الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

من أين يبدأ التغيير

لكن قبل هذا علينا أن نلتفت إلى عامل مهم جداً في تحقيق النصر والغلبة على الظالمين، فإنه لا يكون ذلك إلا إذا بدأنا بأنفسنا، فعلينا أن نغيّر ما بأنفسنا أوّلاً كما قال تعالى ((إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ))[1].

وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن الله عزوجل بعث نبياً من أنبيائه إلى قومه، وأوحى إليه: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرّاء فتحولوا عما أحب إلى ما أكره، إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون. وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون. وقل لهم: إن رحمتي سبقت غضبي، فلا تقنطوا من رحمتي؛ فإنه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره، وقل لهم: لا يتعرضوا معاندين لسخطي، ولا يستخفوا بأوليائي، فإن لي سطوات عند غضبي لا يقوم لها شيء من خلقي»[2].

نعم، فعندما نغير ما بأنفسنا من شر وسوء عند ذلك سيرفرف النصر على رؤوسنا أينما توجهنا.

كما يلزم مضافاً إلى ذلك الإعداد النفسي والثقافي، والتنسيق الدقيق، والحذر، والحزم، والصبر، والمبادرة، ومخالفة النفس، والدفاع، والصمود حتى النصر، أو الشهادة، فقد ورد في رسالة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر ما نصّه: «واعلم يا محمد بن أبي بكر، أني قد ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك، وأن تنافح عن دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدّهر»[3].

هكذا يأتي النصر، أما إذا لم نعمل على تغيير أنفسنا ـ والعياذ بالله ـ ولم نسع لتوفير مقومات النصر فإن الفشل ـ لا سامح الله ـ سيصيبنا.

فالدفاع عن النفس والأهل والأرض والوطن واجب في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين، وهو ما يسمى في الإسلام بالجهاد.. والسعي لإزاحة هؤلاء الطغاة عن كرسي الحكم جهاد من أجل إعلاء كلمة الله وإنقاذ المستضعفين.

مقومات التغيير

إذا أردنا أن نغير ملامح العراق المأساوية ونوجد واقعا جديدا مفعما بالأمل والسعادة والاستقرار فلابد أن نغير الخطوط التي رسمها الاستبداد، ونرسم خطوطا واقعية تعتمد على الحرية والتعددية والاستقلال والاكتفاء الذاتي وحكم الأكثرية والأخلاق الفاضلة والحفاظ على حقوق الناس ومصالحهم وحماية مقدساتهم..

فإن للتغيير مقومات ينبغي مراعاتها، منها:

حكومة الأكثرية

يلزم أن تحكم العراق حكومة استشارية منتخبة من أكثرية الشعب، فإن كثيراً من هذه الاضطهادات هي نتيجة أن الأقلية هي التي سيطرت على الحكم في العراق لعشرات السنين، وأخذت تتحكم في مقدراته وتفرض آراءها وأفكارها على الأكثرية المضطهدة.. فالأكثرية الشيعية في العراق التي نسبتها تناهز 85% من مجموع السكان[4] قُمعت ومنعت من حقوقها ومصالحها ومعتقداتها، مع أنها هي التي حررت العراق من سيطرة الأعداء مرارا عديدة وضحت من أجل الدين والوطن بالغالي والنفيس.

التعددية

لابد أن تستند الحكومة الإسلامية في العراق على القدرة الواقعية المنبثقة من الشعب، وهذه القدرة تعتمد بشكل أساسي على وجود الأحزاب والمنظمات الحرة والمؤسسات الدستورية والعشائر التي يحركها نظام التعددية، فلا قدرة واقعية بدون وجود تعدد الأحزاب حتى تتنافس هذه الأحزاب بكفاءة وتراقب الحكومة لكي لا تنحرف.. أما الاستبداد فإنه حكم هش لا يمتلك القدرة الواقعية وإن امتلك القوة العسكرية، فإن «المستبد متهور في الخطأ والغلط» كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)[5].

الحرية

على الدولة الإسلامية أن تمنح كافة الحريات للناس في كل الأبعاد ـ ضمن الإطار الإسلامي ـ من حرية العقيدة والرأي والزراعة والاكتساب والتجارة والصناعة والدخول في الوظائف والسفر والإقامة والعمارة وحيازة المباحات ونصب محطات الراديو والتلفزيون وإيجاد المطابع وإنشاء الأحزاب والمنظمات وإنشاء المصانع والمعامل وإصدار الصحف والجرائد والمجلات والانتقال من بلد إلى بلد بنفسه أو بكسبه إلى غير ذلك.

وبذلك تلغى كل القيود وكافة أنواع الكبت من الهويات الشخصية والجنسية والجواز وإجازة الاستيراد والتصدير، وما أشبه.

فكل إنسان حر في كل شيء ما عدا المحرمات وهي قليلة جداً.

القوانين الإسلامية

من الضروري السعي لتطبيق كافة القوانين الإسلامية، حيث إن هذه القوانين الحيوية تتوافق مع فطرة الإنسان وتتلاءم مع مصالحه وتسهل عليه حياته، وهي أسهل بكثير من القوانين المستوردة من الغرب والشرق.

كما يلزم تطبيق القوانين الإسلامية بشكل شمولي لا أن يطبق بعضها ويترك البعض الآخر، فإن القوانين الإسلامية متداخلة.

وأيضا لابد من التدرج في التطبيق حتى يستطيع الناس أن يتكيفوا معها ويفهموا ثقافتها.

ومن هذه القوانين الحيوية:

1: قانون الأمة الواحدة[6].

2: قانون الأخوة الإسلامية[7].

3: قانون «الأرض لله ولمن عمرها»[8].

4: قانون الإلزام[9].

5: قانون «الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم»[10].

6: قانون بيت المال.

7: قانون «من سبق»[11].

أما القوانين غير الإسلامية فهي عادة قوانين جامدة لا تخدم الإنسان، بل تعقد حياته ولا تتوافق مع فطرته مما تقوده نحو الشقاء والبؤس. قال تعالى: ((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً))[12].

الاكتفاء الذاتي

لابد للحكومة الإسلامية من السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي عبر الاعتماد على الصناعة الوطنية وتقويتها وتطوير الزراعة والثروة الحيوانية، عبر إعطاء حرية العمل والتجارة والصناعة والزراعة.

ومن المشاكل الحالية التي يلزم القضاء عليها هو الوجود المكثف للموظفين الذين يعملون في جهاز الدولة، وأغلبهم يعمل في وظائف هامشية لا تنفع الشعب، بل يعقِّدون الأعمال ويعرقلونها ويستهلكون ميزانية الدولة وأموال الشعب؛ مما يحولهم إلى عبء ثقيل على كاهل الشعب، فلابد من تقليلهم وتحويل أعمالهم إلى المؤسسات الخاصة، وأما الدولة فتكون مشرفة فقط على سير العمل وعدم انحرافه لا أن تتدخل في كل شيء.

اللاعنف

إن الدولة تحتاج إلى أكبر قدر من الالتفاف الشعبي والشرعي حولها ومعاونتها والدفاع عنها، فإذا اتخذت الحكومة سياسة العنف وإراقة الدماء والسجون والتعذيب وما أشبه، سارت في طريق الزوال فينقلب الأعوان أعداءً والأنصار خصماء، فإن الناس لا يصبرون على قتل أولادهم وإخوانهم وآبائهم وذويهم وأصدقائهم، فيأخذون في ذم القاتل وترصد عثراته وينصرفون إلى هدم كيانه وإسقاط شرعيته وإثارة الرأي العام ضده.

ومن اللازم على الدولة الإسلامية إعلان العفو العام عن كل من أجرم قبل قيام الدولة، وهذا الأمر في غاية الأهمية من ناحية وفي غاية الصعوبة من ناحية ثانية.

فإن العفو العام يسبب اطمئنان الناس إلى الحكومة القائمة مما يؤدي إلى تعاونهم مع الحكومة، وهذا يعني انتشار الاستقرار والأمن، والحكومة خصوصا في أول أمرها بحاجة إلى التعاون الواسع من الناس.

وعدم العفو يوقع الحكومة في مشاكل لا تعدّ ولا تحصى، حيث إن القتل والملاحقة لا تبقى في دائرة خاصة بل تتعداها إلى دوائر أوسع وأوسع.

هذا بالإضافة إلى أن من مصاديق عدم العفو هو: مصادرة الأموال، وملاحقة الأفراد، وكله يوجب تكوين الأعداء، وأحيانا يسقط أولئك الأعداء الحكومة.

مضافاً إلى أن عدم العفو يوجب تأليب الإعلام في سائر البلاد على الحكومة الفتية مما يسبب فقدان شوكتها وضياع سمعتها.

وهذا ـ العفو العام ـ هو الأصل وإذا كان استثناء فاللازم أن تقدر بقدر أقصى الضرورة، كما وكيفا.

وقد عفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن أهل مكة وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء[13]، وعفى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أهل الجمل[14] في قصص مشهورة.

نسأل الله أن يجمع شمل الجميع تحت لواء الإسلام.

اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة[15].

[1] سورة الرعد: 11.

[2] الكافي: ج2 ص274 باب الذنوب ح25.

[3] نهج البلاغة، الرسائل: 27، من عهد له (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر.

[4] حسب إحصاء أجراه السيد محمد الصدر حين كان رئيساً للوزراء أواخر الأربعينيات.

[5] غرر الحكم ودرر الكلم: ص65 ق1 ب1 الفصل12 ح864.

[6] قال تعالى:) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (سورة الأنبياء: 92.

[7] قال سبحانه:) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (سورة الحجرات: 10.

[8] قال الإمام الصادق (عليه السلام): «.. فإن الأرض لله ولمن عمرها»، الكافي: ج5 ص279 باب في إحياء أرض الموات ح2.

[9] عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «ألزموهم بما ألزموا أنفسهم»، تهذيب الأحكام: ج9 ص322 ب29 ح12.

[10] قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الناس مسلطون على أموالهم»، بحار الأنوار: ج2 ص272 ب33 ح7.

[11] قال الإمام الصادق (عليه السلام): «سوق المسلمين كمسجدهم يعني إذا سبق إلى السوق كان له مثل المسجد»، وسائل الشيعة: ج17 ص406 ب17 ح22851.

[12] سورة طه: 124.

[13] انظر بحار الأنوار: ج21 ص105 ب26 فتح مكة.

[14] انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج1 ص22 حلم الإمام (عليه السلام).

[15] إقبال الأعمال: ص60 ب4 دعاء الافتتاح.