الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الاسلام والحضارة

ومن غريب الأمر، وليس بغريب لدى الدقة، إن المسلمين من يوم تركهم العمل بجميع جوانب الإسلام ــ حين ساد الجمود والأنانية بلاد الإسلام ــ تأخروا عن ركب البشرية وان كانت بعد حكومتهم قائمة، لهم بها عزة وسيادة واستقلال، ومن يوم تركوا العمل بالإسلام جملة وتفصيلا، واستبدلوا القوانين الغربية البشرية، بالقوانين السماوية الإلهية، وقعوا في مشكلة كبرى، لم تقع أمة في مثلها، فلا حكومة، ولا استقلال، ولا سيادة، ولا سعادة، بل أجزاء مبعثرة وأشلاء مقطعة، يلعن بعضهم بعضا، وتستعمرهم الحكومات الكافرة، وتستثمرهم الشركات الاحتكارية، وسلط بعضهم على بعض ولم يجدوا ناصرا لا في الأرض ولا في السماء، فجزء لفرنسا، وجزء لانكلترا، وجزء لروسيا، وجزء لأمريكا، وجزء لحكومات كافرة غير مسلمة كالهند وأثيوبيا، وجزء لليهود، وجزء للصليبيين، وهكذا.

وقد يظن بعض الذين لا يدركون الحقائق، إن سيطرة هؤلاء ــ وان كانت لها مساوىء ــ لكنها أفادت المسلمين من ناحتين:

1 ـ ناحية الرقي والعمران والتصنيع .

2 ـ ناحية الهدوء والاستقرار والطمأنينة.. ويجب أن يقال لهؤلاء:

أما الناحية الأولى، فان المسلمين لو كانوا يعملون بالإسلام لكانت لهم أقوى الدول وأرهبها وأعمرها من جميع النواحي، وهل يقال لعقار ارتفع من ألف دينار إلي عشرة آلاف دينار، انه تقدم، في حين أن نظيره ارتفع من عشرة دنانير إلى عشرة ملايين دينار؟ الغرب والشرق كانا متأخرين جدا، وتقدما هذا التقدم، والمسلمون تأخروا هذا التأخر الفظيع ، وان فرضنا انه بلطت شوارعهم، ونظمت بعض التنظيم مرافقهم.

وأما الناحية الثانية، فلاحظ أحد مفكري الإنجليز ماذا يقول في شأنهم بالنسبة إلينا وانه ماذا جنينا تحت سيادتهم، والمفكر هو (ويلزيد سقاون بلنت) (لا ترقبوا منا غير سياسة الظلم والعسف وسياسة الضيم، وسنسلبكم أموالكم، ونفسد أخلاقكم، وننزل بكم إلى درك الهند، التي ابتليت أن تكون تابعة لنا.. نحن لا نريد بكم خيرا ولا تنالوا منا دستورا، ولا حرية مطبوعات، ولا حرية تعليم ولا حرية شخصية لمنفعة النساجين في منشستر، وتمكين تجار اليهود والإنجليز منكم أكثر ما مكنوا).

وقال (دجوفارا): (إن إنجلترا بعد سبعة قرون من زمان (سانوتو) قد حققت لنفسها الأمل الذي كان يحلم به سانوتو)، والذي كتبه في كتابه، هو (الدعوة إلى قتال المسلمين واستئصال دولتهم) .

ولعلك تظن أن هذا صنع الغرب فقط، بالمسلمين، فانظر إلى كلام (ف، دفرنو) الشرقي يقول بالحرف الواحد: (إن الإمبراطورية الروسية لن تبقى دولة عالمية إذا خسرت مستعمراتها المسلمة، فان البترول والقطن والإنتاج المعدني يأتي كله من تلك البلاد الإسلامية).

ولذا إذا نظرت اليوم إلى بلاد المسلمين التي هي بعد بلاد إسلامية، لم تر فيها زراعة وصناعة وتجارة وتقدما وازدهارا يذكر بالنسبة إلى ما يجب أن يصل إليه البلد الإسلامي .

وقد كان من تخطيط الكفار ، لضمان بقاء المسلمين على تأخرهم وانحطاطهم:

1 ـ نشر القوانين الكافرة في بلاد الاسلام، مما يقطع صلة المسلم بنظامه.

2 ـ إشاعة المنكرات والآثام، حتى لم تعد البلاد الإسلامية بلادا اسلامية، بالمعنى المفهوم لدى المسلمين.

3 ـ تشويه الإسلام في أذهان المسلمين، ولذا تراهم يرون الإسلام، كأنه دين انقضى وقته، ولزم أجله، وبالأخص ترى شبابهم ينفرون من الإسلام نفور الثعلب من الأسد، حتى إذا قلت لهم: الإسلام له نظام وقوانين، ينظرون إليك نظر المستهزيء، وقد قال لي وزير العدل في أحد البلاد الإسلامية: الإسلام لم يكن له قانون.. فلما قلت له: فكيف كان يحكم بلادا شاسعة واسعة؟ وفارتبك الوزير وأضرب عن كلامه، قائلاً: أقصد انه لم يكن له قانون سياسي.. ولما قلت له: أليست السياسة إدارة البلاد والحرب والسلم، وعلاقات الدول، والإسلام طافح بها.. حجم ولم يحر جوابا.

ولننظر هل إن الحضارة الحديثة، التي حطمت الحضارة الاسلامية، تمكنت من أن تقدم للبشرية عوضا عن الحضارة الإسلامية، أم مثلها مثل الهادم الذي لم يتمكن من البناء؟

من الحق أن نقول: إن الحضارة الحديثة لها جهتان:

1 ـ جهة الصناعة

2 ـ جهة الإنسانية..

وقد تمكنت الحضارة الحديثة، من التقدم في ميادين العلم والاختراع والصناعة، بخطوات كبيرة جدا، لم يسبق للبشرية ــ فيما نعلم ــ أن وصلت إليها.. أما جهة الإنسانية فقد تقهقرت الإنسانية إلى درك ما دونها درك، ويكفيك أن تعرف أن الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، قدمت من القرابين والضحايا، أكثر من ضحايا عشرين قرن، فيما ضبطه أهل التاريخ والإحصاء.

وما فائدة حضارة لا تقارنها السعادة.. أرأيت لو قدم لك إنسانا دارا مجهزة بكل الوسائل المريحة الحديثة، ولكنه هددك بالإعدام غدا، هل انك تمدحه أم تذمه؟!

وهل ترى أن كوخك براحة النفس كان خيرا، أم الدار المقترنة بالقلق والخوف؟ ..

إن مثل الحضارة الحديثة كهذا المثل ــ تماما ــ وهذا بالإضافة إلى أنه ملموس لكل إنسان له أقل شعور وتفكير، مؤيد بأقوال علماء هذه الحضارة أنفسهم.

(روبرت هشنس) يقول: (لقد بلغ العلم ــ ويقصد العلم المادي ــ في آن واحد، إلى الأوج في المعرفة والتكنولوجيا، والتحكم في الطبيعة والى الحضيض في حياته الأخلاقية والسياسية).

وقد قال (جورج واشنطن): (الدين والأخلاق هما من بين الحالات والعادات التي تؤدي إلى الرخاء السياسي أهمها وألزمها، فعبث من يدعي الوطنية أن يسعى لتقويض هذين العمادين الراسخين من عمد السعادة البشرية).

ولذا نرى أن الشرق والغرب حيث انسلخا عن الدين والأخلاق ــ وان زعم الغرب انه متدين وأخلاقي ــ ارتكبا أبشع الجرائم بحق البشرية، لا بالنسبة إلى مستعمراتهم فحسب، بل بالنسبة إلى أنفسهم بعضهم مع بعض، وان كانت الضراوة بالنسبة إلى المستعمرات أكثر فأكثر .

وإذا فعلى المسلمين أن يرجعوا إلى الإسلام رجوعا تاما، إن أرادوا الحياة الإنسانية الكريمة، وإذا رجعوا إلى الإسلام، تمكنوا من حمل مشاعل الإسلام إلى الغرب والشرق، كما حمل آباؤهم من ذي قبل، وإلا فعلى البشرية السلام .