الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الصورة المستقبلية للعراق

أدناه نص جواب الإمام الراحل (أعلى الله درجاته) على سؤال جماعة من المؤمنين عن آرائه حول الصورة المستقبلية للعراق:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على الأخوة المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

لقد سألتم عن العراق والصورة التي ينبغي أن يكون عليها في المستقبل بعد سقوط النظام الحالي بإذن الله تعالى، وسنشير ههنا إلى بعض البنود حسب ما يستفاد من الموازين الإسلامية المطابقة للموازين الإنسانية الفطرية، قال تعالى: ((فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)).

1: يجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة كما يجب إعطاء الأقلية حقوقها، فإن الأكثرية كان لها الدور الأكبر في إنقاذ العراق مرارا عديدة في هذا القرن: مرة في ثورة العشرين، ومرة أخرى في الحرب العالمية الثانية، حيث أفتى العلماء بوجوب إخراج المستعمرين من قاعدة (الحبانية) فتحرك الشعب العراقي بأسره حتى أخرجهم، ومرة ثالثة: إبان المد الأحمرـ الشيوعي ـ.. وقد سجلت الكتب التاريخية تلك الحوادث بتفاصيلها.

وقد قال الله سبحانه وتعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (. وقال جل وعلا: ((وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ (. وورد في الحديث الشريف: «لئلا يتوى حق امرئ مسلم».

2: من الضروري استناد الدولة إلى المؤسسات الدستورية حيث يلزم منح الحرية لمختلف التجمعات والتكتلات والفئات والأحزاب غير المعادية للإسلام في إطار مصالح الأمة، كما يلزم أن تكون الانتخابات حرة بمعنى الكلمة، وأن توفر الحرية للنقابات والجمعيات ونحوها، كما يلزم أن تعطى الحرية للصحف وغيرها من وسائل الإعلام، ويلزم أن تمنح الحرية لمختلف أصناف المجتمع من المثقفين والعمال والفلاحين و... كما تعطى المرأة كرامتها وحريتها. كل ذلك في إطار الحدود الإسلامية الإنسانية، قال تعالى: ((لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ (. وقال تعالى: ((يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ (. وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً».

3: اللاعنف هو المنهج العام في الداخل والخارج، كما قال تعالى: ((ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً (فإنه هو الأصل ونقيضه استثناء.

4: يجب أن تراعى حقوق الإنسان بكل دقة حسب ما قرره الدين الإسلامي الذي يتفوق على قانون حقوق الإنسان المتداول في جملة من بلاد العالم اليوم، فلا إعدام مطلقا إلا إذا حكم ـ في كلية أو جزئية ـ مجلس (شورى الفقهاء المراجع) إذ في صورة الاختلاف بينهم يكون من الشبهة و (الحدود تدرأ بالشبهات)[1]، كما ينبغي تقليص عدد السجناء إلى أدنى حد، حتى من الحد المقرر في العالم اليوم، كما لا تعذيب مطلقاً، وكذلك لا مصادرة للأموال مطلقا.

5: وبالنسبة إلى ما سبق يتمسك بـ: ((عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ (، كما عفا الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) عن أهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وعن غير أهل مكة، وكما صنع ذلك الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويؤيده ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام)، إن حديث (الجب) أولى بالجريان بالنسبة إلى المسلمين من جريانه في حق غيرهم.

6: للأكراد والتركمان وأمثالهم كامل الحق في المشاركة في الحكومة القادمة وفي كافة مجالات الدولة والأمة فقد قال الله سبحانه: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ)). وقال الرسول (صلّى الله عليه وآله): «لا فضل لعربي على العجمي ولا لأحمر على الأسود إلا بالتقوى... ».

7: ينبغي أن تتخذ الدولة القادمة سياسة (المعاهدة) أو (المصادقة) مع سائر الدول في إطار مصلحة الأمة، كما قام بذلك الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) مع مختلف الفئات غير الإسلامية حتى المشركين، ويستثنى من ذلك عدة صور، منها: صورة احتلال الكفار والمشركين لبلاد المسلمين، كما حدث في فلسطين وأفغانستان، حيث يجب على جميع المسلمين عندئذ الدفاع إذ «المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».

8: المرجع الأخير في دستور الدولة الإسلامية القادمة في العراق، وفي رسم السياسة العامة والخطوط العريضة هو (شورى الفقهاء المراجع) حسب ما قرره الإسلام، قال الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «المتقون سادة والفقهاء قادة». ومن الواضح أن الفقهاء المراجع يتعاونون مع الحوزات العلمية ومع المثقفين والأخصائيين في كافة الحقول الاختصاصية؛ فإن ذلك هو مقتضى المشورة والشورى، كما قال تعالى: ((وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) و ((أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ)).

9: يجب على كافة المسلمين السعي لكي تتوحد بلاد الإسلام وتنصهر في دولة واحدة إسلامية.. ذلك أن المسلمين أمة واحدة، كما قال تعالى: ((وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)). وقد أسس الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أساس الدولة العالمية الواحدة حيث توحدت في حياته (صلّى الله عليه وآله) تسع دول تحت راية الإسلام ـ على ما ذكره المؤرخون ـ وفي هذا القرن كانت الهند مثالاً لذلك، كما أن أوربا تحاول التوصل إلى ذلك. ومن الواضح أن تفكك الدول الإسلامية ووجود الحدود الجغرافية بينها من الأسباب الرئيسية في تخلف المسلمين من جهة وفي تناحرهم وتحاربهم من جهة أخرى، وفي تفوق المستعمرين عليهم واستعمارهم من جهة ثالثة.

10: يلزم حث المجاميع الدولية كي تقوم بالضغوط الشديدة على كل حكومة تريد ظلم شعبها؛ ذلك أن الإنسان من حيث هو إنسان لا يرى فرقا بين ظلم أهل الدار بعضهم لبعض وبين ظلم الجيران بعضهم لبعض. وهذا هو ما يحكم به العقل أيضاً، ولا يجوز في حكم العقل والشرع أن ندع أمثال موسيليني وهتلر وستالين يفعلون ما يشاؤون بشعوبهم تشريدا ومطاردة ومصادرة للأموال وقتلا للأنفس، بحجة أنها شؤون داخلية.. فإذا اشتكى أبناء بلد عند سائر الأمم كان عليهم أن يرسلوا المحامين والقضاة، فإذا رأوا صحة الشكوى أنقذوا المظلوم من براثن الظالم.

«اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة».

محمد الشيرازي

العراق ما بعد صدام

بما أن العراق مقبل على تغيير كبير بإذن الله تعالى، في نظام الحكم؛ لذا رأينا من المناسب أن نلحق مختصر آخر محاضرة ألقاها الإمام الراحل (أعلى الله درجاته) حول العراق، حيث كان قد ألقاها على جمع من المؤمنين قبل وفاته بخمسة أيام، أي في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام (10422ه).

ولا يخفى أن العراق كان موضع اهتمام وعناية خاصة من الإمام الراحل لما لهذا البلد من صفات وأهمية، فهو مسقط رأس الإمام الراحل (قدس سره) وفيه تربى وترعرع، وفيه نهل من علوم أهل البيت (عليهم السلام) وفيه تصدى للمرجعية بعد وفاة والده الميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره) وفيه جاهد وقارع الاستعمار آبائه وأجداده من قبل وأقرانه من العلماء المجاهدين (رحمهم الله)، وفيه تصدى الأمام الراحل لمؤامرات عملاء الاستعمار ومروجي الأفكار الفاسدة والمضلة لشباب الأمة الإسلامية.

فقد ألف (قدس سره) العديد من الكتب وأصدر عشرات البيانات وألقى أكثر من مائة محاضرة حول العراق والشعب العراقي المظلوم، مضافاً إلى مواقفه البطولية في القضية العراقية. وقد عايش الإمام الراحل المشكلة العراقية منذ بداياتها، وتفاعل مع تطوراتها منذ أكثر من خمسين عاما، فقد رأى أنظمة البؤس والديكتاتورية والتسلط تتسنم أزمة الحكم في العراق ورأى المؤامرات تلو المؤامرات تحاك ضد هذا البلد الغني بالثروات الطبيعية والبشرية، ورأى الانقلابات العسكرية المتوالية وهي تقوض حكم القانون والدستور ـ على علاته ـ وتحطم العراق وتقطعه؛ لذلك بحث ونبه وتحرك بقوة، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا.

طرح الإمام الراحل (قدس سره) في كتاباته الصورة المستقبلية للحكم في العراق، ورأى ضرورة تطبيق القوانين الإسلامية، كقانون (السلم واللاعنف)، وقانون (الأرض لله ولمن عمرها) وقانون (الإلزام)، وقانون (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم). على أن يتم تطبيق القوانين الإسلامية بشكل شمولي لا أن يطبق بعضها ويترك البعض الآخر؛ إذ ان القوانين الإسلامية متداخلة.

ورأى ضرورة وجود الحريات الإسلامية حيث اعتبرها أساس تقدم الإنسان المسلم وتطوره، وقال بأن الإسلام أباح جميع الحريات الإنسانية ماعدا بعض المحرمات القليلة[2].

وإليكم ما تفضل به سماحة الإمام الراحل (أعلى الله درجاته) على جمع من المؤمنين فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

العراق والتغيير المرتقب

قال الله تعالى: ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ))[3].

إلى إخواننا العراقيين الأعزاء في شتى أنحاء العالم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا يخفى عليكم أن العراق معروف بالتبدل، والأوضاع الأخيرة في عراقنا الجريح توعز إلى أن الغرب يريد تبديل النظام الحاكم في العراق إلى نظام آخر، فصدام كان عبداً لهم وهم الذين جاءوا به واليوم يريدون تبديله بعميل آخر؛ إذ أن هذه سنتهم ودأبهم في إدارة سياسة العراق ـ وغيره ـ.

فعندما كنا في العراق[4] وفي بداية مجيء البعثيين إلى الحكم قال وزير الداخلية (علي صالح السعدي) في خطاب له: جئنا إلى العراق بقطار أنكلوأمريكي، وإثر سماعي لكلامه قلت لمن كان حولي من الأصدقاء: إنه لم يذكر الحقيقة بكاملها، وأردفت معلقاً على كلامه فقلت: بل أنهم جاءوا بقطار انكلوا أمريكي إسرائيلي.

ففي الواقع إن صدام ليس إلا عبداً للغرب جاءوا به لأمرين:

الأول: إذلال العراقيين لأنهم حاربوا بريطانيا في ثورة العشرين المعروفة.

الثاني: الاستيلاء على خيرات العراق.

فقد كان أحمد حسن البكر هو الحاكم سابقاً، ثم جاء صدام، وفي المستقبل غير معلوم من سيكون حاكماً على العراق.

وعلى كل حال، فالغرب ـ كما تدل القرائن الكثيرة ـ يريد تبديل النظام الحاكم في العراق إذ أن عمالة صدام أصبحت معروفة عند الجميع وهم يريدون وجوهاً غير معروفة.

فإذا حصل التغيير، فاللازم تطبيق خمسة أمور في العراق وإلا سيبقى العراق كما كان عليه، يتحكم بمصيره الظلمة والطغاة من عملاء الغرب.

أمور خمسة

أما الأمور الخمسة فهي:

حكم الإسلام

الأول: حكم الإسلام، والمراد بذلك أن تكون القوانين الإسلامية هي الحاكمة والسائدة في العراق كما كان ذلك محققاً قبل نحو ستين عاماً تقريباً ـ ولو نسبياً ـ فقد شاهدت شخصياً بعض تلك القوانين الإسلامية كقانون إحياء الأرض المستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله): «الأرض لله ولمن عمرها»[5].

وهذا القانون ليس من عند البشر بل هو قانون إلهي، وطلبة العلوم الدينية يقرؤونه في الكتب الفقهية كالشرائع، وشرح اللمعة، والحدائق، والجواهر، ومصباح الفقيه، وغيرها من كتب الفقه الأخرى التي تنص على هذا القانون.

وكما جاء في التاريخ الصحيح أن في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان كل شيء مباحاً، الماء، المعادن، الأرض، وغيرها.

والملفت للانتباه إنه قبل مجيء الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لم يكن هذا القانون، بل كانت الأرض كما نحن عليه اليوم، ملكاً لأفراد معينين، ولكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ارتقى المنبر ذات يوم وخطب في الناس قائلاً: «الأرض لله ولمن عمرها» وأضاف إليه: «ثم إنها مني إليكم أيها المسلمون... »[6].

والناس عندما سمعوا ذلك غمرهم السرور بهذا القانون، فأخذوا يعمّرون أطراف المدينة المنورة، فكل منهم جعل يحيي قسماً من الأرض، فهذا صنع داراً، وذاك أحيى لنفسه بستاناً، والآخر أعدّ لنفسه رحىً، وغير ذلك، حتى عمرت أطراف المدينة المنورة.

نعم، يلزم أن يعود هذا القانون إلى العراق، وإنّني أتذكر جيداً التطبيق النسبي لهذا القانون قبل نحو ستين عاماً في العراق[7].

فهذا القانون كان موجوداً في إيران والعراق، وقد ألغاه البهلوي الأول[8] في إيران، ثم فعلوا نفس ذلك تماماً قبل نحو خمسين عاماً تقريباً في العراق.

بالإسلام تعمر البلاد

ومن آثار هذا القانون الإسلامي هو ما شاهدته شخصياً عبر القصة التالية:

فقد دعاني في تلك الأيام شيخ جليل أسمه (الشيخ فرج) إلى منزله للمشاركة في مجلس العزاء الذي عقده آنذاك، وقد كان منزله كبيراً ربما بلغت مساحته (800 متر)، وأتذكر أنّني سألته آنذاك قائلاً: كم كلفك بناء هذا المنزل.

فقال: 800 فلس: أي ما يعادل قيمته الشرائية آنذاك (800 رغيف) من الخبز، إذ أن رغيف الخبز كان حينذاك يباع بفلس واحد. ولما سألته كيف يمكن ذلك؟

أجاب: لأن الأرض أخذتها مجاناً، فقلت له: إذا كانت الأرض مجانية فلماذا الثمانمائة فلس؟

فأجاب: لقد أعددت شخصياً اللبن ـ بكسر اللام ـ وأعطيت للبنّاء حتى يرصف هذا اللبن.

هكذا كان عراقنا، فالمنزل الكامل البالغة مساحته (800 متر) قيمته ثمانمائة فلس، ولذا كان الجميع يمتلكون البيت.

وهناك قصة أخرى تدل على نفس المطلب، وهي: أن أحد أصدقائنا الفضلاء وهو الشيخ إبراهيم الحائري (رحمه الله)[9] صنع منزلاً كاملاً بنفسه ودون مساعدة أي شخص آخر، وقد دعاني شخصياً مع سماحة الأخ السيد صادق[10] إلى منزله، فذهبنا آنذاك فشاهدت جدار داره غير مستقيم وحينما سألته عن ذلك أجاب قائلاً: أنا لا أجيد البناء وإنما شيّدت هذا المنزل بنفسي...!!

هكذا كانت الأرض لله ولمن عمّرها.

أما الآن فأكثر الشباب لما نسألهم: هل أنت متزوج؟

يجيبون: لا.

ولما نسألهم: لماذا؟

يجيبون: لأننا لا نملك بيتاً.

فعلى الأخوة الأعزاء إذا ذهبوا إلى العراق ـ إن شاء الله تعالى ـ أن يسعى كل واحد منهم لتطبيق هذا القانون الإلهي عبر اللسان والقلم.

قانون من سبق

وهناك قانون إسلامي آخر ضيّعه العملاء في العراق، فعلينا أن نسعى جاهدين من أجل إعادته، ألا وهو قانون السبق، ففي الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له»[11].

فمثلاً الإنسان الذي يسبق الآخرين إلى حيازة السمك يكون له[12]، وكذا من يسبقهم إلى حيازة الملح أو المعدن أو النخيل وغيرها فهي كذلك تكون له. وهذا غير مقتصر على ذلك الزمان، بل يشمل زماننا الراهن أيضاً، فحلال محمد (صلّى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة[13].

ولا يخفى أن كل تغيير في قانون الله فهو يسبب الضنك في المعيشة، كما ينص على ذلك القرآن الكريم، حيث قال: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً))[14].

فمثلاً في العراق كانت هناك منطقتان يجلب منهما الملح، إحداهما: بحيرة الرزازة، والأخرى قريب حصن الأخيضر، وقد شاهدتها شخصياً، وقد كنا نشتري منها الملح الذي يجلب من تلك المناطق وبكميات كبيرة بعشرة أفلس، أي ما يعادل قوته الشرائية عشرة أرغفة من الخبز. وإثر مجيء عبد الكريم قاسم أصبحت نفس هذه الكمية بدينار! أي ازدادت القيمة عما كانت عليه مائة ضعف.

وكذلك الحال بالنسبة إلى اصطياد السمك فقد كان مباحاً، فعلى سبيل المثال كربلاء المقدسة كانت لها ثلاثة أطراف يصطاد فيها السمك، أحدها: في قضاء طويريج، والآخر في السدّة، والثالث في الرزازة.

وقد كان الناس يصطادون الأسماك ويبيعونه للآخرين، فكنا نشتري السمك في يوم الأربعاء لعائلتنا المكونة آنذاك من عشرة أفراد من خان المخضر بعشرة فلوس، وعند مجيء عبد الكريم قاسم ـ المدعي للوطنية ـ منع صيد الأسماك، وفي الأسبوع الثاني اشترينا نفس السمك ونفس المقدار بمائتين وخمسين فلساً، أي ما يعادل خمسة وعشرين ضعفاً، ومع مضي الأيام وبعد أن أصبح عبد الكريم لا يخدم مصالح الغرب بشكل كامل قتلوه، حيث أنهم جاءوا به أمام الملأ العام وأردوه صريعاً برصاصاتهم..

الإسلام هو الحل

ولكي لا تتكرر هكذا تجارب مرة أخرى في العراق ينبغي أن تحكم قوانين الإسلام، وإلا فانه إذا سادت القوانين غير الإسلامية فإن مصيرنا في المستقبل ربما سيكون أشد مما نحن عليه اليوم، الأمر الذي يعود علينا بالويل، وعلى نفس الحكام الذين لا يحكمون بهذه القوانين الإسلامية بالضياع كما حصل للماضين منهم.

فهذا عبد الكريم قاسم تضرّر وأضرّ ضرراً جسيماً حتى قتلوه، كل ذلك لأنه لم يحكم بالقوانين الإسلامية، وكذلك بالنسبة إلى (أحمد حسن البكر)، و (عبد السلام عارف) و (عبد الرحمن عارف).

وكذلك الحال في إيران، فقد نفي (البهلوي الأول) إلى (موريس) ولما أراد البريطانيون إبعاده عبر البحر رمى بنفسه على الشاطئ وأخذ يبكي ويتضرع إليهم إلا أن ذلك لم يجده شيئاً، فأركبوه السفينة ونفوه عن إيران، وكذا الشاه الثاني فقد نفوه ومات بمرض السرطان.

الحكومة الشيعية

الأمر الثاني: فالذي يلزم تطبيقه في مستقبل العراق هو: الحكومة الشيعية، أي يلزم أن تحكم العراق حكومة شيعية، إذ أن غالبية الشعب العراقي من الشيعة. وكما هو معلوم لدينا أن شيعة العراق هم 80 % من تعداد السكان، والبقية 11% من العامة و9% من المسيحيين واليهود واليزيديين وغيرهم[15].

فإذا كانت أكثرية العراق من الشيعة، فلماذا لا تكون لهم حكومة شيعية؛ لذلك فاللازم السعي الجاد والتبليغ لقيام حكومة شيعية في العراق، فان تبليغكم القوي سيكون مؤثراً.

الأحزاب الحرة

الأمر الثالث: اللازم مراعاته في العراق هو: الأحزاب الحرة، فماذا يعني أن العراق حتى عصرنا الراهن يحكمه حزب واحد وديكتاتور مستبد، فأغلب بلاد العالم اليوم تسودها الحرية والديمقراطية ـ ولو نسبياً ـ أما العراق فيحكمه مستبد اسمه صدام، ويا ترى من هو صدام حتى يستولي على البلاد ويتحكم في مصير العباد؟ إنه رجل ريفي من قرية في أطراف تكريت تدعى العوجة. وهو رجل جاهل، غير مثقف، ولا يعرف من الحياة سوى القوة والبطش اللذين يتحكم من خلالهما بمصير الناس في العراق.

وإنني أدركت ـ شخصياً ـ عهد تعدد الأحزاب في العراق، ورأيت بعض آثاره الإيجابية، ولعل القصة التالية هي خير شاهد على ذلك، فقد ذهبنا في بعض الأيام مع السيد محمد علي الطباطبائي[16] إلى رئيس الوزراء السيد محمد الصدر[17] في منزله الواقع في بغداد، وقد كان المنزل متواضعاً جداً حيث لم يكن فيه سوى حصير قديم وسرير كان السيد ينام عليه، وكان السيد عندما زرناه مريضاً، وبعد أن جلسنا عنده وقد كان الجو بارداً في الشتاء، قال له السيد محمد علي الطباطبائي: لماذا تترك الباب مفتوحاً يا سيدنا؟ فأجاب: هناك هرّة قد أنجبت صغارها في هذه الدار وأنا أترك الباب مفتوحاً رأفة بها.

هكذا كانت حياة الحكّام بسيطة لما كانت الأحزاب الحرة هي الحاكمة في العراق، أما عراقنا اليوم، فصدام قد شيّد لنفسه العشرات من القصور كل واحد منها تقدّر تكاليف بنائه بالمليارات، كل ذلك من أجل إشباع نهمه وإرضاء شهواته..

أجل، فالغرب لا يروق له أن تحكم العراق الأحزاب الحرة، وخير دليل على ذلك هي القصة التي نقلها فؤاد عارف[18] وزير عبد الكريم قاسم حيث قال: ذهبت إلى لندن والتقيت بوزير الخارجية البريطاني وسألته: ماذا كانت مشكلة العراق حتى جعلتم عبد الكريم قاسم حاكماً عليه؟

فأجابني بكل صراحة: عندما كان الملكيون يحكمون العراق كنّا لأجل إصدار قانون بسيط ننتظر مدة طويلة، حيث كان النواب يتداولونه أولاً في المجلس، ثم يذهب بعد مدة طويلة إلى المجلس الأعلى، وبعد فترة ينشر في الإذاعة والصحف، فيبقى القانون ما يقارب ستة أشهر يتداول هنا وهناك، حتى يصل إلى الملك فيعدّله وتحصل فيه تغييرات كثيرة ثم يُقرر.

وبعد مجيء عبد الكريم قاسم أصبحنا في راحة من ذلك، فإننا بمجرد أن نتصل به ونخبره بالقانون الذي نريده، فإنه يمتثل مباشرة ويقرّ القانون دون أي تغيير أو تعديل.

ولا يخفى أنهم من أجل ذات القضية جاءوا بصدام.

ولكي يتخلص العراق من هكذا حكّام لابد أن تكون الأحزاب الحرة كما كانت في عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) حيث أنه (صلّى الله عليه وآله) جعل المهاجرين والأنصار أحزاباً، وهذا موجود بالنص في كتاب (السبق والرماية) وقد تطرق إليه الفقهاء في كتبهم الفقهية كالجواهر، والمسالك، وجامع المقاصد، وغيرها.

حرية الحوزات العلمية

الأمر الرابع: حرية الحوزات العلمية واستقلاليتها، ولكي يسترجع العراق عزته الأولى لا بدّ أن تعود الحرية إلى الحوزات العلمية كما كانت عليه في السابق، حيث كان بوسع الجميع أن يأتي ويلتحق بالحوزات العلمية دون أية مضايقات وكان للعلماء والطلبة دورهم في إرشاد الناس وبيان الحكم الشرعي من دون مضايقة من الحكومات، ولا يخفى أن للحوزات العلمية فوائد جمة، منها الفائدة العلمية، والدينية، والاقتصادية، وغيرها.

وقد كان في الحوزة العلمية في عهد السيد الحكيم (رحمه الله) إثنا عشر ألفاً من الطلبة، ولم يكن لأية حوزة أخرى آنذاك هذا العدد الهائل، ومع الأسف الشديد جاء صدام وشتّت هذه الحوزة وشرد طلبتها، وسجن وقتل منهم الكثير، كل ذلك حتى يستبد بالحكم في العراق دون أن يتساءل منه أحد لماذا هكذا؟ والجدير بالذكر أن الاستعمار البريطاني يحمل حقداً كبيراً على الحوزة العلمية، ويعمل ليل نهار من أجل تحطيمها؛ وذلك لأن رجالات الحوزة أخرجت الاستعمار البريطاني من العراق في ثورة العشرين وألحقت به الخسائر الفادحة.

وهنا ينبغي أن نذكر أن وجود الحوزات العلمية ليس نافعاً للمجتمع فقط، بل هو نافع حتى للسلطة أحيانا في قبال بعض الضغوطات الأجنبية.

فقد نقل لي أحد الأصدقاء: أن الشاه كان ينزعج كثيراً من السيد البروجردي، فشكى ذلك في أحد الأيام إلى بعض وزرائه، فقال له الوزير: حلّ هذه المشكلة سهل جداً.

فتساءل الشاه قائلاً: وكيف؟ فأجاب الوزير: إن السيد البروجردي يحب أن يذهب إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة، وأنت تمنعه، فافسح له المجال ليذهب إلى هناك، وإذا ذهب امنعه عن الرجوع إلى إيران.

فقال الشاه: إنك لا تعرف ماذا يفيدنا البروجردي: فأي قانون يطلبه منّي البريطانيون ولا أريد تنفيذه أتذرع بأن السيد البروجردي (رحمه الله) لا يقبل ذلك.

العتبات المقدسة

الأمر الخامس: والأمر الخامس اللازم مراعاته في مستقبل العراق: حرية العتبات المقدسة والاهتمام بها، فيلزم أن يفسح المجال للجميع لزيارة العتبات المقدسة بكل سهولة واختيار، وحرية وأمان... ففي السابق كان بوسع كل واحد أن يزور العتبات المقدسة في العراق دون أية مزاحمة من السلطات..

* * *

«اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة، اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه».

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

قم المقدسة

ليلة 27 رمضان المبارك 1422هـ

محمد الشيرازي

   

[1] إشارة إلى حديث رسول الله (ص) حيث قال: «ادرءوا الحدود بالشبهات.. » وسائل الشيعة: ج28 ص47 ب24 ح34179.

[2] طبعت هذه المحاضرة في إيران والكويت تحت عنوان (العراق بعد حزب البعث).

[3] سورة آل عمران: 178.

[4] هاجر الإمام الراحل (قدس سره) من العراق عام (1391ه) مكرها. انظر كتاب (كيف ولماذا أخرجنا من العراق)، ط: مؤسسة المجتبي للتحقيق والنشر.

[5] الاستبصار: ج3 ص108 ب72 ح3.

[6] راجع غوالي اللئالي: ج1 ص44 الفصل4 ح58.

[7] راجع كتاب: (حياتنا قبل نصف قرن) لسماحته (قدس سره) وكتاب (تلك الأيام).

[8] رضا خان بهلوي: أرمني من منطقة كرجستان، ولد عام (1878م) هاجر إلى إيران في زمن القاجار وسكن في إحدى القرى. حكم إيران في عام (1925م) بعد انقلاب عسكري على دولة القاجار، واستمر إلى عام (1941م) ولقب نفسه بالبهلوي إحياءً للفارسية القديمة. اتسم حكمه: بإحياء القومية الفارسية، ونشر المذهب البهائي، والقضاء على المعالم الإسلامية، وهدم المساجد والمدارس والحسينيات، ومنع العلماء ورجال الدين من ممارسة أدوارهم في الحياة. ونشر الخمر والزنى والقمار، ومنع النساء من ارتداء الحجاب، وحطم اقتصاديات البلاد، أقصاه الإنجليز عن الحكم بعد أن نصبوا ولده محمد رضا في شهر رمضان (1360هـ).

[9] الشيخ محمد إبراهيم بن حسن بن علي بن حسين الكشميري الحائري.

[10] المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي، ولد عام (1360هـ) في كربلاء المقدسة، له أكثر من 80 مؤلفاً في الفقه والأصول والثقافة والأخلاق، تحمل أعباء المرجعية بعد وفاة أخيه الأكبر من شوال 1422هـ.

[11] مستدرك الوسائل: ج17 ص111-112.

[12] لا يخفى أن ذلك في المباحات العامة ولا يجري هذا القانون في الممتلكات الشخصية.

[13] إشارة إلى حديث الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره»، الكافي: ج1 ص58 ح19.

[14] سورة طه: 124.

[15] أجرى السيد محمد الصدر رئيس وزراء العراق إحصاءً في أواخر الأربعينات جاء فيه: إن نسبة الشيعة في العراق 80%. راجع كتاب (تلك الأيام) للإمام الراحل (قدس سره).

[16] السيد محمد علي ابن السيد مهدي ابن السيد محمد علي الطباطبائي الحائري، ولد في مدينة كربلاء عام (1302هـ)، ويعد من تلاميذ الميرزا جعفر الطباطبائي والسيد هادي الخراساني والشيخ محمد تقي الشيرازي (قدست أسرارهم). شارك مع الإمام الشيرازي في ثورة العشرين، وتعرض للاعتقال عدة مرات ونفي مع بعض رجالات الثورة إلى جزيرة هنجام، توفي عام (1381هـ) ودفن في مقبرة العلامة المجاهد.

[17] السيد محمد حسن الصدر من مواليد مدينة سامراء عام (1887م)، أسس حزب حرس الاستقلال عام (1919م)، ولعب دوراً بارزاً في ثورة العشرين، فكان الرابط بين قيادة الثورة والعشائر المحيطة بلواء الدليم وسامراء، وهو الذي حرض تلك العشائر على محاصرة القوات الإنجليزية. نفاه (السير بيرسي كوكس) المندوب السامي البريطاني، إلى خارج العراق عام (1922م) مع كوكبة من العلماء المجاهدين أمثال السيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني والشيخ محمد جواد الجواهري والشيخ مهدي الخالصي والسيد هبة الدين الشهرستاني والسيد أحمد الخونساري والشيخ عبد الحسين الشيرازي والسيد حسن الطباطبائي والسيد عبد الحسين الطباطبائي بتهمة الاحتجاج ضد الإنجليز، ثم رجع إلى العراق عام (1924م) انظر (تلك الأيام: ص99).

[18] كان متصرفاً للواء كربلاء عام (1958م).