الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أشكال الدولة

ولا أراني بحاجة بعد هذا العرض السريع، آلي ذكر أشكال الدولة التي تصورها الفلاسفة والحكام وأهل الفكر، نعم لا بأس بالاشارة إلى بعضها لاستيعاب الذهن بعض الصور المقتضبة عن الحكم والدولة، وهي بالإضافة إلى فكرة الفوضويين، تشكل هذه الأصول:

1 ـ الفرد، لا الدولة ــ إطلاقا ــ .

2 ـ الدولة، لا الفرد ــ إطلاقا ــ .

3 ـ الدولة والفرد ــ هما معا ــ .

أما المذهب الفردي، فقد تقدم أنه مذهب جماعة حيث رأوا أن الفرد يجب أن يعيش في كافة حرياته بدون أن تكون هناك دولة تكبت حرياته.. وقد عرف لا واقعية هذا الرأي، بالإضافة إلى مفاسده.

وأما المذهب الذي يقول بالدولة لا الفرد، فهو مذهب من يرى إن الدولة هي الكل في الكل، ولا شأن للفرد إطلاقا، فللدولة أن تعمل ما تشاء بدون رعاية حريات الفرد وأشواقه ورغباته .

أما الذين يقولون بالدولة والفرد، فهم بين:

أ ـ من فرط في إعطاء الصلاحيات للفرد .

ب ـ من فرط في إعطاء الصلاحيات للدولة .

ج ـ من عدل بينهما.

أ ـ أما من فرّط في إعطاء الصلاحيات للفرد مع قوله بالدولة، فذلك كان انعكاسا، لتدخل الدولة، في القرن الثامن عشر المسيحي في كل شأن من الشؤون حتى من حيث بعض الأزياء والملابس وما أشبه… فقال بعض أرباب هذا المذهب أنه يجب منع الدولة من التدخل في شؤون الفرد الاقتصادية، فلا سيطرة للدولة في منع استيراد أو إصدار أو تعاطي التجارة بكل أشكالها..

وقال بعض آخر من أرباب هذا المذهب: انه لا حق للدولة في التدخل في شؤون الفرد، خارج نطاق الاضرار التي يريد الفرد إنزالها بالمجتمع، وذلك لأن الفرد إذا كبتت حرياته ماتت فيه الخلاقية والإبداع .

وقال بعض آخر: أن على الفرد أن يقرر مصيره في الأمور الاقتصادية والعلمية، بدون أن يحق للدولة التدخل في شؤونه التي من هذا القبيل .

ب ـ  ومن فرّط في إعطاء الصلاحيات للدولة، احتج بأن الجانب الاجتماعي في الإنسان أكثر من الجانب الفردي، فلهذا ليحق للفرد أن يستأثر بالقدر الكبير من الصلاحية، أو بالقدر المساوي من الصلاحية، بل إذا قسمنا الصلاحية إلى عشرة أقسام، كانت تسعة منها للدولة، وواحدة منها للفرد، بالإضافة إلى أن الدولة أبصر وأكثر عمقاً وتجربة، وهم جماعة وآرائهم أصوب من جميع المجالات .

وأما من عدل بينهما، فهو الإسلام، الذي يرى أن لكل من الدولة والفرد، حقاً، فالدولة إنما هي لرعاية أمور الأمة ودفع الأذى عنها، والتسيير بها إلى الأمام.. وبعد ذلك فللفرد كل حق وحرية في مختلف مجالات الحياة..

وقد جعل الإسلام قانونين، لأجل حماية الحريات الفردية، وهما (الناس مسلطون على أنفسهم) و (الناس مسلطون على أموالهم) كما جعل قانون (السمع والطاعة) لأجل نفوذ الدولة .

ولعل من أهم ميزات الإسلام في هذا الجانب، أنه لم يجعل صلاحيات الدولة مطاطية، بحيث تتسع على حساب حريات الفـــرد، وذلك لأن الإسلام لم يجعل سن القوانين بيد الناس، حتى تكون الحريـــــات الفردية مهددة كما هي الحال في كل الدول المعاصرة .