الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

دور الإيمان في العصر الراهن

وفي الزمن الحاضر نرى أن جمهرة كبيرة من المسلمين ـ يعّدون بمئات الملايين ـ ينطلقون من منطلق الإيمان بالله سبحانه وتعالى ورجاء ثوابه وخشية عقابه ولولا ذلك لتمكنوا أن يرتكبوا الأعمال اللامشروعة في الأموال والأعراض والدماء وما أشبه.

وقد ترى إنساناً يتنازع مع آخر حول دينار ويرجعان إلى المحكمة لأجل إحقاق الحق، بينما نفس هذا الإنسان الذي ينازع غيره حول الدينار يأتي إلى المرجع الديني فيعطي ألف دينار وأكثر وأكثر حقوقاً شرعية بدون أي قسرٍ أو جبر.

يعملون الخيرات سراً

وهكذا نرى في كثير ممن يعملون الخير سواء بإعطاء الحقوق كالزكاة والمظالم وما أشبه أو مساعدة الفقراء أو بناء المساجد والمكتبات والمدارس ودور العجزة والمستشفيات والمستوصفات أو غيرها ولا يحبون أن يذكر لهم اسم بل يخفون ذلك اتباعاً لما ورد في أحاديث كثيرة من استحباب إخفاء الصدقة:

ففي الجعفريات، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (صنيع المعروف يدفع ميتة السوء، والصدقة في السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر)(1).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (صدقة السر تطفئ غضب الرب، فإذا تصدق أحدكم بيمينه فليخفها عن شماله)(2).

وعن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه قال: (لما أخذت في غسل أبي علي بن الحسين (عليه السلام) أحضرت معي من رآه من أهل بيته فنظروا إلى مواضع السجود منه في ركبتيه وظاهر قدميه وبطن كفيه وجبهته قد غلظت من أثر السجود حتى صارت كمبارك البعير وكان صلوات الله عليه يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، ثم نظروا إلى حبل عاتقه وعليه أثر قد اخشوشن فقالوا لأبي جعفر (عليه السلام): أما هذه فقد علمنا أنها من أثر السجود، فما هذا الذي على عاتقه؟

قال (عليه السلام): والله ما علم به أحد غيري وما علمته من حيث علم إني علمته، ولو أنه قد مات ما ذكرته، كان إذا مضى من الليل صدره قام وقد هدأ كل من في منزله فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين خفيفتين ثم نظر إلى كل ما فضل في البيت عن قوت أهله فجعله في جراب ثم رمى به إلى عاتقه وخرج محتسباً يتسلل لا يعلم به أحد، فيأتي دوراً فيها أهل مسكنة وفقر فيفرّق ذلك عليهم وهم لا يعرفونه إلا أنهم قد عرفوا ذلك عنه فكانوا ينتظرونه، فإذا أقبل قالوا: هذا صاحب الجراب وفتحوا أبوابهم له ففرق عليهم ما في الجراب وانصرف فارغاً، يبتغي بذلك فضل صدقة السر وفضل صدقة الليل وفضل إعطاء الصدقة بيده، ثم يرجع فيقوم في محرابه فيصلي باقي ليله فهذا الذي ترون على عاتقه أثر ذلك الجراب)(3).

أقول: ورد مثل ذلك عن الحسن (عليه السلام) لما غسَّل أباه علياً (عليه السلام) كما ورد مثل ذلك عن الحسين (عليه السلام) بعد أن استشهد.

وفي رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (صدقة السر تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار وتدفع سبعين باباً من البلاء)(4).

وقال (صلّى الله عليه وآله): (في القيامة سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ـ وعد منهم ـ من يتصدق بيمينه ويخفيها عن شماله)(5).

وعنه (صلّى الله عليه وآله)، أنه قال: (صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً)(6).

وفي رواية عنه (صلّى الله عليه وآله)، أنه قال لرجل تمنى الموت: (الموت شيء لا بد منه، وسفر طويل ينبغي لمن أراده أن يرفع عشر هدايا (إلى أن قال (صلّى الله عليه وآله) في جملة تلك الأمور): البكاء من خشية الله، وصدقة السر، وترك المعاصي، وبر الوالدين)(7).

الإيمان يزداد رسوخاً بالدعاء

ثم إن الإيمان يزداد رسوخاً وقوة بأمرين: وهما الدعاء والبكاء من خشية الله سبحانه وتعالى ومن هنا ورد التأكيد الشديد في النصوص الدينية عليهما.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أفضل عبادة أمتي بعد قراءة القرآن الدعاء، ثم قرأ (صلّى الله عليه وآله): (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر: 60).

ألا ترى أن الدعاء هو العبادة)(8).

وقال (صلّى الله عليه وآله): (لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لم يهلك مع الدعاء، وليسأل أحدكم ربه حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع، واسألوا الله من فضله فإنه يحب أن يسئل)(9).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن الرزق ينزل من السماء إلى الأرض على عدد كل قطر إلى نفس لما قدر لها ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله)

وقال (صلّى الله عليه وآله): (الدعاء سلاح المؤمن وعمود الدين وزين ما بين السماء والأرض)(10).

وفي حديث عن الصادق (عليه السلام): (إن الدعاء أنفذ من سلاح الحديد)(11).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: (إن الدعاء.. يرد القضاء المبرم بعدما أبرم إبراماً فأكثر من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء، فإنه ليس من باب يكثر قرعه إلا أوشك أن يفتح لصاحبه)(12).

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (إلا أدلكم على سلاح ينجيكم من عدوكم ويدرّ أرزاقكم؟

قالوا: بلى.

قال: تدعون ربكم بالليل والنهار، فإن الدعاء سلاح المؤمنين).

وفي نهج البلاغة، عن علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام): (واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء، فتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن سألت من التوبة ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث الفضيحة، ولم يشدد إليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك بالرحمة، بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة، وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشراً، وفتح لك باب المتاب وباب الاستعتاب فإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم نجواك، فافضيت إليه بحاجتك، وأثبته ذات نفسك وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الأرزاق، ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك من مساءلته فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته واستمطرت شآبيب رحمته… إلى أن قال (عليه السلام): فليكن مسائلتك فيما يبقى لك جماله، وينفى عنك وباله، والمال لا يبقى لك، ولا تبقى له)(13).

وفي رواية عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن الله عز وجل: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاسألوني الهداية أهدكم، وكلكم فقير إلا من أغنيته فاسألوني الغنى أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيته فاسألوني المغفرة أغفر لكم، ومن علم إني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني بقدرتي غفرت له ولا أبالي.

(إلى أن قال سبحانه): ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فيتمنى كل واحد ما بلغت أمنيته فأعطيته لم يتبين ذلك في ملكي، كما لو أن أحدكم مر على شفير البحر فغمس فيها إبرة ثم انتزعها فإني جواد ماجد وأجد عطائي فإذا أردت شيئاً فإنما أقول: كن فيكون)(14).

الإيمان يزداد رسوخاً بالبكاء

وأما البكاء فقد ورد في القرآن الكريم آيات حوله:

قال سبحانه: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) (الإسراء: 107 ـ 109).

وقال تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيّاً) (مريم: 58).

وقال سبحانه: (أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون، وأنتم سامدون) (النجم: 59 ـ 61).

وهنالك أحاديث كثيرة وردت بهذا الشأن:

فعن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عن الحسين بن علي، عن علي (عليه السلام) في خبر في حالات النبي (صلّى الله عليه وآله): (كان يبكي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يبتل مصلاه، خشية من الله عز وجل)(15).

وروى السيد ابن طاووس في (فلاح السائل) عن (حبة العرني) قال: بينما أنا ونوف نائمان في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنين (عليه السلام) في بقية من الليل واضعاً يده على الحائط شبه الواله وهو يقول: (إن في خلق السماوات والأرض) (البقرة: 164)

(إلى آخر الآية)، ثم جعل يقرأ هذه الآيات ويمر شبه الطائر فقال: أراقد يا حبة أم رامق؟

قلت: رامق.

ثم قلت: هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن؟

فأرخى عينيه فبكى ثم قال لي: يا حبة إن لله موقفاً ولنا بين يديه موقف لا يخفى عليه شيء من أعمالنا، يا حبة إن الله أقرب إليك وإليّ من حبل الوريد، يا حبة، إنه لن يحجبني ولا إياك عن الله شيء.

ثم قال: أراقد يا نوف؟

قلت: لا يا أمير المؤمنين ما أنا براقد، ولقد أطلت بكائي هذه الليلة.

فقال: يا نوف إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من الله عز وجل قرّت غداً عيناك بين يدي الله عز وجل.

يا نوف، إنه ليس من قطرة من عين رجل من خشية الله إلا أطفأت بحاراً من النيران، يا نوف أنه ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله وأحب في الله وأبغض في الله، يا نوف من أحب في الله لم يستأثر على محبته ومن أبغض لم ينل مبغضيه خيراً عند ذلك استكملتم حقائق الإيمان ثم وعظهما وذكرهما (وقال في آخر الحديث)، فكونوا من الله على حذر فقد أنذرتكما، ثم جعل يمر وهو يقول: ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عني أم ناظر إلي وليت شعري في طول منامي وقلة شكري في نعمك على ما حالي؟(16)

قال: فوالله ما زال في هذا الحال حتى طلع الفجر.

وفي رواية عن نوف قال: (لقد رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض بيده على لحيته يتململ كتململ السليم ويبكي بكاء الحزين).

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أنه قال: (ما من عمل إلا وله وزن وثواب إلا الدمعة فإنها تطفئ غضب الرب، ولو أن عبداً بكى من خشية الله في أمة لرحم الله تلك الأمة ببكائه)(17).

الإيمان في النصوص الدينية

هذه هي ملامح الإيمان

عن عمرو بن ثابت، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (يا علي أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها ثم قال: اللهم أعنه.

أما الأولى فالصدق لا يخرجن من فيك كذبة أبداً.

والثانية الورع لا تجترين على خيانة أبداً.

والثالثة الخوف من الله كأنك تراه.

والرابعة كثرة البكاء من خشية الله عز وجل يبني لك بكل دمعة بيت في الجنة.

والخامسة بذل دمك ومالك دون دينك.

والسادسة الأخذ بسنتي في صلاتي وصيامي وصدقي، أما الصلاة فالخمسون ركعة، وأما الصوم فثلاثة أيام في كل شهر خميس في أوله، وأربعاء في وسطه، وخميس في آخره، وأما الصدقة فجهدك حتى يقال: أسرفت ولم تسرف.

وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الزوال، وعليك بقراءة القرآن على كل حال، وعليك برفع يديك في الصلاة، وتقليبهما، عليك بالسواك عند كل وضوء وصلاة، عليك بمحاسن الأخلاق فاركبها، عليك بمساوي الأخلاق فاجتنبها)(18).

وعن الحسن بن عطية، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (المكارم عشر فان استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في ولده ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحرّ: صدق الناس، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، وإطعام السائل، والمكافاة على الصنايع، وصدق اللسان، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، ورأسهن الحياء)(19).

وعن عبد الملك بن غالب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثماني خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة، أن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل أمير جنوده، والرفق أخوه، والبر والده)(20).

وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الإيمان، فقال: (إن الله عز وجل جعل الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، فالصبر من ذلك على أربع شعب، الشوق والإشفاق، والزهد، والترقب (إلى أن قال) واليقين على أربع شعب، تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، ومعبرة العبرة، وسنة الأولين، والعدل على أربع شعب، على غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم (إلى أن قال) والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين)(21).

وعن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (المؤمن ينصت ليسلم، وينطق ليغنم، ولا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته من البعداء، ولا يعمل شيئاً من الخير رياءً، ولا يتركه حياءً، إن زكى خاف ما يقولون، ويستغفر الله لما لا يعلمون، ولا يغرّه قول من جهله، ويخاف إحصاء ما عمله)(22).

وعن هشام بن الحكم، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (ما عُبد الله بشيء افضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى تكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والخير والحسن منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، نصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه من الله مع العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيراً منه، وإنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر)(23).

وعن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض ما رواه، رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (المؤمن له قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه، ونشاط في هدى، وبر في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وعفو في قدرة، وطاعة لله في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدة، وفي الهزاهز وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، ولا يغتاب ولا يتكبر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن ولا فظ ولا غليظ ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، يعيّر ولا يعيّر، ولا يسرف، ينصر المظلوم، ويرحم المسكين، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عز الدنيا، ولا يجزع من ذلها، للناس هم قد أقبلوا عليه، وله همّ قد شغله، لا يرى في حلمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده، ويكيع عن الخنا والجهل)(24).

عن أحدهما، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن صفة المؤمن فقال: (عشرون خصلة في المؤمن، فإن لم تكن فيه لم يكمل إيمانه، إن من أخلاق المؤمنين ـ يا علي ـ الحاضرون الصلاة، والمسارعون إلى الزكاة، والمطعمون للمسكين، الماسحون لرأس اليتيم، المطهرون أطمارهم، المتزرون على أوساطهم، الذين إن حدثوا لم يكذبوا، وإن وعدوا لم يخلفوا، وإن ائتمنوا لم يخونوا، وإن تكلموا صدقوا، رهبان الليل، أسد بالنهار، صائمون النهار، قائمون الليل، لا يؤذون جاراً، ولا يتأذى بهم جار، الذين مشيهم على الأرض هون، وخطاهم على بيوت الأرامل وعلى أثر الجنائز جعلنا الله وإياكم من المتقين)(25).

عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن شيعة علي (عليه السلام) كانوا خمص البطون، ذبل الشفاه، أهل رأفة وعلم وحلم يعرفون بالرهبانية، فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد)(26).

وعن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إذا غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا)(27).

وعن أبي حمزة الثمالي، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين بن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ثلاث خصال من كن فيه استكمل خصال الإيمان: إذا رضي لم يدخل رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق وإذا قرر لم يتعاط ما ليس له)(28).

وعن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن لأهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة، ووفاء العهد، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلة المراقبة للنساء ـ أو قال وقلة المواتاة للنساء ـ، وبذل المعروف وحسن الجوار، وسعة الخلق، واتباع العلم، وما يقرب إلى الله (إلى أن قال) إن المؤمن نفسه منه في شغل، والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل افترش وجهه، وسجد لله بمكارم بدنه، يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ألا فهكذا كونوا).

وعن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدر الاقتار، والتوسع على قدر التوسع، وإنصاف الناس، وابتداؤه إياهم بالسلام عليهم)(29).

وعن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إنما المؤمن الذي إذا رضى لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإن سخط لم يخرجه سخطه من قول الحق، والذي إذا قدر لم تخرجه قدرته إلى التعدي إلى ما ليس له بحق)(30).

وعن مهزم الأسدي قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): (يا مهزم شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناه يديه، ولا يمتدح بنا معلنا(31)، ولا يجالس لنا عائباً، ولا يخاصم لنا قالياً، وإن لقي مؤمناً أكرمه، وإن لقي جاهلاً هجره إلى أن قال) شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، لا يسأل عدونا وإن مات جوعاً)(32).

وعن محمد بن عرفة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بأشبهكم بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحسنكم خلقاً، وألينكم كنفاً، وأبرّكم بقرابته، وأشدكم حباً لإخوانه في دينه، وأصبركم على الحق، وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفواً، وأشدكم إنصافاً في الرضى والغضب)(33).

وعن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (المؤمن حسن المعونة، خفيف المؤنة، جيد التدبير لمعيشته، ولا يلسع من جحر مرتين)(34).

وعن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، في حديث مرفوع إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (جاء جبرئيل فقال: يا رسول الله إن الله أرسلني إليك بهدية لم يعطها أحداً قبلك.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما هي؟ قال: الصبر وأحسن منه.

قال: وما هو؟ قال: الزهد وأحسن منه.

قال: وما هو؟ قال: اليقين وأحسن منه.

قال: قلت: وما هو يا جبرائيل؟ قال: إن مدرجة ذلك التوكل على الله عز وجل.

فقلت: وما التوكل على الله؟ قال: العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا ينفع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لا يعمل لأحد سوى الله ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل.

قلت: يا جبرائيل فما تفسير الصبر؟ قال: تصبر في الضراء كما تصبر في السراء، وفي الفاقة كما تصبر في الغنى، وفي البلاء كما تصبر في العافية، فلا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه من البلاء.

قلت: فما تفسير القناعة؟ قال: يقنع بما يصيب من الدنيا يقنع بالقليل، ويشكر اليسير.

قلت: فما تفسير الرضا؟ قال: الراضي لا يسخط على سيده أصاب من الدنيا أو لا يصيب منها، ولا يرضى لنفسه باليسير من العمل.

قلت: يا جبرائيل فما تفسير الزهد؟ قال: يحبّ من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها، فإن حلالها حساب، وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من الكلام كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها، ويتحرج عن حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن يغشاها، وأن يقصّر أمله، وكأن بين عينيه أجله.

قلت: يا جبرائيل فما تفسير الإخلاص؟ قال: المخلص الذي لا يسأل المخلوق فقد أقر لله بالعبودية، وإذا وجد فرضاً فهو عن الله راضٍ، والله تبارك وتعالى عنه راضٍ، وإذا أعطى الله عز وجل فهو على حد الثقة بربه.

قلت: فما تفسير اليقين؟ قال: المؤمن يعمل لله كأنه يراه، فإن لم يكن يرى الله فإن الله يراه، وأن يعلم يقيناً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا كله أغصان التوكل ومدرجة الزهد)(35).

النجاة في طاعة الله

عن محمد بن مسلم، عـــن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لا تــــذهب بكم المذاهب فوالله ما شيعتنا إلا من أطاع الله عز وجل)(36).

وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام): (أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته)(37).

وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: (يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاود للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكف الألسن عن الناس إلا من خير وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء، (إلى أن قال): أحب العباد إلى الله عز وجل أتقاهم وأعملهم بطاعته يا جابر والله ما تتقرب إلى الله عز وجل: إلا بطاعته، وما معنا براءة من النار، ولا على الله من حجة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع)(38).

وعن عمرو بن خالد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجة، ولا نتقرب إلى الله إلا بطاعة فمن كان منكم مطيعاً لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصياً لله لم تنفعه ولايتنا ويحكم لا تغتروا ويحكم لا تغتروا)(39).

وعن مروان بن مسلم، عن أبي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: قال الله عز وجل: (أيما عبد أطاعني لم أكله إلى غيري وأيما عبد عصاني وكلته إلى نفسه، ثم لم أبال في أي وادٍ هلك)(40).

وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (اتقوا الله حق تقاته) (آل عمران: 102).

قال: (يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر)(41).

أداء الفرائض

عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين (عليه السلام): (من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس)(42).

وعن محمــــد الحلـــبي عن أبي عـــبدالله (عليه السلام) قال: قال الله تبارك وتعالى (ما تحبب إلي عبدي بأحب مما افترضت عليه)(43).

وعن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس)(44).

وعن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (من عمل بما افترض الله عليه فهو من أعبد الناس)(45).

وعن السكوني، عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (اعمل بفرائض الله تكن من أتقى الناس، وارض بقسم الله تكن من أغنى الناس، وكف عن محارم الله تكن من أورع الناس، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمناً، وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلماً)(46).

اجتناب المحارم

عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كل عين باكية يوم القيامة غير ثلاث: عين سهرت في سبيل الله، وعين فاضت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله)(47).

وعن أبي عبيدة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من أشد ما فرض الله على خلقه ذكر الله كثيراً ثم قال: لا أعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم قال: لا أعني ذكر الله عندما أحلّ وحرّم، فإن كان طاعة عمل بها وإن كان معصية تركها)(48).

وعن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً)

قال: (أما والله إن كانت أعمالهم أشد بياضاً من القباطي ولكن كانوا إذا عرض لهم الحرام لم يدعوه)(49).

وعن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من ترك معصية الله مخافة الله تبارك وتعالى أرضاه يوم القيامة).

وعن أبي عبدالله (عليه السلام) في رسالته إلى أصحابه قال: (وإياكم أن تشره أنفسكم إلى شيء حرّم الله عليكم فإن من انتهك ما حرّم الله عليه في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأجل الجنة أبد الآبدين (إلى أن قال) وإياكم والإصرار على شيء مما حرم الله في القرآن ظاهره وباطنه وقد قال: ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)(50).

وعن أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (يقول الله تبارك وتعالى لابن آدم إن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين ولا تنظر، وإن نازعك لسانك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق فلا تتكلم، وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق ولا تأت حراماً)(51).

وعن زيد الشحام قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): (ما ابتلى المؤمن بشيء أشد عليه من خصال ثلاث قيل: وما هي؟ قال: المواساة في ذات يده، والإنصاف من نفسه، وذكر الله كثيراً، أما إني لا أقول لكم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولكن ذكر الله عندما أحل له وعندما حرم عليه)(52).

وعن محمد بن حمران، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من قال: لا اله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، وإخلاصه أن يحجزه لا إله إلا الله عما حرّم الله)(53).

وعن مسعدة بن زياد، عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: (من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه تلاوته للقرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن)(54).

وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من أشد ما عمل العباد إنصاف المرء من نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذكر الله على كل حال، قال: قلت: أصلحك الله وما وجه ذكر الله على كل حال؟ قال: يذكر الله عند المعصية يهم بها فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية، وهو قول الله: (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (الأعراف: 201)(55).

وعن أبي بصير قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): (من أقام فرائض الله واجتنب محارم الله وأحسن الولاية لأهل بيتي وتبرأ من أعداء الله فليدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء)(56).

وعن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: (احذروا سطوات الله بالليل والنهار، فقلت وما سطوات الله؟ قال: أخذه على المعاصي)(57).

إيثار رضى الله على هوى النفس

عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال الله عز وجل: (وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي وارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شيء من أمر الدنيا إلا جعلت غناه في نفسه، وهمته في آخرته وضمنت السماوات والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر)(58).

وعن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول الله عز وجل: (وعزتي وجلالي وكبريائي ونوري وعلوّي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره، ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم آته إلا ما قدرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي، وكفلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة)(59).

وعن اسماعيل بن محمد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل يقول: (إني لست كل كلام الحكمة أتقبل، إنما أتقبل هواه وهمّه، فأن كان هواه وهمه في رضاي جعلت همه تقديساً وتسبيحاً)(60).

مسؤولية الجوارح

عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (إن الله فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الايمان بغير ما به أختها (إلى أن قال) فأما ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وإن محمداً عبده ورسوله (صلّى الله عليه وآله) والإقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة وهو علمه، وهو قول الله عز وجل: (إلا من أكره وقلبه مطمئنُّ بالإيمان) (النحل: 106).

وقال: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (الرعد: 28)

وقال: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) (البقرة: 284)

فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة فهو عمله، وهو رأس الإيمان.

وفرض الله على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به قال تبارك وتعالى اسمه: (وقولوا للناس حسناً) (البقرة: 83)

وقال: (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) (العنبكوت: 46)

فهذا ما فرض الله على اللسان وهو عمله، وفرض على السمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وأن يعرض عمّا لا يحل له مما نهى الله عز وجل عنه، والإصغاء إلى ما اسخط الله عز وجل فقال: عز وجل في ذلك: (وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) (النساء: 140).

ثم استثنى موضع النسيان فقال سبحانه: (وإما ينسينّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) (الأنعام: 68)

وقال: (فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) (الزمر: 17 ـ 18).

وقال تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون) (المؤمنون: 1 ـ 4).

وقال سبحانه: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) (القصص: 55).

وقال: (وإذا مروا باللغو مرّوا كراماً) (الفرقان: 72)

فهذا ما فرض الله على السمع من الإيمان أن لا يصغي إلى ما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان.

وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عليه، وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحلّ له وهو عمله وهو من الإيمان، فقال تبارك وتعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) (النور: 30).

من أن ينظروا إلى عوراتهم، وأن من ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه وقال: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) (النور: 31).

من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليه.

ثم نظم ما فرض على القلب والبصر واللسان في آية أخرى فقال: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) (فصلت: 22).

يعني بالجلود الفروج والأفخاذ وقال: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) (الإسراء: 36).

وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم الله، وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله عز وجل وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (المائدة: 6).

وقال: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمّا منّا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها) (محمد: 4).

فهذا ما فرض الله على اليدين لأن الضرب من علاجهما.

وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلى ما يرضي الله عز وجل فقال: (ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً) (الإسراء: 37).

وقال: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) (لقمان: 19).

وقال: فيما شهدت به الأيدي والأرجل على أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر الله به وفرضه عليها ـ: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) (يس: 65).

فهذا أيضاً مما فرض الله على اليدين، وعلى الرجلين وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (الحج: 77).

فهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر: (وأنّ المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً) (الجن: 18).

(إلى أن قال): فمن لقي الله حافظاً لجوارحه موفياً كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عليها لقي الله عز وجل مستكملاً لإيمانه وهو من أهل الجنة، ومن خان في شيء منها أو تعدى مما أمر الله عز وجل فيها لقي الله ناقص الإيمان (إلى أن قال): وبتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالنقصان دخل المفرطون النار)(61).

وعن الحسن بن هارون قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً) (الإسراء: 36).

قال: (يسأل السمع عما سمع، والبصر عما نظر إليه والفؤاد عما عقد إليه)(62).

وعن محمد بن مسلم، عن بعض الأصحاب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (الإيمان لا يكون إلا بعمل، والعمل منه، ولا يثبت الإيمان إلا بعمل)(63).

عن عبد الله بن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (من أقر بدين الله فهو مسلم ومن عمل بما أمر الله فهو مؤمن)(64).

وعن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإيمان فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً (صلّى الله عليه وآله) رسول الله قال: قلت: أليس هذا عمل؟ قال: بلى، قلت: فالعمل من الإيمان؟ قال: لا يثبت الإيمان بالعمل والعمل منه)(65).

التقوى

عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل)(66).

وعن مفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فذكرنا الأعمال، فقلت أنا: ما أضعف عملي، فقال: مه، استغفر الله، ثم قال لي: (إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى)، قلت: كيف يكون كثير بلا تقوى؟ قال (عليه السلام): (نعم مثل الرجل يطعم طعامه ويرفق جيرانه ويوطي رحله فإذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه فهذا العمل بلا تقوى. ويكون الآخر ليس عنده فإذا إرتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه)(67).

وعن الهيثم بن واقد قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول: (من أخرجه الله عز وجل من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء، ومن رضي من الله باليسير من الرزق رضا منه باليسير من العمل، ومن لم يستح من طلب المعاش خفت مؤونته ونعم أهله، ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وانطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام)(68).

وقال علي (عليه السلام): (اتق الله بعض التقى وإن قل، واجعل بينك وبين الله ستراً وإن رق).

الورع

عن عمرو بن سعيد بن هلال الثقفي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (أوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه)(69).

وعن يزيد بن خليفة قال: وعظنا أبو عبدالله (عليه السلام) فأمر وزهدّ ثم قال: (عليكم بالورع فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع)(70).

وعن ابن أبي يعفور، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه)(71).

وعن فضيل بن يسار قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (إن أشد العبادة الورع).

وعن حديد بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إتقوا الله وصونوا دينكم بالورع)(72).

وعن حنان بن سدير قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) في حديث: (إنما أصحابي من اشتد ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابي)(73).

وعن علي بن أبي زيد، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) فدخل عليه عيسى بن عبد الله القمي فرحب به وقرّب مجلسه ثم قال: (يا عيسى بن عبد الله ليس منا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وكان في ذلك المصر أحد أورع منه)(74).

وعن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير فإن ذلك داعية).

وعن عبيد الله بن علي، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: كثيراً ما كنت أسمع أبي يقول: (ليس من شيعتـــنا من لا تـــتحدث المخدرات بورعه في خدورهن ولــــيس من أوليائنا من هـــو في قرية فيها عـــشرة آلاف رجل فيهم خلق الله أورع منه)(75).

وعن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (لا يجمع الله لمؤمن الورع والزهد في الدنيا إلا رجوت له الجنة)(76).

وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: (لا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع)(77).

وعن أحمد بن محمد المنصوري، عن عم أبيه، عن علي بن محمد، عن آبائه عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (عليكم بالورع فإنه الدين الذي نلازمه وندين الله تعالى به ونريده ممن يوالينا لا تتعبونا بالشفاعة)(78).

العفة

عن منصور بن حازم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج)(79).

وعن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (أكثر ما تلج به أمتي النار الأجوفان: البطن والفرج)(80).

وعن أبي بصير قال: قال رجل لأبي جعفر (عليه السلام) إني ضعيف العمل قليل الصيام، ولكني أرجو أن لا آكل إلا حلالاً، قال: فقال له (أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن وفرج)(81).

وعن عبد الله بن ميمون القدّاح، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: أفضل العبادة العفاف)(82).

وعن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) في وصيته لمحمد بن الحنفية قال: (ومن لم يعط نفسه شهوتها اصاب رشده)(83).

وعن أنس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من ضمن لي إثنين ضمنت له على الله الجنة، من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة يعني ضمن لي لسانه وفرجه)(84).

وفي عقاب الأعمال عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من خطبة له: (ومن قدر على امرأة أو جارية حراماً فتركها مخافة الله حرم الله عليه النار وآمنه من الفزع الأكبر وأدخله الجنة، فان أصابها حراماً حرّم الله عليه الجنة وأدخله النار)(85).

وعن المفضل قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): (إنما شيعة جعفر من عف بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر)(86).

وجوب الاجتناب عن الكبائر

عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما من عبد إلا وعليه أربعون جنة حتى يعمل أربعين كبيرة، فإذا عمل أربعين كبيرة انكشفت عنه الجنن)(87).

وعن محمد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام): (من اجتنب الكبائر يغفر الله جميع ذنوبه، وذلك قول الله عز وجل: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً) (النساء: 31)(88).

وعن عباد بن كثير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الكبائر، فقال: (كل ما أوعد الله عليه النار)(89).

وعن الحسن بن زياد العطار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: (قد سمى الله المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين، ولم يسم من ركب الكبائر وما وعـــد الله عـــز وجل عليه الـــنار مؤمنين فـــي قرآن ولا أثر ولا سماهم بالإيمان بعد ذلك الفعل)(90).

وروي أنه سُئِل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (النساء: 116).

دخلت الكبائر في مشية الله؟ قال: (نعم إن شاء عذب عليها وإن شاء عفا)(91).

وعن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث الإسلام والإيمان قال: (الإيمان من شهد أن لا إله إلا الله (إلى أن قال) ولم يلق الله بذنب أوعد عليه بالنار، قال أبو بصير: جعلت فداك وأينا لم يلق الله بذنب أوعد الله عليه النار؟

فقال: (ليس هو حيث تذهب إنما هو من لم يلق الله بذنب أوعد الله عليه بالنار ولم يتب منه)(92).

وعن سهل بن اليسع قال: سمع الرضا (عليه السلام) بعض أصحابه يقول: (لعن الله من حارب علياً (عليه السلام)، فقال له: (قل إلا من تاب وأصلح) ثم قال: (ذنب من تخلف عنه ولم يتب أعظم من ذنب من قاتله ثم تاب)(93).

وعن إبراهيم بن العباس قال: كنت في مجلس الرضا (عليه السلام) فتذاكرنا الكبائر وقول المعتزلة فيها: أنها لا تغفر، فقال الرضا (عليه السلام): قال أبو عبدالله (عليه السلام) قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال الله عز وجل: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (الرعد: 6)، (الحديث)(94).

وعن جندب الغفاري أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: إن رجلاً قال يوماً والله لا يغفر لفلان، فقال الله عز وجل: (من ذا الذي تألّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عمل الثاني بقوله: لا يغفر الله لفلان)(95).

تحريم الإصرار على الذنب ووجوب المبادرة إلى التوبة والاستغفار

عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لا والله لا يقبل الله شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه)(96).

وعن السكوني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): من علامات الشقاء جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الدنيا والإصرار على الذنب)(97).

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار)(98).

وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (آل عمران: 135).

قال الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بالتوبة فذلك الإصرار(99).

إياكم.. ومحقرات الذنوب

عن أبي أسامة زيد الشحام قال أبو عبدالله (عليه السلام): (اتقوا المحقّرات من الذنوب فإنها لا تغفر: قلت وما المحقرات؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لي إن لم يكن لي غير ذلك)(100).

وعن سماعة قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلوا قليل الذنوب فإن قليل الذنوب تجتمع حتى تكون كثيراً، وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف)(101).

وعن زياد: قال أبو عبدالله (عليه السلام): (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: أيتوا بالحطب.

فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب.

فقال (صلّى الله عليه وآله): فليأت كل إنسان بما قدر عليه.

فجاؤوا به حتى رموا به بين يديه بعضه على بعض.

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): هكذا تجتمع الذنوب.

ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالباً ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)(102).

وفي (نهج البلاغة) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (أشد الذنوب ما استهان به صاحبه)(103).

وعن الحسين بن زيد، عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا تحقروا شيئاً من الشر وإن صغر في أعينكم ولا تستكثروا شيئاً من الخير وإن كثر في أعينكم، فإنه لا كبير مع الاستغفار ولا صغير مع الإصرار)(104).

وعن محمد بن سليمان، عن رجل، عن محمد بن علي (عليه السلام) أنه قال لمحمد بن مسلم في حديث: (لا تستصغرن حسنة أن تعملها، فإنك تراها حيث يسرّك، ولا تسصغرن سيئة تعملها فإنك تراها حيث تسوءك)(105).

وعن ابـــن أخي الـــفضيل، عن أبـــي جعفر (عليه الــــسلام) قال: (مــن الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا)(106).

وعن محمد بن علي الكراجكي قال: روى أحد الأئمة (عليهم السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إن الله كتم ثلاثة في ثلاثة: كتم رضاه في طاعته، وكتم سخطه في معصيته، وكتم وليه في خلقه، فلا يستخفن أحدكم شيئاً من الطاعات، فإنه لا يدري في أيها رضا الله ولا يستقلن أحدكم شيئاً من المعاصي فإنه لا يدري في أيّها سخط الله ولا يزرين أحدكم بأحد من خلق الله فإنه لا يدري أيهم وليّ الله)(107).

قال: ومن كلامه (عليه السلام): (لا تنظروا إلى صغير الذنب ولكن انظروا إلى ما اجترأتم)(108).

جملة من الأمور المنهي عنها

عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إن أول ما عصي الله به ستة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، وحب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة، وحب النساء)(109).

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بشرار رجالكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: شرار رجالكم البهات الجري الفحاش الآكل وحده، والمانع رفده والضارب عبده، والملجي عياله)(110).

وعن يزيد الصائغ، قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل على هذا الأمر إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن ائتمن خان، ما منزلته؟ قال: (هي أدنى المنازل من الكفر وليس بكافر)(111).

وعن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (خطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الناس فقال: ألا أخبركم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله، فقال الذي يمنع رفده ويضرب عبده ويتزود وحده، فظنوا أن الله لم يخلق خلقاً هو شر من هذا)(112).

وعن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ألا أخبركم بأبعدكم مني شبهاً؟) قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: الفاحش المتفحش البذيء البخيل المختال الحقود الحسود القاسي القلب والبعيد من كل خير يرجى، غير المأمون من كل شر يبقى)(113).

وعن ميسر، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (خمسة لعنتهم وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله والتارك لسنتي، والمكذب بقدر الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمستأثر بالفيء المستحل له)(114).

وعن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (إن المنافق ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، إذا قام إلى الصلاة اعترض، قلت: يا بن رسول الله وما الاعتراض؟ قال: الالتفات، وإذا ركع ربض، يمسي وهمّه العشاء وهو مفطر، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر، إن حدثك كذبك، وإن ائتمنته خانك، وإن غبت اغتابك، وإن وعدك أخلفك)(115).

وعن ابن مسعود، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في وصية طويلة قال: سيأتي أقوام يأكلون طيب الطعام وألوانها ويركبون الدواب، ويتزينون بزينة المرأة لزوجها، ويتبرجون تبرج النساء وزينتهن مثل الملوك الجبابرة، هم منافقو هذه الأمة في آخر الزمان، شاربون بالقهوات، لاعبون بالكعاب، راكبون الشهوات، تاركون الجماعات، راقدون عن العتمات، مفرطون في الغدوات، يقول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) (مريم: 59)(116).

وعن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إن الله تبارك وتعالى كره لكم أيتها الأمة أربعاً وعشرين خصلة، ونهاكم عنها، كره لكم العبث في الصلاة، وكره المنّ في الصدقة، وكره الضحك بين القبور، وكره التطلع في الدور، وكره النظر إلى فروج النساء، وقال: يورث العمى، وكره الكلام عند الجماع وقال يورث الخرس، وكره النوم قبل العشاء الآخرة، وكره الحديث بعد العشاء الآخرة، وكره الغسل تحت السماء بغير ميزر، وكره المجامعة تحت السماء، وكره دخول الأنهار إلا بميزر، وقال: في الأنهار عمّار وسكان من الملائكة وكره دخول الحمام إلا بميزر، وكره الكلام بين الآذان والإقامة في صلاة الغداة حتى تنقضي الصلاة، وكره ركوب البحر في هيجانه، وكره النوم فوق سطح ليس بمحجر وقال: من نام على سطح ليس بمحجر فقد برئت منه الذمة وكره أن ينام الرجل في بيت وحده، وكره للرجل أن يغشى امرأته وهي حائض، فإن غشيها وخرج الولد مجذوماً أو أبرص فلا يلومنّ إلا نفسه، فإن فعل وخرج الولد مجنوناً فلا يلومن إلا نفسه، وكره أن يكلّم الرجل مجذوماً إلا أن يكون بينه وبينه قدر ذراع، وقال: فرّ من المجذوم فرارك من الأسد، وكره البول على شط نهر جار، وكره أن يحدث الرجل تحت شجرة مثمرة قد أينعت، أو نخلة قد أينعت يعني أثمرت وكره الرجل أن ينتعل وهو قائم، وكره أن يدخل الرجل البيت المظلم إلا أن يكون بين يديه سراج أو نار، وكره النفخ في الصلاة)(117).

وعن سعيد بن علاقة، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (ترك نسج العنكبوت في البيت يورث الفقر، والبول في الحمام يورث الفقر، والأكل على الجنابة يورث الفقر، والتخلل بالطرفاء يورث الفقر، والتمشط من قيام يورث الفقر، وترك القمامة يورث الفقر، واليمين الفاجرة تورث الفقر، والزنا يورث الفقر، وإظهار الحرص يورث الفقر، والنوم بين العشائين يورث الفقر، والنوم قبل طلوع الشمس يورث الفقر، واعتياد الكذب يورث الفقر، وكثرة الاستماع إلى الغناء يورث الفقر، ورد السائل الذكر بالليل يورث الفقر، وترك التقدير في المعيشة يورث الفقر، وقطيعة الرحم تورث الفقر)(118).

ثم قال (عليه السلام): (ألا أنبئكم بعد ذلك بما يزيد في الرزق؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق، وكسح الغناء يزيد في الرزق، ومواساة الأخ في الله عز وجل يزيد في الرزق، والبكور في طلب الرزق يزيد في الرزق، والاستغفار يزيد في الرزق، واستعمال الأمانة يزيد في الرزق، وقول الحق يزيد في الرزق، وإجابة المؤذن تزيد في الرزق، وترك الكلام على الخلاء يزيد في الرزق، وترك الحرص يزيد في الرزق وشكر النعم تزيد في الرزق، واجتناب اليمين الكاذبة يزيد في الرزق، والوضوء قبل الطعام يزيد في الرزق، وأكل ما يسقط من الخوان يزيد في الرزق، ومن سبّح الله كل يوم ثلاثين مرة دفع الله عنه سبعين نوعاً من البلاء أيسرها الفقر)(119).

وعن ابن عباس، عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال في حجة الوداع: (إن من أشراط القيامة إضاعة الصلاة، واتباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم المال، وبيع الدنيا بالدين، فعندها يذاب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره).

ثم قال: (إن عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، ويصدّق الكاذب، ويكذّب الصادق).

ثم قال: (فعندها أمارة النساء ومشاورة الإماء، وقعود الصبيان على المنابر، ويكون الكذب ظرفاً، والزكاة مغرماً والفيء مغنماً، ويجفو الرجل والديه ويبر صديقه).

ثم قال: (فعندها يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها، ويشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ويركبن ذوات الفروج السروج فعليهم من أمتي لعنة الله).

ثم قال: (إن عندها تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس، وتخلى المصاحف، وتطول المنارات، وتكثر الصفوف والقلوب قباضة، والألسن مختلفة).

ثم قال: (فعند ذلك تحلّى ذكور أمتي بالذهب ويلبسون الحرير والديباج، ويتخذون جلود النمر صفاقاً).

ثم قال: (فعندها يظهر الربا، ويتعاملون بالغيبة والرشا، ويوضع الدين، وترفع الدنيا).

ثم قال: (وعندها يكثر الطلاق فلا يقام لله حد ولن يضر الله شيئاً).

ثم قال: (وعندها تظهر القينات والمعازف، وتليهم شرار أمتي).

ثم قال: (وعندها يحج أغنياء أمتي للنزهة، ويحج أوساطها للتجارة ويحج فقراؤهم للرياء والسمعة، فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله فيتخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله، ويكثر أولاد الزنا، ويتغنون بالقرآن، ويتهافتون بالدنيا).

ثم قال: (وذلك إذا انتهكت المحارم، واكتسب المآثم، وتسلّط الأشرار على الأخيار، ويفشو الكذب، وتظهر الحاجة، وتفشى الفاقة، ويتباهون في الناس ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إلى أن قال:) فأولئك يدعون في ملكوت السماء الأرجاس الأنجاس) (الحديث)(120).

احذروا أهواءكم... كما تحذرون أعداءكم

عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: (احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس بشيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم)(121).

وعن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنما أخاف عليكم اثنين: اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)(122).

وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): (اتق المرتقى السهل إذا كان منحدره وعراً)(123).

قال: وكان (عليه السلام) يقول: (لا تدع النفس وهواها، فإن هواها في ردائها، وترك النفس وما تهوى أذاها، وكف النفس عما تهوى دواؤها)(124).

 

1 ـ مستدرك الوسائل: ج15، ص234.

2 ـ بحار الأنوار: ج89، ص24.

3 ـ مستدرك الوسائل: ج7، ص182.

4 ـ المصدر السابق: ص184.

5 ـ المصدر السابق.

6 ـ المصدر السابق: ص185.

7 ـ المصدر السابق.

8 ـ المصدر السابق: ج5، ص160.

9 ـ المصدر السابق.

10 ـ المصدر السابق: ص161.

11 ـ المصدر السابق: ص165.

12 ـ المصدر السابق: ص166.

13 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج3، ص48.

14 ـ مستدرك الوسائل: ج5، ص164.

15 ـ بحار الأنوار: ج17، ص293.

16 ـ فلاح السائل، للشيخ البهائي: ص267.

17 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص240.

18 ـ المصدر السابق: ص140

19 ـ المصدر السابق.

20 ـ المصدر السابق: ص143.

21 ـ المصدر السابق: ص144.

22 ـ المصدر السابق: ص145.

23 ـ المصدر السابق.

24 ـ المصدر السابق.

25 ـ المصدر السابق: ص146.

26 ـ المصدر السابق: ص147.

27 ـ المصدر السابق.

28 ـ المصدر السابق: ص148.

29 ـ المصدر السابق.

30 ـ المصدر السابق: ص149.

31 ـ يعني: حين يضر المدح.

32 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص150.

33 ـ المصدر السابق.

34 ـ المصدر السابق.

35 ـ المصدر السابق: ص151.

36 ـ المصدر السابق: ص184.

37 ـ المصدر السابق.

38 ـ المصدر السابق.

39 ـ المصدر السابق: ص185.

40 ـ المصدر السابق.

41 ـ المصدر السابق: ص186.

42 ـ المصدر السابق: ص205.

43 ـ المصدر السابق: ص206.

44 ـ المصدر السابق.

45 ـ المصدر السابق.

46 ـ المصدر السابق: ص207.

47 ـ المصدر السابق: ص200.

48 ـ المصدر السابق.

49 ـ المصدر السابق: ص201.

50 ـ المصدر السابق.

51 ـ المصدر السابق.

52 ـ المصدر السابق: ص202.

53 ـ المصدر السابق: ص203.

54 ـ المصدر السابق.

55 ـ المصدر السابق: ص204.

56 ـ المصدر السابق.

57 ـ المصدر السابق: ص205.

58 ـ المصدر السابق: ص221.

59 ـ المصدر السابق.

60 ـ المصدر السابق: ص222.

61 ـ المصدر السابق: ص124.

62 ـ المصدر السابق: ص127.

63 ـ المصدر السابق.

64 ـ المصدر السابق: ص128.

65 ـ المصدر السابق.

66 ـ المصدر السابق: ص190.

67 ـ المصدر السابق.

68 ـ المصدر السابق: ص191.

69 ـ المصدر السابق: ص192.

70 ـ المصدر السابق.

71 ـ المصدر السابق: ص193.

72 ـ المصدر السابق.

73 ـ المصدر السابق: ص193.

74 ـ المصدر السابق: ص194.

75 ـ المصدر السابق: ص195.

76 ـ المصدر السابق.

77 ـ المصدر السابق: ص196.

78 ـ المصدر السابق.

79 ـ المصدر السابق: ص197.

80 ـ المصدر السابق: ص198.

81 ـ المصدر السابق.

82 ـ المصدر السابق.

83 ـ المصدر السابق: ص199.

84 ـ المصدر السابق.

85 ـ المصدر السابق.

86 ـ المصدر السابق.

87 ـ المصدر السابق: ص250.

88 ـ المصدر السابق.

89 ـ المصدر السابق.

90 ـ المصدر السابق: ص251.

91 ـ المصدر السابق: ص265.

92 ـ المصدر السابق.

93 ـ المصدر السابق: ص266.

94 ـ المصدر السابق: ص267.

95 ـ المصدر السابق.

96 ـ المصدر السابق: ص268.

97 ـ المصدر السابق.

98 ـ المصدر السابق.

99 ـ المصدر السابق.

100 ـ المصدر السابق: ص245.

101 ـ المصدر السابق.

102 ـ المصدر السابق.

103 ـ المصدر السابق: ص246.

104 ـ المصدر السابق.

105 ـ المصدر السابق: ص247.

106 ـ المصدر السابق.

107 ـ المصدر السابق.

108 ـ المصدر السابق.

109 ـ المصدر السابق: ص269.

110 ـ المصدر السابق: ص270.

111 ـ المصدر السابق.

112 ـ المصدر السابق.

113 ـ المصدر السابق.

114 ـ المصدر السابق: ص271.

115 ـ المصدر السابق: ص272.

116 ـ المصدر السابق.

117 ـ المصدر السابق: ص274.

118 ـ المصدر السابق: ص276.

119 ـ المصدر السابق.

120 ـ المصدر السابق.

121 ـ المصدر السابق: ص346.

122 ـ المصدر السابق.

123 ـ المصدر السابق.

124 ـ المصدر السابق.