الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

أنواع الحكومات

ومن الجدير أن نذكر أنواع الحكومات المعروفة، بشيء من السرعة والوضوح .

وينبغي قبل ذلك أن نبين أن جماعة من العلماء فرّقوا بين الحكومة والدولة، فالحكومة عندهم عبارة عن الهيئة الحاكمة، والدولة عبارة عن مجموع الشعب الحاكم، لكن حيث أن الاصطلاح لا يهمنا في هذا الكتاب أضربنا عن ذلك صفحاً. أما أقسام الحكومة فهي:

1 ـ الديمقراطية:

وهي لفظة يونانية، معناها ( سلطة الشعب) .

قال بعض أنها ( سلطة الشعب على الشعب)، وقد كانت الديمقراطية منذ أقدم العصور ــ على ما أثبته التاريخ ــ طريقة الحكومة، في أثينا واسبارطه وفي العصور الجديدة، أحيتها الثورة في فرنسا، حيث قام الثوار، ضد طغيان الملوك واستبدادهم.. وهي عبارة عن انتخابات حرة لوكلاء الشعب، ينظمون برلماناً، وبرأي الأكثرية من هؤلاء يحكم على البلاد بالأحكام والدساتير، في الحقلين الخارجي والداخلي.

ومن الواضح أن الإسلام لا يقرّ هذا النظام، لأن الديمقراطية تعتبـــــر مصدر السيادة هو الشعب فله أن يختار ما يشاء، والإسلام لا يرى السيادة مطلقة إلا لله تعالى.. بالإضافة إلى أن وضع القانون ليس إلا لله تعالى، بينما الديمقراطية ترى أن القانون إنما هو بيد ممثلي الشعب.. هذا بالغض عن أن الديمقراطية الحديثة عبارة عن المجتمع الذي يعيش فيه أصحاب إقليم واحد تربطهم روابط الدم والجنس واللغة والعادات المشتركة، وهي بهذا المعنى تقترن بالفكرة القومية أو العنصرية، والإسلام لا يقر ذلك.. وهذه من أهم الأمور التي يؤاخذ بها النظام الديمقراطي، وهناك مآخذ اخر، لا نتعرض لها، لمراعاة الإيجاز في الكلام .

2 ـ الأرستقراطية:

ومعناها حكومة القلة المختارة، على الشعب، وكونها مختارة، أما لأجل فضلها أو ثقافتها، أو دينها أو كونها فئة عسكرية وما أشبه ذلك، وقد اعتقد أفلاطون أن هذا القسم من الحكم من أفضل أنواع الحكم، بشرط كون القلة الحاكمة منصفين .

وهذا أيضا مما لا يقره الإسلام، للأمور السابقة، بالإضافة إلى أنه لا مقياس للقلة الحاكمة، والغالب اقتران مثل هؤلاء بالأنانية والإسراف، كما تشاهد ذلك في دولة إنكلترا، التي لها مجلسان: مجلس اللوردات، ومجلس الشعب، ولعل كثيراً من مآثر الاستعمار البريطاني في الدول المستعمرة، تعزى إلى اللوردات الذين يريدون بقاء مراكزهم الاقتصادية والاجتماعية، فيحفزهم ذلك إلى استعمار البلاد.

3 ـ الاشتراكية:

وهي عبارة عن تأميم الثروات، بمعنى أن جميعها للدولة، وهذه قسمان.. الأول الشيوعية، والثاني غير الشيوعية، ومرادنا الآن، بالاشتراكية، هي ما يقابل الشيوعية، فهي عبارة عن استيلاء الدولة على منابع الثروة العامة من القطارات، والكهرباء، والمصانع الضخمة والأرض، والغابات، والبحار، والمعادن والأنهار، وما أشبه ذلك، وقد عرَّفوها بعدة تعريفات، كقول(ديكنسون): (إنها تنظيم اقتصادي للمجتمع وبمقتضاه تكون أدوات الإنتاج مملوكة للمجتمع ككل. كما تدار هذه الأدوات بواسطة أجهزة ممثلة للمجتمع، وتكون مسؤولة، وتكون إدارتها وفقا لخطة اقتصادية عامة، كما تكون ثمار الإنتاج الاشتراكي المخطط من حق كل أفراد المجتمع على أساس العدالة) المصدر .

ولعل أهم الفروق بين الشيوعية والاشتراكية، أن الأولى تؤمن بشيوع جميع أنواع الإنتاج وغيرها من الثروات حتى دور السكن وما أشبه، بخلاف الثانية، فإن الخطة العامة فيها هي استيلاء الدولة على منابع الثروة العامة .

كما أن أقسام الاشتراكية تختلف في البلاد بعضها عن بعض، فكل بلد اشتراكي، من انكلترا، والهند، والدول العربية، وغيرها، يحدد منابع الثروة العامة بشكل خاص، ومن الواضح أنه في الآونة الاخيرة، لم تبق فروق واضحة بين الرأسمالية وبين الاشتراكية، إلا في بعض البنود، حيث أن كلا من الدول الاشتراكية،ــ وأعني بها الأمم من الشيوعية ــ والرأسمالية، أخذت بجملة من بنود الاشتراكية، نعم الفرق الذي يمكن أن يقال به:

1 ـ ان بعض الدول كالاتحاد السوفيتي تميل إلى الشيوعية أكثر.

2 ـ وبعض الدول كالدول العربية الثورية تميل إلى الاشتراكية أكثر .

3 ـ وبعض الدول كأمريكا تميل إلى الرأسمالية أكثر .

4 ـ الشيوعية:

لقد ظهرت الشيوعية في بلاد اليونان في قديم الزمان ثم هاجمها الناس، مما سبب سقوطها، ثم ظهرت لمرة ثانية في بلاد فارس. على يد مزدك وأتباعه، ثم هاجمها الناس حتى سقطت وظهرت لمرة ثالثة في روسيا قبل نصف قرن تقريبا وتبعها جملة أخرى من البلاد، كالصين ويوغسلافيا وألمانيا الشرقية وكوبا وغيرها، والآن هي آخذة في الانهيار، والذي يبدو لي أنه لولا مساعدة أمريكا لروسيا في الحرب العالمية الثانية، ضد ألمانيا لسقطت الشيوعية العالمية، قبل ربع قرن، لكن تلك المساعدة سببت إنعاش الحركة الشيوعية وبقاءها إلى هذا اليوم.

كما يبدو لي أن الشيوعية آخذة بالانهيار من الداخل والخارج، إذ مالت البلاد الشيوعية، وفي طليعتها روسيا، نحو الرأسمالية كما أن الخارج أخذ يوالي ضربته ونقمته لهذا النظام، ولو قامت حرب عالمية ثالثة، لسقطت الشيوعية، كما تشير ألى ذلك الأدلة والشواهد.

والشيوعية كانت في ابتدائها نظاما اقتصادياً، ثم أخذت تتوسع حتى صارت فلسفة عامة، تدخل في جميع شؤون الحياة وجوهرها أمران:

1 ــ الإلحاد بالنسبة إلى العقيدة.

2 ــ شيوع المال والنساء، بين الجميع.

ثم تطور البند الثاني إلى كون الأموال جميعاً للدولة، والناس يعملون كثيرا، ويأكلون قليلا.. كما أن النساء تذبذبت بين الأسرة والشيوع، فلا أسرة منظمة، ولا شيوعية كاملة.

قال ستالين: (الماركسية هي العلم الذي يقوم بدارسة قوانين التطور الطبيعية والمجتمع، وهي العلم الذي يدرس ثورة الطبقات المضطهدة والمستغلة، كما أنها العلم الذي يصف انتصار الاشتراكية في جميع البلدان، وأخيراً هي العلم الذي يعلمنا بناء المجتمع الشيوعي) المصدر.

ويرى ماركس، أن العوامل المادية والاقتصادية، هي التي تحدد الأوضاع القانونية والاجتماعية والسياسية والفنية والدينية وغيرها، فلا أصالة لهذه الأمور، وانما هي تتطور حسب تطور المادة، والمادة أيضاً تتطور بنفسها حسب تطور وسائل الإنتاج.. ويرى: إن التاريخ وليد ذلك، وهذا ما يسمى بالتفسير المادي للتاريخ.

كما انه قال، تبعا لهيجل: إن الفكر الإنساني يسير إلى الأمام تبعاً للديالكتيك الذي هو عبارة عن أن أية فكرة تحمل في طياتها بذور نشأتها لأنها توجد ويوجد معها نقيضها الذي يقضي عليها، وتستمر الفكرة حتى يقضي عليها النقيض الذي ولد معها .

ونقل ماركس هذه النظرية من عالم الأفكار إلى عالم الأنظمة الاجتماعية فيرى أن كل نظام اجتماعي يولد في طياته أسباب فنائه، فيفنيه ويأخذ النظام الثاني مكانه، وهكذا دواليك، يتطور الفكر والنظام إلى الأبد .

ويرى ماركس: أن هناك طبقتين فقط، طبقة العمال وطبقة الملاكين والرأسماليين، وأن الثاني يستغل الأول، فاللازم الثورة ضد الملاَّكين لانتزاع المال منهم.

ويرى أن الأخلاق والأديان كلها ولائد النظم الرأسمالية، فهي ليست إلا أوهاماً برجوازية.

ويرى أنه: لا بد من تأميم وسائل الإنتاج، ثم تأميم الأراضي، ثم إلغاء الملكية الفردية بصورة تامة كما يرى لزوم إلغاء الأسرة وإشاعة النساء، لأن الأسرة من ولائد النظام الرأسمالي.

ولأجل كل ذلك، وتطبيق نظام الشيوعية، يجب التنظيم، ثم أخذ السلطة بالقوة، ثم الدكتاتورية الى أبعد حدودها.. ولذا أكثر ستالين من القتل والتشريد والسجن، حتى أن الذين أصابتهم هذه الويلات، كانوا يقاربون عشرين مليون إنسان ــ كما يقول أبو الأعلى المودودي المصدر ــ .

والمآخذ على النظرية الشيوعية كثيرة، ومنها:

1 ـ أن عجلة التاريخ إنما كان يسيّرها عدة أمور.. كالدين والعاطفة، والرجولة، والقومية، والإقليمية، وما أشبه، لا مجرد الاقتصاد.

2 ـ الدين حقيقة، وليس بوهم، كما ثبت في علم الفلسفة.

3 ـ الأخلاق حقيقة، وليس بوهم، وهل يرضى الشيوعيون أن يخونهم أحد، أو يكذب عليهم، أو يغشهم؟

4 ـ والأسرة فطرة البشر، بالإضافة الى أنها العش البنّاء للأولاد الصالحين.

5 ـ والاشتراكية توجب قلة الإنتاج، لأن الإنسان اذا علم أن غيره يأخذ ثمار عمله، لا يستعد للعمل.

6 ـ هناك تناقض بين قول الشيوعيين: إن الشيوعية هي الصيغة الأخيرة للأنظمة، وأن كل نظام يحمل بين طياته مناقضه، فإن لازم القول الثاني، تحطم الشيوعية والاشتراكية إلى نظام آخر.

7 ـ والمجتمع لا يتكون من طبقتين فحسب، بل هناك الموظف، والطالب، والفلاح، والعامل، والمالك للأرض، والتاجر، ورجل الدين، ورجل الفن، والشاعر، والكاتب، و.. و..

8 ـ وأخذ أموال الناس، لتكديسها في خزينة الدولة، معناه تحطيم رأس مال صغير، لإيجاد رأس مال كبير .

9 ـ والدكتاتورية، خلاف طبيعة البشر، وخليق بالدكتاتور أن يسقط .

10 ـ ثم المأخذ على الرأسماليين، هو الظلم، يؤخذ به الشيوعيون، بصورة أشد، لأن ظلمهم أكثر..

والرأسمالية، عبارة عن الحرية المطلقة في استرباح المال. وفي الحقيقة إن هذا ليس نظاماً خاصا للدولة، وإنما جملة من الدول تبيح هذا الموضوع بقوانين خاصة.

والرأسمالية بهذا المعنى المردف حالا لا يعترف به الإسلام، وانما الإسلام يبيح جميع أنواع الاسترباح في نطاق خاص، كما سنبينه.