مقاومة الحكومات الجائرة

مسألة ـ34ـ الواجب على المسلمين المخلصين مقاومة الحكومات الجائرة، سواء أكانت إسلامية، فإنّ كل حكومة لا تعمل بأحكام الله سبحانه فهي جائرة، وإنْ كانت ديمقراطية حقيقة، فإنّ كل حكم ما عدا حكم الله سبحانه فهو جور ـ كما حقق في محله ـ و المقاومة سلبية تارة وإيجابية أخرى.

أما المقاومة الإيجابية، فهي أنْ يدخل الإنسان في الحكم لأجل الإحسان إلى المسلمين والحد من نشاط الجائرين، كما دخل يوسف (عليه السلام)، وعمران والد موسى (عليه السلام)، ومؤمن آل فرعون في أحكام الجائرين.

وكما دخل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحسنان وسلمان وأبو ذر، وعمار، في أحكام الثلاثة في الجملة.

ودخل علي بن يقطين في وزارة هارون، وكذلك داود الزربي وكان من ثقاة موسى بن جعفر (عليه السلام)، وكذلك كان محمد بن إسماعيل بن بزيع في الوزارة، وكان من ثقاة الكاظم (عليه السلام)، والرضا (عليه السلام)، وكان عبد الله بن سنان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد، وكان ثقة من أصحاب الصادق (عليه السلام)، وكان عبد الله النجاشي والياً على الأهواز من قبل المنصور وهو ثقة، كتب إليه الإمام الصادق (عليه السلام) رسالة معروفة، وكان علي بن عيسى ومحمد بن علي ولده أميرين بقم من قبل السلطان وهما ثقتان من ثقاة الهادي (عليه السلام)، وكان ابن السكيت مؤدباً لابن المتوكل وقد جره تجاهره بحب أهل البيت إلى قتله قصة في قصة مشهورة، وكان جعفر بن محمد بن الأشعث مربياً لمحمد الأمين ابن هارون العباسي، ودخل الإمام الرضا (عليه السلام) حكم المأمون والظاهر أنّه لم يكن خوفاً من القتل ـ فإنّ القتل لهم عادة ـ بل لأجل هدم حكمه وإظهار اغتصابه وبيان جهله وعدم استحقاقه للخلافة، ولذا شرط على المأمون ألا يأمر ولا ينهى ولا يفتي ولا يقضي ولا يولي أحداً ولا يعزل ولا يغير شيئاً مما هو قائم، مما كان معناه أنّه (عليه السلام) لا يرتبط بالحكم، فالإمام جمع بين تعززه أولاً عن الدخول لئلا يقال إنّه حريص وليملي عليه هذه الشروط، وبين دخوله ثانياً ليهدم الحكم من داخله، كما فعل مثل ذلك الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّه تعزز أولاً عن قبول الإمارة لئلا يتهم بالحرص على الحكم، وليظهر أنّه إنّما كان يطالب الحكم في زمن الثلاثة لأجل إقامة الحق لا حرصاً ـ كما اتهمه معاوية والمنافقون ـ ثم قبل الحكم لإقامة الحق، حيث قال (عليه السلام): (لولا حضور الحاضر... الخ)[1].

وهنا فذلكة لا بأس الإشارة إليها، وهي إنّ الظاهر لدى التتبع والتأمل أنّ الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) كانوا لا يعملون حسب علمهم بالأشياء، بل لم يكن العلم يؤثر في سلوكهم وإحساساتهم، وإنما كانوا يعملون حسب الموازين البشرية ولذا لم يؤثر علم يعقوب (عليه السلام) بحياة يوسف (عليه السلام)، وأنه يصبح ملكاً في حفظه عن البكاء، ولم يؤثر علم الإمام الحسين (عليه السلام) ورؤيته دخول علي الأكبر (عليه السلام) في الجنة في عدم بكائه مع أنّ أحدنا لو رأى ولده يدخل مكاناً حسناً يفرح، لا أنّه يحزن فحسب، وكذلك لو كان علمهم يؤثر في أعمالهم يوجب ألاّ يأتي الرسول (صلى الله عليه وآله) بالناس يعلم أنّهم لو حضروا المعارك استشهدوا إلى المعارك، وألاّ يبقى جائعاً هو وأهله وكثير من المسلمين وقد كان يعلم مكان الكنوز، وكان يقدر على تبديل الحصى جوهراً، إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي تدل على أنّهم (عليهم السلام) ما كانوا يتبعون علمهم الخارق وقدرتهم الخارقة في تمشية أمورهم، بل كانوا يملون حسب علمه وقدرتهم العاديين (إلاّ في أماكن قليلة، لأجل التحدي والإعجاز وما إلى ذلك) وهذا هو سبب عدم اتباعهم لعلمهم في وقت وفاتهم، فإنهم، وإن علموا غيبياً سبب استشهادهم ما كانوا يتجنبونه، كما أنه كان بقدرتهم غيبياً أن يرفعوا أثر السم والسيف من أنفسهم بعد تجرعهم للسم وتعرضهم للسيف، لكنّهم لم يكونوا يفعلون ذلك، لأنّ الأصل في أفعالهم هو المتعارف.

أما القول بأنّهم ما كانوا يعلمون وقت قتلهم، أو كانوا يرجحون القتل بالسم والسيف من باب ألاّ يبتلوا بشيء أشد، فذلك خلاف الأدلة القطعية، فمثلاً رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا لم يتناول السم ماذا كان الابتلاء الأشد له الذي رجح (صلى الله عليه وآله) تناوله السم على ذلك، وكذلك الإمام (عليه السلام) إذا أوقف سيافاً عند مصلاه لئلا يغتاله ابن ملجم، فماذا كان ابتلاؤه الأشد الذي رجح أن يقتل بسيف ابن ملجم لئلا يبتلى بذلك الأشد، وكذلك تجرع الإمام الحسن (عليه السلام) السم من يد جعدة، إلى غير ذلك، كما أنّ إخباراتهم (عليهم السلام) بوقت وسبب موتهم فوق التواتر، مما لا يمكن أنْ يقال إنهم ما كانوا يعلمون بها ـ والكلام في المقام طويل ليس هنا مورده، وإنّما ألمحنا إلى ذلك فذلكة واستطراداً لقبول الإمام الرضا (عليه السلام) الحكم.

وكيف كان، فالشيعة الذين دخلوا الحكم الجائر لأجل إنقاذ المؤمنين وهدم الجور كثيرون تقدم جملة منهم، كما أنّ منهم أيضاً ـ وإنْ لم نحقق بعد أحوال بعضهم ـ أبو سلمة الخلال الكوفي وزير السفاح، أول ملوك بني العباس، ومحمد بن الأشعث الخزاعي من قبل المنصور، وهارون، ويعقوب بن داود من قبل المهدي، وفضل بن سهل وأخوه حسن بن سهل من قبل المأمون (وإنْ كان فيهما كلام) وجعفر بن مجحول الإسكافي من قبل المعتز والمهتدي، ومحمد بن الحسين الهمداني من قبل المقتدى، وهبة الدين من قبل المستظهر، ومحمد بن عبد الكريم من قبل الناصر، والظاهر والمستنصر، ومحمد بن أحمد العلقمي من قبل المستعصم ثم هولاكو كما قبل الوزارة من قبله نصير الدين الطوسي، ودعاية السوء التي روجت حول تحطيم ابن العلقمي للخلافة العباسية ليست إلاّ جهلاً أو تجاهلاً، فإنّ ابن العلقمي لو كان هو سبب مجيء هولاكو، فهل يعقل أنّ يقتل هولاكو الشيعة إلى جانب السنة، وإنّما دخل ابن العلقمي والطوسي الوزارة للتقليل من مآسي المغول حسب الممكن.

وقد جمع الطوسي الأوقاف والعلماء والكتب حول نفسه باسم التنجيم، فحفظ بذلك الأوقاف من النهب والعلماء عن القتل، والكتب عن الحرق، كما يجد المتتبع تفصيل ذلك في التواريخ المفصلة، والتهجم على الطوسي وعلماء زمن الصفوية بأنّهم كانوا من علماء البلاط، حاله حال مدح خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، بأنّ الأول اشترك في حروب الردة، والثاني أنقذ المسلمين من الصليبين، فكلا الأمرين باعثه الجهل أو التجاهل.

أما الأول: فقد عرفت حال الطوسي، وأنّه المنقذ الوحيد للإسلام والمسلمين في أحلك ظروفهما.

وأما علماء الصفوية فقد سببوا إقامة الأحكام ونشر الإسلام وتعميم العدل وتقويم الحكام، والإشكال عليهم بأنّهم كانوا يؤديون الحكام الظلمة، يحتاج إلى دليل شرعي (شاهدين عدلين) إنْ كل حكم الصفوية كانوا ظلمة. (والتاريخ يثبت خلاف ذلك) وعلى تقدير ثبوت ظلم بعضهم يحتاج الأمر إلى دليل أنهم (ره) كانوا يؤيدونهم ولم يكونوا من قبيل ابن يقطين وغيره ممن تقدم ذكرهم (بينما التاريخ أثبت ذلك) والكلام حول ذلك خارج عن مهمة الكتاب.

وأما الثاني: فقد ثبت تاريخياً أنّ أبا بكر لم يحارب المرتدين عن الإسلام (لعدم وجودهم أصلاً) وإنّما حارب الذين لم يرتضوا خلافته، فما يسمى بحروب الردة هي أقذر حروب عرفها التاريخ وبطلها خالد بن الوليد ـ كما يظهر ذلك للمتتبع في التاريخ ـ كما أنّ صلاح الدين، هو السبب لبقاء الصليبين في فلسطين، فإنّه:

1ـ سبب تفتيت الدولة الإسلامية، حيث فصل سوريا عن مصر، مما ضعف الدولة أمام الصليبين.

2ـ وبدل أنْ يحارب الصليبين حارب المسلمين في حرب طائفية بشعة، فقتل مئات الألوف من المسلمين الشيعة، وشرد علماءهم، وأحرق مكاتبهم، ومن الواضح أنّ مثل هذه الحرب الطائفية الأهلية تضعف الدولة من مقاومة الصليبي المحتل، كما حدث بالفعل.

3ـ ولما حضرته الوفاة قسم البلاد بين أبنائه كأنّها إرث، وذلك بدوره أضعف الدولة ضعفاً متزايداً، ولذا بقي الصليبيون في بلاد الإسلام يعيثون كل فساد إلى عشرات السنوات من بعده، وكل ما ذكرناه يجده المتتبع في التواريخ الصحيحة.

وكذلك دخل في الحكم (لأجل ما ذكرناه) الشريف الناصر، والشريف المرتضى، في أبان الحكم العباسي، كما دخل الحكم القاضي نعمان صاحب الدعائم أبان الحكم الفاطمي.

ومن فذلكة القول أنْ نقول: إنّ (الفاطميين) كان بعضهم شيعة اثني عشرية ـ على خلاف المشتهر عند من لا خبرة له بأنّ كلهم كانوا إسماعيلية.

وأنْ نقول: إنّ ما اتهموا به ـ خصوصاً الحاكم بأمر الله ـ كان من نسج خيال بني العباس المنافسين لهم (في بغداد) حيث جندوا المرتزقة مثل (ابن حجلة) وأضرابه للوقيعة، فيهم واتهامهم بتهم رخيصة متهافتة تشهد بنفسها على كذبها، كما لا يخفى على من راجع التاريخ.

هذا كله إلماع إلى كيفية المقاومة الإيجابية التي قاوم بها الأنبياء والأئمة والعلماء والصلحاء ومن إليهم الحكام الجائرين.

وأما المقاومة السلبية فهي أظهر من أنْ تذكر، والقرآن والسنة المطهرة والتواريخ المدونة تزخر بذلك، ومقاومة علي (عليه السلام)، وفاطمة (عليها السلام) والحسنان لغاصبي الخلافة شيء معروف، كما أنّ من الواضح مقاومة الحسين (عليه السلام) ليزيد، ومقاومة بقية الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لملوك بني أمية وبني العباس، كما قاومهم من أولاد الأئمة (عليهم السلام) وأوليائهم، المختار والتوابين، وزيد بن علي بن الحسين، ويحيى بن زيد، وعيسى، والحسين صاحب فخ، ويحيى بن عبد الله، ومحمد بن إبراهيم وغيرهم، ممن يجدهم المتتبع في التواريخ، أمثال مقاتل الطالبيين وغيره.

ولا يخفى أنّ الأنبياء والأئمة ومن حذا حذوهم قد نجحوا نجاحاً باهراً في تحطيم عروش الظالمين، وإقامة العدل، وتأسيس الحكومات الصالحة، والحكومات التي كانت أقل ظلماً، وبعض العدل الذي نراه في جملة من بلاد العالم ـ اليوم ـ إنما هو ثمرة كفاح أولئك الصفوة، وسيستمر الكفاح بإذن الله تعالى حتى يُملأ العالم عدلاً وإيماناً، وما ذلك على الله بعزيز.

تتمة: من اللازم الاهتمام لأجل تأليف كتاب مفصل في الحكم، يجمع فيه فقه آيات الحكم في القرآن الحكيم، إلى فقه سيرة المعصومين في الحكم عملاً، بالإضافة إلى أقوالهم (عليهم السلام) كالتي في كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي نهج البلاغة وملحقاته، كنهج السعادة، وغيره، هذا مضافاً إلى الروايات الكثيرة الواردة في باب الحكم المبثوثة في أبواب العشرة، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتجارة (بحث الولاية) والقضاء والحدود والديات والقصاص، فإنّ ما لا يقل عن ألف آية ورواية وسيرة مبثوثة في الكتاب والسنة والتاريخ بشأن الحكم، فإذا جُمِعَت على أسلوب فقهي استدلالي لكان زهاء كتاب صلاة الجواهر، ويكون شيئاً فريداً في أسلوب الحكم، بالنسبة إلى كل ما في العالم الحاضر في أسلوب الحكم، ثم إنّا ألحقنا بالكتاب جملة من الروايات الواردة بشأن الحكم من الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومن علي (عليه السلام) في عهده إلى الأشتر (رحمه الله) وعن سائر الأئمة (عليهم السلام) تتميماً للفائدة، ونسأله سبحانه القبول والأجر والفائدة وهو المستعان.


[1] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 3.