الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

ضرورة وجود القانون

.. وحيث انقطع الإنسان عن الطبيعة لم تعد الطبيعة قادرة على إعطائه حاجاته المادية والمعنوية تلقائيا بدون العمل والجهد، (بينما الطبيعة تتمكن من إمداد النبات والحيوان).

ومن هنا كان لا بد للإنسان من إيجاد روابط جديدة لجسمه وروحه معاً، ووضع قوانين خاصة لاستمراره في الحياة، ولا يمكن ذلك إلا بأن يتبع الإنسان قوانين تربطه بالطبيعة من ناحية، وبالمجتمع من ناحية ثانية، وهذه القوانين اما أن تكون موضوعة من قبل نفس الإنسان ـ سواء من قبل الشعب أو من قبل الأشراف أو من قبل الدكتاتور ـ أو أن تكون موضوعة من ناحية السماء حيث إن الإنسان بدون قوانين لا يتمكن أن يعيش:

أولا: من ناحية التعاون.

وثانيا: من ناحية دفع التباغض.

فإن الاجتماع الذي يحتاج إليه الإنسان يحتوي على جهتين:

جهة التعاون: حيث كل واحد من أفراد الإنسان يحتاج إلى غيره في مأكله ومشربه ومسكنه ودوائه وسائر شؤونه.

وجهة دفع التباغض والتحاسد والعداء. حيث إن الاجتماع بحاجة إلى قوانين تدفع مشكلاته، وحيث إن الإنسان بكل أصنافه (أي الشعب والأشراف، والدكتاتور) لا يتمكن من وضع القوانين الصحيحة، فلا بد أن يكون الواضع للقوانين الصحيحة هو الله سبحانه وتعالى، وبذلك يتمكن الإنسان من أن يعيش حياة سعيدة.

مواصفات القانون السليم

القانون الذي يوضع لأجل الإنسان يجب أن يكون مشتملا على أمور: -

1- أن يكون عاماً للجميع:

أي أن يكون عاماً لكل الناس وإلا لزم التدافع ـ أولا ـ وكان القانون ناقصا ثانيا، وذلك لأنه إذا وضع لجماعة من الناس قانون، ولجماعة من الناس قانون، أو وضع لجماعة من الناس قانون، ولم يوضع لجماعة من الناس قانون أورث التدافع بين الطائفتين، فإن القانون هو (حدود خاصة) فإذا كان هنالك حدود في هذا الجانب، وحدود في جانب آخر، أو كان هناك حدود في هذا الجانب، ولا حدود في الجانب الآخر (أي الفوضى) لزم التدافع بين الجانبين.

مثلا إذا قال القانون: إن الإنسان حر في أن يتزوج ما يشاء من الزوجات، أو في أن تتزوج المرأة ما تشاء من الأزواج، وحدد قانون آخر هذه الحرية، فقال: (لا يحق للرجل إلا أن يتزوج واحدة ولا يحق للمرأة أن تتزوج إلا واحداً) فمن الطبيعي أن يحدث التصادم بين هذين القانونين فالرجل يريد التزوج بالثانية والمرأة تمنع، أو المرأة تريد التزوج بالثاني والرجل يمنع، وهكذا في سائر القوانين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها.

هذا بالإضافة إلى أن القانون لو لم يكن عامّا لكان ناقصا، إذ فطرة الإنسان فطرة واحدة كما هو المشاهد، كما أن فطرة الأفراد المختلفة المجتمعة في جامع واحد ـ في النبات والحيوان ـ أيضا فطرة واحدة، مثلا:

فطرة شجرة الرمان واحدة في جميع أفرادها والاختلافات بينها اختلافات جزئية، وكذلك فطرة الغنم فطرة واحدة وان كانت هنالك جزئيات مشخصة، وحيث إن الفطرة في كل الأنواع واحدة بالنسبة إلى بني الــنوع، فمن الطبيعي أن تكون فطرة الإنسان واحدة بالنسبة إلى نوعه، والفطرة هي مبعث القانون سواء القانون الذي يضعه الإنسان أو القانون الذي تضعه السماء، مع فارق أن مصدر القانون في الأول هو الإنسان المحدود، ومصدر القانون في الثاني هو الله سبحانه وتعالى غير المحدود، فإذا لم يكن القانون قانونا واحدا بالنسبة إلى جميع الناس لزم التدافع والتناحر والحروب..، وما يشاهد في العالم من الحروب والتنازع فهو في كثير من الأحيان بسبب اختلاف القانون في بلد عن بلد، فهذا البلد يريد الاستعمار ويعطي الحق لنفسه أن يستعمر الآخرين، وذلك البلد لا يريد الاستعمار، أو يريد الاستعمار أيضا للبلد الذي يريد البلد الأول استعماره، وبذلك يقع التدافع بين الجانبين وينتهي الأمر إلى التحارب.

2- أن يستوعب كل أبعاد الإنسان:

يلزم أن يكون القانون مستوعبا، بأن يعطي حوائج الإنسان الجسدية والعقلية والعاطفية، سواء منها الحوائج الفردية أو الحوائج الاجتماعية في مختلف أبعاد الإنسان، فلو لم يكن القانون كذلك يحصل الاصطدام والتبعثر والانفصام من ناحية، والنقص والفراغ من ناحية ثانية، فإن الإنسان مركب من جسد له حوائجه، وعقل له موازينه، وخصوصياته ومزاياه، وعاطفة لها شروطها وملائماتها ومنافراتها، فإذا لم يكن القانون بهذا النحو من الاستيعاب والشمول يكون قانونا ناقصا، وقانونا مصطدما، من غير فرق بين أن يكون القانون في جهة الوضع، أو في جهة التطبيق، لأن القانون يلزم أن يراعى فيه أمران:

الأول: القانونية.

والثاني: التطبيق.

فإن القانون مهما كان صحيحا يكون له طرق في الإجراء، بعضها صحيحة وبعضها غير صحيحة، فاللازم أن يلاحظ القانون من كلتا الناحيتين، من الناحية القانونية ومن الناحية الإجرائية والتطبيقية.

3- أن يوازن بين الأخذ والعطاء:

يلزم أن يكون القانون متوسطا بين إعطاء الحاجة بقدر، وسلب الحرية بقدر، فمن الواضح أن كل قانون يسلب بقدره من حرية الإنسان، ولذلك يجب أن يلاحظ في وضع القانون (الأهم والمهم) وتقدير كل جانب من الجانبين، سواء بالنسبة إلى حرية الإنسان ملحوظا فيها حرية الآخرين، أو بالنسبة إلى حرية الإنسان ملحوظا فيها الصالح لنفس الإنسان، مثلا: (قانون حرمة الزواج فوق الأربع) يحدد من حرية الإنسان في أن يتزوج ما يشاء، فاللازم أن تلاحظ مصلحة الإنسان من ناحية تقييد الحرية ومصلحة الإنسان من ناحية الحرية، وبالجمع بين هاتين المصلحتين يوضع القانون الذي يقول مثلا كما في القرآن الحكيم: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) (النساء: 3).

وكذلك يجب أن تلاحظ مصلحة الفقراء والمصالح العامة من ناحية، ومصلحة كون الإنسان هو الذي يتولى استخراج المال لنفسه بالتجارة أو الزراعة أو ما أشبه من ناحية ثانية، فيوضع قانون: (الضريبة) بحيث لا يجحف بهذا الطرف، ولا بذلك.

والإنسان حرّ في أن يعمل في داره ما يشاء من فتح المذياع وما أشبه، لكن تنتهي حرية الإنسان حيث تبتدئ حرية الجيران، فلا يحق للإنسان أن يفتح المذياع بصوت عالٍ يزعج الجيران.

فالميزة الثالثة، التي يجب أن يتصف بها القانون ميزة إعطاء الحاجة بقدر، وسلب الحرية بقدر، فإذا لم يكن القانون متوسطا بين الأمرين كان ناقصا، اما في جهة الإفراط، واما في جهة التفريط، وأوجب خبالاً أما على الفرد أو على الاجتماع، إما على الجسد، وإما على العاطفة وأما على العقل، ولذا يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (البقرة: 143).

وفي الحديث: (خير الأمور أوسطها)(1).

ثمانية أسئلة يجيب عنها القانون

.. وحيث قد سبق في البند الثاني أنه يلزم أن يكون القانون استيعابياً ذا جوانب لا خاصاً بالجانب الاجتماعي أو غيره فقط ـ فانه حينئذٍ يصبح مبتورا ومتناقضا مع طبيعة الإنسان وموجبا للترقيع في جهات حياته ـ فاللازم أن يجيب القانون عن ثمانية أسئلة بادئ ذي بدء:

السؤال الأول: من أوجدنا؟

السؤال الثاني: كيف أوجدنا؟

والسؤال الثالث: لماذا أوجدنا؟

ومن الواضح أن الأديــان السماوية تجيب على هذه الأسئلة الثلاثة بشكل يختلف عما يجيب به الطبيعيون كما أنه هناك اختلاف في الخصوصيات بين نفس أجوبة الأديان وبين نفس أجوبة الطبيعيين.

ثم يأتي دور السؤال الرابع: ما هو المصير؟

والخامس: ولماذا المصير؟

والسادس: وكيف المصير؟

وهذه أسئلة ثلاثة لا إثنان، مثلا إذا قال الأب: يلزم علينا أن نسافر فهناك أسئلة تثار من قبل العائلة، إلى أين نذهب؟ ولماذا نذهب؟ وكيف نذهب هل بالطائرة؟ أو بالسيارة؟

وبعد هذه الأسئلة الستة يأتي دور سؤالين أساسيين في حياة الإنسان مرتبطين بحياته الحاضرة وهما:

السؤال السابع: لماذا نستمر في الحياة؟

والسؤال الثامن: وكيف نعيش بسلام لنحظى بالرفاه الحاضر والتقدم في المستقبل؟ إذ من الواضح أن الإنسان فيه فطرة التقدم، فهو لا يريد العيش بسلام فقط، وإنما يضيف إلى ذلك الطموح إلى مستقبل أفضل.

والإنسان ـ رغم فطرته التقدمية ـ قد يتقهقر أحيانا إلى الوراء بسبب عوامل خاصة. فهناك ثلاثة أمور بالنسبة إلى الإنسان (التقدم) و(الوقوف) و(التأخر).

لكن التقدم مخوف، إذ لا يعلم الإنسان أنه يتقدم إلى ماذا؟ وهل أنه إذا ترك حياته الحاضرة لتقدم مرجو في المستقبل هل ينجح؟ أو يسقط؟ أو أنه يبدل شيئا بشيء مماثل؟

أما الوقوف: فهو خلاف فطرة الإنسان وخلاف نفسيته التقدمية.

وأما التقهقر فهو انتكاس.

يضاف إلى ذلك أن الوقوف وإن كان أسلم من الأمرين الآخرين ـ بما ذكرنا من التخوف من التقدم والانتكاس في التأخر ـ إلا أن الوقوف يستتبع التأخر، فإن النفس الخلاقة تموت بذلك، والموت تأخر، ولذا ورد في الحديث: (من ستوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يومه شرها فهو ملعون...)(2).

ثلاث طرق لتكوين المجتمع

.. ثم إنه حيث يحسّ الإنسان احتياجه إلى الاجتماع، لا بد وأن يشكل الاجتماع بأحد طرق ثلاث:

الأولى: أن يربط نفسه بالآخرين.

الثانية: أن يربط الآخرين بنفسه.

الثالثة: أن يرتبط هو والآخرون تحت لواء قانون عام، كجماعة يريدون الانضمام بعضهم إلى بعض ليعيشوا بسلام.

وفي الحالات الثلاث يحس الإنسان بنوع من الهدوء والسكينة في باطنه، وإن كان هنالك فرق بين الحالتين الاُوليين والحالة الثالثة، حيث أنه في الحالتين الاُوليين ـ اللتين سببت القدرة فيهما الارتباط والاسترباط ـ يكون وضع الطرفين سيئا، مثلاً:

فرعون ربط الناس بنفسه بالقوة وادعى أنه إله لهم، وانه هو مصدر القوانين فسواء كان فرعون هو الذي استلحق الناس بنفسه أو كان الناس هم الذين إلتحقوا بفرعون، فإن الجميع ما كانوا يحسون بالراحة والطمأنينة التي كانوا يجدونها فيما إذا جعلوا أنفسهم أمثالا ووضعوا قوانين تساوي بينهم أو دخلوا تحت مظلة قوانين سماوية ترى التساوي بين الجميع وان كان فرق بين قوانين السماء وقوانين البشر بما لا يخفى، لأن الارتباط بين القوي والضعيف ارتباط خوف ورهبة، خوف الضعيف من القوي، لأنه يفعل ما يشاء، وخوف القوي من الضعيف لأنه يخاف أن يثور الضعفاء عليه ويذهبوا بسلطانه، ولذا يقول الله سبحانه وتعالى بالنسبة إلى الصورة الأولى: (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) (القصص: 4).

ويقول بالنسبة إلى الصورة الثانية: (إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنّا لجميع حاذرون) (الشعراء: 54 - 56).

وفي آية أخرى: (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) (غافر: 26).

بينما يقول الله سبحانه وتعالى في الحالة الثالثة: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيمٍ) (المائدة: 16).

معطيات الانضمام إلى المجتمع

ثم إن الإنسان الذي ينضم إلى الاجتماع يوفر لنفسه ثلاثة أمور:

الأول: خروجه عن الوحدة التي يحس بها في باطنه، فإن الإنسان يحس في باطنه بالوحدة والانفراد في هذا الكون الرحب، فإذا انضم إلى غيره خفّت حدة هذا الإحساس.

والثاني: تكون أعماله حينئذ موجهة في وجهة خاصة، وضمن الإطار الاجتماعي الذي قبله الجميع قانونا، وتخرج أعماله حينئذ عن كونها فرطا وفي هذا أيضا رغبة إنسانية إذ يميل الإنسان بفطرته إلى النظام في قبال الانفراط والانفصام.

والثالث: يحصل على التعاون المحتاج إليه في تعليمه وتعلمه وصحته ومرضه وزواجه ومسكنه ومأكله ومشربه ومركبه، وغير ذلك من حاجيات الإنسان الكثيرة والتي لا تعدّ ولا تحصى.

آثار الانضمام إلى المجتمع

ثم إنه إذا تمّ الانضمام إلى الجماعة حصل أمران:

أولهما: تقوية الإنسان باطنا حيث يرى الإنسان أنه في داخل كل إنسان كما يجد كل أفراد الإنسان في داخله، وهذا ما يسمى بـ(المشاركة الوجدانية) فكأنهما إنسانان في جسد واحد أو كأن الاجتماع بكله إنسان واحد وهذا غير (الوحدة الاعتبارية) التي تحصل خارجا من الانضمام وإنما هي (وحدة باطنية).

وقد فسّر بعض المفسرين قوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (المائدة: 32).

بهذه الحقيقة، فالإنســان وحدة واحدة فمن أحياها أحيا هذه الوحدة، ومن قتلها قتل هذه الوحدة، ولا يحتــاج الأمر إلى قتل الجميع أو إحياء الجميع، فالمجموع كثوب يخرق الإنسان بعضه أو يخيط بعضه، فإن الثوب لو انخرق جزء منه يصبح منخرقا، وإن خيط جزء منه يصبح غير منخرق.

وعلى أي حال، ففي هذا الانضمام تضعيف الإنسان حيث يجد كل إنسان أن الكل في باطنه وانه في باطن الكل.

وثانيهما: يسبب هذا الانضمام تضعيف الإنسان حيث ان فرديته واستقلاله تقل وتضعف فليس الفرد المنفرط كالفرد المنضم إلى غيره في الاستقلال فإن الفرد المنفرط كامل الاستقلال في ما يعمل ويأكل، ويتصرف، أما الفرد المنضم فإن كل شيء منه مقيد، (فهو مقيد في أكله وشربه، في لبسه وزواجه، في مسكنه ومركبه، في ذهابه ومجيئه، صحيح أن التقييد ليس كليا لكنه تقييد على أي حال وهذا يسمى بـ(التقييد الإطاري).

مثلا: الفرد الذي ينضم إلى المسلمين يتقيّد في مأكله ومشربه، بأن لا يتناول خمرا أو خنزيرا، وفي ملبسه بأن لا يكون ملبسه ينهى عنه الإسلام كالذهب والحرير للرجال، وفي زواجه بأن لا يتزوج أكثر من أربع، إلى غير ذلك.

وهكذا الفرد المنضم إلى المسيحيين يتقيّد في حياته بأن يصلي في الكنيسة كل أسبوع مرة، وفي زواجه بأن لا يتزوج أكثر من واحدة، وفي طلاقه بأن لا يطلق زوجته.

وهكذا بالنسبة إلى سائر الانضمامات الإنسانية سواء كان الدين دينا سماويا أو قانونا أرضيا، وسواء كان القانون قد وضعه الأشراف أو الدكتاتور أو الشعب بمجموعه ـ كما يزعم في الحكومات الديمقراطية من أن مصدر القانون هو الشعب وحده -.

وحيث إن الانضمام يوجب تقويةً وتضعيفاً فاللازم أن يزن الإنسان الانضمام، بأنه كم يأخذ منه؟ وكم يعطي له؟ فيعطي من استقلاله، ويأخذ من فوائد انضمامه.

وعليه: فالعلاقة الاجتماعية نقيض للوحدة والفردية وهي في نفس الوقت توجب الوحدة الاجتماعية، وهي تضعف الأنانية الفردية في حال إنها توجب الأنانية الاجتماعية، فإن الانضمام الاجتماعي نوع من التواضع، إذ معناه إنك تحب نفسك وتحب غيرك، وكونك في داخله، وكونه في داخلك، بخلاف عدم الانضمام حيث يكون الإنسان في تلك الحالة أنانيا لا يحب إنسانية الغير وحياته، وإنما يحب نفسه فقط، ولذا تكون الأنانية نوعا من العجب والوحشة.

وفي كلام للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأوحش الوحشة من العجب)(3).

فإن الإنسان الأناني لا يشارك المجتمع في شؤونه، لكنه بنفس القدر يظل غريبا عن المجتمع وتطوقه الوحدة والوحشة وإن كان في المجتمع، بخلاف المتواضع الاجتماعي الانضمامي حيث لا يحسّ بهذه الوحشة، وإنما يحس بالألفة وان كان في خارج الاجتماع.

(التجمع) بين الأخذ والعطاء

ثم إن الانضمام على قسمين:

انضمام أخذ وعطاء، وانضمام أحدهما فقط.

مثلاً: انضمام الأخوين انضمام أخذ وعطاء كل واحد يعطي الآخر ويأخذ منه، أما انضمام الأب والأم والطفل فهو انضمام الأخذ فقط من جانب الطفل والعطاء فقط من جانب الأبوين، فإن الأبوين يحبان الولد ويقومان بخدمته ويعطيانه حوائجه، أما الولد فهو آخذ في كل ذلك، صحيح أنه في كثير من الأحيان يعطي الأبوان حتى يأخذا في المستقبل، كعمل النسيئة، لكنه من الصحيح أيضاً أنه في كثير من الأحيان يكون عطاءً بدون أخذ من جانب الأبوين، كالأبوين الهرمين الذين لا يرجوان أخذاً من جانب الولد، بالإضافة إلى أنه إذا وصل الولد إلى مرحلة العطاء يكون أخذه وعطاءه متساويين في كثير من الأحيان، إذ يصبح الأبوان والولد مثل الأخوين: كل يعطي للآخر ويأخذ من الآخر.

إذا لاحظنا الانضمام والانفراط، فقد يكون الانضمام من العدم إلى الوجود، وفي عكسه يكون الانفراط من الوجود إلى العدم، ومثال الأول: الزوجان فإنهما يتحولان من الانفراط إلى الاجتماع، بينما الطلاق مثال عكسه حيث ينفرط الزوجان من الاجتماع إلى الانفراط.

أنحاء علاقة الإنسان بالخارج

ثم إذا لاحظنا علاقة الإنسان بالخارج نراها على خمسة أقسام:

الأول: أن لا تكون له علاقة بالخارج إطلاقاً، وذلك بالانكماش على نفسه.

والثاني: أن تكون العلاقة أقل من القدر المتعارف.

والثالث: أن تكون العلاقة أكثر من القدر المعتاد.

والرابع: أن تكون علاقة بقدر المعتاد، لكنها منحرفة.

والخامس: أن تكون العلاقة معتادة.

ونستطيع أن نمثل للأمور الخمسة بالزواج.

فقد لا يتزوج الرجل، وقد يتزوج ـ دون القدر الذي تحتّمه القاعدة -، وقد يتزوج أكثر من القاعدة، مثلاً:

رجل ضعيف المزاج تكفيه امرأة واحدة يتزوج أكثر، أو- إذا كان غير متدين ـ يتزوج عشرين أو ثلاثين زوجة، كما كان معتاداً في أيام الجاهلية ويعتاد أيضا الآن في بعض البلاد الإفريقية.

وقد تكون العلاقة منحرفة، كما إذا بدلت علاقة الزواج بعلاقة الزنا واتخاذ الخليلات والأخلاء.

وهؤلاء الأربعة كلهم مرضى باستثناء العلاقة المعتادة.

وهذه الأمور الخمسة كما تأتي في الزواج تأتي في الصداقة، وتأتي في الانضمام إلى الاجتماع في وحدات خاصة كالحزب أو المنظمة أو الهيئة أو الجماعة أو الجمعية أو المؤسسة أو الشركة أو ما أشبه، وكذلك تأتي هذه الأمور في الأمة بما هي أمة بالنسبة إلى سائر الأمم، حيث قد تكون للأمة علاقة مع سائر الأمم بأقسامها الأربعة، وقد لا تكون للأمة علاقة بأية أمة أخرى.

تحرّي العلاقة السليمة

والإنسان يجب أن يتحرى دائماً العلاقة المستقيمة، لا الأقسام الأربعة الأخر، فإن كل تلك الأقسام الأربعة الأخر ـ بالإضافة إلى وضوح أنها حالات مرضية سواء في الفرد أو المؤسسة أو المجتمع أو الدولة أو ما أشبه ـ لا يمكن أن تجتمع مع العلاقة المعتادة في كون كلها حقاً، وفي القرآن الحكيم: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: 32).

ومن الواضح فلسفياً أنه لا يمكن تعدد الحق في غير المصاديق الداخلة تحت كلّي واحد، فإن الحق واحد، وفي قباله أباطيل كثيرة، مثلاً: الطريق بين المدينتين في خط مستقيم طريق واحد أما سائر الطرق فإنها إما أن لا توصل إلى المدينة، وإما أن توصل بطريق أطول وأتعاب أكثر حيث إن بين كل الأشياء خطين: خط استقامة، وخط انحراف (وبعبارة أخرى تناقض) ولا يمكن أن يكون الانحراف استقامة، كما لا يمكن الجمع بين النقيضين، وقد قرر في الفلسفة أن المحالات ـ حتى استحالة جمع الضدين، أو رفع الضدين اللذين لا ثالث لهما أو ما أشبه ـ كلها ترجع إلى التناقض، والتناقض بديهي الاستحالة.

نماذج من العلاقة المريضة

ثم إن العلاقة المريضة التي لا تميل إلى الخارج ميلاً معتدلاً على أقسام:

منها: ميل الإنسان للزواج بمحارمه كالأم والأخت والعمة والخالة، وذلك حيث إنه يستوحش من الارتباط بالخارج، وكذلك ميل المرأة للزواج بمحارمها، إذ أن العلاقة المستقيمة هي العلاقة التي تكون خالية من الحروب والتخفي والانكماش داخل الإطارٍ محدود، بينما العلاقة المنحرفة بعكس ذلك.

والشذوذ الجنسي أيضاً من الظواهر المرضية للعلاقة الخارجية، حيث يخشى كل من الطرفين من الانبساط إلى الجنس المؤنث.

وكذلك الحال في المساحقة حيث يخشى الطرفان من الانبساط إلى الجنس المذكر.

هذا كله على نحو الأصل والقاعدة الكلية، وأن كان هناك شواذ وشاذات يمارسون الانحراف مع وجود العلاقات المستقيمة لهم مع الجنس الآخر.

والزنا أيضا من العلاقات المنحرفة، حيث يكون هروباً عن مسؤوليات شريك الحياة.

وكل هذه الأمور ـ بالإضافة إلى كونها علاقات مرضية بالنسبة إلى استقامة العلاقة الخارجية ـ هي أمور تهدم حياة العائلة، والعائلة كما نعلم هي اللبنة الصالحة لبناء الاجتماع الصالح، بينما هذه الأمور لبنات منحرفة تنتهي إلى بناء الاجتماع المنحرف.

كما أن من العلاقات المنحرفة: (القومية والوطنية واللونية واللغوية والقبلية وما أشبه، فإنها كلها أيضاً علاقات منحرفة، حيث يميل الإنسان إلى الرجوع إلى أصله وما اعتاده، ويخاف ويهرب من الانبساط إلى خارج هذه الإطارات التي يدور ضمنها، بينما الأخوة والانبساط إلى الآخرين والسير وراء الكفاءات هي علاقات معتدلة مستقيمة لا تعطي أكثر من أخذها ولا تأخذ أكثر من عطائها.

وفي عكس ذلك أيضاً تكون العلاقة منحرفة، كما إذا ترك الإنسان قومه وقبيلته وما أشبه وانبسط إلى الخارج كلية، أو إذا ترك قبيلته واتخذ قبيلة ثانية أو ترك قومه واتخذ قوماً آخرين وهكذا، فإن هذا أيضاً انحراف في العلاقة، حيث لم يتمكن أن يعطي الكفاءة حقها، فإن الكفاءة كما تكون في الخارج تكون في الداخل، فمن يحصر الأمر في الخارج فهو كمن يحصر الأمر في الداخل، كلاهما انحراف عن العلاقة المستقيمة وعن تحكيم الكفاءات.

 

1 ـ بحار الأنوار: ج70، ص166، دارالمعارف ـ بيروت.

2 ـ بحار الأنوار: ج64، ص173.

3 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج4، ص11. طبع دارالمعرفة، بيروت.