الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

فقدان قيمة الإنسان الحقيقية

وقد عطفت المادة كل فكر الإنسان إلى نفسها، فأصبح الخادم مخدوماً، والسيد عبداً، وسبب أن يعمل الكل حتى على حساب صحتهم وراحتهم ومستقبلهم وعائلاتهم وأولادهم لأجل المادة، فالمهم أن يكون للإنسان مال أكثر، أما أن يفقد صحته لأجل ذلك ـ بل وأحياناً بعض أعضاءه وأحياناً عمره ـ فليس بمهم، وإنما المهم أن يحصل الرأسماليون على أكبر قدر ممكن من المادة، بل وليس بمهم أن يفقد الإنسان شرفه وعائلته وروابطه التي توجب له روحاً وراحة!

وكذلك نجد أن الإنسان يعيش في العالم الحاضر في أكبر أزمة وفي شدة وقلق ومرض وحروب وثورات وفقر لم يعرف مثلها العالم في أي زمان من الأزمنة السابقة، ولا يحدثنا التاريخ بمثل هذه المآسي التي انصبت على الإنسان، فالإنسان لما كان المحور كما في تعاليم الأنبياء (عليهم السلام) كان الإنسان كل شيء، وكان كل شيء يفدى لأجل الإنسان، وكان كل شيء تلاحظ قيمته الذاتية (لا قيمته باعتبار تحوله إلى المادة) وكان يخفف يوماً بعد يوم من فقر الإنسان ومرضه وآلامه.

أما في هذا اليوم فالإنسان يفدى لأجل المادة، فبينما في تعاليم السماء تخفف آلام الإنسان يوماً بعد يوم تبعاً لإعطائه حاجياته ـ لأن كل شيء في خدمته ـ نرى في المجتمع المادي ازدياد آلام الإنسان، لأن الحاجات تعطى لأجل المزيد من المادة، لا لأجل الإنسان، فالإنسان يعطى لأجل المادة، وليس المهم بعد ذلك أن يكون أكثر أهل العالم جائعين، كما ليس المهم أن يموت كل عام خمسون مليوناً من البشر لفقدهم الغذاء والدواء والعناية، كما ليس المهم أن يقتل ملايين الناس بالوسائل الحديثة، ولا أن يبتلى ملايين الناس بمختلف العاهات والأمراض من جرّاء استعمال الأسلحة الفتاكة الكيماوية وغيرها، وكذلك ليس المهم أن يبقى المرضى مرضى، أو أن تشتد أمراض المرضى لأجل استعمال الأدوية الضارة، ولا المهم أن يمرض الملايين لأجل استعمال الأغذية والمساحيق والألوان الضارة، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأمور، وإنما المهم أن يحصل الرأسماليون ـ الحكام كما في الشرق أو التجار كما في الغرب ـ على أكثر قدر ممكن من المادة! وهذه حالة مرضية ابتلي بها العالم الغربي، ثم الشرقي، ثم صدّروا أمراضهم إلى العالم الثالث، فابتلي العالم الثالث أيضاً بمثل هذه الأمراض الفتاكة التي هي أسوأ وأسوأ من القنابل الذرية والنترونية.

موقف الإنسان تجاه الغرائز الداخلية، والأشياء الخارجية

ثم إن في داخل الإنسان غرائز، ولكل منها متطلبات كغريزة الجنس، حيث تريد القضايا الجنسية، وغريزة المال حيث تحرك الإنسان إلى تحصيل الثروة، وغريزة الجاه حيث تسيّره نحو طلب الجاه، وغيرها من سائر الغرائز الموجودة في البشر، كما أن في الخارج أشياء، يستحق بعضها الاحترام، ولا يستحق بعضها الآخر الاحترام، ومراتب الاستحقاق ـ فيما يستحق ـ مختلفة حيث يستحق بعضها الاحترام إلى حد التأليه والعبودية كالله سبحانه وتعالى، أو إلى حد التواضع المتزايد كالعالم العادل وكالأبوين، وقد يستحق بعضها الاحترام إلى حدٍ ما كاحترام الإنسان للإنسان بما هو إنسان، كما أن بعضها لا يستحق أي احترام كالحيوان والنبات وما أشبه.

فإذا أعطى الإنسان غريزة من الغرائز أكثر من حقها أحدث ذلك انفصاماً للإنسان عن نفسه وابتعاداً عن شخصه، لأن النفس غير المنفصمة تعطي كل شيء حقه، لا أن تزيد في حق على حساب حق آخر، وكذلك الحال إذا عبد الإنسان ما لا يستحق العبادة وألّه ما لا يستحق الألوهية.

وهذا الانفصام الذي يحصل في الإنسان ـ سواء بالنسبة إلى الغرائز أو بالنسبة إلى الأشياء الخارجية المستحقة للاحترام بقدر أو احتراماً متزايداً أو عدم استحقاق الاحترام إطلاقاً ـ يعود بالضرر على الإنسان نفسه، ولذا قال سبحانه: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) (الجاثية: 23).

أي أنه يعبد هواه، فكيفما يكون هواه يسير.

وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) (التوبة: 31).

فإن الأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم إنما يستحقون قدراً من الاحترام، لا احترام الآلهـــة، فالمسيح (عليه السلام) يستحق احترام النبي العظيم، والعدول من الأحبار والرهبان يستحقون احترام الإنسان للعالم، لا اتخاذهم آلهة وأرباباً وأخذ الأحكام منهم وإن كانت مخالفة لأحكام الله سبحانه وتعالى.

كما أن الله سبحانه وتعالى يقول بالنسبة إلى الانفصام في شخصية الإنسان وأن ذلك يعود بالضرر إلى الإنسان نفسه: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).

يعني: إن الإنسان الذي ينسى الله ولا يتبع أوامره فإنه لا يستقيم في أموره، وبالآخرة يكون ناسياً لخير نفسه وينفصم بنفسه عن نفسه.

وكل هذه الأقسام التي فيها انحراف عن جادة الصواب تدخل في (عبادة الصنم) سواء صنم الجنس، أو صنم المال، أو صنم الجاه، أو صنم الحجر، أو صنم البشر أو غير ذلك من أقسام الأصنام.

انفصام الشخصية في العالم المعاصر

وقد وقع العالم المادي المعاصر في هذا الانفصام فأخذ يسير إلى حيث حتفه، وقد أودى بكل منطق وعقل وبرهان، وبذلك أصبح العالم المعاصر كالإنسان المسحور الذي يتبع هدف الساحر لا هدف نفسه.. وتلك حالة مرضية خطيرة إذا لم تعالج تنتهي إلى الفـــناء والدمار، ولذا قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) (طه: 124).

فهو يقع في ضنك العيش، والضنك ينتهي أخيراً بالفناء والدمار في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وأما في الآخرة فله عذاب شديد، ولهذا نسمي هذه الحالة: (الانفصام عن الشخصية) ونقول: إن هذا الشخص أجنبي عن نفسه، وهل هناك نفران حتى ينسى أحدهما الآخر كما في التعبير القرآني؟ الجواب: إن الأجنبي في الاصطلاح هو الذي نبت في بلد آخر ويعمل لا لصالح البلد الذي وجد فيه، بل لصالح بلد آخر، وهكذا مثل هذا الإنسان المنفصم الذي يتبع إحدى غرائزه أو يحترم من لا يستحق الاحترام إطلاقاً، أو من لا يستحق الاحترام المتزايد الذي يضفيه عليه فيحترمه احتراماً متزايداً، فإنه لو كان نابتاً من نفسه كان يسير في طريق كل الغرائز لا غريزة واحدة، وكان يتجه الإتجاه الصحيح، وكانت فوائده تعود لنفسه، بينما كل ذلك بالعكس بالنسبة إلى هذا الإنسان المنفصم، فهو ينبت لا عن كل غرائزه، ويسير في اتجاه غير اتجاهه المستقيم وذلك يعود عليه بالضرر لا بالنفع، فإن سائر الغرائز تكبت ولا تنمو ولا تُعطى متطلباتها مما يؤدي إلى الدمار والهلاك.

الإنسان يعبد الجاه والمال

ومن جملة هذه الكلية: الإنسان الذي يعبد المال، أو يعبد الجاه أو لا يعطي الفقير والمسكين والأجير والفلاح وسائر الناس حقهم، كما حدث كل ذلك في العالم المعاصر، فالعالم المعاصر يعبد المال عبادة متزايدة كما أنه يريد الجاه إرادة لا تحد، صحيح إن الديمقراطية الصورية موجودة في الغرب، لكن هذه الديمقراطية (كما تقدم) غلاف مهلهل لدكتاتورية بشعة من أبشع الدكتاتوريات، سواء بالنسبة إلى داخل بلادهم أو بالنسبة إلى خارج بلادهم ـ وإن كانت الدكتاتورية بالنسبة إلى خارج البلاد أفضع ـ وأما في البلاد الشيوعية، فإن هذا الثوب المهلهل أيضاً غير موجود، والعالم الثالث منقسم بينهما فقسم يأخذ من الغرب وقسم يأخذ من الشرق.

هذا بالنسبة إلى عبادة الجاه.

أما عبادة المال فهي أوضح، فالعالم منقسم أيضاً إلى من يعبد المال عبادة مطلقة كالبلاد الشيوعية، حيث إن الحكام هم الرأسماليون، أو عبادة شبه مطلقة كالبلاد الغربية، حيث إن المال بيد التجار فلم يجتمع الحكم والمال في أيد واحدة ـ وإن كان بينهما تنسيق وتعاون من أغرب أقسام التعاون ـ كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الاقتصاد من الفقه.

نسيان الأخلاق النبيلة

وأما بالنسبة إلى نسيان الصفات النبيلة ـ كالرحم والمروءة والإنسانية ومراعاة حقوق الإنسان واحترام الآخرين والعطف على البائس والمسكين وعدم أكل حق الناس بالباطل ـ فإن هذه كلها غرائز في داخل الإنسان، وقد حرم منها العالم ككل، نعم أفراد قلائل يوجدون هنا، أو ليس هناك بتلك المثابة وليس الكلام فيهم، وإنما في الاتجاه العام والإطار الموضوع على عالم هذا اليوم، ولذا فقد أصبح العالم منفصماً عن نفسه وأجنبياً عن ذاته وحصل على أثنينية بين (الواقع الإنساني) وبين (الاتجاه) الذي يسير فيه، واتخذ أهل العالم آلهتهم أهواءهم، والأصنام التي يعبدها أهل العالم في هذا العصر أسوأ من الأصنام التي كان المشركون يعبدونها، لأن المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام ويوجد أشباههم الآن في الهند وغيرها لا يضرون العالم هذا الضرر البالغ ـ وإن كانت كل أقسام عبادة الصنم توجب ضرر الإنسان، ومن ثم توجب ضرر الآخرين، لارتباط الاجتماع بعضه ببعض، فإذا تضرر فرد تضرر الآخرون، وإذا تضرر الاجتماع تضررت سائر الاجتماعات المرتبطة بذلك الاجتماع ـ إلا أن التاريخ لا يحدثنا بمثل هذا الضرر الكبير الذي حدث في العالم المعاصر، حيث هذه العبادة الغريبة للأصنام المالية والمنصبية والغرائزية المنحرفة.

حضارة في بيت العنكبوت!

وقد انهدمت إنسانية الإنسان بسبب هذا الصنيع الذي صنعه هو بنفسه، فأصبح المربوب رباً والمخلوق خالقاً، وبل انهدمت إنسانية الإنسان لأنه أصبح بدون اختيار يسيّره الجهاز الصناعي الذي حاكه حول نفسه كمن يحيك حول نفسه شبكة من السلاسل ثم يبتلي بها، حاله حال دود القز حيث ينسج حول نفسه وينسج وينسج ثم يبقى هناك بلا حول ولا طول حتى يأتيه الموت فيجرعه غصة بعد غصة، فالرأسمالي يعمل للمال، والسياسي يعمل للمنصب، وسائر الناس ـ من المدير والعامل والفلاح والمؤسسة ومن إليهم ـ يبتلون بهذه الشبكة الواسعة من المال والمنصب فكلهم إنما يريدون مزيجاً من المال ومن الارتفاع السياسي ولا يعرفون لا مصدر المال، ومصرف المال، ولا مصدر المواد الخام، ولا مصرفها، ولا أسواقها، ولا أي شيء منها، ولا البائع، ولا المشتري، وإنما كل يعمل في موضعه من شبكة مستحكمة حوله لا يجد مخلصاً منها كما إن السياسي أيضاً يعمل في شبكة مشابهة دون أن يعرف المصدر والمورد والمصب وغير ذلك، وإنما معلومات عامة عن أشياء لا يعرف أولها ولا آخرها، وقد صدق الله سبحانه في تشبيه أمثال هؤلاء بالعنكبوت، فقد قال سبحانه: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) (العنكبوت: 41).

فإن من خصائص بيت العنكبوت أنه شبكات متداخلة بعضها في البعض الآخر، لا تجد الفريسة فيها خلاصاً، وكذلك نجد المال والجاه في العالم الحاضر شبكات بعضها فوق بعض وبعضها دون بعض حتى تستحكم هذه الشبكات حول الإنسان، فهو في هذه الشبكات ليل نهار، يصرف تفكيره وطاقاته وشبابه وعلمه وسائر شؤونه فيها، وليس ذلك فقط، بل إنه يحكم إحاطة هذه الشبكات حول نفسه كدود القز الذي لا يزال يحكم القز حول نفسه حتى يصبح المصنوع هو الذي يقرر مصيره، وإنما كان موهوناً (على حسب تعبير القرآن الحكيم) لأنه مبني على الخيال لا على الواقع، ـ كالبيت المبني على الرمال ـ وإذا بقنبلة ذرية تهدم كل هذه الحضارة التي بنوها في عشرات السنين بمليارات من الأموال وأبحر من الجهود والطاقات.

ولم يكن العالم سابقاً هكذا، وإنما كان (الإنسان) هو السيد آنذاك، ولم تكن أية قوة تستطيع هدم الحضارة الإنسانية في الزمان السابق، أما في الوقت الحاضر فقد غدى الأمر بالعكس حيث تتمكن الأسلحة الفتاكة أن تهدم كل الحضارة وكل الروابط المادية المصنوعة في ساعات قلائل.

ولا علاج للإنسان ولا خروج له عن هذا المأزق إلا أن يرجع إلى نفسه، ويكون سيد الموقف، ويترك الضار، ويأخذ بالنافع، وينمّي الغرائز كلها بشكل معتدل.

الشبكة تحيط بالجميع

وليست الثروة والسياسة جعلتا من رجال المال والسياسة مكبلين فحسب، بل حتى الإنسان العادي الذي لا يرتبط بهما صار مكبلاً أيضاً بسبب نمط الحياة، حيث فُرض هذا النمط على كل العالم.

نعم، هناك فرق بين أحجام التكبيل زيادة ونقيصة فالمنتمون إلى الأحزاب مكبلون أكثر من غيرهم، ورجال الشركات والأسهم والثروات الكبيرة مكبلون أكثر من غيرهم أيضاً أما التكبيل العام فهو للجميع.

طريق الخلاص

وليس للعالم نجاة من هذه المآسي إلا بما يلي:

1 ـ إعادة الإنسان إلى الاعتقاد بالله واليوم الآخر، والخوف من ربه، ومراقبته، وتطبيق قوانينه على كافة أجزاء الحياة.

2 ـ وبذلك يرد المال إلى موضعه الذي يكون فيه خادماً لا مخدوماً، وكذلك يرد الجاه إلى موضعه فيكون مسؤولاً لا غروراً واستعلاءً.

3 ـ تلقائياً بعد الأمرين السابقين ترجع الصناعة إلى موضعها الصحيح حيث يجتنب الانسان الضار منها ويأخذ النافع، فإن الصناعة كالماء يضر وينفع وكالنار تضر وتنفع، فحيثما أخذت السياسات المنحرفة والثروة المنحرفة بأزمة الصناعة دفعت بها إلى حيث الدمار والوبال وخطر إبادة الحضارة، أما إذا أخذت الثروة الصحيحة والسياسة السليمة بزمام الصناعة صرفتها إلى الطريق السليم، كالنار حيث تكون بيد مجنون أو بيد عاقل، فالعاقل يستفيد منها في طبخه وأكله ودفئه وغير ذلك، أما المجنون فإنه يحرق نفسه وغيره بالنار.

فروق بين الثروة الحرة والثروة المكبلة

ثم إنه يمكن أن نفرّق بين الثروة الحرة العقلائية والثروة المكبلة ـ التي نشاهدها في العالم الحاضر، والتي انحرفت عن طريقها المستقيم ـ بالأمور التالية:

1 ـ المالك هو الذي يحدد الإطار:

في الثروة الحرة يعطي المالك الصورة للثروة فهو يخلق لها الإطار السليم بخلاف الثروة في العالم الحاضر حيث إن إطارها وصورتها ليست بيد المالك، وإنما بيد الشبكة الوسيعة التي يكون المالك جزءً صغيراً فيها، يرتفع بارتفاعها، وينخفض بانخفاضها، ويميل نحو اليمين والشمال حيث مالت الثروة بصورة عامة، فهو أصبح كالطائر في القفص الذي لا يتمكن أن يطير إلا في مكان محدود جداً، بينما الثروة الحرة يكون المالك كالطائر خارج القفص يتمكن أن يطير حيثما يشاء.

2 ـ المالك هو المسؤول عن الأرباح والخسائر:

إن المالك في نظام الثروة الحرة هو المسؤول عن الربح والضرر، أما الثروة في العالم المعاصر فلا مسؤولية للمالك، لا في الربح، ولا في الضرر، وإنما المسؤولية على المدراء الذين يجلبون المواد الخام أو الذين يصنعونها أو الذين يسوّقونها.

3 ـ القيمة بيد المالك:

في نظام الثروة الحرة تكون القيمة بيد المالك، بينما في نظام الثروة المكبلة لا تكون القيمة بيد المالك، وإنما بيد السوق، فإذا شاء المالك الحر أن يبيع غالياً أو رخيصاً لهذا أو لهذا فالاختيار بيده، أما المالك المكبّل فلا اختيار له في ذلك وإنما الاختيار للشبكة الكبيرة المكونة من ألوف المدراء والخبراء والأسواق، بل ومواقف الزعماء وتوجيهاتهم وحروبهم..

وعلى أي حال، ففي الثروة الحرة تكون القيمة بيد المالك، بينما في الثروة المكبلة ليست كذلك..

4 ـ الثبات النسبي للقيم:

في الثروة الحرة تكون القيمة شبه ثابتة، بينما في الثروة المكبلة تضطرب القيمة وتكون في ارتفاع وانخفاض.

5 ـ التسعير بيد المالك:

التسعير في الثروة الحرة بيد المالك، أما في الثروة المكبلة فبيد السوق والبورصة والشبكة الاقتصادية ومن المعلوم إن في العصر الحديث تتحكم الموازين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها بالأسواق.

6 ـ حرية الاستفادة المطلقة من الأرض:

في مثل الأرض يتحكّم السوق في تبديلها بالمال فقط أو تركها أرضاً كما هي هذا في نظام الثروة المكبّلة، أما في نظام الثروة الحرة فليس الأمر كذلك، وإنما صاحب الأرض يتمكن من الاستفادة من الأرض في أي شيء أراد فهو يستطيع أن يجعلها بناءً أو حديقة أو معملاً أو أن يهبها لإنسان أو يعطيها للفقراء والمساكين أو غير ذلك، أما في نظام الثروة المكبلة فالمالك لا يستطيع إلا على تبديلها إلى المال فحسب، يعني أن خياراته بين أمرين فقط، أما خيارات الثروة الحرة فبين أمور، وكم فرق بين أن يختار الإنسان أحد مكانين أو أن يكون حراً طليقاً يذهب حيث يشاء؟

7 ـ لا قلق على الأسواق:

في الثروة الحرة لا قلق على السوق من المالكين، بينما في الثروة المكبلة قلق دائم على السوق حيث التنافس الخاطئ الشديد بين أصحاب الأموال.

8 ـ القدرات بيد المالك:

في الثروة المكبلة تكون كل قدرات المالك إلا ما شذ بيد غيره فهو لا سلطة له على أمواله، كما أن السياسي لا قدرة له على السياسة فإن كل القدرات تنحصر في أيدي المدراء والبورصات والأسواق وغيرها، سواء في قدرة البيع أو الشراء أو التسويق أو نحوها، أما في الثروة الحرة فإن كل القدرات بيد المالك.

9 ـ المالك يتصرّف كما يريد:

القوانين قد حالت دون تصرّف المالك المكبّل كيف يشاء في ثروته، إذ اللازم عليه أن يتصرف حسب القوانين الموضوعة وما أكثر تلك القوانين وأعقدها؟ بينما يكون المالك الحر متمكناً من التصرف في أمواله دون التدخل من القوانين.

نعم في الشريعة الإسلامية قوانين قليلة جداً تحول دون تصرف المالك كيف يشاء، مثلاً: المالك في الشريعة الإسلامية لا يتمكن أن يتصرف في ماله بتبديله إلى الخمر والخنزير والمواد الضارة.

أما في هذا اليوم، فإن القوانين الكابتة التي تحول دون تصرّف المالك كيف يشاء كثيرة جداً.

10 ـ ثبات الضرائب وقلتها:

إن قوانين الضرائب المتأرجحة تجعل الثروة في اضطراب دائم، بينما في الثروة الحرة لا يكون الأمر كذلك، فإن الضرائب في الإسلام أربعة فقط وهي ليست مجتمعة في مكان واحــد، فبعض الأموال عليها (الخمس) وبعضها الآخر عليها (الزكاة) وبعض الــناس عليهم (الجزية) وبعض الأراضي عليها (الخراج)..

هذه فحسب هي قوانين الضرائب الثابتة التي كان الملاكون الأحرار يعرفونها في نظام الإسلام اليوم، وفي ظل نظام الثروة المكبلة فقد تأرجحت قوانين الضرائب وحسب أهواء الساسة والاقتصاديين، ومن يتحكمون بمصائر الأمم المستضعفة، ولذا نشاهد: إن الضرائب تزداد وتنقص حسب الشهوات والأهواء، وأنه إذا جاء رئيس جديد إلى الحكم يضع الأثرياء أياديهم على قلوبهم خوفاً من برنامجه الاقتصادي، وأنه ماذا يريد أن يصنع؟.

11 ـ الثروة والأخلاق:

أصبحت الثروة غير أخلاقية لأنها تقترن بالكذب والخداع و.. وتختلط بدموع الفقراء ودماء المحرومين، وكثيراً ما يكون السلاح في خدمة الثروة حيث إن المنافس يقتل منافسه ليخلو له الجو، وأحياناً تكون الثروة بأيدي الساسة بمعنى أن السياسيين يحدثون انقلاباً في بلد مستضعف فقير حتى يمتصوا دماء الناس، كما هو المشاهد في عالم اليوم، بينما لم يكن هذا الشيء بالنسبة في ظل نظام الثروة الحرة.

12 ـ وأخيراً..:

وأخيراً لو فرض أنه صار للثروة المحللة والثروة المحرمة لونان لرأى العالم آثار الدموع والدماء، ولرأت الشركات وأصحاب الأسهم ورؤوس الأموال الكبيرة على موائدهم آثار الدم والدمع، وإذا تحولت ثروتهم إلى أصولها ومنابعها لوجدوا أنها لم تصلهم إلا بعد سقوط الأيادي المقطوعة والأرجل المبتورة والعيون المفقأة والآذان المصلومة والأنوف المجدوعة والأحشاء المتناثرة والعظام المتكسرة، كما رأوا كل تلك الويلات مجسمة أمام أعينهم عوض جدران بيوتهم وستائرها والكراسي التي يجلسون عليها والطاولات التي يكتبون عليها، بل والأقلام والأوراق التي بأيديهم، والورود النابتة في حدائقهم، ولرأوا النيران المشتعلة في بطونهم وفي سائر أعضائهم وفي جوانب بيوتهم، وقد قال سبحانه وتعالى: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (التوبة: 49).

وقال تعالى: (إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) (النساء: 10).

وقال سبحانه بالنسبة إلى أكل الربا: (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ) (البقرة: 275).

فإذا انفتحت بصائر الأثرياء الذين انحرفت ثروتهم ـ بسبب الربا ونحوه ـ لرأوا أنفسهم في حالة مجنون لا يتمكن أن يقوم، وإنما إذا أراد القيام سقط على وجهه.

(لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) (البقرة: 275).

فإن هذه الثروات في الحقيقة جمعت من هذه الأمور، والصورة فقط هي التي تبدلت، وأما الصورة الواقعية فهي تلك الأمور التي ذكرناها، وكما في الشجرة مثلاً فهي تتكون من التراب وتتحول بعد مدة إلى التراب، إذ الشجرة هي التراب، وإنما تغيرت صورتها إلى صورة الشجرة وإذا مضى زمان فإنها تتحول إلى التراب كالسابق وهكذا الثروات تتحول إلى واقعياتها بعد قليل من الزمن (كما هو المعتقد في باب تجسم الأعمال).

الطريقة السليمة للإنتاج والاستهلاك

ثم إن من مظاهر انفصام الإنسان عن نفسه وأنه أصبح غريباً عن الكون والمجتمع، طريقته في الإنتاج والاستهلاك، فالإنتاج الصحيح هو ما كان عن طريق:

1 ـ المالك الخصوصي.

2 ـ الأكثرية.

أما إذا كان عن طرق الأقلية أو المدراء أو القانون فهو إنتاج غير مستقيم لعدم سيطرة المالك على الإنتاج.

وأكثر الإنتاج في العالم المادي ـ الغربي أو الشرقي ـ إنما يكون عن الطرق الثلاثة الأخيرة، فصاحب المال ليس مسلطاً على عمله، وهذا الأمر حصل على طريق (الإكراه الأجوائي) وإن زعم صاحب المال أنه يتصرف بملء رضاه.

أما من ناحية التصرف فلا يكون صحيحاً إلا بما يلي:

1 ـ أن يكون المال في مقابل العمل، سواء العمل الفكري أو الجسدي من الإنسان نفسه أو من مورثه ـ فيما إذا كان الإرث صحيحاً ـ.

2 ـ وأن يكون التصريف لأجل الحاجة الواقعية لا الحاجة الخيالية التي هي نوع من الإسراف والتبذير والانحراف، والحاجة الخيالية إما صرف للمال بدون عنوان، وإما تزييف وإسراف في صرف الوقت، وإما حرق لحياة الإنسان وطاقاته فداءً لرأس المال، وإما تبديل للحب الواقعي إلى الحب المزيف.

نماذج خاطئة

وهنالك أمثلة كثيرة لذلك:

1 ـ شهادات فخرية:

كما يشتري الثري الدكتوراه الفخرية.

2 ـ كتب المباهاة:

كما يشتري مكتبة كاملة لأجل المباهاة وإن لم يكن محتاجاً إليها.

وبذلك انحرفت شهادة (الدكتوراه) عن واقعها، كما انحرفت المكتبة عن واقعها الذي هو الاستفادة، ومن المعلوم أن الانحراف في الدكتوراه يعني إعطاء الإنسان شيئاً ليس مستحقاً له، والانحراف في شراء المكتبة يعني تجميد الكتاب عن فائدته، ولذا ورد في الأحاديث: (إنه لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن حبنا أهل البيت؟)(1).

3 ـ أدوات.. لإرضاء الغرور:

كما يشتري الدار الواسعة لأجل العنوان والمباهاة، لا لأجل الاحتياج، فالصرف للدار صرف تخيلي لا واقعي، وكذلك في اشتراء السيارة والأثاث والبستان وغير ذلك مما ليس لأجل الصرف حسب الحاجة، بل لإرضاء حس الغرور والاستعلاء والمباهاة.

4 ـ حاجات كاذبة:

مثل إن رأس المال يوجد في الإنسان احتياجاً إلى أشياء ليست أولاً وبالذات حاجات له، فالتصريف الصحيح هو الذي يكون وسيلة للراحة، لا هدفاً لأجل إشباع الغرور، فإن ذلك يوجب أن يُرهق الإنسان ليل نهار لأجل شيء خيالي ومكذوب وهو ملء غروره وتمكينه من المباهاة.

5 ـ الانفصام بين الشعار والواقع:

هو نوع آخر من الغرور تمليه الأهواء على الإنسان، فيصرف الحاجة بدون جعل عنوان لها، مثل إن الثري يزوج ابنته بمهر خمسين فلساً مثلاً ثم يشتري لها عشرة آلاف دينار من الأثاث العصري لأجل زواجها، فإنه يريد بجعل المهر خمسين فلساً إظهار نفسه بأنه فوق المال، بينما هو من أكثر الناس عبادةً للمال، فإن الحقائق تظهر بالأعمال لا بالأقوال.

6 ـ رأس المال يحدد ساعات العمل والفراغ:

كما يعين رأس المال أوقات العمل والفراغ، مثل أن يعين كيفية صرف الوقت في الفراغ، مثلاً: يجعل وقت عمل العامل نصف الليل في تقسيم وجبات العمل (الشفتات) بين طائفتين أو ثلاث من العمال، أو يجعل لوقت فراغه أفلاماً حربية أو خليعة أو لعب كرة القدم أو ما أشبه، بدون ملاحظة أن الأهم أن يصرف العامل وقته في ماذا؟ وإنما يلاحظ رأس المال ما هو الأكثر درّاً للربح وإن كان بضرر المتفرج فكيف بنفعه؟

7 ـ حروب تفرض على الشعوب:

كالحروب التي يفرضها الرأسماليون الغربيون والشرقيون على الشعوب، بينما يلزم أن تكون الحرب إما بآراء الكل، أو الأكثرية، ومن المعلوم كيف تهدر الحرب كل طاقات الإنسان في الدمار والفناء والهلاك!

8 ـ علاقات تجارية:

العلاقات الإنسانية وبالذات مبنية على حب الإنسان للإنسان، لأن كل إنسان يجد نفسه في داخل الآخرين ورأيهم فيه كما الآخرين في داخل نفسه ورأيه فيهم، فإن الإنسانية شيء واحد موزع على الأفراد، ولذا ورد في الأحاديث: (فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك)(2).

وورد قبل ذلك في الآية الكريمة: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) (المائدة: 32).

وقد أشرنا إلى ذلك في حديث سابق، أما في العالم الرأسمالي فالإنسان لا يحب أخاه الإنسان، وإنما يحب ما يتمكن أن يستفيد منه، ولذا صارت العلاقات رياءً وخواءً، حتى أن مسألة الأخلاّء والخليلات أصبحت علاقات ريائية مكذوبة، فكل واحد منهما يريد الآخر للذة ولإشباع رغباته الجنسية فحسب، وليس هناك أيّ حب بينهما، وإن أظهرا الحب العميق في أقوالهما، ومن المعلوم أن الحب أساس الاجتماع لا اللذة العابرة والشهوة المشتعلة، ولذا نرى في العالمين الغربي والشرقي انهدام العوائل بشكل هائل، وقد ورد في الحديث الشريف: (هل الدين إلا الحب)(3).

إشارة إلى ما بنيت عليه فطرة الإنسان المكونة للحياة السعيدة، فالحب عبارة عن حب الله، وعن حب رسوله، وعن حب الأئمة عليهم الصلاة والسلام، وعن حب العلماء والصالحين..

والحياة إنما هي لأجل الله سبحانه وتعالى والآخرة لا للذاتها، لأن حب الحياة للذاتها يوجب الفساد، كما نشاهد ذلك في العالمين الشرقي والغربي وكذلك حب العائلة وحب الإنسانية وحب الحيوان..و..، من أقسام الحب والتي هي الجذوة الأولى في الإنسان وهي التي تسبب استقامة الحياة.

9 ـ العمل فوق القدرة:

كصرف الإنسان وقته أكثر من طاقته، حيث إنه انحراف عن النهج المستقيم المودع في فطرة الإنسان التي هي ذات حد: إن زاد عليه كان إفراطاً وإن نقص كان تفريطاً، وذلك كأن يصرف الإنسان اثنتي عشرة ساعة في العمل لأنه يريد أجرة متزايدة أو ست عشرة ساعة مثلاً فإنه انحراف عن الحد المقرر للإنسان.

10 ـ طاقات معطلة:

مثل الاستغناء عن الشيء الذي فيه بعض الطاقة بعد، بإلقائه في النفايات كما نشاهد في كثير من البلاد المترفة أمثال فرنسا وأمريكا، فإن الناس لإرضاء غرورهم والمزيد من التجمل وصرف المال يلقون بالأشياء من فرش وكراسي وملابس و..،.. في الشارع استغناءً عنها، بينما هي طاقات قابلة للاستعمال.

11 ـ الاعتناء بجانب وإهمال جوانب أخرى:

الارتفاع في جانب من الحياة على حساب الانخفاض في جانب آخر، كالإسراف بإطعام وسقي الكلاب والهررة الحليب واللحم وغيرها من المأكولات، وإلباسها وجعل المسكن لها، والوصية ببعض الأموال لأجلها، وتسهيل راحتها وفتح الدكاكين لأجل إصلاحها، و..،.. على حساب ملايين الجائعين الذين لا يجدون لقمة خبز، أولا يجدون ملبساً ولا مسكناً.

12 ـ الانحراف في تنظيم الاقتصاد:

الانحراف الموجود في تنظيم الاقتصاد بحيث يحرم كثير من الناس وتسرف كثير من المواد الاستهلاكية، فبينما نجد إن مئات من الناس يعيشون في حالة جوع وعري وفقر وسوء تغذية لعدم وجود الدواء والكساء اللازم لهم والعناية الصحية بهم، نرى أن كثيراً من البلاد المترفة تلقي بأطنان من الحليب والقمح والرز والفواكه في البحر بحجة تنظيم الاقتصاد، وليس ذلك إلا انحرافاً في المنهج العام في الاقتصاد.

13 ـ عدم توزيع العمال:

تثقيل كاهل فرد على حساب التخفيف عن فرد آخر، بتنظيم الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بحيث إن جماعة تمثلها الدولة تقبض على أزمة كل شيء بينما تخفف كاهل الشعب من الاشتراك في الأعمال، فالتجارة والزراعة والمواصلات.. كلها ترتبط بالدولة، وهي كقطرات قليلة في بحر الناس الكثيرين، بينما الناس يمنعون عن مزاولة الأعمال في المنهج المسمى (بالاشتراكي) والموجود غالباً في العالم الثالث تبعاً للشيوعية القائمة في شرق العالم، فإن ذلك إنحراف عن المنهج القويم، إذ المنهج القويم يقسّم الأعمال والأرباح، فإذا اختص جماعة بالأعمال وجماعة بالأرباح كان هذا انحرافاً عن المنهج السليم.

14 ـ القرارات بيد النواب:

إنّ جعل القرارات بيد وكلاء الأمة في العالم الديمقراطي انحراف كامل عن منهج الواقع لأنه كثيراً ما يختلف أكثرية الشعب عن أكثرية الوكلاء الذين يتخذون القرارات، بل اللازم أن يكون الوكلاء ذوي رأي خاص فيما ليس للشعب نظر خاص، أما إذا كان للشعب رأيه فاللازم أن يؤخذ بآراء أكثر الشعب مثلاً: قرارات الحروب أو الاقتصاد أو ما أشبه كثيراً ما يبتّ فيها الوكلاء بأكثرية آرائهم، بينما إذا عرضت على الشعب نرى أن أكثرية الشعب يخالفون أمثال هذه القرارات، وهذا سلب للإنسان عن قدرته بسبب أجواء مكذوبة فرضت عليه، وكيف يمكن أن يعمل الوكيل كل شيء بدون رضى الأصيل؟

أما في الإسلام فإن معنى إعطاء المشورة ـ الواردة في القرآن والسنّة ـ لولي الأمر إنه مع كونه ولي الأمر لا يحق له الخروج عن رأي الأكثرية ـ بالنسبة إلى غير الرسول (صلّى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام) ـ حيث إنه إذا كان يحق له أن يستبد برأيه بعد المشورة لم تكن للمشورة ثمرة إلا ثمرة تلطيف الجو أو تلقي المشورة في ذهن الحاكم شيئاً لم يكن بباله فيأخذ به، بينما ظاهر المشورة أنها تعني الأخذ بأكثرية الآراء لا أنها لمجرد تلطيف الأجواء أو إلقاء رأي جديد في ذهن الحاكم لم يكن في ذهنه قبل المشورة.

15 ـ التناقض بين الرابطة الاجتماعية والرابطة الفردية:

اختلاف (الرابطة الاجتماعية) و(الرابطة الفردية) مع أنهما نابعان عن حسّ واحد هو (إنسانية الإنسان) وبذلك انفصم الإنسان عن نفسه، وصار غريباً عن ذاته، يحكم هنا بشيء ويحكم هناك بشيء آخر، بينما الحكمان يجب أن يصدرا عن مصدر واحد هو (الفطرة).

فالحب بين الأفراد منهدم والاجتماع هو الذي يحترم، ولذا نشاهد أن كل واحد منا يعطي الضرائب للدولة ـ حيث إنه يحترم الدولة ويحترم القوانين الموضوعة ـ بل وفوق ذلك فإنه يعطي دمه في ظروف الحرب لوطنه وهل هذه الأمور إلا لاحترامه للإجتماع ـ ولكنه هل يساعد الأرملة والفقير والمحتاج؟ كلا بل نشاهد أنه منقطع عن قريبه وجاره ولا يتعامل بالحب مع مشتريه وتلميذه ومعلمه و....

وكيف يمكن أن يجمع بين إعطاء الدم وبذل المال وصرف الوقت والطاقة بالنسبة إلى الاجتماع العام، وعدم إعطاء حتى الشيء القليل لأية مشكلة فردية؟

رأي القرآن الكريم

وقد ألمع إلى ذلك القرآن الحكيم في وصف اليهود الذين كانوا ماديين في وقت نزول القرآن قبل أن يفرضوا سيطرتهم الرأسمالية على العالم بقوله سبحانه: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) (البقرة: 83 ـ 86).

نشاهد في هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى أخذ ميثاق بني إسرائيل ـ على لسان أنبيائهم وفي الكتب المنزلة عليهم ـ بعبادة الله وبالإحسان إلى الوالدين والأقرباء واليتامى والمساكين، وأن يقولوا لجميع الناس حسناً، وان يخلصوا العبادة لله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أنه أخذ ميثاقهم أن لا يسفكوا الدماء ولا يخرجوا بعضهم من الديار، ولكن بني إسرائيل خالفوا أوامر الله سبحانه وتعالى، فبعضهم يقتل بعضاً، وفريق منهم يخرج فريقاً من الديار، ويتظاهر البعض على البعض الآخر بالإثم والعدوان، لكنهم إذا وجدوا بعضهم أسارى عند أناس آخرين فدوهم بأموالهم! فكيف يمكن الجمع بين الأمرين، فإذا كان حب بالنسبة إلى الأفراد كان معناه أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً، ولا يظاهر، بعضهم ضد بعض، ويفادي بعضهم بماله البعض الآخر الأسير في أيدي الآخرين، وإن لم يكن حب فلماذا المفاداة؟ أفليس هذا دليلاً على انفصام في الشخصية وغربة النفس عن النفس، حيث تحكم النفس في مكان حسب الإنسانية، وتحكم في مكان آخر حسب القساوة وانقطاع الحب والوحشية؟

وهذه الحالة التي كانت في بني إسرائيل إبان نزول الآيات عمّت الآن العالمين الشرقي والغربي، لكن لا بالنسبة إلى النطاق المذكور في الآيات المذكورة فحسب بل بالنسبة إلى كل شيء كما ألمعنا إلى جملة من ذلك في هذه البنود الخمسة عشر.

والمثال المعروف: (الدين لله والوطن للجميع) إن صح أصله يلزم أن يراد به أن المقنن لجميع القوانين هو الله تعالى، لأن الدين هو مجموع القوانين، وإن الجميع لهم الحق أن يعيشوا بسلام وحب في الوطن الكبير الذي هو كل الأرض، سواء كانوا مسلمين أو كفاراً، كما نجده في القوانين الإسلامية، ولذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل (المدينة) ووجد فيها المهاجرين والأنصار والمشركين واليهود جعل عهداً بين الجميع بالدفاع عن البلد مجتمعين وعدم اعتداء بعضهم على بعض.

أما المعنى الذي قد يراد من تلك الكلمة المشهورة من أن المراد بالدين هو ما بين الإنسان وبين الله كما التزم المسيحيون وإن المراد بالوطن هو الوطن القومي والجغرافي.. فهذا معنى انفصامي أيضاً أي أنه انفصام الدين بعضه عن بعض، والوطن بعضه عن بعض، ومعنى انفصام الدين والوطن هو انفصام الإنسان، لأن الإنسان المنفصم ينفصم في الدين وفي الوطن أيضاً.

وعلى كل حال لو كان المهم الإنسان لشخصه الخاص فلماذا إعطاء الضريبة من المال والوقت والدم للدولة وللمجتمع؟ وإن كان المهم الإنسان بما أنه إنسان لا بما أنه شخص، فلماذا عدم العطف على البائس والفقير والمحتاج؟

الانحراف في الإنتاج والاستهلاك

والحاصل: إننا نشاهد في عالم اليوم أن كثيراً من الإنتاج والاستهلاك ـ سواء للإنسان أو لأوقاته أو لحاجاته ـ من قبيل الباطل، مما معناه انحرافه عن الطريق المستقيم فليس الإنسان سيد الموقف، وإنما الأجواء والأهواء.

وحيث تبين لزوم أن يكون العمل في قبال العمل ظهر بطلان كون النقد في قبال العمل، أو النقد في قبال النقد، لأن النقد حوالة فقط، وربما كان النقد قد حصل من أتعاب الآخرين كما في الرأسمالية على قسميها الشرقي والغربي حيث يحصل النقد بسبب الإكراه الفردي أو الإكراه الأجوائي، ولذا نشاهد ما وقع في العالم ـ اليوم ـ من المفاسد والشرور، ولا علاج إلا بأن ترجع الأمور إلى نصابها الصحيح من الإنتاج والاستهلاك والصرف الصحيح سواء للإنسان عملاً، أو للإنسان فراغاً، أو لحاجياته التي يصرفها لأجل استمراره في الحياة. وإلا فالانحراف لا يولّد إلا الانحراف.

وهناك أمثلة أخرى للإنتاج الصحيح والفاسد، وللإستهلاك الصحيح والفاسد.

ومن المعلوم أن الإنتاج الصحيح واحد وإنما الإنتاج الفاسد له شُعب كما أن من المعلوم أن الاستهلاك الصحيح واحد والاستهلاك الفاسد له شُعب. وإنما ألمعنا إلى أمرين في كل منهما إلماعاً لا على طريق الحصر والتعداد.

النتائج الخطيرة

وعلى أي حال فإن ما ذكرناه هنا من الانحراف إن دل على شيء فإنما يدل على أن الإنسان يعيش في حالة غربة عن الكون وعن المجتمع وعن نفسه، وصدق قوله سبحانه وتعالى: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).

فإن الإنسان الذي ينسى الله تعالى ينسى نفسه أولاً، ثم جسده ثانياً، ثم مجتمعه ثالثاً، ثم العالم الطبيعي الذي يعيش فيه رابعاً، بينما إن لم ينس الإنسان الله سبحانه أخذ بقوانينه فلا ينسى نفسه، ولا جسده، ولا مجتمعه، ولا عالمه الطبيعي الذي يعيش فيه.

فإن هناك أربعة أمور:

الأول: الفطرة..

الثاني: الحاجة..

الثالث: الطبيعة..

الرابع: العالم المصنوع..

فالفطرة في داخل الإنسان.

والحاجة إنما تكون للجسد والنفس أيضاً.

والطبيعة هي العالم الذي صنعه الله سبحانه وتعالى، والذي يعيش فيه الإنسان سواء كان (عالماً طبيعياً) أو (عالماً اجتماعياً) أي سائر الناس الذين يكون الإنسان معهم من مجتمع واحد يتبادلون الحاجات والعواطف والمتطلبات، والعالم المصنوع هو الذي يصنعه الإنسان من الطبيعة لأجل أن يلائم حاجاته ومتطلباته.

مثلاً: الإنسان بحاجة إلى الأكل واللباس والمسكن والزوجة، فهو يزرع ويحصد ويخبز ليلائم أكله لا كالحيوان يأكل العشب ويلتقط الحب وكذلك يربي الأغنام ليتخذ من صوفها ملابس بعد الغزل والنسج لا كالطيور والبهائم حيث تكتفي بما خلق عليها من الريش والوبر والشعر، وهكذا يصنع الآجر والجص والأبواب الخشبية والحديدية من تراب الأرض ومن الأشجار التي زرعها أو نبتت في الغابات أو المعادن ليسكن فيها بصورة الدار، أو يعملها بصورة حمام ليتنظف فيها، أو بصورة دكان ليجلس فيه ويبيع بضائعه، وليس كالحيوان الذي يعيش على الطبيعة في مسكنه أو بتطوير بسيط لها.

فلو استفاد الإنسان من العالم الطبيعي بشكل مستقيم، وصنعه معتدلاً، وأخذ منه حاجاته الحقيقية بغير إفراط ولا تفريط وتبديل واختلاف في الكم أو في الكيف كان قد صرف الفطرة لأجل الحاجة، وأخذ من الطبيعة بقدر الواقع، وصنع للعالم المصنوع المحتاج إليه المتوسط بين الإنسان وعالم الطبيعة طبقاً لحاجاته، وإلا كان انفصاماً في الفطرة، وتحريفاً لعالم الطبيعة، كما أنه تحريف للصنع والاستهلاك أيضاً..

مثلاً: لو أخذ ملابس كثيرة، أو أقل من المحتاج إليه، حتى أصبح عاراً عليه أمام أنظار الناس أو لم يُخط الثوب أو خاط الثوب خياطة بدقة متزايدة، أو خاطه بدون إتقان، أو لبس الثوب المهلهل، أو الثوب الضيق ـ بأن صنع الثوب على أحد النحوين ـ وكذلك إذا غالى في قيمة الثوب ـ بأن صنعه مطرزاً بالذهب واللآلئ ـ أو سفَّ في القيمة ـ بأن يكون من جلد الحمير!! ـ كان ذلك كله خلاف الفطرة وصرفاً غير صحيح لأنه أما قلة أخذ من الطبيعة، أو كثرة أخذ منها، أو تشديد زائد في الصنعة، أو إسفاف فيها، أو الأخذ من العالم المصنوع بقدر أزيد من حاجاته، أو بقدر أقل منها، فكل ذلك زيادة ونقيصة وتبديل وتحريف.

وكذلك الحال مع الزوجة والمعاشرة مع المجتمع فإن كان هناك إسفاف ومغالاة فكلاهما انحراف، وكل ذلك معناه الانفصام في الإنسان عن الواقع وأنه يصبح الإنسان غريباً عن نفسه وغريباً عن الطبيعة، وغريباً عن مجتمعه.. كما ابتلي بكل ذلك عالم اليوم، ففي جانب منه ارتفاع مغالياً فيه، وفي جانب آخر انخفاض مغالى فيه، وبين ذلك تبديل وتحريف.

البحث عن الجذور

وغير خفي إن ما يشاهد في عالم اليوم من المظاهر السيئة في الانحراف والانفصام إنما هي وليدة جذور منحرفة، فلا يمكن التخلص من هذه المظاهر السيئة إلا بتقويم الجذور وتعديلها، فإن كل ظاهرة لابد لها من خلفية، والظاهرة لها آثار حسنة إن حسنت الخلفية، أو سيئة إن ساءت الخلفية، ولنمثل لذلك بمثال ملموس في جانب من جوانب الحياة وجدناه في العراق قبل الحرب العالمية الثانية، ورأينا خلافه بعد الحرب، وعلى ذلك تقاس سائر الأمثلة، علماً بأن الاختلاف بين ظاهرتين حسنة وسيئة ليس من جهة وجود الحرب وكون الحرب فاصلاً بين السابق واللاحق، وإنما في كل مكان من العالم كانت الظاهرتان سابقة، ولاحقة أما السابقة فهي حسنة على الأغلب للجذور الحسنة وأما اللاحقة فهي سيئة على الأغلب لتبدل الجذور من الحسنة إلى السيئة، وبعد ذلك أعطت الظاهرتان آثاراً حسنة وسيئة، كل منها بحسبها.

ونتكلم حول ذلك في أربعة أمور:

الظاهرة الحسنة المبنية على الخلفية الحسنة.

والظاهرة السيئة المبنية على الجذور السيئة.

 

1 ـ بحار الأنوار: ج35، ص300، دار المعارف ـ بيروت.

2 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج3، ص45، دار المعرفة.

3 ـ بحار الأنوار: ج62، ص237، دار المعارف ـ بيروت.