عليه السلام))[2].

الرابع: لكنّه حدث في الزعامة الإسلامية

1ـ استناد الحكم إلى السيف والوراثة، عوض استناده إلى الشورى.

2ـ ترفع المحاكم عن مساواة الأمة في المعيشة وفي المعمل، ويجمع هذين الأمرين (الحكم المطلق) الذي فيه ما لا يحصى من المآسي، مما قد أشرنا إلى جملة منها في بعض المسائل السابقة، وهذا (الحكم المطلق) هو المسؤول الأول والأخير عن عدم سيطرة الإسلام على العالم كله، وعن مآسي البشرية (المسلمين وغير المسلمين) على طول التاريخ بعد الإسلام، ولذا قال الشاعر:

ولو قلدوا الموصى إليه أمورهم *** لزمت بمأمون عن الخطرات

وقد أشار بذلك إلى قول الصديقة الطاهرة (عليها السلام) (ولسار بهم سيراً سجحاً... إلى آخر كلامها (عليها السلام))[3] ، والاستبداد والاستئثار بالحكم المطلق إنما انبثق عن عاملين:

1ـ الهوى وحب الرئاسة.

2ـ تعلمته بنو أمية من (الرومان) حيث إنّ معاوية تأثر بالروم في كل أفكاره وأحواله، حيث كان يقطن بلادهم ويقرأ كتبهم ويستشيرهم (مثل سرجون وغيره) وقد تزوج فيهم وتكيف في حياته الخاصة والعامة بكيفيتهم، وسار على منواله بنو أمية،... كما تعلمه بنو العباس من (الفرس) حيث إنّ أعوانهم كانوا منهم وقد تكيفوا بكيفيتهم، في كل شيء إلاّ في الألوان والصبغة السطحية. التي كانوا يستترون تحتها، ولولا الأئمة الطاهرون (عليهم السلام) لعصف بالإسلام، ما عصف بالأديان السابقة.

(الخامس) وقد سبب الحكم المطلق أمرين بارزين ـ في جملة مآسيه ـ كان لها أقوى الأثر في تأخير البشرية (لا المسلمين فحسب)

1ـ الثورات الداخلية التي أثارها ظلم الحكام والولاة (فإن الولاة نهجوا نهج الخلفاء في الظلم) مما سبب الثورات المتلاحقة التي أضعفت القوة الإسلامية الهائلة التي كان من المقرر أن تصرف في بناء عالم جديد ـ في كل أبعاده ـ بينما صرفت في تفتيت الأمة وهدر طاقاتها.

2ـ ضعف معنويات الأمة، حيث إنّ اشتغال الخلفاء والأمراء باللهو والخمر والنساء أوجب ابتعاد الأمة عن المثل السامية (فإن الناس على دين ملوكها) ومن الواضح أن أية أمة من التماسك (بله التقدم) إذا ضعفت معنوياتها، كما قال الشاعر:

فإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فإنّ الأمة تتماسك (بالثقة المتبادلة) و (احترام بعضهم لبعض) و (وتعاون بعضهم لبعض) و (الوفاء بالعهد) و (الصدق) (والاتقان في العمل) و (أداء الأمانة) إلى غير ذلك، فإذا ضعفت المعنويات والخلفيات ضعفت كل شيء في الأمة، وبضعفها تتلاشى الأمة ويتسلط عليها الأعداء، كما حدث كل ذلك في الأمة الإسلامية، مما نرى أثرها السيء في المسلمين إلى اليوم، هذا تمام الكلام ـ موجزاً ـ في الأمر الأول ـ الذي أشرنا إليه في بدء المسألة ـ الأمر في موجز من أعمال زعماء الإسلام الذين هم عبارة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام فنقول:

1ـ أما الرسول (صلى الله عليه وآله) فقد كان من وفور العقل والحزم وإمكانية التخطيط للنجاح في شيء هائل، ولذا تمكن في مدة قصيرة من تأسيس الدولة والأمة والدين بما لم يتمكن من مثل ذلك أحد، فمن جاء قبله أو بعده سواء أمن الأنبياء أم من المصلحين، والتساؤل أنه كيف أبقى على الذين أفسدوا الإسلام من بعده مع أن منطق الأحداث كان يدل على ذلك، بالإضافة إلى علمه بالغيب بواسطة تعليم الله سبحانه له ـ يظهر غير حازم إذا عرف الإنسان أن الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما كان مشرعاً ولم يكن خالقاً ليغير طبيعة البشر، ولذا قال القرآن الحكيم: ((فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ))[4] وهل الذين يحرفون أفراد قلائل حتى يقضي عليهم الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ فإذا لم يكن معاوية وأبو سفيان لكان اسم آخر يقوم بنفس أعمالهم، كما كان قبله أسماء أخر، من قبيل (فرعون) و (نمرود) قام بنفس الأعمال، إن مهمة الرسول تبيين الرشد من الغي ليساهم في إراءة الطريق حتى يأتي جبر الزمان لألوف السنوات بالتعديل المرموق كما يكون ذلك في زمان الإمام المهدي (عليه السلام) فالتصاعد الإنساني حاله حال التصاعد الزراعي والتجاري والعلمي والعمراني وغيرها، إنّما يكون تصاعداً طبيعياً لا فجائياً ـ حسب ما قرره الله في الكون ـ فالتغيير لا يمكن بالتشريع، وإنما بتغيير الخلق، وذلك لم يكن بيد الرسول (صلى الله عليه وآله)، بل لو كان بيده لما فعله (صلى الله عليه وآله) .

(ينقل عن العلامة نصير الدين الطوسي (ره) أنه قال: لو فوض الله الكون بيدي لما زدت ولا نقصت مقدار شعرة ـ يريد بذلك أن الكون خلق في كمال الصلاح حتى إن كل زيادة ونقيصة فيه خبال وفساد، ولو كان النقص أو الزيادة مقدار شعرة ـ) إذ لو كان التغيير التكويني صلاحاً لفعله الله سبحانه، ولو أراد سبحانه أن يغير لكان كون آخر لا هذا الكون، والمفروض أنه هذا الكون الذي له قابلية الوجود فالفياض المطلق أوجده، قال الشاعر الفارسي:

چهان چون چشم وخال وگوش وابرو است *** كه هر چيزى بجاى خويش نيكوست

وتفصيل هذا الكلام مذكور في الفلسفة الإسلامية، وكان المقصود هنا الإلماع لا الاستيعاب فإنه خارج عن مهمة المبحث.

2ـ وكالرسول (صلى الله عليه وآله) فعل علي (عليه السلام) من الإصلاح الميسور في الإطار التكويني المقرر خلقه، ولذا لا تجد أي مغمز صحيح في أي من أفعاله (عليه السلام) فحيث كان يخشى من ذهاب الإسلام وحيث ذهب هذا الخوف بقوة الإسلام نهض الإمام (عليه السلام) فكان دور الرسول (صلى الله عليه وآله) ودور المؤسس، ودور الإمام (عليه السلام) دور المصحح، وهذا طبيعي لكل حركة فلها دور التكوين، ثم يأتي بعد ذلك دور الفرز والتمييز، وهذا هو معنى أنه (صلى الله عليه وآله) كان يقاتل على التنزيل وكان علي (عليه السلام) يقاتل على التأويل، وحيث إنّ الانحراف في الإطار يكون على ثلاثة أقسام: انحراف إلى الدنيا كمعاوية، وانحراف إلى الدين كالخوارج، وانحراف مزيج من الدنيا والدين كأهل الجمل، كان كل مهمة الإمام (عليه السلام) تعيين هذه الانحرافات الثلاثة، ولذا لما بينها انتهى دوره (عليه السلام) وانتظر أشقاها ليريحه من هموم الدنيا ومشاكلها، وإذا أردنا أن نمثل الانحرافات الثلاثة بالسيارة التي تسير في طريق جبلي مكتنف بارتفاع الجبل من ناحية وهوة السفح من ناحية ثانية كان لنا أنْ نقول: إنّ كلا من ميل السيارة إلى المرتفع والسفح وتمايلها تارة إلى ذلك وتارة إلى ذلك خطر عليها فاللازم تجنب الطرق الثلاثة والاستقامة ممّا كان يمثلها دور الإمام (عليه السلام) فأهل النهروان كانوا يمثلون الاصطدام بالارتفاع، ومعاوية كان يمثل السقوط في الهوة، وأهل الجمل كانوا يمثلون الانحرافيين بتراوح، أما تشدد الإمام (عليه السلام) فقد كان لأجل تمييز المحق من المبطل، فالرسول كالغواص الذي يجمع كل شيء (وكان لابد أن يجمع كل مؤمن ومنافق لتكون جبهة عريضة في قبال جبهة الكفر العريضة)، والإمام كالتاجر الذي يميز بين الحصى واللؤلؤ، (وكان لابد له أنْ يميز وإلاّ اختلط الحق بالباطل) فلا يقال لماذا الرسول (صلى الله عليه وآله) سامح في العفو عن المجرمين وإعطاء الأموال الوفيرة لكل صالح وطالح، والإمام شدد فلم يبذل ولم يعف لوضوح الجواب باختلاف الدورين، وهذا هو سر أنّ لكل نبي وصياً فالنبي يجمع والوصي يميز، أما إنّ الإمام لم يبذل حتى من ماله الشخصي لأخيه ـ مع جواز ذلك شرعاً ـ فلأنه أراد أنْ يقطع الطريق على الحكام، كي لا يبذلوا أموال الأمة ثم يدّعوا أنّهم بذلوه من أموالهم الشخصية، ولما ذكرناه كان الإسلام بدون علي (عليه السلام) ناقصاً، ولذا قال سبحانه ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...))[5] حيث نصب الرسول (صلى الله عليه وآله) بأمره سبحانه علياً خليفة على الأمة، وعلى هذا المعنى يحمل الحديث الوارد عنه تعالى: (لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما) فإنّه لولا البشر المهتدون بسبب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان الخلق ناقصاً، والخلق الناقص ليس من شأن الحكيم، ولولا علي (عليه السلام) لم يكن مظهر للانحراف ولعاد المحذور (من الخلق الناقص الذي لا يليق بالحكيم) ولولا (فاطمة) التي تفضح الأساليب الملتوية التي تهيئ الدور لعلي (عليه السلام) ـ من ناحية ـ وتنتج من يقوم الانحراف الذي يصيب الأمة بعد علي (عليه السلام) (أي الحسنين (عليهما السلام) والأئمة (عليهم السلام)) لم يكن لعلي (عليه السلام) دور في حياته، ولا بقاء بعد مماته لما صححه من الانحراف.

3ـ وبهذا ظهر دور فاطمة (عليه السلام) في نشر الإسلام وإقامة الأحكام وهداية الأنام وحفظ شريعة سيد الأنام مدى الليالي والأيام.

4ـ كما ظهر دور الإمامين (عليهما السلام) وقد كنت ذكرت في مقال بعض جوانب دورهما (عليهما السلام) نعيده لإتمام الفائدة.

فنقول: كل من الإمامين (عليهما السلام) كان ثائراً، ولكن بفارق، وبالنسبة للإمام الحسن (عليه السلام) تطرح أسئلة.

السؤال الأول: هل هناك فرق بين الإمام الحسن (عليه السلام) وبين الإمام الحسين (عليه السلام) في العمل والحركة؟

الجواب: كلا!.... ولكن كيف يكون ذلك.

موجز الجواب: إنّ كلاً من الحسن والحسين كان رجلاً ثائراً، والفرق هو أن الإمام الحسن (عليه السلام) كان يعد الثورة، والإمام الحسين (عليه السلام) قام بالثورة فعلاً، فالثورة تحتاج إلى إعداد وتنفيذ وتفجير،فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في مكة كان ثائراً، ولكنه كان ثائراً إعدادياً، وفي المدينة كان ثائراً فعلياً تنفيذياً.

فإنه لا يمكن للثورة أنْ تتم بدون إعداد وتهيئة، وكذلك الإعداد بدون نهوض وتفجير خارجي ليس له جدوى.

فقد تعد مدرسة (مثلاً) ولا تأتي بالطلاب، أو تأتي بهم ولكنك لا تعد المدرسة، كلاهما غلط، أما إذا قمت بإعداد المدرسة ثم جلبت الطلاب إليها فإنك قد قمت بعمل متكامل، وكذلك فإن الثورة تحتاج إلى إعداد دائماً، والإمام الحسن قام بهذا الدور، ولذا فالظاهر أنّه لولا الإمام الحسن (عليه السلام) لم يتمكن الإمام الحسين (عليه السلام) من الثورة أبداً.

فإنّه يستحيل أنْ تقوم ثورة لها مقومات الثورة الصحيحة بدون إعداد، والذي يؤيد ذلك أنّ الحسين (عليه السلام) أيضاً لم يُثر ومكث بعد موت أخيه الحسن تسع سنوات، يرتب تهيئة الظروف لتفجير الثورة.

وإليك مثلاً يوضح ذلك في حياة الأنبياء (عليهم السلام) فإن قسماً منهم لم يحاربوا وقسماً آخر قد حارب، فلماذا هذا الفرق؟

إنّ الثورة عبارة عن البناء، والبناء يحتاج إلى مقدمات ومؤهلات،وإذا لم يكن حديد ولا أسمنت ولا أبواب ولا خشب ولا عمال، فهل يتمكن البناء من البناء؟ بالطبع كلا، وكذلك إذا لم يكن إعداد لم يتمكن الثائر من الثورة، إنّ كلاً من الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) قد أديا رسالة واحدة، أدى نصف هذه الرسالة الإمام الحسن (عليه السلام)، حيث أعد للثورة إعداداً متكاملاً ومحكماً، بينما قام الإمام الشهيد أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) بالأداء الجيد للنصف الثاني حيث قام بالتفجير الصاعق للثورة، وإني أظن أن مهمة الإمام الحسن كانت أكثر وأهم وأثقل من مهمة الإمام الحسين (عليه السلام)، لأنّ مهمة الإعداد أصعب من مهمة التفجير التي قام بها الإمام الحسين بها.

فإن الإنسان إذا أراد أن يربي جيلاً ثائراً لابد أن يهان إهانات بالغة، ويحتاج إلى تخطيط سليم وإلى زمن طويل، ويحتاج إلى فكرة طويلة المدى وإلى طاقة هائلة، وإلى تقية متزايدة حتى يبقى على الجيل الناشيء، ويحتاج إلى كثير من عوامل البقاء طوال عشرين سنة أو ثلاثين.. ويحتاج إلى إعداد نفسه لأنْ يمدح، فإن الإنسان الذي يثور سواء أنجح أم سقط، هذا الإنسان يجلب مدح الناس إلى نفسه ويستقطب قلوبهم إليه، أما الإنسان الذي يخطط... ويعد.. ويستعد.. فإنه يعمل بلا مدح، إنه كالبذرة تحت الأرض فالبذرة التي تحت الأرض تعمل.. وتعمل تحت الأرض حتى تنمي نفسها، بعد النمو يظهر الرواء.. والجمال... والخضرة... والورد.. والثمرة، أما قبل النمو فلا يظهر أي شيء، وإنما هي مجرد بذرة تحت الأرض مخفية لا مدح لها، ولا رائحة، ولا لون ولا طعم ولا رواء.. لكن الرواء.. والجمال... والخضرة والورد والثمرة كلها مترتبة على تلك الأعمال التي عملها البذرة تحت الأرض فمهمة الإمام الحسن هي مهمة الإعداد، وهي مهمة أصعب، إذاً فرسالة الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) رسالة واحدة انقسمت جزئين، وإن كنا نظن أنّ رسالة الإمام الحسن كانت أصعب، ولعل سر أّنه (عليه السلام) أفضل من الحسين (عليه السلام) هو هذا.

السؤال الثاني: إذا كان الإمام الحسن (عليه السلام) بصدد الإعداد للثورة دون تفجير الثورة، فلماذا حارب معاوية حرباً فاشلة في ظاهرها؟ مع العلم أن دوره دور الإعداد والاستعداد، مع أن الحرب انتهت على الظاهر بالفشل، ثم بالصلح على ما يقال، ثم انسحاب الإمام من الميدان كاملاً؟؟

والجواب: إنّه دائماً الثائرون يحتاجون إلى انتفاضة، وهذه الانتفاضة تهز المجتمع، وفائدة الانتفاضة استقطاب العناصر الخيرة وكشف سوء الطرف الآخر، وهي ضرورة لكل ثورة في العالم،فإن كل ثورة تقوم بحزم يجب أن تقوم بهذا العمل، فإن من يريد ثورة يحتاج إلى عملين:

العمل الأول: أنْ يستقطب العناصر الخيرة حول الإنسان الثائر حتى يعرف الناس أنّ لهذا الإنسان قابلية العمل والثورة والحركة فينتمون إلى جبهته...

والعمل الثاني: أن يكشف عن سوءات العدو أو الجهة التي يريد محاربتها.

انظر في قصة إبراهيم (عليه السلام) ـ لماذا كسر إبراهيم الأصنام؟ مع العلم أنه كان يعلم أنه لا يقدر على أي شيء من تغيير تلك العناصر وتلك البلاد؟ لقد جاء إبراهيم (عليه السلام) وهو إنسان واحد، وكان يعلم أنّه لا يتمكن من التغيير، لكنّه مع ذلك جاء في ليلة أو يوم عيد وكسر تلك الأصنام، (هذا شيء واضح وطبيعي) إنّ المدينة بأكملها تعبد غير الله، من الملك إلى أصغر رجل في ذلك البلد، وإنسان واحد لا يتمكن من زحزحة الواقع الفاسد، وإنّما كانت نتيجة هذا العمل الذي قام به أنْ يقضى عليه بالإعدام، كما قضي عليه فعلاً، فكيف يقوم إبراهيم وهو نبي الله بهذا العمل؟.

إنّما قام إبراهيم بهذا العمل الجريء، حتى يهزَّ المجتمع من أقصاه إلى أقصاه.

ونفس العمل قام به الإمام الحسن (عليه السلام)، فإنه عمل انتفاضة وهذه الانتفاضة استوجبت ظهور معاوية على واقعه، لأنّ معاوية كان مستوراً عن أعين المسلمين، وكانوا يظنون صدقه وطهارته، ولكن متى وكيف استطاع الإمام أنْ يكشف ويفضح معاوية على واقعه؟ عندما حاربه وظهر غدره وخيانته، وعندما صالحه الإمام، فصعد معاوية المنبر وقال: كل شروط الصلح تحت قدمي، وقال: (ما حاربتكم لتصلّوا ولا لتصوموا)[6] ، فإنّ من الواضح أنّه إنّما تنكشف أمثال هذه المواقف اللادينية واللاإنسانية أثناء الهزّات التي تعصف بعدو الله المستتر برداء الصلاح، وفي أثناء الأزمات والانتفاضات ينكشف الصديق من العدو، وينكشف أصدقاء الجبهة، وأعداء الجبهة، فالإمام الحسن (عليه السلام) مع علمه أنه لا يربح الحرب حارب.

هل إنّ الإمام لم يكن يعلم أنّه سيخسر الحرب؟

هل إنّه كان أقل علماً منا، حتى العلم العادي بقطع النظر عن علم الإمام فخسارة الإمام متوقعة، ومع ذلك حارب؟.... فلماذا حارب؟

لأنّه أراد استقطاب العناصر الخيرة حول هذه الجبهة، سواء أحوله هو أم حول خلفه، أم خلف خلفه، وأراد كشف الجبهة الثانية على واقعها.

وبالفعل فقد أثمرت هذه الحرب للإمام الحسن هاتين الثمرتين:

لقد ظهر معاوية على واقعه، وإنّه إنسان دجال كذاب يخالف الشروط، لا يقاتل الناس إلاّ لأجل الإمارة والملك، ويحارب الدين، كما انكشفت جبهة الإمام الحسن (عليه السلام) أنه إنسان يريد الدين ويريد الفضيلة، ويريد التقوى ويريد الهداية، ويريد أنْ يسلك مسلك جده وأبيه، وعلى هدي القرآن.

والخلاصة:

وبناءً على هذا، فالسؤال الأول: هل إنّ الإمامين الحسن والحسين في طريقين؟

جوابه: كلا، فكِلا، الإمامين في طريق واحد هو طريق الثورة، الإمام الحسن (عليه السلام) قام بإعداد الثورة، أما الإمام الحسين مهمته تفجير الثورة والمواجهة الحاسمة مع العدو.

والسؤال الثاني: لماذا حارب الإمام الحسن (عليه السلام)؟

والجواب: الإمام الحسن ـ حارب لأجل كشف الجبهتين حتى تنكشف جبهة الحق ـ وتتعرى جبهة الباطل على واقعها.

والسؤال الثالث: أما كان بإمكان الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يتغلب على معاوية؟ ويقوم بنفس الأعمال التي قام بها معاوية من شراء الضمائر بالمال وما أشبه؟

لا، بل نفس الأعمال التي كان يعملها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلقد كان يعطي لبعض الناس مالاً، وللبعض الآخر زوجة ويتزوج من قسم ثالث، ويؤمِّر قسماً، فمن أجل تثبيت دعائم الحق والإسلام والهدف عمل كل هذه الوسائل، ألم يكن بإمكان الإمام الحسن أن يصنع مثل هذا الصنيع؟ بمعنى أن يستميل رؤساء الكوفة، يأخذ منهم بنات ويعطي لهم بنات ويستقطبهم ويتقرب إليهم ليعمل جبهة ويصنع تنظيماً، أما كان بإمكان الإمام الحسن (عليه السلام) أن يعمل ذلك حتى يتغلب؟

الجواب: لم يكن باستطاعة الإمام الحسن ذلك، إنْ قيل لماذا كان بإمكان معاوية ولم يكن بإمكان الإمام الحسن؟ بل لماذا كان بإمكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يكن بإمكان الإمام الحسن (عليه السلام)؟ قسم من الناس يجيبون لأنّ هذا العمل خداع ومكر، لكن هذا الجواب غير صحيح، فلقد مارس الرسول كل هذه الوسائل ولم تكن خداعاً أو مكراً.

فإنّه في سبيل الوصول إلى الحق لك أن تعطي بنتك، وتأخذ بنتاً، وأن تعطي مالاً، وقد أعطى (صلى الله عليه وآله) لأبي سفيان الذي لا يستحق شيئاً (100) من الإبل،إلى غير ذلك، فالرسول (صلى الله عليه وآله) عمل كل هذا.

وبالنسبة لنا فإنا إذا أردنا الباطل تصبح كل الأمور غير جائزة، أما إذا أردنا الحق فكل هذه الأمور صحيحة (لأنّ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)[7] إذاً فالسؤال ألم يكن بإمكان الإمام أن يقوم بهذه الأعمال؟ جوابه: لا، إن قلت: وكيف كان بإمكان معاوية ولم يكن بإمكان الإمام الحسن (عليه السلام)؟

الجواب: جيش معاوية هو جيش الروم، وقد عاش ما يقارب من خمسمائة سنة ـ مركزهم سوريا وتركيا وفلسطين ـ فمعاوية كان على رأس جيش عمره 500 سنة، جيش منظم مترابط ذو جبهة واحدة، وعندما جاء الإسلام تغير اللون السابق، فاللون المسيحي أو البيزنطي... أصبح لوناً إسلامياً، فمعاوية كان على رأس جبهة مطيعة غير مفككة، ولم يكن هذا من صنع معاوية ـ وإنما كان قبل خمسمائة سنة ـ والذي حدث أن معاوية جاء على رأس هذه الجبهة باسم الإسلام.

أما الإمام الحسن؛ جاء على رأس جبهة مفككة، فالكوفة مدينة جديدة استحدثت منذ عهد عمر، ومن عهد عمر إلى عهد أمير المؤمنين لم يكن هناك خمس عشرة سنة، فالبلد ململم جاء فيه من الفرس ومن العرب، من أهل الشام، من سائر الأماكن،والكوفة لم تكن صالحة ومؤهلة للحرب، ولهذا لم يتمكن الإمام علي (عليه السلام) من الحرب بهم ولا معاوية حارب بهم، ولا الحسن (عليه السلام) حارب بهم، ولا المختار حارب بهم، ولا التوابون حاربوا بهم، ولا مصعب حارب بهم، ولا الأمويون استطاعوا أنْ يحاربوا بهم فإنّ الحرب ليس معناها لملمة مجموعة من الناس، والأعراب (بدو وغير بدو) ويحارب القائد بهم، فإنّ الحرب خطط ونفسيات... وتفكير وجبهة وقرابات وصداقات ورواسب وجبهة الإمام كانت تفتقد كل هذه الوسائل، ولهذا نقول إنّه لم يستطع أحد أنْ يحارب بجيش الكوفة لا قبل الإمام ولا بعده، ويدل على ذلك أنّ بعد الإمام الحسن المختار حارب بهم لكنهم خانوه، ومصعب حارب بهم فخانوه، والإمام الحسين دعوه إليهم ثم خانوه، وكذلك حارب ابن زياد بهم فخانوه، والحجاج أيضاً خانوه، ولذا اضطر الحجاج أنْ يحارب بجيش الشام (كما ذكر في التواريخ) وعليه فالإمام الحسن (عليه السلام) لم يتمكن أنْ يجعل من جبهة مفككة غير قابلة للحرب جبهة حربية حتى ولو أعطى المال أو تزوج أو زوج أو ما أشبه، وإلى هذا يشير الإمام علي (عليه السلام) بقوله: إن صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، وكان يقول: ليت معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم يأخذ منكم عشرة ويعطيني واحداً[8].

ومنه يظهر أنّه لم يكن باستطاعة الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يتبع خطط رسول الله التكتيكية لإحراز النصر؟ فإنّ المنطقة لم تكن قابلة وقبله (عليه السلام) لم تكن قابلة، وبعده (عليه السلام) أيضاً لم تكن قابلة، وحتى العباسيين عندما جاؤوا إلى الحكم حاربوا بالخراسانيين من الإيرانيين وليس بأهل الكوفة، لأنّ خراسان كانت أيضاً قابلة وكانت جبهة واحدة وهي في ذلك اليوم تمتد إلى طهران وإلى أفغانستان؟

والحاصل أنّ أهل الكوفة لم يكونوا قابلين لأنّ يحارب الثائر بهم، سواء أكان حقاً محضاً كأمير المؤمنين علي، أم الإمام الحسن، أو كان مبطلا محضاً كابن زياد والحجاج بن يوسف ومن أشبههما.... فإن هؤلاء كانوا جبهة مفككة ملمومة، والجبهة المفككة ملمومة لا يمكن المحاربة بهم.

وأخيراً نأتي إلى السؤال الرابع: وهو هل إنّ الحسن (عليه السلام) لم يكن بإمكانه الانتحار ـ إنْ صح التعبير ـ والتضحية كالإمام الحسين (عليه السلام)، وذلك بأنْ يجمع 72 رجلاً ثم يصطدم بالجيش الأموي يقاتل ويقتل كالإمام الحسين (عليه السلام) فإنّ هذا كان بإمكان الإمام الحسن؟ إذاً لماذا لم يفعله؟.

والجواب: نعم، كان هذا بإمكان الإمام الحسن (عليه السلام)، فالانتحار بيد كل إنسان، لكن الإمام الحسن إذا كان يعمل هذا العمل، كان معناه هدم الإسلام بخلاف عمل الإمام الحسين في عهد يزيد، إذ كان معناه إحياء الإسلام، إما أنّ الإمام الحسن إذا كان يعمل هذا العمل، كان معناه هدم الإسلام، فلأنّه هناك فرق بين معاوية وبين يزيد، ولذا فالحسين بنفسه لم يقم في زمن معاوية بالثورة.

إنّ معاوية كان خبيراً بأساليب شيطانية وله عقلية خداع متمرسة ولديه جبهة ثقافية طائلة من علماء البلاط يأخذون المال وينسبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل حديث مكذوب أمثال ـ أبي هريرة ومغيرة وشرحبيل وسمرة بن جندب وغيرهم ـ من الذين كانوا يبيعون ضمائرهم بالمال، وإذا كان الإمام الحسن يحارب معاوية ويقتل لكنت ترى سيلاً من الأحاديث الواردة عن رسول الله وعن علي في سب الإمام الحسن (عليه السلام) وكانت تلك الأحاديث تبقى إلى اليوم.

وكنت ترى أنّ كثيراً من المسلمين يعملون بتلك الأحاديث كما هم عليه الآن بالنسبة إلى الأحاديث التي رواها هؤلاء.

وأما يزيد، فلم تكن عنده جبهة ثقافية، ولم تكن له هذه العقلية، وإنّما عقلية يزيد عقلية حرب وأكل وشرب وجنس وافتخار وسيادة وسلطة...

ومثل هذا الرجل ينكره الإسلام قطعاً ويمكن الاصطدام به.

أما أنْ يصطدم الإنسان بشخص وراءه جبهة ثقافية عريضة وله عقلية الخداع والمكر والتمويه فذلك انتحار معنوي وهدم للإسلام،فإذا اصطدم الإمام الحسن بمعاوية كان معاوية يضع الأحاديث عن لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعن لسان أصحابه (صلى الله عليه وآله) حول أنّ الحسن كذا وكذا.

والحديث الذي يقرأه بعض (وهو من وضع معاوية) عن لسان رسول الله (أنّ الإمام الحسن سيد وسيصلح الله به طائفتين عظيمتين من أمتي)[9] موضوع قطعاً، فإن الذي وضع هذا الحديث أراد أن يبين (من لسان الرسول) أن معاوية وعصابته طائفة عظمية من الأمة، وعلي (عليه السلام) وأصحابه طائفة عظيمة من الأمة تحاربا، والإمام الحسن هو الذي تمكن من الإصلاح بينهما.

وهذا الحديث كذب مرتين: مرة لأنّ معاوية وجماعته اعتبرت طائفة عظيمة من أمة رسول الله، ومرة ثانية لأنّ علياً ما تمكن من الإصلاح وتمكن من الحرب، وإنّما الحسن تمكن من ذلك، وكان من الضروري أنْ يقوم عليٌّ بهذا العمل، ولكنه لم يقم وإنما قام به ابنه!!

فظهر مما ذكرناه جواب السؤال الرابع، هو: إن الإمام الحسن كان بإمكانه التضحية والانتحار (إن صح التعبير) كما فعله الإمام الحسين (عليه السلام)، لكن انتحاره وتضحيته كان معناه هدم الإسلام بعكس تضحية الإمام الحسين التي كانت تضحية تعني إحياء الإسلام، لأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) اصطدم بباطل غير مثقف، بينما إذا اصطدم الحسن مع معاوية فإن الأخير كان يكسح ويصفي الإمام عسكرياً وثقافياً، هذا موجز عما أردنا بيانه حول الإمام الحسن وحول الإمام الحسين وحول هذه النهضة.

بقي شيء وهو ماذا نستفيد من نهضة الإمام الحسن (عليه السلام)، ومن إعداده للثورة؟ لكي نرتفع إلى مستوى المواجهة؟ وهذا السؤال، وإن كان خارجاً عن البحث، لكن لا بأس بالإشارة إليه، فنقول: إذا قاوم الإنسان بالسيف فقط، فإنه ليس بصحيح، كما أن الذي لا يقاوم نهائياً ليس عمله بصحيح أيضاً، فإن الإنسان الذي يقوم بالسيف ليس بأسوة، والإنسان الذي لا يقاوم أصلاً ليس بأسوة أيضاً، بل اللازم أن يعمل الإنسان عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويطوره حسب الزمان الحاضر وتوضيح كلمة (تطويره) يظهر بهذا المثال: إنسان لا يذهب إلى الحج، لأنّ رسول الله لم يذهب بالطائرة، وإنسان يذهب إلى الحج بالفرس والجمل، لأنّ رسول الله كان يفعل ذلك كلاهما خطأ، لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يقل أن بعد ألف سنة أيضاً يجب عليك أنْ تركب الخيل والبغال والحمير، فاللازم علينا أنْ نفكر ونعمل، كما كان يفكر ويعمل الإمام الحسن (عليه السلام) .

لأننا نحن الآن في زمان تكالبت علينا قوى الكفر من كل جانب ومكان قوى الشرقيين وقوى الغربيين وقوى اليهود وقوى المسيحيين وقوى الفساد، ليس شيئاً قليلاً، الخمر والقمار والسفور والزنا و.. و.. هذه قوى الشر التي شكلت جبهة عريضة بأهول ما تكون، ومجموع هذه القوى طويلة عريضة عميقة فنحن في الحقيقة بحاجة إلى أكبر قدر من العلم والوعي والعقلية حتى نتمكن أن نبقي على أنفسنا حتى نصل إلى مستوى المواجهة، فإن هناك ثلاثة أشياء:

1ـ إبقاء نفسك.

2ـ إنماء نفسك.

3ـ ثم تكتسح وتأخذ مكان أولئك الذين ملؤوا الدنيا فساداً، فنحن بحاجة إلى ممارسات الحسن (عليه السلام) في العصر الحاضر الذي أصبح الإسلام فيه غريباً، وهذا بحاجة إلى أكبر قدر من العقلية الناضجة والفكر والتخطيط والاستشارة والوقت والخلق والدقة والاستقامة، وإلاّ لا نتمكن أن نفعل شيئاً، والله المستعان.

5ـ أما ما دور الأئمة الطاهرين من علي بن الحسين (عليه السلام) إلى الإمام الحادي عشر فكان الدور الأساس لبناء الإسلام، ومن المعلوم أن دور الأساس مثل دور البناء في الأهمية، فلولا الأساس انهار البناء كما أنه لولا البناء لم يظهر للأساس ثمر، وتفصيل ذلك أن الحضارة الاجتماعية أي لون كانت لابد لها من أسس تقوم الحضارة عليها، مثلاً أحياناً تبنى الحضارة على أن المادة لها كل القيمة وإنما الإنسان مسخر للمادة، وأحياناً تبنى الحضارة على العكس وإن الإنسان المحور المادة خادمة له، وكذلك أحياناً تبنى الحضارة على أساس الكفاءة، ففي الحضارة القومية يكون القريب ذا حق في المنصب وإن لم يكن كفوءاً، وفي الحضارة الكفائية تكون الكفاءة معياراً فهي التي تتقدم، وإن لم يكن الكفوء قوماً وهكذا، وإذا ظهر ذلك قلنا إن الإسلام له حضارة وهذه الحضارة ذات وجهين، وجه الأساس، ووجه المظهر أو الحكم، والأئمة الطاهرون اشتغلوا بالأساس وهو أهم وجهي الحضارة لأنه لولاه لم تكن حضارة، والأساس للحضارة الإسلامية أمور:

الأول: الأخلاقيات، كالصدق، والأمانة، والوفاء، والحياء، وغيرهما.

الثاني: الأصول، كالمبدأ، والمعاد، والرسالة، والإمامة، وما أشبه.

الثالث: الشريعة، كأحكام المعاملات، والأحوال الشخصية، وغيرهما.

الرابع: موازين الحكم،ومواصفات الحاكم، وارتباط الحاكم بالشعب، وما أشبه، مما يتبع ذلك من الحرب والسلم والمعاهدات وغيرها.

الخامس: العبادات الرابطة للإنسان بالخالق، والتي تلطف المشاعر.

السادس: المعارف العامة كأحوال الكون، والحياة، وقصص الأمم وأنبيائها وغير ذلك، والأئمة الطاهرون اشتغلوا طيلة مدتهم بهذه الأمور التي لو لم تشيد لذهبت الحضارة الإسلامية كما ذهبت حضارة الأديان السابقة وبقيت هيكلاً بلا روح، فالأئمة صنعوا أموراً:

الأول: بينوا ربط الإنسان بالخالق كما في الصحيفة السجادية.

الثاني: أوضحوا الشريعة والعبادة.

الثالث: نسفوا الأسس الباطلة للكون والحياة، التي جاءت من حضارتي الفرس والروم، حتى إنه لولاهم لذهبت حضارة الإسلام الفكرية أدراج الشبهات والفلسفات المنحرفة، وقد قام بهذا الدور على أكمل وجه الأئمة الثلاثة: الباقر،والصادق، والرضا (عليهم السلام) .

الرابع: بينوا الأسس الأخلاقية للحضارة.

الخامس: جاهدوا مع المنحرفين من الحكام والعلماء، ولذا سجنوا وقتلوا.

السادس: قدموا للمجتمع المثال الصحيح للإسلام في شخصهم، ولا شك في أن المثال من أهم الأدلة استقامة الحضارة أو انحرافها وصلاحيتها للإنسان أو عدم صلاحيتها، ولو كان الأئمة يمارسون الحكم ـ وقد كان بمقدورهم ذلك لكنهم تركوه ـ لم يبق لهم وقت لبناء الأسس، وكان تبقى الحضارة الإسلامية صورة فقط يؤدي بها الحضارة القائمة قبل الإسلام، ولذا نجد أن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) حيث مارسا الحكم لم يقدرا على بناء الأسس بالقدر الكافي، فإن مشاكل الحكم لا تدع للإنسان الفارغ الكافي لما يتطلبه الأساس،ولذا نجد العلماء الذين مارسوا الحكم مثل حجة الإسلام الشفتي والمرتضى والرضي ليس لهم من الآثار الأسسية بقدر العلماء الذين لم يمارسوا كالمحقق والشيخ الأنصاري وأضرابهما، وما ذكرناه لا يدل على أن دور الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) كان أقل من دور الأئمة التسعة، بل كان اللازم أولاً البناء ليراه الناس ويلتفوا حوله، ثم تعميق الأسس لئلا ينهار البناء، ولذا سماه الله صبغة، لأنه لون ومظهر، وما ذكراه (عليه السلام) من الأسس فإنما كان بمقدار لا يكفي، وإكمال الدين بعلي (عليه السلام) معناه الإكمال بعلي ومن يأتي بعده،أي إن علياً (عليه السلام) رأس طريق الإكمال، كما أنه ليس المراد إكمال الدين بعلي (عليه السلام) في ذلك اليوم، بل وما يأتي منه (عليه السلام) بعده من الأيام، ثم إنه بتمكن الأئمة من إنجاز المهمة الملقاة على عواتقهم فقد كان الله نصرهم، فما استشكل به بعض السنة على حديث الغدير بأنه لو كان صدقاً لاستجيب دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) (اللهم انصر من نصره واخذل من خذله)[10] ، وحيث لم يستجب (مع وضوح أنّ دعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) مستجاب) عرفنا كذب الحديث إلى آخر كلامه غير وارد، إذ ليس المراد بالنصرة الحكم فقط، بل أداء المهمة، وإلاّ فماذا يعني قوله سبحانه: ((إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ))[11] فينتقض على المستشكل كيف نصرهم الله وقد قتل كثير منهم، كما قال سبحانه: ((قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ))[12] كما قتل كثير من المسلمين، كما قصة أصحاب الأخدود وغيرهم.

وحاصل الجواب: إنّ النصرة إمكان القيام بالدور الملقى عليه، هذا مع أنّ النصرة تلاحظ من الأول إلى الأخير، ولذا نقول (نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله)) مع أنّه اضطهد في أول الأمر، فالرسول والمؤمنون به نصروا وإنْ قتل حمزة وجعفر وغيرها، وهناك جواب ثالث، هو: إنّ المراد النصرة إذا توفرت الشروط الأسباب فمثله مثل (الإسلام يعلو)[13] أي مع توفر الأسباب ومثل ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا))[14] أي مع توفر الأسباب، وكذا معنى ((وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ))[15] إي مع توفر الأسباب إلى غير ذلك (فالمعنى إن الله ينصر من نصر علياً إذا وفروا في أنفسهم أسباب النصر) ينصرهم على أعداء علي وإنْ وفروا في أنفسهم أسباب النصر أيضاً.. هذا بالإضافة إلى أن الأئمة (عليهم السلام) مارسوا الحكم والجهاد من خلال أولادهم وأقربائهم وخواصهم، كما نجد تفصيل ذلك في ثوراتهم ضد الباطل حتى قوضوه، والله سبحانه العالم المستعان.


[1] ـ سورة آل عمران: الآية 159.

[2] ـ نهج البلاغة: كتاب رقم45.

[3] ـ بلاغات النساء (لابن طيفور) ص29 في خطبة الزهراء (عليها السلام) ط الحداثة بيروت.

[4] ـ سورة الغاشية: الآية 21.

[5] ـ سورة المائدة: الآية 3.

[6] ـ الإرشاد (للمفيد): ص191، و بحار الأنوار: ج44 ص49 ذيل ح5.

[7] ـ وسائل الشيعة ج17 ص34 الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات ح7، العوالي: ج2 ص11 ح19 و20.

[8] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم97.

[9] ـ انظر المناقب: ج4 ص20.

[10] ـ الغدير: ج ص34.

[11] ـ سورة غافر: الآية 51.

[12] ـ سورة البقرة: الآية91.

[13] ـ العوالي: ج1 ص226 ح118.

[14] ـ سورة القصص: الآية15.

[15] ـ سورة الشعراء: الآية80.