في تحريم الولاية من قبل الجائر، إلاّ ما استثني ممّا تقدم في بعض المسائل السابقة، كما إذا كان تقية، أو كان فيه نفع المؤمنين أو ما أشبه ذلك، ووجوب رد المظالم إلى أهلها

وعن الوليد بن صبيح قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فاستقبلني زرارة خارجاً من عنده، فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا وليد، أما تعجب من زرارة؟ سألني عن أعمال هؤلاء أي شيء كان يريد؟ أيريد أن أقول له: لا، فيروي ذاك علي، ثم قال: يا وليد، متى كانت الشيعة تسألهم عن أعمالهم؟ إنما كانت الشيعة تقول: يؤكل طعامهم ويشرب شرابهم ويستظل بظلهم متى كانت الشيعة تسأل من هذا[1].

وعن محمد بن مسلم قال: كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) على باب داره بالمدينة، فنظر الناس يمرون أفواجاً، فقال بعض لمن عنده: حدث بالمدينة أمر؟ فقال: أصلحك الله، ولي المدينة والٍ فغدا الناس (إليه) يهنئونه، فقال: إنّ الرجل ليغدى عليه بالأمر يُهنّأ به، وإنّه لباب من أبواب النار[2].

وعن يحيى بن إبراهيم بن مهاجر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): فلان يقرؤك السلام، وفلان وفلان، فقال: وعليهم السلام، قلت: يسألونك الدعاء، قال: وما لهم؟ وما له؟ قلت: حبسهم أبو جعفر، فقال: وما لهم؟ وما له؟ فقلت: استعملهم فحبسهم فقال: وما لهم وما له؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم؟ ألم أنههم. هم النار، هم النار، هم النار، ثم قال: اللهم اجدع عنهم سلطانهم، قال: فانصرفنا من مكة فسألنا عنهم، فإذا هم أخرجوا بعد الكلام بثلاثة أيام[3].

وعن داود بن زربى قال: أخبر ني مولى لعلي بن الحسين (عليهما السلام) قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله (عليه السلام) الحيرة فأتيته، فقلت: جعلت فداك، لو كلمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل (إلى أنْ قلت): جعلت فداك، ظننت أنك إنما كرهت ذلك مخافة أنْ أجور أو أظلم، وإنّ كل امرأة لي طالق، وكل مملوك لي حر، وعليّ إنْ ظلمت أحداً أو أجرت عليه وإن لم أعدل، قال: كيف قلت؟ فأعدت عليه الأيمان فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء أيسر عليك من ذلك[4].

وعن حميد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني وليت عملاً فهل لي من ذلك مخرج؟ فقال: ما أكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه، قلت: فما ترى؟ قال: أرى أن تتقي الله عزّ وجلّ ولا تعد[5].

وعن الحسين بن زيد، عن الصادق، عون آبائه (عليهم السلام)، في حديث المناهي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من تولى عرافة قوم أُتِيَ به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإن قام فيهم بأمر الله عزّ وجلّ أطلقه الله، وإن كان ظالماً هُويَ به في نار جهنم وبئس المصير[6].

وفي (عقاب الأعمال) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث، من أكرم أخاه فإنّما يكرم الله عزّ وجلّ، فما ظنكم بمن يكرم الله عزّ وجلّ أنْ يفعل به، ومن تولى عرافة قوم (ولم يحسن فيهم خ) حبس على شفير جهنم بكل يوم ألف سنة، وحشر ويده مغلولة إلى عنقه، فإنْ كان قام فيهم بأمر الله أطلقه الله، وإنْ كان ظالماً هُوي به في نار جهنم سبعين خريفاً[7].

وعن مفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): من نظر في الله كيف كان، هلك، ومن طلب الرياسة هلك[8].

وعن محمد بن إدريس في (آخر السرائر) نقلا من كتاب (مسائل الرجال) عن أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام): إن محمد بن علي بن عيسى كتب إليه يسأله عن العمل لبني العباس وأخذ ما يتمكن من أموالهم هل فيه رخصة؟ فقال: ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر، فالله قابل العذر، وما خلا ذلك فمكروه، ولا محالة قليله خير من كثيرة، وما يكفر به ما يلزمه فيه من يرزقه ويُسبّب وعلى يديه ما يسرك فينا وفي موالينا، قال: فكتبت إليه في جواب ذلك: أعلمه أنّ مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوه، وانبساط اليد في التشفي منهم بشيء أتقرب به إليهم، فأجاب: من فعل ذلك، فليس مدخله في العمل حراماً بل أجراً وثواباً[9].

وعن مسعدة بن صدقة قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم من الشيعة يدخلون في أعمال السلطان يعملون لهم ويحبون لهم ويوالونهم، قال: ليس هم من الشيعة، ولكنهم من أولئك، ثم قرأ أبو عبد الله هذه الآية: ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)) إلى قوله ((وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ))[10] ، قال: الخنازير على لسان داود، والقردة على لسان عيسى ((كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ))[11] ، قال: كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور، ويأتون النساء أيام حيضهن، ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار فقال ((تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ)) إلى قوله: ((وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ)) فنهى الله عزّ وجلّ أن يوالي المؤمن الكافر إلاّ عند التقية[12].

وعن معمر بن خلاد قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأضر من دين المسلم من حب الرياسة، ثم قال: لكن صفوان لا يحب الرياسة[13].

وعن سليمان الجعفري: قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في أعمال السلطان؟ فقال: يا سليمان، الدخول في أعمالهم والعون لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحق بها النار[14].

وعن علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه[15].

وقال الصدوق في خبر آخر: أولئك عتقاء الله من النار[16].

قال وقال الصادق (عليه السلام): كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان[17].

وفي (المقنع) قال: روي عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: إن لله مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه[18].

قال: وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يحب آل محمد (صلى الله عليه وآله) وهو في ديوان هؤلاء يقتل تحت رايتهم؟ فقال: يحشره الله على نيته[19].

وعن زيد الشحام قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: من تولى أمراً من أمور الناس فعدل وفتح بابه ورفع ستره ونظر في أمور الناس كان حقاً على الله عزّ وجلّ أن يؤمن روعته يوم القيامة، ويدخله الجنة[20].

وعن علي بن يقطين قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في أعمال هؤلاء؟ قال: إن كنت بد فاعلاً فاتق أموال الشيعة، قال: فأخبرني علي أنه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردّها إليهم في السر[21].

وعن زياد من أبي سلمة،قال: دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي: يا زياد، إنك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت أجل، قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجل لي مروة وعليّ عيال وليس وراء ظهري شيء، فقال لي: يا زياد، لئن أسقط من حالق فأنقطع قطعة قطعة أحب إليّ من أنْ أتولى لأحد منهم عملاً، أو أطأ بساط رجل منهم إلاّ لماذا، قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلاّ لتفريج كربة مؤمن، أو أفك أسره، أو قضاء دينه، يا زياد: إنّ أهون ما يصنع الله جلّ وعزّ بمن تولى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أنْ يفرغ (الله) من حساب الخلائق، يا زياد، فإنْ وليت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك، يا زياد أيّما رجل منكم تولى لأحد منهم عملاً ثم ساوى بينكم وبينه فقولوا له: أنت منتحل كذاب، يا زياد إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً، ونفاد ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إليهم عليك[22].

وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة قد ولي ولاية، فقال: كيف صنيعه إلى إخوانه؟ قال: قلت: ليس عنده خير، قال: أفٍ يدخلون فيما لا ينبغي لهم ولا يصنعون إلى إخوانهم خيراً[23].

وعن رجل من بني حنيفة من أهل بست وسجستان، قال: وافقت أبا جعفر (عليه السلام) في السنة التي حج فيها في أو خلافة المعتصم، فقلت له وأنا على المائدة، وهناك جماعة من أولياء السلطان: إنّ والينا جعلت فداك رجل يتولاكم أهل البيت ويحبكم، وعليَّ في ديوانه خراج، فإنْ رأيت ـ جعلني الله فداك ـ أنْ تكتب إليه بالإحسان إلي فقال لي: لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك، إنه على ما قلت من محبتكم أهل البيت، وكتابك ينفعني عنده، فأخذ القرطاس فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد: فإنْ وصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وإنّما لك من عملك ما أحسنت فيه، فأحسن إلى إخوانك، واعلم أنّ الله عزّ وجلّ سائلك عن مثاقيل الذر والخردل. قال: فلما وردت سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد الله النيسابوري وهو الوالي، فاستقبلني على فرسخين من المدينة، فدفعت إليه الكتاب فقبله ووضعه على عينيه وقال: ما حاجتك؟ فقلت: خراجٌ عليّ في ديوانك فأمر بطرحه عني، وقال لا تؤدِّ خراجاً ما دام لي عمل، ثم سألني عن عيالي فأخبرته بمبلغهم، فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلاً، فما أديت في عمله خراجاً ما دام حياً ولا قطع عني صلته حتى مات[24].

وعن يونس بن عمار، قال: وصفت لأبي عبد الله (عليه السلام) من يقول بهذا الأمر ممن يعمل عمل السلطان، فقال: إذا ولوكم يدخلون عليكم المرفق وينفعونكم في حوائجكم؟ قال: قلت: منهم من يفعل (ذلك) ومنهم من لا يفعل، قال: من لم يفعل ذلك منهم فابرؤوا منه، برئ الله منه[25].

وعن ابن جمهور، وغيره من أصحابنا، قال: كان النجاشي وهو رجل من الدهّاقين عاملاً على الأهواز وفارس، فقال بعض أهل عمله لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ في ديوان النجاشي عليّ خراجاً، وهو ممن يدين بطاعتك، فإن رأيت أن تكتب له كتاباً، فكتب له كتاباً: (بسم الله الرحمن الرحيم، سِر أخاك يُسِرك الله) فلما ورد عليه وهو في مجلسه، فلما خلا ناوله الكتاب وقال له: هذا كتاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فقبله ووضعه على عينيه، ثم قال: ما حاجتك؟ فقال: عليَّ خراج في ديوانك، قال له: كم هو؟ قلت: هو عشرة آلاف درهم؟ قال: فدعا كاتبه فأمر بأدائها عنه، ثم أخرج مثله فأمر أنْ يثبتها له لقابل، ثم قال: هل سررتك؟ قال: نعم، قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى، فقال له: هل سررتك؟ فقال: نعم، جعلت فداك، فأمر له بمركب ثم أمر له بجارية وغلام وتخت ثياب في كل ذلك يقول: هل سررتك؟ فكلما قال نعم زاده حتى فرغ، قال له: احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالساً فيه حين دفعت إليّ كتاب مولاي فيه، وارفع إلي جميع حوائجك، قال: ففعل وخرج الرجل فسار إلى أبي عبد الله فحدثه بالحديث على وجهته، فجعل يستبشر بما فعل، فقال له الرجل: يا ابن رسول الله كأنّه قد سرك ما فعل بي؟ قال: إي والله لقد سر الله ورسوله[26]؟

وعن محمد بن عيسى العبيدي، قال: كتب أبو عمر الحذاء إلى أبي الحسن (عليه السلام) وقرأت الكتاب والجواب بخطه يعلمه أنّه كان يختلف إلى بعض قضاة هؤلاء، وأنه صير إليه وقوفا ومواريث بعض ولد العباس أحياءً وأمواتاً، وأجرى عليه الأرزاق، وأنه كان يؤدي الأمانة إليهم، ثم إنه بعد عاهد الله ألاّ يدخل لهم في عمل، وعليه مؤنة، وقد تلف أكثر ما كان في يده، وأخاف أن ينكشف عنه ما لا يحب أن ينكشف من الحال، فإنه منتظر أمرك في ذلك فما تأمر به؟ فكتب (عليه السلام) إليه: لا عليك وإن دخلت معهم الله يعلم ونحن ما أنت عليه[27].

وعن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرمنا من ذلك فهو له حرام[28].

وعن علي بن يقطين أنّه كتب إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّ قلبي يضيق ممّا أنا عليه من عمل السلطان، وكان وزيراً لهارون، فإن أذنت جعلني الله فداك هربت منه، فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم، واتق الله أو كما قال[29].

وعن مفضل بن مريم الكاتب، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) وقد أمرت أن أخرج لبني هاشم جوائزهم فلم أعلم إلاّ وهو على رأسي فوثبت إليه فسألني عما أمر لهم، فناولته الكتاب، فقال: ما أرى لإسماعيل ههنا شيئاً، فقلت: هذا الذي خرج إلينا، ثم قلت: جعلت فداك، قد ترى مكاني من هؤلاء القوم؟ فقال: انظر ما أصبت فعد به على أصحابك، فإنّ الله تعالى يقول: ((إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ))[30].

وعن علي بن أبي حمزة قال: كان لي صديق من كتاب بني أمية فقال لي: استأذن لي على أبي عبد الله (عليه السلام) فاستأذنت له (عليه) فأذن له، فلما أنْ دخل سلم وجلس، ثم قال: جعلت فداك، إنّي كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً، وأغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لولا أنّ بني أمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلاّ ما وقع في أيديهم، قال: قال الفتى: جعلت فداك، هل لي من مخرج منه؟ قال: إنْ قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت (اكتسبت) في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا أضمن لك على الله عزّ وجلّ الجنة، فأطرق الفتى طويلاً ثم قال له: لقد فعلت جعلت فداك، قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئاً على وجه الأرض إلاّ خرج منه حتى ثيابه التي كانت على بدنه قال: فقسمت له قسمة واشترينا له ثياباً وبعثنا إليه بنفقة، قال: فما أتى عليه إلاّ أشهر قلائل حتى مرض، فكنا نعوده، قال: فدخلت يوماً وهو في السوق قال: ففتح عينيه ثم قال لي: يا علي، وفى لي والله، صاحبك، قال: ثم مات فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فلما نظر إلي: يا علي، وفينا والله، لصاحبك، قال: فقلت: صدقت ـ جعلت فداك ـ والله، هكذا والله، قال لي عند موته[31].

وعن الحسن بن الحسين الأنباري، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: كتبت إليه أربع عشرة سنة أستأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه اذكر أني أخاف على خيط عنقي، وأنّ السلطان يقول لي: إنّك رافضي، ولسنا نشك في أنّك تركت العمل للسلطان للرفض؟ فكتب إليّ أبو الحسن (عليه السلام): فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإنْ كنت تعلم أنّك إذا وليت في عملك بما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم تصير أعوانك وكتابك وأهل ملتك وإذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين حتى تكون واحداً منهم كان ذَا بِذا وإلاّ فلا[32].

وعن الحلبي، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام)، عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء، وهو يحب آل محمد (صلى الله عليه وآله) ويخرج مع هؤلاء في بعثهم فيُقتل تحت رايتهم؟ قال: يبعثه الله على نيته، قال: وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئاً فيعينه الله به فمات في بعثهم، قال: هو بمنزلة الأجير إنه إنما يعطي الله العباد على نياتهم[33].

وعن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) سئل عن أعمال السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: لا إلاّ أن يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل صار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت[34].

وعن الحسن بن موسى قال: روى أصحابنا، عن الرضا (عليه السلام) أنه قال له رجل: أصلحك الله، كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ فكأنه أنكر عليه ذلك، فقال له أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا هذا أيّما أفضل النبي أو الوصي؟ فقال: لا بل النبي، فقال: أيّما أفضل مسلم أو مشرك؟ فقال: لا بل مسلم، قال: فإنّ العزيز عزيز مصر كان مشركاً وكان يوسف (عليه السلام) نبياً، وإنّ المأمون مسلم وأنا وصي، ويوسف سأل العزيز أنْ يوليه حين قال: ((اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ))[35] وأنا أجبرت على ذلك ـ الحديث[36].

وعن الريان بن الصلت قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلت له: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إنّ الناس يقولون: إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا؟ فقال (عليه السلام): قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أنّ يوسف (عليه السلام) كان نبياً رسولاً فلما دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: ((اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ))، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان[37].

وعن أبي الصلت الهروي قال: إنّ المأمون قال للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وعملك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة مني، فقال الرضا (عليه السلام): بالعبودية لله عزّ وجلّ أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز المغانم وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله عزّ وجلّ، فقال له المأمون: فإني قد رأيت أنْ أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك، فقال له الرضا (عليه السلام): إنْ كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز أنْ تخلع لباساً ألبسك الله، وتجعله لغيرك، وإنْ كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أنْ تجعل لي ما ليس لك، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله لابد لك من قبول هذا الأمر، فقال: لست أفعل ذلك طائعاً أبداً، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله، فقال له: إنْ لم تقبل الخلافة ولم تحب مبايعتي لك، فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة من بعدي، فقال الرضا (عليه السلام): والله لقد حدثني أبي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أني أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسم مظلوماً، تبكي عليَّ ملائكة السماء والأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد، فبكى المأمون وقال له: يا ابن رسول الله ومن الذي يقتلك أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حي؟ فقال الرضا (عليه السلام): أما إني لو أشاء أنْ أقول من الذي يقتلني لقلت، فقال المأمون: يا ابن رسول الله إنّما تريد بقولك هذا التخفيف عن نفسك ودفع هذا الأمر عنك، ليقول الناس: إنّك زاهد في الدنيا، فقال له الرضا (عليه السلام): والله ما كذبت منذ خلقني الله عزّ وجلّ، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإني لأعلم ما تريد، فقال له المأمون: وما أريد؟ قال: الأمان على الصدق، قال: لك الأمان؟ قال: تريد أنْ يقول الناس: إنّ علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، أما ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة؟ قال: فغضب المأمون ثم قال: إنّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلاّ ضربت عنقك، فقال الرضا (عليه السلام): قد نهاني الله أنْ ألقي بيدي إلى التهلكة، فإنْ كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وإنّما أقبل ذلك على ألاّ أولي أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنتقض رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً، فرضي بذلك منه، وجعله ولي عهده على كراهية منه (عليه السلام) لذلك[38].

وعن محمد بن عرفة، قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ قال: ما حمل جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) على الدخول في الشورى[39].

وعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: والله، ما دخل الرضا (عليه السلام) في هذا الأمر طائعاً ولقد حمل إلى الكوفة مكرهاً، ثم أشخص على طريق البصرة إلى فارس ثم مرو[40].

أقول: لم يقصد المأمون الواقع وإنّما قصد جلب العلويين إلى جانبه، حيث كان يحارب الأمويين والعباسيين، والإمام الرضا (عليه السلام) دخل كارهاً، وقد حطم (عليه السلام) المأمون بعدم تدخله في الشؤون، فإذا قيل له: لماذا؟ كان الجواب الطبيعي أنّه لا يريد الدخول في حكومة غير شرعية.


[1] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص135 الباب 45 ح1.

[2] ـ وسائل الشيعة ج 12ص135 الباب45 ح2.

[3] ـ وسائل الشيعة ج 12ص135 الباب45 ح3.

[4] ـ وسائل الشيعة ج 12ص136 الباب45 ح4.

[5] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص136 الباب 45 ح5.

[6] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص136 الباب 45 ح6.

[7] ـ وسائل الشيعة ج12 ص137 الباب 45 ح7.

[8] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص137 الباب 45 ح8.

[9] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص137 الباب 45 ح9.

[10] ـ سورة المائدة: من الآية78ـ 81.

[11] ـ سورة المائدة: الآية79.

[12] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص138 الباب 45 ح10.

[13] ـ وسائل الشيعة ج 12 ص138 الباب 45 ح11.

[14] ـ وسائل الشيعة ج12 ص138 الباب 45 ح12.

[15] ـ وسائل الشيعة ج12 ص139 الباب 46ح1.

[16] ـ وسائل الشيعة ج12 ص139 الباب 46ح2.

[17] ـ وسائل الشيعة ج12 ص139 الباب 46 ح3.

[18] ـ وسائل الشيعة ج12 ص139 الباب 46 ح5.

[19] ـ وسائل الشيعة ج12 ص139 الباب 46 ح6.

[20] ـ وسائل الشيعة ج12 ص 139 الباب 46 ح7.

[21] ـ وسائل الشيعة ج12 ص 140 الباب 46 ح8.

[22] ـ وسائل الشيعة ج12 ص 140 الباب 46 ح9.

[23] ـ وسائل الشيعة ج12 ص141 الباب 46 ح10.

[24] ـ وسائل الشيعة ج12 ص 141الباب 46 ح11.

[25] ـ وسائل الشيعة ج12 ص142 الباب 46 ح12.

[26] ـ وسائل الشيعة ج12 ص142 الباب 46 ح13

[27] ـ وسائل الشيعة ج12 ص143 الباب 46 ح14.

[28] ـ وسائل الشيعة ج12 ص143 الباب 46 ح15.

[29] ـ وسائل الشيعة ج12 ص143 الباب 46 ح16.

[30] ـ وسائل الشيعة ج12 ص143 الباب 46 ح17.

[31] ـ وسائل الشيعة ج12 ص144الباب47 ح1.

[32] ـ وسائل الشيعة ج12 ص145 الباب48 ح1.

[33] ـ وسائل الشيعة ج12 ص145 الباب48 ح2.

[34] ـ وسائل الشيعة ج12 ص145 الباب48 ح3.

[35] ـ سورة يوسف: الآية 55.

[36] ـ وسائل الشيعة: ج 12 ص 146الباب48 ح4.

[37] ـ وسائل الشيعة: ج 12 ص 147الباب48 ح5.

[38] ـ وسائل الشيعة: ج 12 ص148 الباب48 ح6.

[39] ـ وسائل الشيعة: ج 12 ص148 الباب48 ح7.

[40] ـ وسائل الشيعة: ج 12 ص148 الباب48 ح8.