الفهرس

فهرس الفصل الخامس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

التطبيق العملي للقرآن عند المسلمين الأوائل

وقد كان المسلم في العصر الأول يعمل بالقران لا كبعض الأزمنة المتأخرة حيث يشتغل المسلم بعلمه وتفسيره وقراءته وتجويده وما أشبه تاركاً العمل، وإنما كان المسلم إذا سمع آيات القرآن مضى على تطبقها ولذلك نماذج كثيرة.

مثل ما ورد أن أعرابياً جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشهد الشهادتين وأسلم، ثم قال: يا رسول الله ما هو تكليفي الآن؟

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله) في جملة ما قال له: (تعلم القرآن): فأخذ أحد المسلمين يعلمه سورة الزلزلة وقرأ عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم: إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذٍ تحدِّث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 1 ـ 8).

فقام الأعرابي يريد الانصراف، فقال له المعلم المسلم: اصبر حتى أعلمك بعض السور الأخرى.

فقال الأعرابي: كفاني ذلك.

فقال: كيف؟

قال: إني لم أكن أحتاج إلى كل هذه السورة أيضاً حتى استقيم في طريق الإسلام، بل تكفيني آيتان فقط هما قوله سبحانه: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7 ـ 8).

فإني علمت أن الإسلام في هاتين الكلمتين المباركتين.

وهكذا كان المسلمون ينطلقون عن المنطلق القرآني، لهدم الفساد، وبناء الإصلاح.

ولقد كان المسلم يعلم أنه المنصور من قبل الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) (الصافات: 171 ـ 173).

فالمسلم من جند الله ومن أتباع المرسلين فهو إذاً منصور وغالب، فلم يكن يهن ولا يحزن، وإنما كان يقدم ويتقدم، يهدم ويبني على أساس صحيح، وكان في ذهنه دائماً قوله سبحانه: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران: 139).

كما كان في ذهنه دائماً قول النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله): (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(1).

المسلمون قبل الإسلام وبعده

فبينما كان المسلمون قبل تشرفهم بالإسلام يخافون من كل شيء وأذلاء خانعين كما وصفهم القرآن الحكيم بقوله: (واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعَفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) (الأنفال: 26).

إذا بهم يصبحون أعزة وسادة على من سادهم في الأمس من الفرس والروم.

وقد ذكر المؤرخون أن رسل المسلمين لما وردوا مجلس (يزد جرد) الملك الفارسي المعروف قال لهم يزد جرد: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، وقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي حتى لا تغزوكم الناس، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.

فقال له أحد الرسل: (أيها الملك إنك قد وصفتنا بصفة لم تكن بها عالماً فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلاً إلى آخر ما ذكره ابن كثير الدمشقي في كتاب البداية والنهاية).

وقد جاء في هذا الكتاب أيضاً: إنه بعث أمير الفرس يطلب رجلاً من المسلمين ليكلمه، فذهب إليه المغيرة بن شعبة فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم وإنهم كانوا أطول الناس جوعاً وأبعد الناس داراً، وأقذر الناس قدراً، وقال: ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي إن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجساً من جيفكم، فإن تذهبوا نخلي عنكم، وإن تأبوا نزركم مصارعكم.

قال: فتشهدت وحمدت الله وقلت: لقد كنا أسوأ حالاً مما ذكرت حتى بعث الله رسوله (إلى آخر كلامه).

وفي هذا الكتاب أيضاً أنه ذكر الوليد بن مسلم أن (ماهان) طلب خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان: إنا قد علمنا إن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع فهلمّوا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً ما فترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها (الحديث).

وقد كان المسلمون يخافون الفرس والروم مخافة كبيرة لما جبلوا عليه من الخوف قبل الإسلام حتى أن الطبري ذكر: إنه عندما أراد المسلمون فتح فارس تخوفوا من الفرس وعجبوا كيف يستطيعون أن يحاربوهم، وكان وجه فارس من أكرم الوجوه إليهم وأثقلها عليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الأمم (إلى آخر ما ذكره).

لكنهم بالإسلام تمكنوا من التقدم ومن جعل الفرس مسلمين وفتح بلادهم فأصبحت الشوكة الفارسية ـ الزردشتية ـ خبراً بعد عين، وصدق فيهم قول الله تعالى: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) (سبأ: 19).

كما صدق قوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يُستَضعَفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) (الأعراف: 137).

ومن الواضح، أنه لم يكن لأولئك المسلمين على الأغلب علم وتجربة، وإنما كان الإيمان وتلك الأخلاقيات الرفيعة التي ملئوا بها من مشاش رأسهم إلى أخمص قدمهم هو الذي يحركهم حتى قال ابن كثير: كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور في بلاد فارس فيجدون البيت ملآناً إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئاً كثيراً فيحسبونه ملحاً، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مراً حتى تبينوا أمره.

ذهول المؤرخين الغربيين من تقدم المسلمين

وحيث إن الغربيين والشرقيين لم يتمكنوا من التعمق في أسباب تقدم المسلمين ـ والتي ذكرنا جملة منها ـ تعجبوا من هذا التقدم الهائل يقول أحد مؤرخيهم وهو (جبون): (بقوة واحدة ونجاح واحد زحف العرب على خلفاء أغسطس في الروم، واصطخر في فارس، وأصبحت الدولتان المتنافستان في ساعة واحدة فريسة لعدو لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من أيام حكم الخليفة الثاني الذي أخضع العرب لسلطانه ستة وثلاثين ألفاً من المدن والقلاع وأنشأوا أربعة عشر ألفاً من المساجد لعبادة المسلمين، وعلى راس قرن من هجرة محمد (صلّى الله عليه وآله) من مكة إمتد سلطان خلفائه من الهند إلى المحيط الأطلنطيكي ورفرف علم الإسلام على أقطار مختلفة نائية كفارس وسورية ومصر وإفريقيا وإسبانيا).

ويقول المؤرخ الأمريكي (ستودارد): (كاد يكون نبأ نشوء الإسلام النبأ الأعجب الذي دوِّن في تاريخ الإنسان، ظهر الإسلام في أمة كانت من قبل ذلك العهد متضعضعة الكيان والبلاد منحطة الشأن فلم يمض على ظهوره عشرة عقود حتى انتشر في نصف الأرض ممزقاً ممالك عالية الذرى مترامية الأطراف، وهادماً أدياناً قديمة كرت عليها الحقب والأجيال ومغيراً ما بنفوس الأمم والأقوام، وبانياً عالماً حديثاً متراص الأركــان هو عالم الإسلام، كلما زدنا استقصاءً في سر تقدم الإسلام وتعاليه زادنا ذلك العجب العجاب بهراً فارتددنا عنه بأطراف خاسرة وقد عرفنا إن سائر الأديان العظمى إنما نشأت تسير في سبيلها سيراً بطيئاً ملاقية كل صعب حتى كان أن قيض الله لكل دين منها ما أراده له من ملك ناصر وسلطان قاهر انتحل ذلك الدين ثم أخذ في تأييده والذبّ عنه حتى رسخت أركانه ومنعت جوانبه في بطل النصرانية (قسطنطين) والبوذية (اسوكا) والمزدكية (قباء كسرى) وكل منهم ملك جبار أيد دينه الذي انتحله بما استطاع من القوة والأيد، وليس الأمر كذلك في الإسلام الذي نشأ في بلاد صحراوية تجـــوب فيها شتى القبائل الرحالة التي لم تكن من قبل رفيعة المكان والمنزلة في التاريخ، فلسرعان ما شرع يتدفق وينتشر وتتسع رقعته في الأرض مجتازاً أفضع الخطوب وأصعب العقبات دون أن يكون من الأمم الأخرى عون يذكر ولا أزر مشدود، وعلى شدة هذه المكاره فقد نصر الإسلام نصراً مبيناً عجيباً، إذ لم يكد يمضي على ظهوره أكثر من قرنين حتى باتت راية الإسلام خفاقة من (البرانس) حتى (هملايا) ومن صحاري أواسط آسيا حتى صحاري أواسط افريقية).

ويقول مؤرخ آخر هو (بيشر) في كتابه (تاريخ أوربا): (لم يكن هنالك في جزيرة العرب قبل الإسلام أثر لحكومة عربية أو جيش منتظم أو طموح سياسي عام، كان العرب شعراء خياليين محاربين وتجاراً لم يكونوا سياسيين إنهم لم يجدوا في دينهم قوة تثبتهم أو توحدهم، إنهم كانوا على نظام منحط من الشرك. وبعد مائة سنة حمل هؤلاء المتوحشون والخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، انهم فتحوا سورية ومصر وبــلاد فارس، ملكوا باكستان الغربية وجزءً من سنجاب، إنهم انتزعوا إفريقية من البيزنطيين والبربر وإسبانيا إلى حدود فرنسا في الغرب والقسطنطينية في الشرق، ومخرت أساطيلهم المصنوعة في الإسكندرية وموانئ سورية في البحر المتوسط، واكتسحت الجزائر اليونانية، وتحدت القوة البحرية للإمبراطورية البيزنطينية. لم يقاومهم الفرس وبربر جبال الأطلس إنهم شقوا طريقهم بسهولة حتى صعب أن يقف في وجههم واقف ويعرقل سيرهم في الفتح والاستيلاء أحد، لم يعد البحر المتوسط بحر الروم، بل اصبح حوضاً عثمانياً لا سيطرة فيه لغير الترك ووجدت الدول النصرانية من أقصى أوربا إلى أقصاها منذرة مهددة بحضارة شرقية مبنية على دين شرقي).

ويقول أحد المؤلفين الشيوعيين: (إن الإنسان ليدهش إذا تأمل السرعة الغريبة التي تغلب بها طوائف صغيرة من الرحالين الذين خرجوا من صحراء العرب مشتعلين بحماسة دينية على أقوى دولتين في الزمن القديم، لم يمض خمسون سنة على بعثه محمد (صلّى الله عليه وآله) حتى غرز اتباعه علم الفتح على حدود الهند في جانب وعلى ساحل بحر الأطلنطيكي في جانب آخر. إن خلفاء دمشق الأولين حكموا على إمبراطورية لم تكن لتقطع في أقل من خمسة أشهر على أسرع جمل، وحتى نهاية القرن الأول للهجرة كان الخلفاء أقوى ملوك العالم، كل نبي جاء بمعجزات آيةً لما يقول وبرهاناً على صدقه، ولكن محمداً (صلّى الله عليه وآله) هو أعظم الأنبياء وأجلّهم إذ كان انتشار الإسلام أكثر آيات الأنبياء وأروعها إعجاباً وخرقاً للعادة، إن إمبراطورية أغسطس الرومية بعد ما وسعها بطلها (تراجان) نتيجة فتوح عظيمة في سبعة قرون لم تساو المملكة العربية التي أسست في أقل من قرن. إن الإمبراطورية الإسكندرية لم تكن في اتساعها إلا كسراً من كسور مملكة الخلفاء الواسعة، إن الإمبراطورية الفارسية قاومت الروم زهاء ألف سنة، ولكنها غلبت وسقطت أمام سيف الله في أقل من عشر سنوات).

ويقول (بورفري) و(بلانونوف): (إن العرب الذين أفاضوا من الجزيرة لفتح الأمصار لم يكونوا عصائب لا تحصى ولا تعد تدفقت على الشرق المتمدن، فقد أحصى مؤرخ العرب الجيش الأول للمسلمين في اليرموك بثلاثــة آلاف ثم أرسل إليهم الخليفة بنجدة أبلغتهم سبعة آلاف وخمسمائة مقاتل، وأخيراً تنامى عددهم أربعة وثلاثين ألفاً، وأما عدد الروم فقال العرب: إنه كان مائة ألف وقيل ثلاثين ألفاً وقيل ثلاثمائة ألف مقاتل ولم يزده مؤرخ بيزنطية على أربعين ألفاً، وعلى كل حال كان العدد الأكبر لأعداء العرب وهكذا في حروب فارس).

المخبر لا المظهر هو سرّ الانتصار

ومن الواضح، أن المسلمين لم يكونوا يحاربون بالعدد والعدة، وإنما كانوا يحاربون بالإيمان والاندفاع وبروح الفضيلة والتقوى، فكانوا يتحلون بالمخبر دون المظهر، ولذا قال في كتاب (البداية والنهاية): كان المسلمون تزدريهم أعين الروم والفرس لما خرجوا لقتالهم، وكانوا يسخرون من سلاحهم ونبالهم وثيابهم ويضحكون. قال أبو وائل أحد الذين شهدوا القادسية: (كان الفرس يقولون للمسلمين: لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم؟، ارجعوا، قال: قلنا: ما نحن براجعين! فكانوا يضحكون من نبلنا).

وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم وخيولهم الضعيفة، وخطها الأرض بأرجلها وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب ويقولون: كيف يحارب مثل هؤلاء جيوشاً كثيرة العدد والعُدة؟

ويقول (ماكس): (يكاد يكون مستحيلاً أن نفهم كيف أن أعراباً منتمين إلى عشائر ليست عندهم العدد والاعتدة اللازمة يهزمون في مثل هذا الوقت القصير جيوش الرومان والفــرس الذين كانوا يفوقونهم مراراً في الأعداد والعتاد وكانوا يقابلونهم وهم كتائب منظمة).

الفرق بين الجيش الإسلامي وجيش الأعداء

نعم كم كان الفرق بين جيوش الإسلام الذين كانوا يريدون أحد الحسنيين: إما الشهادة، وإما الفوز، وبين جيوش الروم والفرس الذين كانوا يقيدون أنفسهم بالسلاسل ـ أحياناً ـ لئلا ينهزموا، ويحفرون لهم الأرض لئلا يندحروا أو ينسحبوا من ميدان القتال، ثم لا يغني عنهم هذا شيئاً فكانوا ينهزمون انهزاماً عظيماً.

وقد نقل أحد مراجع التقليد أنه كان في ثورة (العشرين) في جملة من يحاربون البريطانيين في العراق، فرأى هذا العالم في فرقته جندياً من الجنود المسلمين يقول العالم: فقلت له: إن هناك ملكين يتحاربان: الملك الإسلام العراقي الشيخ محمد تقي الشيرازي والملك البريطاني وهو جورج فما شأنك أنت في المعركة؟ (قلت ذلك حتى أختبر نفسيته، ولم يكن الجندي يعلم إني من رجال الدين لأني كنت في لباس الجنود لا في لباس العلماء).

فلما قلت له هذا الكلام اغرورقت عيناه بالدموع وقال لي: يا هذا ما تقول؟ إنها ليست حرب ملكين ملك عراقي وملك بريطاني، وإنما هي حرب بين الإسلام والكفر، ووالله لو هزمنا في هذه الحرب لم تقم للمسلمين قائمة).

فكان المسلم يحارب هكذا بينما كان الكفار يسلسلون أنفسهم، ويحفرون لهم الأرض لئلا ينهزموا.

وقد كان المسلمون مندفعين أشد الاندفاع للتقدم، ومعرضين عن زهرة الحياة الدنيا ـ التي هي فتنة ـ على تعبير الله سبحانه وتعالى، حيث قال: (زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّكَ خير وأبقى) (طه: 131).

وكانوا يسمعون قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل) (آل عمران: 196 ـ 197).

وقوله سبحانه: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يَرِثُها عباديَ الصالحون) (الأنبياء: 105).

وقوله سبحانه: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَسَتخلِفنَّهم في الأرض كما استَخَلَف الذين من قبلهم وليمكِّنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) (النور: 55).

وقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للمسلمين ـ على ما في بعض التواريخ ـ: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض)(2).

وقوله (صلّى الله عليه وآله): (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)(3).

ويذكرون قول الله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذ لكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكَّل المؤمنون) (آل عمران: 160).

وقوله سبحانه: (كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئة كثيرة بإذنِ الله والله مع الصابرين) (البقرة: 249).

الأعداء يلمسون الحقيقة المرّة!

وقد شعر الأعداء بهذه الحقيقة لما رأوا من صدق المسلمين في قولهم وفي عملهم.

فقد روى (ابن كثير): إن هرقل لما انتهى به خبر زحف المسلمين قال لأهل الشام: (ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد وإنهم لا لأحد بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، وتبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم ثم كان الأمر كما قال.

كما أنه قبل ذلك في غزوة حنين قال بعض كبار العشائر لقومه الذين أرادوا محاربة رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أطيعوني هذه المرة وخالفوني كل مرة، أطيعوني ولا تحاربوا محمداً (صلّى الله عليه وآله) فإنه لا يقف شيء أمامه، لكنهم خالفوه وحاربوا الرسول (صلّى الله عليه وآله) في حنين وكان مصيرهم الفشل على كثرة عددهم وعُددهم حتى أن جملة من التواريخ ذكروا أن عددهم كان فوق الثلاثين ألفاً، بينما جيش النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن أكثر من اثني عشر ألفاً، ولذا كتب أمراء المسلمين في اليرموك إلى الحاكم يعلمونه بما وقع من الأمر العظيم وما يقابلونه من خطر داهم وأن هناك احتمال فشل المسلمين لكثرة الأعداء وعددهم الذي لا قبل لهم به فكتب إليهم الحاكم: (أن اجتمعوا وكونوا جنداً واحداً، وألقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله والله ناصر من نصره وخاذل من كفر به، ولم يؤت مثلكم عن قلة ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها).

ولما استشار عمر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض الحروب التي وقعت بين المسلمين وبين الكفار في العراق في وقعة نهاوند قال له علي (عليه السلام): (إن هذا الأمر لم يكن نصره وخذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعده وأمدّه حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع فنحن على موعد من الله، والله منجز وعده وناصر جنده)(4).

نعم: لم يكن يهمّ المسلمين ـ الذين اتصفوا بتلك الصفات الرفيعة ـ القلة والكثرة، وتفوق العدو عدداً وعُدداً، بل كان الإيمان والفضيلة والتقوى وما سبق من الصفات النبيلة التي كانوا يتحلون بها هي التي تدفعهم إلى الأمام.

وقد قال علي (عليه السلام) ـ كما في نهج البلاغة ـ وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه: (وقد وكلّ الله لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة وستر العورة والذين نصرهم وهم أقلاء لا ينتصرون ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون حي لا يموت).

هذه كانت مواصفات المسلمين

ويظهر من كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ في وصف القوم الذين كانوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ يظهر منه وجه انتصارهم على الأعداء حيث يقول: (أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيّجوا إلى القتال فولّهوا وَلَه اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى، مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك أخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم)(5).

إلى آخر كلامه (عليه السلام).

الجرأة والإقدام

وقد كان المسلمون يخاطرون بأعمارهم، ويأتون بأعمال خارقة للعادة، وذلك ثقة منهم بنصر الله واعتماداً على وعده، حتى أنهم لما أرادوا محاربة كسرى في المدائن، كان الفاصل بينهم دجلة، فتحيروا فيما يعملون، لكنهم أخيراً خاضوا بخيولهم في هذا النهر الواسع العميق وكان بعضهم يتحدث مع بعض وكأنهم سائرون على البر ولما رآهم الفرس من الجانب الثاني من النهار قال بعضهم لبعض (ديوان آمدند). يعني جاء الجن والعفاريت والغيلان، ثم كانوا يقولون (ديوانكان ديوانكان). يعني هؤلاء المسلمون مجانين وكان سلمان الفارسي يساير سعداً في الماء فجعل سعد يقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، وليظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات) فقال له سلمان: (إن الإسلام جديد ذللت لهم والله البحور كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا أفواجاً) ثم خرج جميعهم من الماء لم يغرق منهم أحد، وكان بعضهم يركبون خيولهم وبعضهم يسبحون في الماء بدون خيول، ومراد سلمان بقوله (إن الإسلام جديد) أنه فتى وله قوة وجدة وليس هرماً وشيخاً لا يتمكن من التغلب على الصعاب، وكان الأمر كما قال سلمان رضوان الله عليه.

وقد روى المؤرخون أن المسلمين بلغهم أن (هرقل) نزل بـ(مآب) في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة ـ وهم العرب الذين اعتنقوا النصرانية ـ وكان المسلمون لا يزيدون على ثلاثة آلاف، ولما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على (معان) ـ وهي قرية في الطريق ـ ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له.

قالوا: فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: (يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهوراً وإما شهادة).

فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة ومضوا.

النقلة البعيدة كما تصفها الزهراء (عليها السلام)

وقد وصفت الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في خطبتها المشهورة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما كانت عليه أعراب الجاهلية قبل ظهور الإسلام وما صاروا عليه بعد الإسلام بقولها: (فقد جاءكم رسولُ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبيّ دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم ولنعم المعزى إليه (صلّى الله عليه وآله)، فبلَّغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين ضارباً ثبجهم، آخذاً بأكظامهم داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة يكسر الأصنام وينكث الهام حتى انهزم الجمع، وولوا الدبر، وتغرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القد، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (صلّى الله عليه وآله) بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان وفغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ ـ جناحها بأخمصه، لهبها ويخمد بسيفه، مكدوداً في ذات الله مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيداً في أولياء الله مشمراً ناصحاً مجداً كادحاً)(6).

نعم هكذا كانوا قبل الإسلام، وهكذا صاروا بعد الإسلام.

وفي التواريخ: أنه جاء رجل إلى القائد الإسلامي يوم اليرموك فقال: إني قد تهيأت لأمري فهل لك من حاجة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ قال: نعم تقرأهُ عني السلام وتقول: يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.

وقد قال أحد النصارى العرب للقائد الإسلام المحارب للروم: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال القائد: ويلكم أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال.

الإعراض عن زخارف الدنيا

وكان من عدم اهتمامهم بزخارف الدنيا، واستصغارهم للكفار، واعتمادهم على وعد الله سبحانه وتعالى أن (ربعي بن عامر) أرسل إلى (رستم) قائد الجيوش الفارسية فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق (الوسادات) المزركشة المذهبة، والزرابي (الطنافس) الرفيعة، وأظهروا اليواقيت، اللاليء الثمينة والزينة العظيمة، وعلى (رستم) تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وجلس على سرير من ذهب ودخل (ربعي) بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقال رستم له: ضع سلاحك.

فقال: اني لم آتكم بنفسي وإنما جئتكم حين دعوتموني، فان تركتموني هكذا وإلا رجعت.

فقال رستم: إئذنوا له.

فاقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق بدون اعتناء بما يصيب تلك النمارق من الرمح.

فقال له رستم: ما جاء بكم؟

فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفنى إلى موعود الله.

قال رستم: وما موعود الله؟

قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى.

فقال رستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟

فقال: نعم كم أحب إليكم: يوم أو يومين؟

قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.

فقال: ما سن لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.

فقال رستم: سيدهم أنت؟

قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد.. يجير أدناهم على أعلاهم.

فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعزّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟

فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتبيع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟

فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب).

وقد دخل بعض قادة الجيش الإسلامي أيضا على (رستم) وقعد معه على السرير فصاحوا عليه فقال: (إن هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم) فقال رستم: (صدق).

وهكذا لم يكن المسلمون يأبهون بزخارف الدنيا وبالعزة والفخفخة.

وفي نهج البلاغة: إنه لقي الإمام (عليه السلام) عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار فترجلوا له واشتدوا بين يديه فقال لهم الإمام (عليه السلام): ما هذا الذي صنعتموه؟

فقالوا: خلُق منا نعظم به أمراءنا.

فقال (عليه السلام): والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقون به على أنفسكم في دنياكم، وتشقّون به في آخرتكم، وما أخسر المشقّة وراءها العقاب وأربح الدعة معها الأمان من النار)(7).

فالإمام (عليه السلام) لم يرض حتى بتظاهرة فرحية أمامه من مجموعة دهاقين.. فكم كانوا يستهينون بالدنيا وبزخارفها وبالأعداء وبجحافلهم؟

وفي التاريخ أن عبد الله بن عباس قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟

فقلت: لا قيمة لها.

قال (عليه السلام): والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً.

ثم خرج (عليه السلام) فخطب الناس فقال: (إن الله بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدعي نبوة، فساق الناس حتى بوّأهم محلتهم وبلّغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم واطمأنت صفاتهم، أما والله إن كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها ما ضعفت ولا جبنت).

وفي كلام آخر له (عليه السلام): (فطرت بانامها، واستبددت برهانها، كالجبل لا تحركه القواصف، ولا تزيله العواصف، لم يكن لأحد في مهمز ولا لقائل في مغمز، الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، رضينا عن الله قضاءه وسلّمنا لله أمره)(8).

يقتلون آباءهم وأبناءهم!

وفي كلام آخر له (عليه السلام) قال: (ولقد كنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضياً على اللقم وصبراً على مضض الألم وجداً في رد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون؟ فمرة لنا من عدونا ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه ومتبوئاً أوطانه)(9).

ومراده (عليه السلام) بقتل الآباء والأبناء والأخوان والأعمام، أن المسلمين لم يكونوا يبالون بأرحامهم إذا كانوا في جيش الكفار فإن الإسلام قد قطع الرحم بين المؤمن والكافر، وإنما كانوا يحاربونهم حتى يستقيم الإسلام ويتقدم إلى الأمام.

الأعداء يعترفون!

نعم تلك الأخلاق الرفيعة التي نفخها فيهم القرآن الحكيم والتعلّم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الذي سبّب تقدمهم أمام العالم وكأنهم من حديد، وكأن العالم من خزف، وقد روى أبو إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا يثبت لهم العدو فواق ناقة (أي مدة حلبها) عند اللقاء فقال هرقل ـ وهو على أنطاكية لما قدمت الروم منهزمة ـ ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟

قالوا: بلى.

قال: فأنتم أكثر أم هم؟

قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل مواطن.

قال: فما بالكم تنهزمون؟

فقال شيخ من عظمائهم: من أجل انهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهي عما يرضي الله ونفسد في الأرض.

فقال الملك: أنت صدقتني.

أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف طلائع المسلمين

وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) (كما في نهج البلاغة) أمثال هؤلاء فقال: (كان لي فيما مضى أخ في الله، كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال قدّ القائلين (أي كفهم عن القول) ونفعهم ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإن جاء الجد فهو ليث غاب وصلّ واد، لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضياً، وكان لا يلوم أحداً على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعـــاً إلا عند برئه، وكان يفعل ما يقول، ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه على ما يتكلم، وكان إذا يدهمه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه. فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها فإن لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير)(10).

العدو يستطلع أحوال المسلمين

وقد سأل هرقل رجلاً كان قد أسر مع المسلمين فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم؟

فقال أخبرك كأنك تنظر إليهم: هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوا حتى يأتوا عليه.

فقال هرقل: لئن كنت صدقتني ليملكنّ موضع قدمي هاتين.

وقد وصف رجل من الروم المسلمين لرجل من أمراء الروم فقال: (جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيلاً عتاقاً، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر).

قال: فالتفت ذلك الأمير إلى أصحابه وقال لهم: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به.

الكفار يفضلون ولاية المسلمين!

وقد كان المسلمون يتورعون عن أذى الناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين إلى ابعد حد، ومن هنا أحبهم الآخرون وإن كانوا غير مسلمين.

فقد روى البلاذري في فتوح البلاد قال: حدثني أبو حفص الدمشقي قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: (بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم.

فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ولندفعن جنود هرقل عن المدينة مع عاملكم.

ونهض اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب فنجهد.

فأغلقوا الأبواب وحرسوها).

وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه، وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد فلما هزم الله الكفرة وأظــهر المسلمين فتحوا مدنهم للمسلمين وأدوا الخراج.

نعم لقد كان المسلمون خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، يحلّون ما أحل الله، ويحرمون ما حرم الله، ولهذا نصرهم الله سبحانه وتعالى على أعدائهم.

أما المنافقون منهم فكانوا قليلين والرسول (صلّى الله عليه وآله) والمسلمون لم يتمكنوا من ذلك التقدم الهائل بسبب المنافقين، فإن المنافق لا يزيد الأمر إلا خبالاً، وأما الذين آمنوا بالله ورسوله فكانوا كثيرين، وبهم فتح الله المدن وأقام العدل ونشر الإسلام.

الإمام علي (عليه السلام) يصف المتقين

وقد وصف المتقين ـ الذين كانوا كثيرين في أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لصاحبه همام، فقال في جملة كلامه: (فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء، ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها وهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصيرة، أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها.

أما الليل فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، ويسثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى فكاك رقابهم.

وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، ويقولون قد خولطوا وقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم بالقليل، ولا يستكبرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكى أحدهم خاف مما يقال له فيقول: (أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون).

فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وزهداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجملاً في فاقة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرجاً عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر، يبيت حذراً، ويصبح فرحاً، حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيمالا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريباً أمله، قليلاً زلله، خاشعاً قلبه، قانعة نفسه، منجوراً أكله، سهلاً أمره، حريزاً دينه، ميتة شهوته، مكظوماً غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيداً فحشه، ليناً قوله، غائباً منكره، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره، مدبراً شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، إن صمت لم يضمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغى عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنى منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوّه بمكر وخديعة)(11).

ولذا نرى أن (فتوح البلدان) يروى أن (رتبيل) ملك رخج سجستان لما جاءته رسل يزيد بن عبد اللمك يطالبونه بالخراج قال: ما فعل قوم كانوا يأتوننا خماص البطون سود الوجوه من الصلاة، نعالهم خوص؟

قالوا: انقرضوا.

قال: أولئك أوفى منكم عهداً وأشد بأساً، وإن كنتم أحسن منهم وجوهاً.

ثم لم يعط أحداً من عمال بني أمية ولا عمال أبي مسلم على سجستان من تلك الأتاوات شيئاً.

أجل لقد أثر القرآن وأخلاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيهم فصاروا أولئك الأبطال زهاد بالليل، شجعان بالنهار، وتمكنوا من إيجاد موج في العالم غيّره من يومهم إلى هذا اليوم.

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مردّ له) (الرعد: 11).

ومن الواضح أن الإنسان إن أراد الخير والرشد والصلاح والتقدم والخدمة وفقه الله، وإن أراد الإنسان غير ذلك تركه الله وشأنه وخذله ولم يكن له ناصر في الأرض ولا في السماء.

وقد حصل المسلمون على تلك الصفات الرفيعة من جراء عملهم بالقرآن الحكيم وإتباعهم لسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

الاطمئنان بنصر الله

وقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يثير في المسلمين الروح العالية الوثابة في كل مناسبة ويعدهم أنهم هم الذين يملكون زمام الأرض فيقول لهم: ( اتبعوني تكونوا ملوكاً في دنياكم وتحظوا بجنات عرضها السماوات والأرض في آخرتكم ).

مثلاً في حرب الخندق لما استعصت صخرة على المسلمين وكان المسلمون محاصرين من قبل الكفار يخافون أن يتخطفهم الناس في هذا الظرف العصيب جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمر بأن يرش الماء على تلك الصخرة العاتية وبعد قليل من الزمن جاء بمعول وضرب على الصخرة ضربة شديدة فانقدح منها النار، وقال (صلّى الله عليه وآله): (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام) (ومعنى ذلك أنه سيفتح المسلمون الشام) ثم ضربها (صلّى الله عليه وآله) ضربة ثانية وقال: (الله أكبر وقصور المدائن) (أي أعطيت الإمبراطورية الفارسية).

ثم ضربها (صلّى الله عليه وآله) ضربة ثالثة وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن)(12).

بيد أن بعض المنافقين الذين كانت قلوبهم خواء سخروا من كلام الرسول (صلّى الله عليه وآله) قائلين أن محمداً يبشرنا بفتح الشام وفارس واليمن. ونحن لا نأمن على أنفسنا.

لكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يعلم ما يقول: وكان ذلك بتسديد من الوحي وبواقعية هذا الدين الذي فيه من الوثوق بالنفس الشيء الكبير.

فكما يحق لصانع السيارة والطائرة والقطار والباخرة أن يقول: (إني سأغزو بصناعتي هذه كل العالم وإن الدواب والبغال والحمير والسفن الشراعية ستخلى مكانها لما صنعنا).

وكما يحق لمكتشف الكهرباء أن يقول: (إن الكهرباء هي التي ستغزو العالم وتدخل البيوت والمصانع في شرق الأرض وغربها وإن المصابيح النفطية والشموع ستخلى مكانها للكهرباء).

كذلك كان يحق للرسول (صلّى الله عليه وآله) أن يقول بلسان القرآن الحكيم: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) (الفتح: 28).

ويقول في آية أخرى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (الصف: 9).

والعالم اليوم بحاجة إلى تلك الروحية النقية الوثابة المقدامة حتى تتمكن البشرية من بناء عالم جديد ملؤه الحرية والسلام والإيمان والرفاه.

الحلم وسعة الصدر

وإنا نجد في التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة من تلك الروح العالية والصفات الرفيعة ولنذكر مثلاً بهذا الصدد قصة أحد القادة الإسلاميين وهو مالك الأشتر (رحمه الله) فقد كان قائداً كبيراً للجيش الإسلامي، ولكنه بالرغم من ذلك كان يختار لنفسه الملابس المتواضعة، فعلى رأسه عمة من صوف، وعلى جسده قباء متواضع بحيث لا يتميز عمن عداه.

وبينما هو في بعض الأيام يخترق سوق الكوفة، إذ استهزأ به رجل عادي جهلاً بمكانته، لكن مالك الأشتر لم يلتفت إليه ومضى في طريقه وبعد شيء من الزمن علم الرجل أنه هو مالك الأشتر فخاف وانخطف لونه وذعر لما كان يعرف من شدة بأسه وسطوته وجرأته وشجاعته وكثرة القادة المحيطين به، فانطلق الرجل يبحث عن مالك فلم يجده إلا في المسجد فجثا بين يديه يعتذر إليه فقال له مالك: هل تدري ما جاء بي إلى المسجد؟

قال الرجل: لا.

قال: إنما جئت لأستغفر لك ذنبك!!

إن هذا القائد والعشرات من أمثاله في التاريخ الإسلامي لدليل على سعة آفاق نفسيتهم، وكما قال علي (عليه السلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر)(13).

فهم بينما كانوا شجعاناً في ساحات القتال كانوا شجعاناً في ساحات النفس، والعفو شيمة لهم، ولذا التفّ العالم حولهم التفافاً منقطع النظير، والعالم اليوم بحاجة إلى مثل هذه القيادة الرشيدة، وهذه الأخلاقيات الرفيعة وهذه القوانين الوضاءة حتى يتمكن الناس من استرجاع ما فقدوه بسبب الحضارات الغربية والشرقية.

 

1 ـ الخلاف، للشيخ الطوسي: ج2، ص259.

2 ـ مسند أحمد: ج5، ص278.

3 ـ بحار الأنوار: ج18، ص141.

4 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج2، ص29.

5 ـ المصدر السابق: ج1، ص234.

6 ـ الاحتجاج: ج1،ص136.

7 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج4، ص10.

8 ـ المصدر السابق: ج1، ص88.

9 ـ المصدر السابق: ص104.

10 ـ المصدر السابق: ج4، ص69.

11 ـ المصدر السابق: ج2، ص160.

12 ـ الكافي: ج8، ص217.

13 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج4، ص42.