الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الأسلوب الاجتماعي

ثم إن (الأسلوب الاجتماعي) عبارة عن حالة في الاجتماع ترى في أفراده، وتختلف تلك الحالة في أفراد اجتماع آخر، ويكون ذلك الأسلوب وليد خصائص معينة، كما أن ذلك الأسلوب يوجب آثاراً خاصة. مثلاً: العقيدة المعينة، والثقافة الخاصة، والأخلاق الخاصة، والعوامل السياسية والاقتصادية ـ من زراعة وصناعة وغيرها ـ كل هذه الأمور ـ متفاعلة بعضها في بعض ـ تولد أسلوباً خاصاً في الاجتماع وهذا الأسلوب يكون غالباً ذا ثبات ودوام نسبي، وإن كان يطرأ عليه التغيير في مدد طويلة بسبب تغير مبناه.

وكل فرد في المجتمع إنما يعمل في نطاق ذلك الأسلوب في كل شؤونه، تاركاً الأسلــوب الذي يريده لنفسه في كثير من الأحيان، وإلا كان (شاذاً) ـ وإن كان (الشذوذ) قد يكون صحيحاً بنفسه لأن الاجتماع اجتماع منحرف، إذ الشذوذ معناه الانفراد بأعمال خاصة، والانفراد الذي يسمى بالشذوذ متعاكس مع الأسلوب العام للاجتماع، وإن كان الأسلوب العام للاجتماع صحيحاً كان الشذوذ غير صحيح، إذا لم يكن منحرفاً في جهةٍ أخرى.

مكونات الأسلوب الاجتماعي

والأسلوب دائماً يكون مزيجاً من تفاعل متطلبات الفطرة والعقيدة والحاجة والاقتصاد وما أشبه، فمثلاً: فطرة الحرية والاعتقاد بوحدة الأله، والحاجة إلى الكساء والزواج والمسكن والاقتصاد الزراعي أو التجاري أو الصناعي.. هذه الأمور كلها تتفاعل بعضها مع بعض حتى تعطي أسلوباً خاصاً للاجتماع، وعلى وفق ذلك التفاعل توضع القوانين والأعراف والعادات، حتى أن القوانين السماوية إنما وضعت على طبق ذلك التفاعل الذي يكون بين الفطرة والعقيدة والحاجة والاقتصاد وما إلى ذلك، فلا فرق في وضع القوانين من هذه الجهة بين أن يكون الواضع هو الله سبحانه وتعالى، أو يكون الواضع هو الإنسان ـ بعد وضوح أن قانون الله كامل وقانون الإنسان ناقص ـ ومن غير فرق في وضع الإنسان بين أن يكون الواضع فرداً دكتاتوراً، أو جماعة من الأشراف، أو الشعب بكامله.

(انهيار البنى) يعني انهيار الأسلوب الاجتماعي

وعلى أي حال، فإذا تغيرت العقيدة أو الاقتصاد ـ مثلاً ـ أخذ الأسلوب الاجتماعي في الانهيار ليبني أسلوباً آخر من جديد وفق تفاعل جديد بين العوامل المؤثرة للاجتماع.

مثلاً: إذا انحرفت عقيدة التوحيد إلى العقيدة بالطبيعة، أو تحول الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي، أو غير ذلك.. اختلف الأسلوب الاجتماعي بسبب ذلك. فمثلاً: روسيا القيصرية في أيام عقيدتها بالمسيحية كان لها أسلوب خاص من الحياة، ثم لما تحولت عقيدتها إلى العقيدة الشيوعية الطبيعية كان لها أسلوب آخر من الحياة، والغرب لما كان الاقتصاد الزراعي محكماً فيه كان له أسلوب خاص وليد من مزيج من العقيدة بالكنيسة والاحتياج إلى الزراعة، وتحول متطلبات الحياة في تلك البلاد من الزراعة إلى الصناعة تحول الأسلوب الخاص، وإن كانت العقيدة المسيحية باقية.

(الأنماط السلوكية) حلقة الوصل

ثم إن (الأسلوب الاجتماعي) يوصله الآباء إلى الأبناء عن طريق (النمط السلوكي) الذي يراه الأبناء من آبائهم، فإن (أنماط السلوك) تصوغ ذهنية وأعمال الأبناء وفق النمط الذي يسلكه الآباء، كما يصاغ من طريق التعليم الشفوي ضمن النصائح والقصص والصداقات والعداوات طرق معالجة الأمور.. إلى غير ذلك من الأمور التي تسبب نقل الأسلوب الاجتماعي من قبل الآباء إلى الأبناء.

النموذج الأول؛ محورية المادة:

مثلاً: الغرب يرى أن المحور هو (المادة) فكلما يجلب المادة فهو أمر قانوني وإن كان بسبب الربا، والاحتكار، وفتح المواخير، وتجارة الأفيون، وصنع السلاح، والاستعمار، والإبادة الجماعية للشعوب، وغير ذلك.. بينما الإسلام يرى أن المحور هو (الإنسان) فكل ما يسعده هو القانون اللازم الاتباع، ولذا فكل تلك الأمور (القانونية) في الغرب المادي خلاف (القانون) في المنطق الإسلامي.

النموذج الثاني؛ فصل الدين عن الدنيا:

مثال آخر: المسيحية الحالية تقول: (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) فكل أمر مرتبط بالعبادة والكنيسة مرتبط بالله ـ من صلاة ودعاء، وقراءة الإنجيل وما أشبه ـ أما الأمور الدنيوية فكلها يجب أن تكون برضى (قيصر) وحسب قوانينه، بينما الإسلام يرى ما ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم: (إن الحكم إلا لله) (الأنعام: 57) (يوسف: 67).

(ألا له الخلق والأمر) (يوسف: 40).

فالحكم يجب أن يكون صادراً عن الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد من الأمة أو للدكتاتور أو للأشراف أو للشعب حق وضع القوانين، بل يلزم أن يؤطر عمل الإنسان برضى الله سبحانه وتعالى وبقوانينه، لا برضى قيصر وقوانين قيصر، ومن الواضح الفرق الشاسع بين القوانين التي يضعها قيصر، سواء قيصر الفردي أو الاشرافي أو الشعبي، والقوانين التي وضعت من قبل الله سبحانه وتعالى.

النموذج الثالث؛ دكتاتورية الأنظمة:

وهكذا ـ في مثال ثالث ـ نرى أن العالم الشيوعي يرى الدكتاتورية في الحكم، أي جمع رأس المال والسلطة بيد إنسان واحد أو جماعة واحدة وهو الحزب الشيوعي مثلاً (وإنما قلنا بيد إنسان واحد أو جماعة لأن من طبيعة الدكتاتورية جمع القدرات إلى أن تصل إلى القمة كما حدث في أيام ستالين).

وعليه: فكل قانون يوضع في البلاد الشيوعية فإنما يصدر عن هذا المنطلق أي منطلق الدكتاتور سواء كان فرداً أو حزباً، بينما الإسلام يرى لزوم ملاحظة حرية الإنسان في كل قانون يوضع طبقاً لقوله سبحانه: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف: 157).

ولقول علي عليه الصلاة والسلام: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)(1).

والقانون: (الناس مسلطون على أموالهم)(2) فأي قانون يوضع ضد هذه الحرية فهو باطل في نظر الإسلام، بينما هو صحيح في نظر الشيوعية.

وحيث إن من المعلوم أن: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة)(3).

هو المحكم في كل الأمور، فليس مرادنا بوضع القانون في الإسلام ـ الذي يجب أن يكون مطابقاً للحرية ـ وضع القوانين الأصولية، وإنما مرادنا تطبيق القوانين الكلية في الإسلام على الصغريات الخارجية، فإن التطبيق بالنسبة إلى الصغريات المنافية للحرية غير جائز، بينما التطبيق على الصغريات الملائمة للحرية جائز في الشريعة الإسلامية.

مثلاً: لو كانت المصلحة الاجتماعية في (رخص البضاعة) وأمكن ذلك بطريق تسعير الحاكم للبضاعة مما يسلب التاجر حريته، وبطريق استيراد الحاكم البضاعة وبيعها رخيصة مما يفتح أبواب التنافس الحر فيرخص التاجر بضاعته لم يجز للحاكم سلوك الطريق الأول، لأن ذلك خلاف قانون: (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم) وإنما الواجب عليه سلوك الطريق الثاني حيث إن الطريق الثاني لا يوجب سلب التاجر حريته في التسعير.

وفي مثالٍ ثانٍ: إذا اضطر الحاكم إلى جعل قانون ينافي حرية الناس المالية أو البدنية، وكانت هناك صغريان: صغرى تعطي ضغطاً أقل للمال أو للنفس، وصغرى تعطي ضغطاً أكثر فاللازم وضع القانون الذي يعطي الضغط الأقل لأن: (الضرورات تقدر بقدرها) فإن قانوناً يزيد في سلب الناس حرياتهم لا يوضع في وقت يمكن فيه الأقل من ذلك.. وهكذا في سائر القوانين التي توضع بالنسبة إلى تطبيق الكبريات على الصغريات، ولذا ذكرنا في كتبنا (السياسة) أن البرلمان الذي يسمى في الغرب السلطة التشريعية لا يمتلك عندنا سلطة (التشريع) بل له قدرة (التطبيق والتأطير) أي أن للبرلمان الحق في تطبيق القوانين الإسلامية على الصغريات الخارجية مع ملاحظة (الأسهل فالأسهل) و(الأكثر حرية فالأكثر حرية) و(الأهم فالمهم) وهكذا.. بينما في الغرب ونحوه يكون للبرلمان الحق في تشريع القوانين، لأنهم يقولون: (دع ما لقيصر لقيصر) فالقوانين الأرضية كلها تابعة لقيصر ولا تتبع السماء.

أما في الشيوعية فالأمر أفضع حيث إنهم لا يعترفون بالإله إطلاقاً فليس عندهم بند (دع ما لله لله) وإنما كل منطقهم يتلخص في أنك يجب أن تكون تابعاً لقيصر في كل ما يقول ويعمل ويضع..

فهناك ـ إذاً ـ فرق ظاهر بين هذه الأنظمة الثلاثة: (إن القانون كله لله) (إن القانون بعضه لله وبعضه للناس) (إن القانون كله للدكتاتور).

تأثير الأنماط الفكرية في حياة الإنسان

ومن الواضح: إن هذه الأنماط الفكرية والعملية تؤثر في حياة الناس وأسلوب عيشهم، فالاقتصاد في منطق الإسلام هو في خدمة الإنسان لأن (الإنسان) هو المحور، بينما صار الإنسان في النظام الغربي والشرقي في خدمة الاقتصاد.

كما أن العلم والعلماء في المنطق الإسلامي في خدمة الإنسان بينما هم في الشرق والغرب في خدمة الاقتصاد ـ الذي أصبحت أزمته بيد الرأسماليين سواء من التجار كما في الغرب أو من الحكام كما في الشرق ـ ولذا حرم الإسلام كل اقتصاد وكل علم يضر الإنسان، بينما أباحهما الغرب والشرق، حيث يدرّان المال الوفير للرأسماليين الغربيين والشرقيين، مثلاً: الإسلام يحرم ـ بالنسبة إلى العلم ـ السحر والشعوذة والغناء والقيافة والكهانة وكتب الضلال وما أشبه، كما أن الإسلام ـ بالنسبة إلى الاقتصاد ـ يحرم الربا والاحتكار وصنع المواد الضارة والأسلحة المدمرة على الأسلوب الغربي، بينما الغرب والشرق يبيحون كل ذلك، بل ويجعلون الأنظمة والقوانين التي تدعم كل هذه الأمور.

مستلزمات الرفاه العام

وإذا كان (الإنسان) هو المحور، والعلم والعلماء والاقتصاد وسائر الأمور في خدمة هذا المحور تكون نتيجة أعمال الإنسان الاقتصادية كافية لكل البشر بحيث يعيش الكل في رفاه وسعادة واكتفاء، لكن ذلك بحاجة إلى أمرين:

الأول: عدالة القانون:

القانون العادل الذي يعطي نتيجة عمل كل إنسان له، ويبيح له الإستفادة من خيرات الأرض، كما قرر ذلك الإسلام حيث قال سبحانه: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) (النجم: 39).

وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من سبق إلى فهو أحق به يومه وليله)(4).

الثاني: نزاهة الحكام:

أي أن يكون إجراء القانون بيد العدول من الأمة كما قرره الإسلام أيضاً، حيث قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي)(5).

وفي الأحاديث: لزوم أن يكون الحاكم ـ أو الحكام في شورى المراجع ـ عدولاً، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (فأما من كان من الفقهاء، صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)(6).

جور القوانين الأرضية

بينما نشاهد في القوانين الأرضية ـ سواء في السابق أو في الحال ـ ظواهر معاكسة..

منها: إن القانون منحرف، حيث إن القانون لا يعطي نتيجة عمل كل إنسان له، ففي القانون الغربي تُعطى أكثر النتائج للرأسماليين من التجار ومن إليهم، وفي القانون الشرقي تعطى أكثر النتائج للحكام، بينما يعيش الناس في فقر مدقع وسوء تغذية وما إلى ذلك.

الحكّام يتلاعبون بالقوانين

وأما بالنسبة إلى الحكام فحيث لا يشترط الديمقراطيون والشيوعيون في الحكام (العدالة) والخوف من الله سبحانه وتعالى يكون القانون أيضاً ألعوبة بيد الحكام حتى إذا فرض أن في القانون شيئاً من العدالة، فإن الحكام لا يطبقون تلك العدالة الموجودة في القانون ولو بقدر ضئيل.

ففي السابق كانت القدرة المباشرة من الحكام تحول دون توزيع البضائع الاستهلاكية وسائر الحاجيات توزيعاً عادلاً، فبينما كان للحكام مئات المقاطعات وألوف الزوجات كان كثير من الناس يعيشون في جوع وفقر وعري وليس لهم حتى زوجة واحدة..

أما في الوقت الحاضر فإن القدرة غير المباشرة ـ الموجودة بيد الحكام والمغلفة بستار (قانوني) من الرأسمالية والشيوعية ـ تعمل من وراء الكواليس نفس العمل السابق وتخلق بين الطبقات فجوة سحيقة، فيعيش حفنة من الناس في بحبوحة من الرفاه والعيش الرغيد إلى حد التخمة في كل شيء بينما يعيش أكثرية الناس في أحضان الفقر والمرض والجهل والتأخر والتخلف وعدم التملك حتى لأوليات الحياة ـ مثل المأكل والمشرب والمسكن والمنكح والمركب والرفاه والتعليم والأمن والصحة وما أشبه ـ.

وهكذا تظهر النتائج بين جعل (الإنسان) هو المحور وبين جعل (المادة) هي المحور.

بين الإسلام والأنظمة البشرية

وهذه الأمور الثلاثة ـ وهي (محورية الإنسان أو المادة) و(استقامة القانون أو انحرافه) و(عدالة الحاكم أو جوره) تؤثر ـ بالنتيجة ـ الأثر البالغ في إعطاء الحاجيات لكل البشر أو عدمه.

وقد وضع الإسلام القوانين الصحيحة الكفيلة بتوفير كل هذه الأمور، بينما انحرفت كل هذه الثلاثة في الغرب والشرق مما أدى إلى ضرر الإنسان وشرّه مع تفاوت أن الشرق أسوأ من الغرب، حيث إن بعض الحرية الموجودة في الغرب، وبعض القوانين التي تسهل لعامة الشعب الحصول على شيء من لقمة العيش غير موجودة في الشرق.

المضاعفات الخطيرة لمحورية المادة

وقد أوجبت محورية المادة آثاراً سيئة بالإضافة إلى عدم حصول الإنسان على لقمة العيش.

فمن تلك الآثار:

1 ـ الاستعمار: وذلك لإرضاء الجشع الرأسمالي الذي وظّف نفسه في سبيل فتح الأسواق في العالم بهدف تحصيل المواد الأولية بأرخص القيم وبتصدير أكبر قدر من المصنوعات بأغلى الأثمان، حتى أن بعض الإحصاءات تدل على أن الفرق بين المادة البسيطة وبين المادة المصنوعة يصل أحياناً إلى أكثر من خمسمائة ضعف!

2 ـ فقدان الحريات: فإن الغرب يزعم أنه عالم حر، إلا أن الحرية عندهم في الواقع ثوب مهلهل على جسد الدكتاتورية، فإن القوانين هي التي تجعل شروط العمل وقدر الأجر وساعات العمل وما أشبه، كل ذلك على نحو أمور مسبقة بحيث تضر بالاجتماع وملزمة لمن يريد العمل من العامل والفلاح والموظف وغير ذلك من ذوي الدخل المحدود ولا مجال لهم للتخلص من هذه القوانين وإن زعم هؤلاء ـ (لبساطة في تفسيرهم للأمور) ـ بأنهم أحرار بينما هم (في الواقع) ليسوا بأحرار، حتى أن النقابات التي يشكلها العمال هي الأخرى لا فائدة كبيرة فيها، حيث إن القوانين التي يمتلك أزمتها الرأسماليون على ما ذكرنا تفصيله في كتاب (الفقه السياسة) تكون لصالح الرأسماليين على طول الخط، سواء الرأسماليون الحكوميون كما في الشرق أو الرأسماليون التجار كنا في الغرب.

3 ـ تحطيم القيم: حيث إن محورية (المادة) تجعل كل شيء فداءً لها، بالإضافة إلى أن التنافس لجمع أكبر قدر من المادة يسبب إزالة كل عائق عن طريق سير المادة إلى الأمام، ومن الواضح أن الدين والأخلاق والعائلة والفضيلة وما أشبه من عوائق التقدم العشوائي للمادة، فمثلاً:

الدين والأخلاق والفضيلة تحرّم قتل الناس وصنع السلاح لأجل التجارة من غير ملاحظة الموازين الدينية والأخلاقية وإشاعة الفحشاء والمنكر وإباحة الخمر والميسر والهروئين وما أشبه، لكن المادة الحاكمة على هذه الأمور تكسح من طريقها كل ذلك، كما أن العائلة تحرم الفحشاء والمنكر وما أشبه من الأعمال الجنسية المشينة لأنها ضد كيان العائلة، فالعائلة عبارة عن الوحدة المحافظة الشريفة، بينما الفحشاء والمنكر والبغاء وما أشبه كلها على خلاف ذلك، حيث عن طريق المادة تُفتَح المواخير ومحلات الشذوذ الجنسي وما أشبه مما يسبّب هدم العوائل:

أولاً: من حيث التصادم بينها.

وثانياً: من حيث أن أولاد العوائل وبنات العوائل ينزلقون ـ بسبب هذه الأمور ـ إلى مهاوي الرذيلة والفساد.

بحوث حول الاكتساب

إن الإنسان لا حق له إلا:

1 ـ في عمله الجسمي.

2 ـ وفي عمله الفكري، بشرط أن يكونا على الطريقة المحللة، أي أن يكون العمل والفكر حلالاً، وأن يكون متعلق العمل والفكر حلالاً أيضاً.

3 ـ وإلا في مقدار ما يرث، مع ملاحظة أن يكون المورث قد حصّل المال من الحلال من جهة العمل والفكر ومن جهة متعلقيهما.

وبعد ذلك يلزم على الإنسان الذي يكتسب ـ فكرياً أو جسدياً ـ أن يلاحظ:

أولاً: عدم الإجحاف بالآخرين:

لأن الإجحاف محرّم في شريعة الإسلام تبعاً لشريعة العقل.

وثانياً: عدم عمله في أجواء إكراهية:

لأن الإكراه الأجوائي كالإكراه الفردي كلاهما محرمان، فلا فرق بين أن يكره الإنسان عاملاً على أن يعمل في داره بقدر كذا، أو أن يهيئ أجواءً يكون العامل مكرهاً فيها على أن يعمل ذلك العمل بنفس تلك الأجرة.

وثالثاً: عدم استغلال الآخرين المعاصرين له بأن يأخذ أكثر مما يستحق.

ورابعاً: عدم تضييع حقوق الأجيال الآتية.

مثلاً: المعادن المودعة تحت الأرض إنما هي حق الأجيال الحاضرة والآتية، كل بقدر أن يعيش عيشاً متوسطاً بلا تقتير ولا تبذير، فإذا أخذ هذا الجيل من المعادن أكثر من حقه ـ بقدر الإسراف والتبذير ـ كان معنى ذلك أنه أتلف حق الأجيال الآتية.

وخامساً: عدم الاستفادة الضارة

مثلاً: إذا كان مائة صياد على شاطئ البحر، يحصل كل واحد من البحر مقدار قوت يومه من الأسماك لم يحق لأحد الصيادين أن يسبق إلى البحر ويأخذ قوت نفرين أو ثلاثة أشخاص، مما يوجب أن يبقى الآخرون جائعين، لأن الله سبحانه وتعالى جعل الخيرات للكل، فاللازم أن يستفيد الكل، لا أن يستفيد البعض ولا يستفيد البعض الآخر، قال سبحانه: (خلق لكم) فالكون للجميع لا للبعض فهو (لكم) لا (له).

وعن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: (ما رأيت نعمة موفورة إلا والى جانبها حق مضيع).

والمراد بـ(الموفورة) ليست الوفرة بمعنى العيش الرغيد، بل بمعنى الأكثر من الحق حتى يكون في قباله الحق المضيع.

كيف تكون الخيرات للجميع؟

وإذا لوحظت كل هذه الأمور الخمسة ـ بالإضافة إلى ما ذكرناه من أن للإنسان الحق في العمل الفكري والجسدي والإرث ـ كل ذلك بشرط الحلية ـ لم يبق هناك محتاج، سواء في المسكن أو الملبس أو المركب أو الزوجة أو الزوج أو غير ذلك، كما لم يبق رأسمالي واحد على الأسلوب الغربي، أو على الأسلوب الشرقي، وإنما تكون الخيرات للجميع، وغن كان هنالك تفاوت حسب تفاوت الكفاءات، فبعضهم يكتسب كثراً لقوته الجسدية أو لفطنته الفكرية، وبعضهم يكتسب قليلاً لضعفه الجسدي أو لعدم تفوقه الفكري، لكن هذا الفرق لا يوجب الفجوة الطبقية الهائلة التي تشاهد في عالم اليوم، مما انتج أن اقل من ربع العالم يعيشون عيشة رفاه أو عيشة رغد، بينما بقية أهل العالم لا يجدون حتى الأوليات.

 

1 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج3، ص51، دار المعرفة ـ بيروت.

2 ـ بحار الأنوار: ج2، ص272، دار المعارف ـ بيروت.

3 ـ المصدر السابق: ج26، ص35.

4 ـ وسائل الشيعة: ج3، ص542، دار إحيا التراث العربي ـ بيروت.

5 ـ المصدر السابق: ج18، ص65.

6 ـ بحار الأنوار: ج2، ص88، دار المعارف ـ بيروت.