الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

المبادرة

يلزم على الممارسين أن تكون أمورهم حسب التعقل وتطلب الظروف لا حسب ردّ الفعل، حيث أن الإنسان إذا هيّأ نفسه لردّ الفعل يكون دائماً في أزمة يخلقها طرفه، ولذا قالوا في علم المناظرة (كن سائلاً ولا تكن مجيباً) فإن تفكير الإنسان في الجواب له يوجب إعداد السائل لسؤال آخر، وبذلك يكون المجيب موقع تهاجم السائل دائماً، وطبيعي أن يدافع عن نفسه، والمدافع في ضيق دائماً، فإن الجواب ورد الفعل حالهما حال الدفاع، وقد قال علي (عليه السلام): (ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا)(1). ومعنى رد الفعل أن الطرف يسحب الإنسان حيث أراد هو، لا حيث يريد الإنسان نفسه.

رعاية المحيطات الستة

من الضروري أن يلاحظ الممارسون صحة المحيطات الستة التي يزاولها الإنسان، وهي النفس والجسد والبيت والمحيط الاجتماعي والطبيعي والصناعي، فإن كل محيط لبنة في صرح الإستقامة العامة أو الإنحراف العام، فالمواظبة على سلامة النفس عن الأخلاق السيئة، وعلى صحة الجسد عن الأمراض والعاهات، وعلى استقامة البيت العائلي عن الزيغ، وعلى تناسب المحيط الاجتماعي في الأخذ والعطاء وتوفّر السلع والخدمات في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والتربوية وغيرها.

وعلى نظافة المحيط الطبيعي سلباً واتجاهه إلى الإنتاج إيجاباً فلا يكون المحيط الطبيعي ملوثاً أو قاحلاً، ولا يكون راكداً أو جامداً، وعلى توفر الصناعة حسب الإمكان في مختلف جوانب الإحتياج لأن الصناعة توجب التقدم.

وقولنا (حسب الإمكان) حتى لا ينافي ما ذكرناه سابقاً من (التقشف) فإن التوفير على الأصل، ما لم يصادم الأهم الذي هو التقشف والزهد. توجب الضرب إلى الهدف.

عدم الانشغال بالهامشيات

من الضروري على ممارسي التغيير أن لا يشتغلوا بالأمور الجانبية التافهة، والإصلاحات السطحية البسيطة، فإن الاشتغال بالجانبيات والتوافه يمنعهم عن الوصول إلى أهدافهم فإنه ليس للإنسان قدرتان - مهما كان ذلك الإنسان عظيماً -: قدرة الإصلاح الجانبي، وقدرة الإصلاح الكبير، ولذا نجد في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الاهتمام بالإصلاح الأساسي أكثر من الاهتمام بالإصلاح الجانبي، فقد كان في جيشه حتى المنافقين، فلم يشتغل بإصلاحهم عن الإصلاح العام لأنه كان يرى أن تقديم الإسلام إلى الأمام وتركيز لواء التوحيد: (لا إله إلا الله) أهم من إصلاح فلان وفلانة المانع إصلاحهما من تقديم لواء الإسلام ورحمته الشاملة ولعل هذا الأمر هو السرّ في فشل بعض الحركات الإسلامية التي ظلت تهتم بالصغائر مثل اهتمامها بالكبائر. إذ الواقع أن الكبائر إذا صلحت، صلحت الصغائر تلقائياً ولا عكس، وهل يتمكن جماعة مهما أوتوا من حول وطول أن يجمعوا بين الأمرين؟.

إن الانشغال بالتوافه يعد من سمات المجتمع الجاهل المتخلف مما يسبب اشتغال الناس بالتوافه المخجلة أحياناً بدل الاشتغال بعظائم الأمور، فإن الجاهل يعمل العمل الحقير أو المنحرف متبجحاً بينما أنه إذا كان عالماً خجل من ذلك العمل، كما يشاهد الإنسان في أعماله التي عملها في حال جهله ويقايسه بأعماله التي ينبغي أن يعملها حال تقدمه في العلم والفهم.

وبهذا الصدد ينقل عن أعرابي أنه ما كان رأى دجلة في حياته لأنه كان يعيش في منقطع من الأرض فسمع بالخليفة وعطاياه وطمعاً في المال جاء إلى بغداد، لكن لا من طريق دجلة وإنما من طريق آخر، واستصحب معه شيئاً من ماء المطر الذي كان مجتمعاً في غدير عنده، وظن أن هذا أفضل هدية يقدمها للملك، ويأخذ بسببها جائزة سنية، فدخل القصر واستغرق في الحيرة من تلك المظاهر الفخمة حتى وصل إلى الملك وقدم له ذلك الماء الذي كان مجتمعاً في الغدير في إناء من جلد، أخذ الملك منه الماء وشرب منه شيئاً تعطفاً عليه وأعطاه جائزة، ولما خرج الرجل من القصر مر على الجانب الثاني من بغداد الذي تخترقه دجلة (وكان القصر قد بنى على شاطئها) ورأى ماء دجلة خجل كثيراً وتصبب عرقاً مما فعله بإهدائه الماء التافه للخليفة، مع أنه يتمتع بذلك الماء الوافر العذب الرقراق ومن هنا قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وعلى هذا المعنى حملوا الاعتراف بالتقصير الوارد عن المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) في الأدعية وغيرها، فإنه ليس من جهة المعصية كالكذب ونحوه، فإن أمثال الكذب إنما هي من معصية العوام، وكذلك ليس من جهة ترك المستحب أو فعل المكروه ولا من جهة ترك الأولى مثل أن يكون الأولى لمن يكون مع جماعة أن يكون بكل الآداب فإذا ترك أدباً لم يفعل مكروهاً ولم يترك مستحباً وإنما ترك الأولى وعليه نزّل ما حكي في القرآن الحكيم من بعض أفعال الأنبياء (عليهم السلام) كأكل آدم من الشجرة، وخلاف موسى على معلّمه بعد أن وعده، وغضب يونس، إلى غير ذلك.

بل من جهة ما كانوا يأتون به من لوازم الجسم بل كثير من ذلك الأمر الذي أتوا به - واعتذروا في الأدعية إلى الله من إتيانه - كان واجباً عليهم، لكن حيث لم يكن يليق بحضورهم (عليهم السلام) في محضر الله سبحانه وتعالى، كانوا بتلك الاعترافات والتخضعات يملأون الفراغ الحادث من جهة الفقر الإمكاني الذي هو من شأن الإنسان كمن يمد رجله في مجلس العظماء من جهة كسر ونحوه فإنه يعتذر منهم ويخجل أمامهم مع أنه يجب عليه ذلك أو لا يتمكن من جمع رجله إطلاقاً.

تجنب الطفولة السياسية

من الضروري على ممارسي التغيير تجنب الطفولة السياسية لأنها توجب تأخر الإنسان، فكما ان الطفولة الذاتية تمنع من التفات الناس حول الطفل كذلك الطفولة السياسية تمنع الإنسان من التقدم في البعد الذي يريده ولا يلتف الناس حوله وحيث لا يتمكن هو من التقدم لا يتمكن من تقديم الأمة إلى الأمام، فعلى ممارسي التغيير أن يتجنبوا الطفولة على الإطلاق.

مظاهر الطفولة السياسية:

والطفولة السياسية لها جوانب كثيرة، نشير إلى جملة منها:-

الأول: الاشتغال بالتوافه والجانبيات.

الثاني: الاستهانة بالناس بمختلف أقسامها.

الثالث: عدم احترام الناس اللائق بهم.

الرابع: الانغلاق وعدم الانفتاح على الناس والجماعات الأخرى.

الخامس: تصور الإنسان نفسه فوق الآخرين ذاتاً أو عملاً أو فكراً.

السادس: المباهات والتفكير بأنه أتى بما لم يأت به غيره، أو المباهات بأن زعيمه أتى بما لم يأت به غيره من الزعماء.

السابع: كثرة الشكوى بدون هدف صحيح.

الثامن: الغرور.

التاسع: الكبر.

العاشر: الاستبداد.

الحادي عشر: تصور أن العمل يثمر فوراً.

الثاني عشر: عدم الحزم.

الثالث عشر: عدم تقدير الأمور حق قدرها.

الرابع عشر: القاطعية العمياء(2)، بينما الرجل السياسي الرشيد يلزم أن يكون مرناً، وقد قال أحد السياسيين المحنكين: لو علمت أن خمسين في المائة من أعمالي السياسية صحيحة ومطابقة للواقع لابتهجت ابتهاجاً كبيراً، بينما السياسي غير المحنك يتصور أن كل المائة من أعماله وآرائه صحيحة مطابقة للواقع.

الخامس عشر: اليأس.

السادس عشر: الكسل والركون إلى الراحة والترف.

السابع عشر: تطلب الملاذ والشهوات.

الثامن عشر: عدم الاتزان في ضحك أو بكاء أو ما شابه من الأمور الإجتماعية أو الأمور السياسية أو غير ذلك بالإفراط والتفريط فيها.

التاسع عشر: عدم التأدب بآداب الناس وقد روى عن أمير المؤمنين(عليه السلام):

بنــــــي إذا كنــــــت في بلــــدة            فعـــــــاشر بآداب أربـابـــــها

والمراد هو التأدب بالآداب الصحيحة غير المنحرفة.

العشرون: التبجح والبطر والأشر والفرح بشكل اعتباطي.

الواحد والعشرون: التحزم الاعتباطي.

الثاني والعشرون: عدم الاتفاق في العمل.

الثالث والعشرون: زعم أن كل الناس على باطل أو سيئو النية، وأنه المحق الوحيد فقط وأنه هو الوحيد الذي يفهم وأنه هو الوحيد الذي له نية حسنة.

الرابع والعشرون: الانزعاج حتى من الصغائر.

الخامس والعشرون: عدم الحلم وكظم الغيظ.

السادس والعشرون: المقاطعة والمنابذة.

السابع والعشرون: سوء الخلق.

الثامن والعشرون: الإصرار على أمر ظهر بطلانه.

التاسع والعشرون: التقلب من وجه إلى وجه، كما يحدث ذلك كثيراً عند بعض السياسيين الضيقي النطاق.

الثلاثون: عدم الوفاء.

الواحد والثلاثون: عدم الصفاء.

الثاني والثلاثون: زعم عدم إمكان التغيير.

الثالث والثلاثون: زعم أن كل شيء ممكن قد عمل به، فلم يبق مجال للعمل من جديد.

الرابع والثلاثون: الأنانية وحب الذات.

الخامس والثلاثون: كون الظاهر والباطن على شكلين.

السادس والثلاثون: كون الإنسان ذا لسانين.

السابع والثلاثون: العجلة في الأمور.

الثامن والثلاثون: الغضب والحدّة.

التاسع والثلاثون: قصر النظر.

الأربعون: ترك الصغائر من المشكلات وعدم معالجتها حتى تكبر.

الواحد والأربعون: عدم تحمل المسؤولية.

الثاني والأربعون: عدم اتخاذ القرار، والرأي الصائب.

الثالث والأربعون: عدم الثقة اللازمة بالنفس.

الرابع والأربعون: الجبن.

الخامس والأربعون: عدم إصلاح النفس.

السادس والأربعون: المراء والرياء.

السابع والأربعون: عدم الاطراد في توسعة الحركة.

الثامن والأربعون: الكذب ومن أقسامه خلف الوعد.

التاسع والأربعون: الظهور بالمظهر غير اللائق.

الخمسون: الحرص والطمع، والجشع والهلع.

الواحد والخمسون: رؤية الصغير من الأمور كبيراً والكبير منها صغيراً.

الثاني والخمسون: عدم العمل انتظاراً للغــيبيات وقد قــــال سبحانه: (وقل اعملوا..)(3) وقال: (أن ليس للإنسان إلا ما سعى)(4).

الثالث والخمسون: الاتكال في العمل على نفسه فقط والاستغناء عن الله سبحانه.

الرابع والخمسون: العمل ابتغاء مدح الناس وثنائهم.

الخامس والخمسون: عدم علو الهمة.

السادس والخمسون: عدم الاهتمام بتكون الأعداء، فإن من طبيعة الرجال الكبار أن يتكون لهم الأعداء بسرعة بسبب أمور تافهة ثم ينموا العدو فيقف سداً دون المآرب الكبيرة.

السابع والخمسون: التبختر وعرض العضلات.

الثامن والخمسون: إفشاء الانتصار أو الانكسار فإن كلا من الأمرين يوجب مشكلات للإنسان.

التاسع والخمسون: كون الكلام أكثر من الواقع بل وحتى بقدر الواقع، فإن اللازم أن يكون العمل أكثر من الكلام.

الستون: إبقاء العداوات وإنماؤها.

الواحد والستون: إضاعة الصداقات وتضييع الأصدقاء.

الثاني والستون: دنوّ الهمة وضيق الأفق.

الثالث والستون: تتبع عثرات الناس.

الرابع والستون: استعمال المدفع لقتل جرادة كما يفعله كثير من السياسيين المتطفلين.

الخامس والستون: الوقوع في المهاترات حسب إرادة الخصم أو الجاهل أو الحسود.

السادس والستون: الاهتمام بالصغائر، والغفلة عن الكبائر.

السابع والستون: نسبة ما يجري في البلاد من الانحرافات إلى صغار الموظفين دون رئيس الدولة أو بالعكس.

إلى غير ذلك مما يجده المتتبع في الاجتماع المنحط.

الطفولة: شأن القيادة الفردية:

ومن طبيعة القيادة الفردية هي الطفولة دائماً وإلا لم تكن القيادة فردية، وإذا كانت القيادة فردية اتخذت:-

1 - طريق النفاق، ومن الواضح أن القائد الذي يسلك طريق النفاق ليصل إلى ما يصبو إليه، وينزه نفسه في الظاهر عما يفعله في السر، سرعان ما ينكشف أمره للناس فيسقط حتى عن مقداره الواقعي.

2 - الفوضى والتهريج مكان الواقع والحقيقة، ولذا تتأخر الأمة باستمرار.

3 - تكثير المناصب للملتفين حول النظام بينما تترك سائر الكفاءات، مهملة فإن الحكومات الدكتاتورية تعطي مناصب متعددة لأفراد معدودين من الذين يؤيدون النظام ويصفقون للقائد الأوحد، مع وضوح أن طاقة الفرد محدودة فلا يتمكن الفرد الواحد من إدارة مهام عديدة ومناصب كثيرة، فإنه مما لا طاقة له، ويسبب ذلك فساده وفساد عمله وقد قال سبحانه: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)(5) وقال: (.. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)(6) فاللازم أن لا يكلف الشخص إلا بقدر طاقته، حتى يستطيع القيام بتكليفه على أحسن وجه، وهذا الأمر المهم مفقود في القيادات الفردية المستبدة.

4 - الاقتحام العاطفي والتهور، وقد رأينا كيف أن الدكتاتوريين تهوروا في الاقتحام في أمور لا طاقة لهم بها مما سبب فشلهم، كما اقتحم عبد الكريم قاسم في حرب الشمال وعبد الناصر في حرب اليمن إلى غير ذلك.

5 - ضرب الكفاءات لأن الكفاءة لا تكون إلا بمناقشة الفكر والآراء، والأخذ بالصائب منها، وهذا مما لا يلائم الدكتاتور حيث ان الدكتاتور يريد تنفيذ رأيه فقط لا رأي الآخرين، ومن الواضح أن تنفيذ الرأي دائماً يلازم العنف، ولذا نرى كل دكتاتور يفتح أبواب السجون والمعتقلات وتعمل في زمانه مقصلة الإعدام ليل نهار، بينما الحكومات الاستشارية تكون على العكس من ذلك.

الطفولة على مستوى الحكومات:

والطفولة السياسية كما قد تكون في الأحزاب السياسية والحركات الإسلامية وغيرها، تكون كذلك في الحكومات الاستبدادية ولذا نجد أن كل المؤتمرات العربية وغير العربية التي تعقد هنا وهناك لا توجب إلا مزيداً من السوء والتأخر. والسر في ذلك هو أن المؤتمرات لا يحضرها سوى نفس أولئك الحكام الدكتاتوريين، وبالمؤتمر يقوى الدكتاتوريون أكثر فأكثر لأنهم قد انضموا بعضهم إلى بعض، وكلما قويت الدكتاتورية أكثر يكون التأخر أكثر، لأن مشكلة بلاد الإسلام بصورة عامة هي الدكتاتورية.

إن عبد الناصر مع أنه كان بخمسين مليون مصري لم يتمكن أن يقاوم إسرائيل حتى أُسبوعاً واحداً، بينما لبنان ذات الثلاثة ملايين تمكنت أن تقاوم إسرائيل إثنتي عشرة سنة إلى الوقت الحاضر، وذلك لأن في لبنان أحزاباً حرة يبلغ عددها ثلاثمائة وخمسين حزباً هذا وإن كان المجاز منها مائة وخمسة وثلاثين حزباً إلا أن المجال السياسي مفتوح أمام الجميع وحيث أن الأمر بيد الناس لم تتمكن إسرائيل من ان تهزمهم وإن ساندتها دول أوروبا بما فيها أميركا.

وهكذا نرى أن مصر تغير نظامها من خط السادات إلى خط حسني مبارك بإطلاق رصاصة واحدة، بينما لبنان لم يتغير نظام الحكم فيه حتى مع إطلاق ملايين الرصاصات.

وأحسن مثال على ذلك، هو مؤتمر باندونغ الذي انعقد من رؤساء تسع وعشرين دولة في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين ميلادية فإنه وإن اشتمل على رؤساء أكثر من نصف العالم: آسيا وإفريقيا وغيرهما وكان أهم هاجس للمؤتمرين هو الخروج عن سلطة الشرق والغرب إلا أنهم بالعكس من ذلك دخلوا تحت السلطتين أكثر مما مضى، فمثلاً الصين ذات الألف وثلثمائة مليون دخلت في مظلة الغرب، وغيرها تحت مظلة الشرق كما أن (ناصر) وسع دائرة إسرائيل إلى أضعافها، فمساحة سيناء وحدها التي سلمها ناصر إلى إسرائيل أكثر من ستين ألف كيلو متر مربع، هذا مع الغض عن الجولان والضفة وغيرهما.

فالدكتاتورية كلما كانت أكثر كان التأخر أكثر، وهذا هو ما نشاهده في كل بلاد الإسلام بلا إستثناء، ولذا ينحصر العلاج في الخروج عن الدكتاتورية بتسليم الناس زمام أمورهم.

وفي ذلك اليوم الذي عالجنا فيه الدكتاتورية، وأحللنا محلها الاستشارية يعرج المسلمون من حضيض التأخر إلى مستوى الشرق والغرب بل ويفوقون عليهم ويتمكنون من إنقاذ المقهورين، لا في العالم الثالث فحسب بل وحتى الذين يعيشون في بلاد الشرق والغرب ويعانون من الطبقية والعبودية، بإذن الله تعالى.

السلام

من الضروري لممارسي التغيير أن يجعلوا في مقدمة أهدافهم مسالمة الجميع، وأن يعيش الكل بسلام، فكما أن للإنسان نفسه الحق في أن يعيش بكرامة وحرية، ورفاه وسلام، عليه أن يترك الآخرين يعيشون كذلك كما قال علي (عليه السلام): (أحبب لغيرك ما تحبه لنفسك)(7).

حرمة الدماء والنفوس

على ممارسي التغيير المنع البات عن سفك الدماء، وإهانة الآخرين، والترفع عليهم.

فلا يعيبوا أحداً من الناس ولا يؤذوه بل يدعون إلى الكلمة الطيبة وطهارة القلب وتزكية النفس، وأن لا يزكوا أنفسهم ويروا أنفسهم فوق الآخرين، وقد قال سبحانه: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا)(8).

تجنب الوعود الفارغة

من الضروري على ممارسي الحركة عدم بذل الوعود - بلا ميزان - للناس، سواء قبل الوصول إلى الحكم أو بعد الوصول إليه، فإن الإنسان قد يحاول بسبب الوعود الخلابة أن يلف الناس حوله، بينما ذلك يأتي بعكس النتيجة فإنه كثيراً ما لا يتمكن الإنسان من الوفاء بوعده فينفض الناس من حوله.

نعم يجب عليهم أن لا يدّخروا وسعاً لتقويم كل اعوجاج، وللوقوف في وجه كل من يعمل ضد حرية الناس وضد حقوق المسلمين وغير المسلمين، وأن يتحملوا في ذلك مسؤوليتهم الكاملة أمام الله عز وجل وأمام الأمة وأمام الأجيال القادمة.

نصرة الحق

الالتزام بقول الحق في المنازعات سواء كان الحق للإنسان أو على الإنسان، أما أنه يقول الحق لو كان الحق في جانبه، ولا يقول به لو لم يكن بصالحه بل كان بصالح طرفه الآخر، أو يجعل كله له بينما يكون بعضه لصاحبه أو أن الباطل موزع بينهما أو الحق موزع بينهما فذلك مما لا يأتي بالنتائج المطلوبة، وقد نهى الله تعالى عنه بقوله: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب)(9).

وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وأن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً)(10).

وقد ذكروا أن الفترات الذهبية التي مرت على الهند قبل الإسلام هي فترة حكم أحد الملوك حيث كان يجنح إلى التعقل والتدبير دائماً، وكان لتعقله وتدبيره يعارضه ملوك آخرون أقل منه شأناً، حتى أنه تجمّع أولئك الملوك يوماً تحت لواء أحدهم لمحاربته، لكنه تمكن من تجنب الحرب ومداراتهم، إلى أن قدّم رئيس وزرائه استقالته وفضّل أن يعتزل الحكم ويتزهد في غابة، آنذاك فكر الملك في رئيس بديل له، وحيث كان يريد قلع جذور النزاع بينه وبين أولئك الملوك الصغار، اختار رئيس أولئك المعارضين رئيساً لوزرائه، فنعمت الهند بقيادة هذا الملك الحكيم وعاشت بأمن وسلام مثاليين.

لا.. للطغيان

على ممارسي التغيير عدم الطغيان بسبب حصول القدرة لهم قبل الحكم أو بعده، وذلك لا يكون إلا بتوفير النفسيات الرفيعة من جانب، وهو رادع نفسي عن الطغيان، وتوزيع القدرة على الجهات الكفوءة في البلاد من جانب آخر، وهو رادع خارجي عن الطغيان، وذلك حتى لا تطغى قدرة على قدرة، فإن القدرة إذا طغت لا بد وأن تسقط حسب موازين الله سبحانه وتعالى الكونية، هذا مع الغض عن أن الله سبحانه وتعالى للظالم بالمرصاد، وفي الشعر المشهور:-

لا تظلمــــن إذا مـــا كنت مــقتدرا           فالظلــــم آخــــره يأتيك بالنــــــدم

تنام عيناك والمــــــظلوم مــــنتبه           يدعو عليك وعين الله لم تنـــــــم

أهمية سياسة الإغماض:

ذكر في التاريخ أنه وقعت بين سلطان خراسان وسلطان كابل معركة.

وحيث رأى جماعة من ضباط سلطان خراسان أن سلطانهم في حالة انهيار وأن الظاهر انهزامه ووقوع الأمر بيد سلطان كابل، كتبوا إلى سلطان كابل يريدون منه الأمان ويدلونه على عورات البلاد وأنه كيف يتمكن من التغلب على سلطان خراسان وعرف بذلك سلطان خراسان لكن لم يقل شيئاً، ومن الصدف قويت شوكته وأخذ سلطان كابل ينهزم إلى أن انتصر عليه سلطان خراسان، وبعد الانتصار جاء سلطان خراسان بحقيبة مملوءة من الرسائل - التي كانت في حوزة سلطان كابل من مكاتبات ضباطه - إلى وسط ساحة كانت هناك، وقال لهم: أيها الضباط إني أعلم أن جماعة منكم كاتبوا سلطان كابل يريدون هدم بلادنا وهذه المكاتبات موجودة الآن في وسطكم لكني لم أقرأها حتى يرين قلبي عليكم ثم أمر بإحراقها.

وقال: كلكم تبقون في وظائفكم وأني أعلم أن الذي أصابكم هو من الضعف البشري ولست آخذكم بالضعف، وبذلك قويت شوكة السلطان ودخلت محبته في القلوب أكثر فأكثر مما سبب أن أخلص له أولئك الضباط إخلاصاً شديداً.

الشجاعة المزيجة بالحكمة

فإنها تسبب تقدم الإنسان سواء كان فرداً أو جماعة أو أمة، فالفرد الشجاع متقدم في المجتمع، كما أن الجماعة المتصفة بالشجاعة تتقدم في المجتمع وتقدم غيرها أيضاً، والأمة الشجاعة تسمو وتتقدم، بل الشجاعة هو الإقدام المزيج بالحكمة وإلا فبدون الحكمة لا يسمى شجاعة بل تهوراً، والتهور كالجبن كلاهما خطر على الإنسان فرداً أو جماعة أو أمة بسبب التأخر. وهنا نذكر نماذج بطولية ليقتدي بها ممارسي التغيير ويسببوا تقدم المسلمين وانتشالهم عن هذا التأخر المشين وذلك لا يتم إلا بإرجاع ما يلي:

1 - الحريات الإســـلامية، وقد أشار إليها القـــرآن الحكيم حيـــث قال سبحانه: (يضع عنهم أصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(11).

2 - الأخوة الإسلامية، كما قال سبحانه: (إنما المؤمنون أخوة)(12).

3 - والأمة الواحدة، بسبب سقوط الحدود الجغرافية كما قال سبحانه: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)(13).

مكافحة الجهل

ومما نحتاجه في ممارسة التغيير محاربة الجهل الذي خيم على المسلمين أكثر من قرن مما سبب تأخرهم ولو كان المسلمون يفهمون الحياة لم تكن تركيا وإيران تقع فريسة للغرب والشرق بهذه الفضاحة والفظاعة فقد كانت الجهالة مسيطرة على الحكام وعلى الشعوب وكان الحكام لا يرون إلا شهواتهم العابرة بسبب توغلهم في الجهل بالأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما كانت الجهالة مخيمة على الأمة حيث انقسموا إلى كثرة لا يهمهم الأمر، وقلة تتزلف إلى الحكام مهما رأوا فيهم من الفساد وأقل من قلة تعي لكنها لا تتمكن أن تفعل شيئاً لقلتها فإن قوله سبحانه: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)(14) معناه: أن القلة التي يأذن الله لها حسب الأسباب التكوينية. وإلا فلا شك أن الإمام الحسين والإمام موسى بن جعفر والإمام الصادق (عليهم السلام) وأصحابهم الخاصين ومن إليهم كانوا من القلة لكنهم لم يكونوا من القلة التي تتغلب غلبة ظاهرية عسكرية أو سياسية، وقد دفعنا نحن المسلمين ثمناً باهظاً من جراء الجهالات فبينما كانت أوروبا وأمريكا تسير حثيثاً نحو الصناعة والنظام والديمقراطية وما إلى ذلك كنا نحن نغط في سبات عميق وجهل شائن فأن غاية ما كان يعمله قلة من الحكام والأمة تقوية الظاهر وكانوا هم أيضاً أقل من القليل، فكانوا يتصدون لبناء المساجد والحسينيات وتسبيل الأوقاف لأجل الفقراء وزواج العزاب ومساعدة العجزة.

وفي المدارس الزمنية كان الهم الوصول إلى الوظيفة والمنصب - عبر القراءة والكتابة ومعرفة الأوليات- وتحصيل الشهادة وكان هذا هو كل الهدف المنشود لأكثر طلاب المدارس، ولذا لم تخرج المدارس كشيخ الطائفة والعلامة ونصير الدين وابن سينا والمحقق والشيخ البهائي والمقدس الأردبيلي وصاحب الجواهر والشيخ مرتضى الأنصاري، ومن إليهم بينما الأمة الحية دائماً تولد العباقرة وبسبب هذه الجهالة تحطمت الإمبراطويتان الإيرانية الشيعية والعثمانية السنية تحطماً ذريعاً، ولم تحكم التفرقة بين البلاد فقط بصنع الحدود الجغرافية وتحول البلاد إلى دويلات، وإنما تعدت إلى تحطم الأمة وتمزيقها إلى قوميات وأحزاب متحاربة لا أحزاب بناءة كما في الغرب وأخذ كل جانب يتجسس على الجانب الآخر، ويحاربه إلى أن وصلت الحالة إلى ما نشاهده الآن من التأخر، وقد عمل الغربيون فينا تبعيضاً وتفرقة.

التواضع

من مقومات دعاة التغيير وممارسيه التواضع وعدم التكبر، فإن العمل والتقدم بحاجة إلى أكبر قدر ممكن من التواضع حتى يرى الإنسان العامل سائر الناس كنفسه، وبحاجة إلى التواضع بالنسبة إلى الحق والهدف، فإن الأنانية أمام الخلق أو أمام الحق يوجب التخلف سواء في الفرد أو في المجتمع، إذ المجتمع مكون من أفراد، فإذا كان أفراد المجتمع غير متواضعين، بل أنانيين متكبرين، فإن المجتمع يصبح مجتمعاً متخلفاً، بينما الفرد يتقدم بتواضعه كما يتقدم المجتمع بتواضعه، وقد ذكروا قصصاً كثيرة في هذا الصدد منها ما يلي: -

أياز والغرفة المغلقة:

وصل (أياز) بتواضعه إلى ما لم يصل إليه الأحرار من المرتبة الرفيعة في الدولة، حتى صار مستشاراً للملك رغم كونه عبداً أسود لا يؤبه به في ذلك المجتمع الطبقي القديم، فقد كان يستشيره في كل شؤونه، وكان أياز يمحضه النصح فحسده الوزراء والضباط على تلك المرتبة الرفيعة، ولما لم يجدوا له مغمزاً فتشوا عن دخيلة أمره تفتيشاً دقيقاً لعلهم يجدون ما يسقطه عن عين الملك، وأخيراً وجدوا أن له غرفة ظنوا أنها ممتلئة بالمجوهرات الثمينة، فذهبوا إلى الملك ووشوا به وقالوا أن أياز يستولي على أموال الدولة وقد خبأها في غرفة في القصر، وأنه كل يوم عند وروده إلى القصر قبل وصوله إلى الملك يذهب إلى تلك الغرفة ويفتحها ويدخلها وحده، ثم يخرج منها ويغلق الباب ولا يدع أحداً يشاركه الدخول في الغرفة، وكذلك يفعل عند المغرب حين يريد الانصراف من القصر، فإنه يذهب إلى الغرفة مرة ثانية وهكذا ألحّوا على الملك بهذه الوشاية، حتى أوغروا صدر الملك ضده وظن الملك أن الأمر كما ذكروا، وفي ذات يوم كان أياز عند الملك فقال له: يا أياز أريد أن أذهب معك إلى تلك الغرفة لنرى ما فيها، فرحّب أياز بالأمر وصحب الملك والوزراء والضباط والوشاة الحاسدون معه إلى الغرفة ففتحها ودخلوها فلم يجدوا فيها إلا جلد كبش وعصاً عوجاء وزوج نعال من جلد بعير فقال الملك: ما هذا يا أياز؟

قال أياز: كانت هذه أمتعتي قبل أن أصل إلى خدمة الملك، ثم منّ الله علي فوصلت بخدمة الملك، وصرت مستشاراً له، وحيث أن الإنسان يسرع إليه التكبر حيث جئت بهذه الأثاث التي كانت أثاثي في الزمان السابق، ووضعتها في هذه الغرفة وكل يوم أمر عليها حتى أتذكر سابق عهدي ولا أكون مستعلياً ومتكبراً في نفسي على الحق أو على الخلق، ورأى الملك كتابة هذين البيتين على جدار الغرفة:

أتذكـر إذ لحافــــك جلـــد شاة          وفي رجليك نعلاً مــن بعيـــــر

فسبحان الذي سواك شخصاً          وعلمك الجلـوس على السريــر

فأعجب به الملك وازدادت مكانته عنده. 

أياز وصندوق المجوهرات:

وذات مرة سافر الملك بصحبة بعض وزرائه وكان معهم صندوق من المجوهرات، فوصلوا إلى موضع خطر وإذا بالصندوق يقع من على البعير وتتبعثر المجوهرات على الأرض، فنزل كل من كان مع الملك إلى الأرض حتى يجمعها، أما الملك فأخذ يسير حتى يرى ماذا يجري وإذا به يرى أن أيازاً لا يلتفت إلى تلك المجوهرات، وإنما بقي يتبعه أينما ذهب، فقال له: ألا ذهبت مع إخوانك وأصدقائك لجمع المجوهرات؟

قال أياز: أيها الملك إنك أثمن من المجوهرات، إنّا إذا فقدنا المجوهرات نتمكن أن نحصلها في ظلك، أما إذا فقدنا الملك فلا نتمكن أن نحصل لا الملك ولا المجوهرات بعد ذلك، ولذا فإني تبعتك حتى لا يصيبك مكروه فاستحسن الملك مقاله وقربه وأدناه أكثر فأكثر. 

ترجيح الكلمة على الجوهرة:

وينقل في قصة ثالثة، أن أرباب السلطنة وشوا ضد أياز عند الملك، وكلما حاول الملك إقناعهم بإخلاصه وواقعيته وإطاعته وفهمه لم يقبلوا منه، قال الملك: سأجرب ذلك أمامكم حتى تعرفوا أنكم على خطأ.

وفي يوم من الأيام أعطى الملك جوهرة كبيرة تسوي مئات الألوف إلى أحد وزرائه وأعطاه حديدة وقال له: أكسر هذا الجوهر.

قال الوزير: أيها الملك أنه لا يليق كسر هذا الجوهر لأنه يسوي مئات الألوف، وإذا كسرته انخفضت قيمته، ولعله لا يسوي بعد ذلك إلا مائة أو نحوها.

فأعطاه الملك إلى وزير ثان وثالث ورابع وخامس وهكذا، وكلهم أبوا عن كسره، وكان أياز من جملة من كان جالساً، فقال الملك لأياز: اكسر هذا الجوهر فوضع أياز الجوهر على الأرض وهوى عليه بالعمود الحديدي فكسره، فاعترض عليه كل الوزراء لماذا كسرت هذا الشيء وأوصلت قيمته من مئات الألوف إلى المئات أو الأقل.

أجابهم (أياز): إن كلام الملك أهم من هذا الجوهر فهل أترك كلام الملك لهذا الجوهر، وهنا توجه الملك إلى وزرائه وقال لهم: أعرفتم لماذا أستشيره؟

إنه يقدر كلامي ومواقفي وأفكاري، بينما أنتم تذهبون إلى ما تصبون إليه بدون مراعاة لكلامي.

ولا نريد من هذا الكلام تصحيح عمل أياز في نفسه وإنما نريد بيان أن التواضع يوجب ارتفاع شأن الإنسان - وإلا فالمثال يقرب من جهة ويبعد من جهة - ومثل عمل أياز قول الشاعر (السعدي) ما معناه: (كل عيب يرتضيه السلطان فهو فن).

فإن سعدي على معلوماته الواسعة وتعمقه في الأمور لا يريد أن يقول أن هذا هو الواقع وإنما يريد أن يقول قد يتطلب الظرف ذلك فإن لكل كلام مجالاً.

الزهد والورع

على الممارسين للتغيير التقشف والاكتفاء الذاتي فإن كان الممارس للتغيير غنياً صرف الزائد في طريق التغيير وأن كان فقيراً لم يتعب نفسه في تحصيل الزائد على ضرورياته الأولية في حياته الفردية، فإنّ صرف الوقت في تحصيل الزائد مما يضر بالممارسة، ولذا نجد أنبياء الله سبحانه وتعالى كافة وحتى الأثرياء منهم كسليمان بن داود (عليه السلام) كانوا يعيشون حياة التقشف والقناعة والزهد، وكانوا يصرفون حتى قسطاً كبيراً من أوليات حياتهم الفــردية وضرورياتهم الشخصية في تبليغ الرسالة وممارسة التغيير، وهداية الناس وإنقاذهم من أغلال القوانين المقيدة والكابتة لحرياتهم.

وكذلك كان الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام حتى نزلت في حقهم (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)(15) وفي دعاء الندبة: (بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها)(16) فالإنسان إذا صنع ملابسه بيده غزلاً وخياطة، وبنى بيته بنفسه هندسة وعملاً، وهيّأ طعامه بنفسه إعداداً وطبخاً وغير ذلك وفر على نفسه قسطاً كبيراً من الاكتفاء الذاتي واستغنى في كثير من شؤونه الفردية عن الآخرين، كما أنه يوفر على نفسه المال الذي يصرفه في هذه الأمور، فيستطيع أن ينفقه ويخدم الممارسة والتغيير بصورة أوسع.

وهكذا يكون التقشف في كل مجالات الحياة الفردية لممارسي التغيير، من سفر وحضر، وبناء وسكن فالسفر قد يكون بالسيارة الفارهة، أو بالطائرة المريحة، أو بالقاطرة الجاهزة، وقد يكون بالسيارة من الدرجة الثالثة أو بركوب الدابة أو بالمشي على الأقدام أو غير ذلك. ومن الواضح أن السفر المتقشف يوفر للإنسان المال كما أن الإنسان الذي يبني مسكنه بيده يوفر على نفسه المال أيضاً. وقد كان جماعة من طلاب العلوم الدينية في كربلاء المقدسة قد بنوا دورهم بأنفسهم حيث كانوا يأخذون التراب ويجعلونه طيناً، ثم يجعلون الطين لبناً وبعد ذلك يرصفون اللبن بأيديهم ويجعلونه جداراً للدار وللغرف ولسائر مرافق البيت نعم لم تكن بيوتهم بذلك الجمال الذي يصنعه البناءون ولكنهم وفروا على أنفسهم المسكن حيث كانت الأراضي - بحسب القانون الإسلامي الذي سنّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: (عادى الأرض لله ولرسوله ثم أنها لكم مني أيها المسلمون)(17) - تعرض مجاناً بلا ثمن أو بثمن زهيد جداً. 

الاكتفاء الذاتي عبر التقشف:

يجب الاجتناب عن التجمل مطلقاً فالأواني تكون من الخزف ونحوه مما تصنعه نفس البلاد والآلات من النخيل والأشجار - ولا أنسى كيف أن كربلاء المقدسة كانت تعطي من النخل فقط ثلاثين قسماً من الصناعة - وتكون الفرش من القطن والصوف مما ينسجان باليد، وتكون الأدوية من العقاقير والأعشاب، ونحوهما مما تنتجها البلاد، والألبسة من المغزل والنسيج البيتي، والوقود من الحطب والفحم والبعر ونحوها، والمأكل من منتجات البلاد لحماً أو فروعه ومن الثمرات، وتكون المراكب الخيل والبغال والحمير، والضياء من الشمع، والمساكن من الآجر والجص والخشب إلى غير ذلك إلا في قصوى حالات الضرورة فإن من الواضح أن من أنواع الاستعمار هو الاستعمار الاقتصادي لبلاد الإسلام والذي هو شايع الآن فيشترون منا المواد الخام بأثمان رخيصة جداً ثم يبيعونها لنا بأثمان باهظة جداً، فإذا اتخذ الممارسون للحركة التقشف والاقتناع بمنتجات البلاد اليدوية ونحوها يكونون قد قضوا - بذلك - على نصف الاستعمار على أقل تقدير، فإذا سرت هذه الروح في الأمة لا بد، وأن ينحسر الاستعمار عن البلاد، ومن الواضح أن هذا الأمر مشكل وأحياناً مشكل جداً، إلا أنه إذا وجد في الأمة حافز التغيير لا بد وأن يسهل الأمر كما نرى ذلك بالنسبة إلى الأمم التي تريد التقدم، فإن حافز التغيير يظهر في الأمة قدرات هائلة لم تكن ظاهرة بل تكون مغمورة من دون فعلية أما إدارة التغيير فهي التي تظهرها فيها بمثابة الأزهار والأوراد والثمار التي تظهر إذا زرعت بذورها في الأرض بمستوى صحيح بينما إذا لم تزرع أو كان المستوى غير صحيح لم تظهر تلك الأزهار والثمار والشذى والجمال هذا بالإضافة إلى أن إرادة التغيير تظهر في الأمة قيادات رشيدة في كل بلد وقرية ومجتمع وأمة بما لو لم تكن إرادة التغيير لم تظهر تلك القيادات الرشيدة، ولذا قال سبحانه: (كزرع أخرج شطئه)(18) وقال تعالى: (أولئك هم الراشدون)(19) وقال علي (عليه الصلاة والسلام) في حكمة بعث الأنبياء: (ليثيروا لهم دفائن العقول)(20) وإذا حصلت إرادة التغيير في الأمة فإنها بالإضافة إلى استسهال التقشف توجب ما ذكرناه من القدرات الهائلة والقيادات الرشيدة والثاني من ولائد الأولى لأن القيادة الرشــيدة كامنة في الأمة ومن جملة قدراتها ويكون ذلك في مختلف المجالات التعلــيمية والصناعية والزراعية والإدارية وغيرها. 

صورتان متقابلتان:

وإليك صورتين من مئات الصور المتقابلة بين حياة المسلمين الأولى وحياتهم الثانية وذلك في قصتي زواج (بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة الزهراء بعلي عليهما السلام) و(بوران بالمأمون العباسي).

صداق الزهراء (عليها السلام) وأثاثها:

أما الصورة الأولى، فهي أثاث فاطمة الزهراء (عليها السلام) لزواجها، وقد ذكر الرواة والمؤرخون أن مهرها كان بضع وثلاثين درهماً - والجمع بين هذه الرواية وروايات أربعمائة وخمسمائة درهم اختلاف قيمة الدرهم في ذلك الزمان كما يظهر لمن راجع التواريخ، وعلى أي حال - فكان مما اشترى لها صلوات الله عليها جهازاً لعرسها فراشان من خيش مصر حشو أحدهما ليف وحشو الآخر من جز الغنم، ونطع من أدم، ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء، وكيزان وجرار، ومطهرة للماء مزفّتة، وستر صوف رقيق، وقميص بسبعة دراهم، وخمار بأربعة دراهم، وقطيفة سوداء، وسرير مزمل بشريط وأربعة مرافق من أدم الطائف حشوها أذفر (وهو نبات معروف) وحصير هجري ورحى لليد ومخضب من نحاس وقعب للبن، وشن للماء، ولما عرض المتاع على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وكان في حجرة أم سلمة) جعل يقلبه بيده ويقول: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف(21).

وقد روى الصفوري في نزهة المجالس عن ابن الجوزي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) صنع لفاطمة قميصاً جديداً ليلة عرسها، وزفافها، وكان لها قميص مرقوع وإذا بسائل على الباب يقول أطلب من بيت النبوة قميصاً خلقاً، فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع فتذكرت قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)(22) فدفعت له الجديد(23).

وفي رواية أن الرسول (صلى الله عليه وآله) زارها صبيحة الزفاف فرأى على بدنها ثوبها الخلق، قال: يا فاطمة أين ثوب عرسك؟

قالت: يا رسول الله تصدقت به.

قال الرسول (صلى الله عليه وآله): ولم يا فاطمة؟

قالت: يا رسول الله إنك حدثـتني أن أمي ليلة زفـــافها بك تصــدقت بثوب عرسهـــا ولبست ثوبها الســـابق، فأردت أن أقتدي بها(24)

زواج بوران والنفقات الخيالية:

كانت تلك الصورة الأولى وأما الصورة الثانية فهي قصة زواج المأمون العباسي من بوران بنت الحسن بن سهل، فقد ذكر المؤرخون أنهم أوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً، في تور من ذهب، وقد بقي المأمون عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوماً، وقيل أكثر يعدّ له في كل يوم ولجميع من معه جميع ما يحتاج إليه، وأن الحسن خلع على القواد على قدر مراتبهم وحملهم ووصلهم وكتب الحسن رقاعاً فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد وعلى بني هاشم، فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم بعث فتسلمها وجعل الرقاع في بطاطيخ من عنبر، وكان مبلغ النفقة عليها خمسين ألف ألف درهم، وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس، وأقطعه (الصلح) وهو نهر كبير يأخذ من فم دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة ولما حمل المال إلى الحسن فرقه في قواده وأصحابه وحشمه ولما انصرف المأمون شيّعه الحسن ثم رجع إلى (فم الصلح) أي أول النهر وذكروا أن الحسن بن سهل كان قد بنى مدينة في الموضع المعروف بفم الصلح وأقام فيها، وبعد ما جاء المأمون إلى بغداد ذهب إلى فم الصلح بجميع أهله وعسكره، ونزل هناك فعمل له الحسن بن سهل ولجميع عسكره دعوة عظيمة جمعت أنواع المآكل والمطاعم الكثيرة التي عجز الناس عن حملها.

وفي التاريخ أن المتوكل عمل دعوة عظيمة اجتمع عليها خلق كثير فلما جلسوا على السماط قال المتوكل: انظروا هل هنا أحد ممن رأى دعوة (فم الصلح) وكان هناك شيخ طاعن في السن فقال: أنا رأيتها، فقال له المتوكل: كيف دعوتنا هذه بالنسبة إليها؟

فسكت الشيخ، فقال المتوكل: قل ما عندك ولا تخف. فقال: أقول مختصراً أو مفصلاً؟

فقال: بل مختصراً.

فقال الشيخ:

إنه لما فرغ الناس من الطعام ذلك اليوم وذهبوا إلى مواضعهم بقي تل عظيم من القلوب والكروش وغيرها وحتى تعفن، وبقوا مدة ينقلونه. 

الزهد من صفات المؤمنين:

ونعود فنقول من الضروري على الحركة الإسلامية انتهاج جشوبة العيش في الحياة واجتناب الملاذ فإن جشوبة العيش توجب الصحة الجسدية أولاً والتفرغ للعمل، إذ الملاذ ومباهج الحياة تأخذ وقتاً كثيراً جسدياً مما يوجب عدم فراغ الإنسان للعمل ولذا ورد في الحديث القدسي (إني وضعت العلم في الجوع والغربة والناس يطلبونه في الشبع والوطن فلا يجدوه).

ثانياً وتوفير الوقت للتفكير فيما ينبغي لإزالة الآثار غير الإسلامية، فإن الملاذ تأخذ وقتاً فكرياً كثيراً لأجل تحصيلها وصرفها وسائر آدابها وشرائطها ثالثاً، ويكون ممارس التغيير بزهده أسوة للناس في العمل لأن الإنسان مجبول على حب من يتجنب الدنيا.

ولذا نرى الزاهدين محبوبين في الاجتماع، ولو كان الاجتماع مترفاً إلى أبعد حد فترى العالم الرأسمالي يحب المسيح الزاهد (عليه السلام) حباً متزايداً، وكذلك أصحاب الثروة من المسلمين يحبون الرسول والأئمة الطاهرين الزاهدين رابعاً، ويبقى المال الذي يصرف في الترف ليصرف في العمل للتقدم خامساً، ولتكن هذه الخشونة الجسدية مقارنة باللين الاجتماعي، كما قال سبحانه (فبما رحمة من الله لنت لهم)(25) حتى يسبب تقدم المسلمين لأخذهم بقيادة الحياة بإذن الله سبحانه وتعالى، وقد أشار إلى ذلك علي (عليه الصلاة والسلام) حيث قال: (تحففوا تلحقوا)(26) ولا يخفى أنه ليس المراد الجشوبة في الأكل والشرب والملبس والمسكن، فقط، بل المراد الجشوبة في كل شؤون الحياة من مراسيم الولادة والزواج والموت واليقظة والمنام والزيارة والضيافة والسفر وغير ذلك.

وقد جمع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) صفات المؤمن في خطبة (همام) فقال (عليه السلام): أما بعد فإن سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم فالمتقون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الإقتصاد ومشيهم التواضع غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة. صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، إرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وظنوا أنها نصب أعينهم وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم مفترشون بجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء قد براهم الخوف برى القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون إذا زكى أحدهم خاف مما يقال له، فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون، فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزماً في لين وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجملاً في فاقة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرجاً عن طمع يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل يمسي وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذار ويصبح فرحاً حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة، إذا استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤالها فيما تحب قرة عينه فيما لا يزول وزهادته فيما لا يبقى يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل، تراه قريباً أمله قليلاً زلَـلَهُ خاشعاً قلبه قانعة نفسه منزوراً أكله، سهلاً أمره، حريزاً دينه، ميتة شهوته، مكظوماً غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وأن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه بعيداً فحشه، ليناً قوله، غائباً منكره، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره، مدبراً شره في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه لا يضيع ما استحفظ ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغى عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته وأراح الناس من نفسه بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة ودنوه ممن دنا منه، لين ورحمة ليس تباعده بكبر وعظمة ولا دنوه بمكر وخديعة. قال الراوي: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها، فقال أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): أما والله لقد كنت أخافها عليه(27).

وفي كلام آخر له، رواه نوف البكالي قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر في النجوم، فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟

فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين.

قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً ومائها طيباً والقرآن شعاراً والدعاء دثاراً ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح (عليه السلام)(28).

والمسلمون الأولون إنما تمكنوا من تقديم الإسلام إلى الأمام بذلك التقديم الهائل والذي بقي دفعه إلى اليوم، لأجل ممارستهم تلك الحياة الخشنة التي عاشوها ولما صار المسلمون إلى حياة الترف والبذخ تأخروا ذلك التأخر الهائل الذي يكوى الكل بناره هذا اليوم. 

نماذج تأريخية من حياة المسلمين:

للمسلمين مئات القصص الدالة على ذلك في أول الإسلام من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من جملتها: أن سعيد بن عامر واحد من الذين خرجوا في جماعة بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع أحد من المسلمين الأوائل هو (خبيب بن عدي) فقد وقف سعيد بن عامر معهم يشاهد أسير قريش مكبلاً بقيوده والرجال والنساء يدفعونه إلى ساحة الموت دفعاً لينتقموا من النبي (صلى الله عليه وآله) في شخص هذا الصحابي، وليثأروا لقتلاهم في بدر - لأن القصة وقعت بعد بدر - وكان خبيب يقول لهم: إن شئتم أن تتركوني أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا وتركت قريش خبيباً حتى يصلي ما يريد ونظر سعيد بن عامر إلى خبيب وهو يستقبل الكعبة ويصلي ركعتين ثم رآه يقبل على زعماء القوم ويقول والله لولا أن تظنوا أني أطلت الصلاة جزعاً من الموت لاستكثرت من الصلاة، وقد رأى سعيد بن عامر المشركين يمثلون بخبيب حياً فيقطعون من جسده القطعة تلو القطعة وهم يقولون له أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناج، فيقول خبيب والدماء تنزف منه: والله ما أحب أن أكون آمناً وادعاً في أهلي وولدي وأن محمداً يؤخذ بشوكة فيلوّح الناس بأيديهم في الفضاء ويتعالى صوتهم أن اقتلوه، ثم أبصر سعيد بن عامر خبيباً يرفع بصره إلى السماء ويقول: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، وقتل تحت ذلك التعذيب القاسي ولم يكن سعيد مسلماً إلى ذلك اليوم، فلما رأى ذلك اهتاج وجاشت به نفسه فقام سعيد في ملأ من الناس يعلن دخوله في دين الله الإسلام، ويعلن قبوله لرسالة محمد (صلى الله عليه وآله) وبراءته من آثام قريش وأوزارها وأصنامها وهكذا بقي سعيد حتى زمان الخليفة الثاني حيث ولاه ولاية حمص، وجاء الخليفة إلى الشام فلما نزل مدينة حمص لقيه أهله فقال لهم: كيف وجدتم أميركم؟

فشكوا إليه وذكروا أربعة من أفعاله كل واحد منها أعظم من الآخر، قال الخليفة: قلت ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار. فقلت: وما تقول في ذلك يا سعيد؟

فسكت قليلاً، ثم قال: والله كنت أكره أن أقول ذلك، أما وأنه لا بد منه فإنه ليس لأهلي خادم فأقدم كل صباح فأعجن لهم عجينة ثم أخبزه لهم ثم أتوضأ وأخرج إلى الناس، ثم قال لهم: وما تشكون منه أيضاً في شكواكم الثانية؟

قالوا: إنه لا يجيب أحداً بليل، قال: فما تقول في ذلك يا سعيد؟

قال: إني والله كنت أكره أن أعلن عن هذا أيضاً، فقد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل، قال: وما تشكون منه أيضاً في شكواكم الثالثة؟

قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوماً في الشهر، قلت: وما هذا يا سعيد، قال: ليس عندي ثياب غير التي علي فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف ثم أخرج إليهم في آخر النهار، قال: وما تشكون منه في شكواكم الرابعة؟

قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه، قال: وما هذا يا سعيد؟

قال سعيد: شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول له: تحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناج، فيقول: والله لا أحب أن أكون آمناً في أهلي وولدي وأن محمداً (صلى الله عليه وآله) تشوكه شوكة وإني والله كلما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي وأصابتني تلك الغشية عند ذلك وهكذا كان المسلمون الذين تخرجوا على مدرسة رسول الله (صلى الله عليه وآله) متقشفين زاهدين حتى تمكنوا من تركيز لواء الإسلام في شرق الأرض وغربها بما امتد إلى هذا اليوم. 

حياة التقوى والورع:

إن المسلمين الأوائل اجتنبوا المحرمات أشد اجتناب بخلاف ما نشاهده في أكثرية حكام المسلمين اليوم وفي كثير من المسلمين. فمثلاً لما خرج عبد الرحمن الداخل من البحر أول قدومه الأندلس أتوه بخمر ليشرب، فأبى وقال: إني محتاج لما يزيد في عقلي لا لما ينقصه فعرفوا من ذلك قدره، ثم أهديت إليه جارية جميلة، فنظر إليها وقال: إن هذه لمن القلب والعين بمكان، وإن أنا لهوت عنها بمهجتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن لهوت بها عما أطلبه ظلمت مهجتي فلا حاجة لي بها. الآن قيسوا ذلك بما حدث في الأندلس من أن المسلمين أقبلوا على شرب الخمور وارتكاب الفواحش مع الجاريات الجميلات وتركوا الصلاة حتى سقطت الأندلس كما بين في القضايا المشهورة.

المحاكم العشرة للإنسان

ثم إنا قد ذكرنا مسؤولية الإنسان في أفكاره وأعماله أمام المحاكم المقررة من الله سبحانه له تكويناً أو تشريعاً وموجز ذلك: أن المحاكم التي يحكم فيها للإنسان أو يحكم فيها عليه عشرة:-

الأولى: محكمة النفس حيث أنها أول محكمة داخلية مصدقة أو مكذبة، محسنة أو مقبحة لفكر الإنسان أو عمله.

الثانية: محكمة البدن حيث أن كثيراً من الأعمال والأفكار تعود بالصحة أو المرض على البدن.

الثالثة: محكمة التاريخ حيث يسجل في صفحات الكتب ونحوها خير الإنسان أو شره.

الرابعة: محكمة الاجتماع حيث أن الاجتماع المعاصر وكذلك الاجتماع المستقبلي يقول أن الفرد الفلاني كان خيراً أو كان شريراً، فعل حسناً أو فعل سيئاً.

الخامسة: محكمة القضاة فيما إذا سيق الإنسان إليها حيث تؤيد جرمه إذا كان مجرماً أو تصدّق براءته إذا كان بريئاً.

السادسة: محكمة الآثار التي تبقى من خير الإنسان أو شره، حتى أنهما يسريان إلى عقبه وقد قال سبحانه: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء)(29) وقال سبحانه: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً)(30).

السابعة: محكمة الزمان حيث تعكس على الإنسان خيره وشره، وقد تقدمت منا بعض القصص في هذا الشأن ومنها قصتا المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي رحمه الله مع الأبوين اللذين أساء إليهما أولادهما. كما ذكرنا في بعض كتبنا ما نقل من قصة الكوز الذي أخرج في حفريات الآثار القديمة في مصر فلما سلط عليه إبرة (الكرامافون) أخذ يعكس صوت صانع الكوز الذي بقي محفوظاً في ذراته وطياته.

الثامنة: محكمة المحيط الطبيعي كخراب سامراء أو أهرام مصر أو ما إلى ذلك وفي الحديث: (إنه حق على الله سبحانه وتعالى أن يعرض كل مكان عصى الله فيه للشمس حتى تطهره بأشعتها)(31) كناية عن خراب ذلك المكان.

التاسعة: محكمة القبر قال سبحانه: (ثم أماته فاقبره)(32) حيث أن الإنسان يحاسب في القبر على كل أعماله ومعتقداته والقبر - كما في الحديث الشريف - أما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران(33).

العاشرة: محكمة القيامة بما يتلوها من الجنة والنار قال سبحانه: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى)(34) وهذه المحكمة أصعب المحاكم حيث أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى الذي يرى كل شيء ويسمـــع كل صوت ويعلم حتى ما في ضمير الإنسان فإنه عالم بــــذات الصدور. وقد قـــال سبحانه وتعالى: (ويحذركم الله نفسه)(35) وقد ورد في بعض التفاسير: أن آخر آية نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي قوله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله)(36) فالآية أما بصدد القبر أو بصدد القيامة فعلى الإنسان أن يخاف هاتين المحكمتين اللتين تنعقدان بعد خروج الروح عن جسده.

وعلى ممارسي التغيير أن يضعوا هذه المحاكم العشرة نصب أعينهم ويعملوا بحضور منها فإن الإنسان إذا عرف مسؤوليته الخطيرة لا بد وأن يلاحظ ويحاسب بدقة كل حركاته وسكناته، سواء كانت في ممارسته الفردية أو الاجتماعية أو غيرهما. وفي حديث مأثور: أن الإمام السجاد (عليه السلام) كان يسير على ناقة له فالتاثت به ناقته، فرفع العصا ليضربها، لكنه أمسك يده ولم يضرب الناقة، فلما سئل عن سبب ذلك؟

قال: خوف القصاص(37).

وقد ذكرنا قصة سوادة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى غيرهما من القصص الكثيرة الواردة في كتب السيرة والأخلاق، والله سبحانه المستعان.

 

1 ـ نهج البلاغة: الخطبة 27.

2 ـ المعبر عنها في لسان الروايات بـ (الخرق) (دام ظله).

3 ـ سورة التوبة: الآية 105.

4 ـ سورة النجم: الآية 39.

5 ـ سورة البقرة: الآية 286.

6 ـ سورة البقرة: الآية 286.

7 ـ انظر بحار الأنوار: ج71 الباب 15 من أبواب حقوق المؤمنين ص226.

8 ـ سورة النساء: الآية 49.

9 ـ سورة المائدة: الآية 2.

10 ـ سورة النساء: الآية 135.

11 ـ سورة الأعراف: الآية 157.

12 ـ سورة الحجرات: الآية 10.

13 ـ سورة المؤمنون: الآية 52.

14 ـ سورة البقرة: الآية 249.

15 ـ سورة الحشر: الآية 9.

16 ـ مفاتيح الجنان المعرب: ص532.

17 ـ مستدرك الوسائل: ج3 الباب1 من كتاب إحياء الأموات ح1 ص149.

18 ـ سورة الفتح: الآية 29.

19 ـ سورة الحجرات: الآية 7.

20 ـ نهج البلاغة: الخطبة 1.

21 ـ كشف الغمة: ج1، ص269.

22 ـ سورة آل عمران: الآية 92.

23 ـ نزهة المجالس: ج2، ص226.

24 ـ انظر نزهة المجالس: ج2، ص226.

25 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

26 ـ غرر الحكم: ص243 الرقم 4604.

27 ـ نهج البلاغة: الخطبة 193.

28 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم الرقم 104.

29 ـ سورة الطور: الآية 21.

30 ـ سورة النساء: الآية 9.

31 ـ سفينة البحار: ج1 ص488 (مادة ذنب).

32 ـ سورة عبس: الآية 21.

33 ـ بحار الأنوار: ج6 الباب 8 ص267.

34 ـ سورة النجم: الآية 39-41.

35 ـ سورة آل عمران: الآية 28.

36 ـ سورة البقرة: الآية 281.

37 ـ مستدرك الوسائل: ج18 ص262، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.