الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

القرآن لسعادة الدنيا والآخرة

عندما كنا في الكويت جاءني شاب في مقتبل العمر، وهو متعب مرهق، يعلو محيّاه آثار المرض، ويكسو وجهه عوارضه وعلاماته، فتأثرت من منظره وقلت له متسائلاً: كيف حالك؟

أجاب بكآبة: الحمد لله.

قلت: عافاك الله، وهل تعاني من مرض؟

قال: نعم، ولكن.

قلت: ماذا تعني من ولكن؟

قال: ولكن مرضي الذي أعاني منه لا يشبه الأمراض المتعارفة.

قلت: شافاك الله إن شاء الله وكيف لا يشبه مرضك الأمراض المتعارفة؟

قال: لأني كلما راجعت الأطباء، سخروا مني واستهزءوا بي، وكلما راجعت الحكماء ضحكوا علي وأعطوني ما لم ينفعني لمرضي.

قلت: أسأل من الله تعالى أن يمن عليك بالعافية، وعليك أن لا تيأس من رحمة الله، ولا تتعب من الدعاء والتوسل بالرسول وأهل بيته (عليهم السلام).

قال: يا سيدي شكر الله تعالى سعيك وإرشادك، ثم أضاف وإني جئت لأبث إليكم ما ألقاه في مرضي، وأسألكم أن ترشدوني إلى ما فيه علاجي وشفائي.

قلت: وما هو مرضك الذي تعاني منه؟

قال: إني كلما تهيأت للنوم، وأخذت مضجعي لأنام، أزعجتني امرأة من الجن، وحرّمت عليّ نومي.

قلت: وكيف تحرمك من نومك؟

قال: إنها تأتيني أول اضطجاعي وتبيت معي تقرصني حتى الصباح، ولا تدعني أنام لأن قرصها مؤلم جداً، ويبقى أثره على جميع جسمي ومكانه مسوداً، فإذا جاء الصباح تركتني ورحلت، فأنام حينئذ قليلاً.

لما سمعت منه ذلك دعوت له بالشفاء، وكتبت له في ورقة شيئاً من سور القرآن وآياته: القلاقل الأربعة، قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وآية الكرسي[1]، وآية السخرة[2]، وقلت له بأن يجعلها معه، ودعوت له بالعافية، والخلاص والراحة من مشكلته.

فرح الشاب بذلك كثيراً، وودعني وانصرف.

ثم انه جاءني بعد مضي أسبوع من ذلك، وآثار الشفاء تعلو محياه، والبشر يكسو وجهه، وهو فرح أشد الفرح، ويشكرني جزيل الشكر، ثم قدم لي كمية من المال وهو يصرّ عليّ أن اقبلها، فأبيت من قبولها وصرّحت له وأنا أحاول اقناعه بأن يسترد المال قائلاً: إني إن أخذت المال ذهب اثر الدعاء إذ للإخلاص والقربة أثر، ولم يكن ذلك الأثر لو صار العمل للمال. عندها رد المال إلى جيبه وشكرني كثيراً وسلّم علي وانصرف.

عودا على بدء

لقد كان في خروجنا من العراق إلى سوريا، ومنها إلى لبنان، ثم الكويت، وأخيراً إيران، نوع مواساة لإخوتنا الذين هجرهم الحكام الطغاة بعد ذلك.

كما انه كان نوعاً من الرحمة لي، إذ توفقت لزيارة كثير من مزارات أهل البيت (عليهم السلام) والتشرف بمشاهدهم المباركة، وتوفقت أيضاً لأن أتعرف على أخوة إيمانيين كثيرين، كما توفقت أيضاً وبتعاون طيب من الأخوة البررة والأصدقاء الأوفياء، أن أؤسس المؤسسات الدينية والثقافية، والخيرية والاجتماعية، في عدد من البلدان، خاصة التي مررت بها.

ففي الكويت مثلاً: توفقنا لتأسيس مدرسة، ومكتبة، وحسينية، ومساجد، وهيئات ومجلات، وغير ذلك، ولعل مجموعها يصل إلى أكثر من مائة مؤسسة كبيرة وصغيرة، وهي بحمد الله مستمرة وباقية حتى اليوم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ما عدا بعض المجلات فانها تعطلت مثل: (الفتاة التقدمية) وهي خاصة بالمرأة، ومثل (الإيمان) وهي مشتركة، لكن بعد ذلك أخذت المجلات الخاصة بالمرأة تصدر وتنتشر، كما وأخذت تزداد وتكثر، حتى إني رأيت قبل مدة ما يقارب عشر مجلات تصدر من هيئات نسوية، وما أشبه، وهذا مما يبشر بخير، إذ على المرأة أن تواكب الرجل في المجال العلمي والثقافي مراعية حجابها وحشمتها وكرامتها.

ثم إن المساجد التي وفقنا الله لتأسيسها في الكويت، بلغت ما يقرب من عشرة مساجد، وذلك في قصص طويلة ومفصلة، وفي نفس الوقت هي جميلة ولطيفة، وتجربة عملية وتطبيقية.

ثم إنه لما سافرنا إلى إيران، وذهبنا إلى قم المقدسة، كان القصد هو الزيارة والالتقاء بالإخوان والسادة المراجع ثم العودة، ولكن بإصرار من السادة المراجع، والعلماء الأعلام، والفقهاء العظام في الحوزة العلمية في قم المقدسة، عزمنا على البقاء، كالسادة المراجع:

السيد الشريعتمداري(رحمه الله) [3].

والسيد الكلبايكاني(رحمه الله) [4].

والسيد المرعشي(رحمه الله) [5].

والشيخ مرتضى الحائري(رحمه الله) [6].

والشيخ هاشم الآملي(رحمه الله) [7] وغيرهم.

فعزمت على البقاء استجابة لهم، وبقيت فيها حتى هذا اليوم، سائلاً من الله سبحانه وتعالى أن يجعل بقاؤنا في قم المقدسة مقروناً برضاه.

[1] ـ سورة البقرة: 255-257.

[2] ـ سورة الأعراف: 54-56 والآيات هي: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)).

[3] ـ آية الله العظمى السيد كاظم الشريعتمداري (قدس سره) كان أحد أكبر مراجع التقليد، من مؤسساته دار التبليغ الإسلامي، عاش ومات مظلوماً ودفنوه على خلاف وصيته في مكان لا يليق بقدسيته.

[4] ـ آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني (قدس سره) كان من أهم مراجع التقليد له عدة مشاريع منها مدرسة علمية ضخمة على قرب من مقام السيدة معصومة (عليها السلام).

[5] ـ آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره) كان من أهم مراجع التقليد. ولد في النجف الأشرف سنة 1315هـ يتصل نسبه بـ 33 واسطة إلى الإمام زين العابدين (عليه السلام) والده العلامة السيد محمود شمس الدين، من أهم مشاريعه المكتبة العامة في قم المشرفة والتي تعتبر من أهم المكتبات العالمية وفيها عشرات الآلاف من المخطوطات النادرة، توفي (رحمه الله) في 7 صفر 1411هـ ودفن بجوار مكتبته حسب وصيته.

[6] ـ آية الله الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره) ابن الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة، ولد عام 1334هـ في مدينة أراك الإيرانية وتوفي في شهر جمادى الثانية سنة 1406هـ.

[7] ـ كان (قدس سره) من أهم العلماء والمراجع في قم المقدسة.