الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

محدودية الثقافة

1 ـ نقص الثقافة، ولا نقصد نقص ثقافة خاصة كثقافة الاقتصاد أو ثقافة الاجتماع أو ثقافة التربية أو ثقافة الجيش أو ثقافة الإمارة أو ثقافة الحكم أو ثقافة الزراعة أو ما أشبه، وإنما نقصد نقص ثقافة الحياة بمجموعها، فإن من الضروري:

أولاً: أن نعرف طبيعة الإنسان.

وثانياً: أن نعرف ماذا يلائم طبيعته، وماذا ينافرها؟

وثالثاً: أن ننظر هل الاجتماع مكوّن من الملائم أو المنافر؟ فليس من الصحيح أن نقول: يجب اتباع الأكثرية، كما أنه ليس من الصحيح أن نقول: يجب الحياد بعدم الاتباع والمخالفة، كما أنه ليس من الصحيح أن نقول: يجب المخالفة، فإن كل شيء في موضعه حسن، فإذا كانت الأكثرية مستقيمة يجب اتباعها، وإن كانت منحرفة يجب مخالفتها، وإن لم تكن مستقيمة ولا منحرفة، وإنما بين ذلك سبيلا، فالواجب اتباع الصحيح ومخالفة المنحرف.

تبديل الفطرة

بينما نرى أنه قد سحقت مسألة الفطرة في الجهة الأولى (معرفة طبيعة الإنسان) وقد قال الله سبحانه وتعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) (الروم: 30).

فكما أن لكلّ شيء في الحياة فطرة وخاصية حسب ما قرره الله سبحانه وتعالى، كذلك نرى في الإنسان فطرة خاصة، وهذه الفطرة هي التي تملي على الإنسان ما يلائمها وما ينافرها، وقد قال سبحانه: (قل كلّ يعمل على شاكلته) (الإسراء: 84).

فكما أن فطرة الحيوانات تختلف عن فطرة الأشجار.. وكما أن فطرة الأشجار تختلف بعضها عن بعض، فكذلك للإنسان فطرة خاصة، بينما نرى الآن في العالم جماعة من المفكرين والسياسيين وهم يظنون أن الإنسان صفحة بيضاء يمكن أن ينقش فيها أي نقش، ولذا يتهافتون على قضايا غسل المخ وعلى مسائل الدعاية والتبليغ كيفما شاءوا.

فمثلاً ترى في البلاد الغربية كل الأجهزة منصبّة على توجيه الناس الوجهة الرأسمالية، وفي البلاد الشرقية ترى كل الأجهزة منصبّة على توجيه الناس الوجهة الشيوعية، وفي بعض البلدان التوجيه إلى الوجهة القومية أو ما أشبه، وذلك يسبب انفصاماً في الشخصية، فمن ناحية للإنسان نداء ضمير وصياح فطرة، ومن ناحية يعمل الإعلام على خلاف ذلك، فهؤلاء الساسة والمفكرون ـ الذين يرون أن الإنسان صفحة بيضاء يمكن أن ينقش فيها أي نقش أو أرض خالية يمكن أن يزرع فيها أي زرع ـ من هذا المنطلق يأخذون بزمام الإنسان مرة ذات اليمين ومـــرة ذات الشمال، مما يسبب الانفصام في الشخصية العالمية، فصار الإنسان أجنبياً عن نفسه، وقد نبّه على هذا القرآن الحكيم بعبارة دقيقة حيث قال سبحانه: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) (الكهف: 28).

إن الهوى لا استقامة له، فالرياح تهب مرة نحو الجنوب، وأخرى نحو الشمال، وثالثة نحو الغرب، ورابعة نحو الشرق، ويكون حال الإنسان المتبع لهواه حال العنقود إذا انفرطت الأعناب منه فإنه لا يبقى قوام لحبات الأعناب المنفرطة حين الرفع والوضع والنقل وما أشبه.

العودة إلى الفطرة

ولذا من الضروري على الإنسان أن يلاحظ فطرته القويمة الخالية عن الأهواء الداخلية والمضللات الخارجية، فإذا نمت تلك الفطرة نمواً طبيعياً كان الإنسان سليماً وكان المجتمع المحتوي على هؤلاء الأفراد مجتمعاً سليماً، وإلا ـ (بأن لم تنمُ الفطرة كما هي هي، وإنما زرع فيها غير المناسب لها) ـ يكون الإنسان مريضاً ويكون المجتمع الذي يحتوي على هذه اللبنات الإنسانية مجتمعاً مريضاً كما ابتلى العالم المعاصر بذلك.

الوئام بين الفطرة والسلوك

.. ثم بعد أن عرفنا الأمر الأول ـ وهو طبيعة الإنسان وفطرته لا الألوان المفروضة عليه من الداخل أو من الخارج ـ يأتي دور الأمر الثاني وهو أن نعرف ماذا يلائم هذه الطبيعة، وماذا لا يلائمها؟ حتى نصنع الوئام بين الطبيعة وبين النفس، وفي هذا المجال نلمح انحرافاً آخر.. وهو: أن يكون الإنسان مع الناس كيفما كانوا، وقد اشتهر عند جماعة من الناس قديماً وحديثاً (حشر مع الناس عيد) بينما الحشر مع الناس المستقيمين عيد، أما الحشر مع المنحرفين فهو عزاء وضلال، أترى أن الإنسان إذا ذهب إلى الشرق هل يحشر معهم؟ ثم إذا ذهب إلى الغرب هل يحشر معهم؟ وهل يمكن أن يكون عيدان للإنسان: عيد إلى أقصى اليمين وعيد إلى أقصى اليسار؟ إن هذا هو معنى أن الإنسان ينخلع عن نفسه بنفسه.

الفطرة الخلاّقة بين الهدم والبناء

ثم لما تبين أن الانعزال يزيد الإنسان انكماشاً حول نفسه، كما أن العلاقة المنحرفة تسبب عطباً وخبالاً نقول: إن الإنسان إذا لم يصرف فطرته الخلاقة في البناء، لابدّ وأن يصرف فطرته في الهدم، سواء في هدم نفسه أو هدم مجتمعه، فإن أفراد الإنسان والحيوان والنبات كلها خلاقة: النبات يخلق الأوراق والأزهار والأثمار والأغصان وما أشبه، والحيوان أيضاً يخرج الذرية والبيض والريش والصوف ونحوها، والإنسان أيضاً له الحالة الخلاّقية، لكن الفرق بين خلاقية الإنسان وخلاقية أخويه: أن خلاقية الإنسان خلاقية واعية، بينما خلاقية الحيوان والنبات غريزية كما هو المعروف في علم الحيوان وعلم النبات (وإن كان هناك قول بوجود شعور في النبات والحيوان أيضاً بل هنالك قول: بـأن كل الأشياء تشعر) وقد استدل على ذلك ببعض الآيات الكريمات كقوله سبحانه: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) (الأحزاب: 72).

وكقوله سبحانه: (يا جبال أوّبي معه) (سبأ: 10).

وفي آية ثالثة: (فإذا هم بالساهرة) (النازعات: 14).

وعلى أي حال، نترك الحديث عن النبات والحيوان إلى مجاله، وإنما كلامنا في خلاقية الإنسان، فالإنسان بفطرته خلاق، وهذه النفس الخلاقة إما أن تخلق الحياة، وإما أن تخلق الدمار، والحياة المخلوقة للنفس إما أن تكون حياة مستقيمة أو حياة منحرفة.

مثلاً: الذي يقتل إنساناً أو يهدم داراً فإنه يخلق الدمار أما من يوجد الولد فقد يوجده مستقيماً عن طريق حلال، وقد يوجده منحرفاً عن طريق حرام، وكذلك من يبني الدار قد يبنيها بناية هندسية معتدلة، وقد يبنيها بناية منحرفة غير مطابقة للقوانين والاحتياجات، والإنسان إذا لم يصرف خلاقيته في البناء لا بد وأن يصرفها في الدمار، والدمار يشمل حتى دمار نفسه، فإن الإنسان المنعزل يصرف خلاقيته في الانعزال والاجتناب عن الناس مما يسبب له الدمار، وحتى ما نشاهده في بعض الناس من تمني الموت أو الانتحار، فإنما مبعثه النفس الخلاقة، لان ذلك قد يكون خلقاً للفناء والدمار فيما إذا انتحر انتحاراً محرماً أو تمنى الموت وهو لا يعتقد بالآخرة، وأما أن يكون خلقاً للحياة والاستقامة إذا أراد الانتقال إلى مكان أحسن، حيث يعتقد أن بعد الموت حياة دائمة كما قال سبحانه: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (آل عمران: 169).

ولذلك نشاهد أن من أولياء الله سبحانه وتعالى من يتمنى الموت، وقد قال الله سبحانه وتعالى حول اليهود: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم) (الجمعة: 6، 7).

المضاعفات الخطيرة للانفصام

والواقع أن المجتمع الذي يحتوي على هذه اللبنات الإنسانية ـ المنخلعة عن نفسها بنفسها ـ مجتمع منحرف ومريض مما يسبب أن يكون الإنسان في ضيق من الحياة وضنك من العيش كما قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى) (طه: 126،124).

وإنما يبتلى الإنسان في الحياة بضنك العيش لأن داخله شيء وخارجه شيء وهنالك تمزق وانفصام بين الداخل والخارج هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية: وجود القوانين الوضعية التي تقيد الإنسان وتجعل الأثقال على كاهله تسبب له ضيقاً وضنكاً، فهنالك ضيق وضنك نفسي، وضيق وضنك جسدي. فسفره محظور، وإقامته محظورة، وعمارته محظورة، وكذلك قُل في سائر حرياته فإنها كلها مكبوتة ومقيدة كما نشاهد في عالم اليوم، ففي الدنيا يعيش في ضنك العيش وفي الآخرة هو أعمى.

ولذا كان القادة الإسلاميون في أول الإسلام عندما يواجهون الأمم الأخرى التي يدعونها إلى الدخول في الإسلام يقولون لهم: جئنا لإخراج الناس من عبادة الناس إلى عبادة الله، ومن ضيق الأرض إلى سعتها.

نعم الإنسان الذي يعبد الحجارة يعيش في ضنك نفسي، وأزمة روحية وانفصام، ففطرته تكفر بالحجارة وبالصنم وبالآلهة البشرية، بينما مجتمعه ـ الذي فرض هذا الإنسان على نفسه اتباعه (إما خوفاً وإما رغبةً وإما جهلاً) ـ يعبد الحجارة.. وهنا يكون الانفصام والخروج من موازين الحق والعدل والفطرة، ثم ضنك العيش وضنك الحياة، كما نشاهد هذين الأمرين في زمننا الحاضر في العالم حيث رجع العالم إلى الجاهلية، لكن: لهذه الجاهلية لون آخر غير اللون الذي كان للجاهلية قبل الإسلام.

معرفة التركيبة الاجتماعية

وبعد هذين الأمرين ـ أي معرفة طبيعة الإنسان، ومعرفة ماذا يلائم طبيعته ـ نأتي إلى الأمر الثالث: - وهو هل أن الاجتماع مكون من الملائم أو من المنافر أو من الخليط بينهما؟ فإذا كان الاجتماع ملائماً، فهذا اجتماع سليم ويجب الانسياق معه، وإذا كان الاجتماع منافراً فهذا اجتماع مريض ويجب مخالفته، وإذا كان الاجتماع خليطاً منهما فهذا اجتماع صحيح وسقيم مخلوط منهما، وكما قال الله سبحانه وتعالى: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) (التوبة: 102).

فيلزم اتباع الملائم واجتناب المنافر، فلا يمكن إطلاق القول بالاتباع، كما لا يمكن إطلاق القول بالاجتناب والمخالفة وهكذا لا يمكن إطلاق القول بعدم الاتباع وعدم المخالفة، أي العيش حياديا لهم دينهم، وله دينه، وإنما يلزم اتباع الصحيح ومخالفة الباطل.

بين الإنسان والطبيعة

.. ثم إنا نشاهد أن المواليد الثلاثة حسب المصطلح الفلسفي (النبات والحيوان والإنسان) تختلف من حيث أن النبات بقي جزءً من الطبيعة غير مطرود عنها، ولذا فهو مرتبط بالأرض وهو جزء منها، وإنما اهتزت الأرض وربت حتى صارت في شكل النبات.

أما الحيوان فلم يطرد عن الطبيعة طرداً مطلقاً، ولم يبق على الطبيعة بقاءً مطلقاً، ولذا فهو نصف مربوط بالطبيعة، ليس له لا كل شؤون المنفصم الفطيم، ولا كل شؤون المرتبط الرضيع.

أما الإنسان ـ ثالث المواليد ـ فهو: مطرود عن الطبيعة طردا مطلقا بسبب عقله ومعرفته وتسلطه على ذاته وتسلطه على الطبيعة، وقابليته للنمو العقلي والعاطفي والفكري.

أربعة أنواع من التنسيق

لذا كان اللازم على الإنسان أن يهتم لأن يعرف كيف ينسق بين نفسه (لأن الإنسان ينفصم عن نفسه أحيانا كما ذكرنا) ويعرف كيف ينسق بين نفسه ومجتمعه؟ ويعرف كيف ينسّق بين نفسه والطبيعة؟

وحيث يدرك الإنسان بفطرته أن له إلهاً حكيماً يلزم عليه تنسيق رابع بين نفسه وبين إلهه؟ فإذا توافقت كل التنسيقات الأربعة عاش الإنسان في بحبوحة الخير والرفاه والسعادة النفسية والجسدية، وإن تعوقت بعض التنسيقات حصل الانهدام بقدر ذلك الانفصام.

أقسام الانفصام في الشخصية

وتتدرج الانفصامات بين انفصامات أربعة، وانفصامات ثلاثة، وانفصامين اثنين، وانفصام واحد.

وهناك قسم آخر من الانفصام وهو الانفصام في أحد الأمور الأربعة في الجملة، إذ التنسيق والانفصام ليس (بسيطا) حتى يكون التنسيق مطلقا أو الانفصام مطلقا، وإنما التنسيق والانفصام قد يكون في أحد الأمور الأربعة وقد يكون في بعض كل واحد من الأمور الأربعة على اختلاف المراتب، ولذا نشاهد في الآيات الكريمة الإشارة إلى هذين الأمرين.

يقول القرآن الحكيم: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) (المائدة: 66).

فإذا حدث التنسيق بين كل الأمور ـ والذي يتلخص في إقامة التوراة والإنجيل والقرآن ـ لكانت الحياة للإنسان رغداً هنيئاً وكان الإنسان سعيداً، أما إذا لم يحدث التنسيق فإن الأمر يكون بالعكس، ولذا يقول الله سبحانه وتعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (الروم: 41).

فالفساد إنما يكون بسبب عدم التنسيق بين الأمور الأربعة، والإنسان إنما يتسلم ثمرة عمله، ولذا يقول الله تعالى في آية أخرى: -

(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) (الروم: 42).

إنهم بسوء أعمالهم والانفصام في الأمور التي يجب التنسيق بينها ذاقوا وبال أمرهم، ثم يقول الله سبحانه وتعالى: (فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدّعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين) (الروم43-44-45).

الإنسان يخون الأمانة!

وعلى هذا، فالإنسان لا يقاس بالنبات الذي هو جزء من الطبيعة ولا بالحيوان الذي هو نصف مطرود عن الطبيعة، وإنما يجب أن يلاحظ نفسه منفصماً عن الطبيعة منفلتاً من مخالبها وعلى ذلك يبني حياته وأنه كيف يعيش في هذه الحالة، أما إذا صار الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومنكحه ومسكنه وما أشبه تابعاً للحيوان ناسياً إنسانيته فإنه يصبح حينئذٍ كالبهائم بل أسوأ منها لأنه ملك شيئا فهدره، بينما البهيمة لا تملك ذلك الشيء، يقول الله سبحانه وتعالى مشيرا إلى هذه الحقيقة وبأن الكفار كيف يصبحون كالبهائم في كيفية العيش والارتباط بالطبيعة: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم) (محمد: 12).

(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار) (محمد: 12).

إنهم في الحياة أنعام، والأنعام لا تكون مستحقة لكرامة الجنة، فينتهي أمرهم إلى النار حيث إنهم ضيعوا سموّهم وارتفاعهم أما الأنعام فتصبح تراباً كما ورد في تفسير قوله تعالى: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) (النبأ: 40).

حيث يرى الكافر أن الأنعام تبدلت إلى تراب، أما هو فلا يتبدل إلى تراب، حيث إنه ملك شيئا فضيعه فيجب عليه أن يذوق وبال أمره.

هذا من ناحية كيفية العيش في الحياة، أما من ناحية أنه أضاع الشيء الذي منح فلم يعبأ به، فقد قال سبحانه وتعالى: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).

ويشير القرآن الحكيم إلى تضييع الإنسان ما شرّفه الله سبحانه وتعالى به وظلم نفسه وجهل قدره، مما سبب له الخذلان في الدنيا والعذاب في الآخرة حيث يقول: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا) (الأحزاب: 72).

الفارق بين الإنسان وسائر الكائنات

إن النبات ليس محتاجاً إلى التعب والنصب في توفير اللوازم بنفسه وإنما خلقه الله سبحانه وتعالى بحيث تتكفل السماء والأرض ونحوهما بتزويده بحاجاته تلقائيا.

أما الحيوان فإنه محتاج إلى ما يكفيه بأن يتعب وينصب لأجل شبعة جوعته وإرواء ظمأه وقضايا جنسه إلى غير ذلك، لأنه ليس بمنزلة النبات.

أما الإنسان فلأنه أبعد عن الطبيعة كان محتاجا إلى كل قضاياه، فحيث إنه ليس كالملائكة بعيدا عن الطبيعة كل البعد فإنه يحتاج إلى توفير مسكنه وملبسه ومأكله ومشربه وغير ذلك، وليس هذا هو الفارق بينه وبين الحيوان، وإنما الفارق ما يحتاجه الإنسان من الأمور النابعة من نفسه وروحه وكونه مرتبطا بالسماء كارتباطه بالأرض، فإذا تمكن من تصحيح التنسيق والارتباط بين هذه الجهات المتخالفة كان الإنسان إنساناً سليماً، والمجتمع المحتوي على مثل هذه اللبنات الإنسانية مجتمعا سليما بينما إذا لم يتمكن من تصحيح مسيره كان الفرد فردا غير سليم ـ إما مريضا غاية المرض إذا حصل الاختلال في كل التنسيقات، وإما مريضا بعض المرض إذا حصل الاختلال في بعض الجهات المحتاجة للتنسيق -.

أبعاد التركيبة الإنسانية في نهج البلاغة

وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة إلى هذه الاحتياجات الإنسانية النابعة من كيفية خلقته فقال: (ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها تربة سنها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت لوقت معدود وأمد معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق والمشام والألوان والأجناس، معجوناً بطينة الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة والأضداد المتعادية والأخلاق المتباينة من الحر والبرد والبلة والجمود).

إلى أن يقول (عليه السلام): (وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية، واصطفى سبحانه من ولده أنبياءً أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أماناتهم لما بدل أكثر خلق الله عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسيّ نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم الآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم وأوصاب تهرمهم وأهداف تتابع عليهم)(1).

فالإنسان في منطق الواقع الذي بيّنه الإمام عليه الصلاة والسلام:

أولا: مركّب من جسد ومن روح.

وثانيا: جسده مختلط من أشياء، كما أن روحه أيضا مختلطة من أشياء ـ كما في أحاديث أخرى ـ فإن الجسم كما هو مختلط مما ذكره الإمام (عليه السلام) كذلك الروح مختلطة من أشياء ذكرها الأئمة عليهم السلام في مسألة (جنود العقل) و(جنود الجهل) على تفسير مذكور في كتب الأحاديث، وبالفعل يجد الإنسان في داخله ما ذكروه وان كنا لم نعرف بعد غور النفس وخصوصياتها ـ وإن كنا تمكنا أن نصل إلى آفاق السماء وأعماق الأرض -.

وثالثا: يذكر الإمام عليه الصلاة والسلام كيفية التنسيق بين هذين المتضادين (الجسم والروح) ثم يبيّن متضادات الجسم ومتضادات الروح ما هي؟ ـ وهذا هو الذي نحن بصدده الآن ـ حيث إنه يبقى سؤال بعد ما تقدم وهو أنه كيف ينسّق الإنسان بين هذه الأمور الأربعة سواء بعضها مع بعض أو التنسيق في داخل كل وحدة وحدة من هذه الوحدات الأربع المذكورة؟

فإنه إذا تمكن الإنسان من هذين التنسيقين بين الوحدات وبين كل وحدة وحدة، فقد أصبح الإنسان سليما، والمجتمع الذي يحتوي على هذه اللبنات الإنسانية مجتمعا سليما، بينما إذا لم يتمكن من التنسيق وحدث الانفصام والافتراق يصبح الفرد والمجتمع المبني عليه سقيما، إما بنحو متطرف في السقم أو بنحو خفيف في السقم.

ألوان من الانفراط

.. وإذ قد عرفنا كبرى الانفصام والتنسيق يأتي الكلام هنا في أمرين: -

الأول: الانفراط على أقسام: -

أولا: الانفراط عن النفس:

وهو قد يكون في جانب النفس، وقد يكون في جانب الجسد، مثلا: - كل من المتهور والجبان منفرط في جهة النفس، وكذلك كل ممن يأكل أكثر من المتعارف أو أقل منه منفرط في جهة الجسد، وقد أشار القرآن الحكيم إلى الانفراط عن النفس بقوله سبحانه: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون) (الحشر: 19).

فالذي ينسى الله سبحانه وتعالى ينتهي نسيانه لله إلى نسيانه نفسه، ويكون منفرطا عن ذاته، إما في جهة الجسد، وإما في جهة الروح، وفي كل واحد منهما إما أن يكون الانفراط في جهة الإفراط، أو في جهة التفريط.

ثانيا: الانفراط عن المجتمع:

وهو أن لا ينسق الإنسان مع المجتمع، وقد قال سبحانه في صدد التنسيق مع المجتمع: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات: 13).

وقال سبحانه: (وقولوا للناس حسنا) (البقرة: 83).

إلى غيرها من الآيات التي وردت بصدد التنسيق بين الإنسان وبين المجتمع، فإذا لم يفعل ذلك فقد انفرط عن المجتمع وحصل بينهما انفصام، وقد قال سبحانه بصدد ما يكون بين الإنسان والمجتمع من الانفصام: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) (آل عمران: 103).

إلى أن قال: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) (آل عمران: 105).

ثالثا: الانفراط عن الطبيعة:

وذلك لأن الله سبحانه وتعالى سخر الطبيعة للإنسان، فإذا اتخذ الإنسان الطبيعة معبودا فصار المسخّر مسخّرا كان معنى ذلك الانفصام عن الطبيعة.

يقول الله سبحانه وتعالى بصدد أن الطبيعة مسخرة للإنسان وان الإنسان الذي يمتطي الطبيعة هو الذي لا ينفصم عنها، وإنما يستعملها في شأنها كمن يستعمل المركوب في الركوب عليه.

(الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخّر لكم الفُلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفّار) (إبراهيم: 32-33-34).

أما بصدد المنفصم فيقول الله سبحانه وتعالى: (فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربّي فلمّا أفل قال: لا أحب الافلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربّي، فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالّين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء ممّا تشركون) (الأنعام: 76-77-78).

إلى غيرها من الآيات التي تدل على أن أناسا اتخذوا الأصنام أو الطبيعة أو نحوها إلهاً لهم.

رابعا: الانفراط عن الله:

وبصدده فقد قال سبحانه: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الذين يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلين) (المجادلة: 19-20).

وهكذا إذا تبدل التنسيق وحصل الانفراط يعود ذلك بالوبال على الإنسان.

كيف يتم التنسيق؟

وإذ قد عرفنا الانفراط في الأمور الأربعة في جزئيات كل واحدة واحدة من هذه الأمور على سبيل المثال يأتي دور الجواب عن السؤال الثاني وهو كيف يحصل التنسيق حتى يكون الفرد سليما؟ ويكون المجتمع ـ المتكون من اللبنات الإنسانية ـ مجتمعا سليما؟

والجواب: إن التنسيق إنما يحصل باتباع أوامر الله سبحانه وتعالى، لأن الله هو الذي خلق الإنسان والمجتمع والطبيعة، وهو يعرف داء هذه الأمور ودواءها وقد قال سبحانه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك: 14).

فالاتباع لمناهج السماء هو الذي يتكفل التنسيق بين الوحدات المذكورة، وبين كل وحدة ووحدة في داخلها، أما إذا أعرض الإنسان عن هداية السماء فانه يقع في تيه من القوانين والأنظمة والأفكار والعقائد التي لا تمتّ إلى الحقائق بصلة، وقد اعترف العلماء بأن العلم ـ رغم تقدمه واكتشافاته ـ لم يستطع أن يعرف حتى أجهزة الجسم كاملة، فكيف بالنفس؟، كما أنهم يعترفون بأن العلم لم يصل إلى حقائق الطبيعة، بل يعترفون بأن هناك بوناً شاسعاً بين العلم وبين معرفة كنّه الأشياء، وما وصل إليه العلم هو شيء طفيف من المعلومات المودعة في داخل الإنسان جسما ونفسا، وفي خارج الإنسان سماءً وأرضا وطبيعة.

 

1 ـ نهج البلاغة: ص24، من خطبة له (عليه السلام) في ابتداء خلق السماء والأرض وخلق آدم (عليه السلام)، طبع دارالمعرفة، بيروت.