الفهرس

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

كلمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

تواجد الإنسان ـ ومنذ بدأ الخليقة ـ وهاجسه الأول تحقيق أعلى درجة من الاطمئنان والأمان والراحة، لـه ولعائلته، فكانت نتائج رغبته أن بدأ بمعرفة نفسه ومعرفة الآخر ومعرفة المخلوقات والطبيعة.
فهو يدرك المخاطر، ويعلم بضرورة اتخاذ خطوات تبعده عن الأذى، ومن هنا اختار لنفسه نظاماً وقائياً يحمي نفسه من نفسه، ويحمي نفسه من الآخرين، فكان أفضل الطرق التي جربها طول التاريخ مضافاً إلى تصريح المبادئ السماوية بذلك، هو الاهتداء إلى مبدأ (اللاعنف) أو (المسالمة) كسلوك يدعو إلى الركون إلى العقل، واللجوء إلى التسامح، فهو السبيل العقلاني لحل إشكالات العصر المتزاحمة بفعل فوضى الطموحات المتسارعة ونشر الأفكار القسرية على الناس والمجتمع.
وأول دعاة اللاعنف والسلم هم الأنبياء (عليهم السلام)، فالدين الإسلامي الحنيف صان للإنسان حقوقه، وحرّم الاعتداء على النفس والغير، وهي ضروريات اعتبرها الإسلام غاية وهدفاً أساسياً ليكون فرداً فعالاً في بناء الحضارة البشرية وتقدمها وازدهارها.
ومن هنا فإن الأصل في الإسلام السلم واللاعنف.
وقد كان ذلك واضحاً في بناء دعوته على السلم والسلام بقوله تعالى: (ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَآفّةً((1).
وعليه فإن التاريخ الإسلامي والتشريع والفقه الإسلاميين زاخران بمواقف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الصالحين (عليهم السلام). يقول الإمام علي (عليه السلام): «فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق»(2).
إن الأساس الفكري والعملي والتطبيقي للدين الإسلامي قام على إنسانية الإنسان، أيّاً كان دينه أو جنسه أو لونه أو عرقه أو معتقده، فقد قال الله عزوجل:
(وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ((3)، وقال تعالى: {إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ((4).
إن الإسلام كدين ونظام كوني ومنهج حياتي يقف من العنف والعدوان والتعسف والإرهاب موقف المضاد، فكرة وسلوكاً، فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو الناس إلى الإيمان بالإسلام بأسلوب المسالمة واللاعنف، يقول سبحانه وتعالى: (وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لاَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ((5).
وقال تعالى: {فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّرٌ ( لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}(6).
فلا إكراه في الدين ولا عنف، وإنما الأسلوب الحسن والكلمة الطيبة والمجادلة بالحسنى وإلقاء السلام والاستماع إلى رأي الآخرين ومحاولة الإقناع.
قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ}(7).
وقال سبحانه: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(8).
وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ}(9).
وقال سبحانه: {الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ}(10).
وقال عزوجل: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ ( وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ((11)
وعلى ضوء ذلك فإن الدين الإسلامي وخاصة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لا يتفق مع من يؤمن بالإرهاب والعنف كوسيلة لفرض رأي أو محاولة تغيير، حتى وإن كان مسلماً ويتبع مذهباً ما أو معتقداً ما، فموجة العنف والقسوة والإرهاب تأسست في أفكار بعض المتطرفين وعشش في خيالهم وأفكارهم، فأخذوا بالتصفية الجسدية والتدمير أولاً، بدلاً من المحاورة الفكرية والمسالمة، لكن الإسلام لا يؤمن مطلقاً بمفهوم العنف أو مفهوم المعاملة السيئة أو إيقاع الظلم بالآخرين، أو استخدام القسوة أو التعسف ببني الإنسان، فأفعال العنف بأنواعه التي تقع في المجتمعات وتستهدف الآخرين، والتي قد تبلغ أحياناً مستوى من التطرف والشدة أو الخروج عن القوانين، تعد خروجاً عن الدين وتعاليمه السمحة ودعوته إلى السلم والسلام وقول الله تعالى: (وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً((12).
وقد خطا الإسلام خطوة جبارة في رسم معالم لمنهج المسالمة والسلام وتمثل ذلك في الدعاء للعدو والصلاة لأجله، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الرغم مما تسبب به الأعداء لـه من الأذى كان يدعو لهم بقوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»(13).
وهذه الروح العظيمة تجسدت في بكاء الإمام الحسين (عليه السلام) على الجيش الذي وقف أمامه في كربلاء حيث أجاب حين سُئل عن بكائه: «أبكي على قوم يدخلون النار بسببي».أي لأجل محاربتهم إياي.
لذا فالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته الطاهرون (عليهم السلام) هم دعاة السلم وحملة مبدأ الإنسانية في المسالمة واللاعنف، ونبذ ما هو نقيضه في الحياة اليومية، فنرى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: «إنا أهل بيت مروتنا العفو عمن ظلمنا»(14)، فيعبر عن أعلى درجات تطبيق مبدأ السلام واللاعنف وكذلك الصفح الجميل بأن لا تعاقب على الذنب.
وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مبدأ اللاعنف أو المسالمة في العديد من الأحاديث حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»(15).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً في استخدام العفو ومبدأ اللاعنف: «تعافوا تسقط الضغائن بينكم»(16).
ويطرح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التطبيق العملي لمبدأ المسالمة واللاعنف بقوله: «العفو أحق ما عمل به»(17).
وقول الإمام علي (عليه السلام): «شر الناس من لا يعفو عن الزلة، ولا يستر العورة»(18).
لقد عد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حكيم القوم في زمانه، وداعية السلم والمسالمة، وراعي مبدأ اللاعنف، رغم شجاعته وقدرته الفائقة على المواجهة فقوله (عليه السلام): «متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن الانتقام، فيقال لي: لو صبرت، أم حين أقدر عليه، فيقال لي: لو عفوت ـ غفرت ـ »(19). فقد عد (عليه السلام) فارساً في الجهاد والبسالة في القوة وبنفس القدر من المسالمة واللاعنف والسيطرة على المشاعر المختلفة، يقول (عليه السلام): «إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه»(20).
ويظهر الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مبدأ المسالمة والسلام في أسمى وأرقى صوره وهو اللاعنف المطلق: «حق من أساءك أن تعفو عنه، وإن علمت أن العفو عنه يضر، انتصرت»(21).
وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «صافح عدوك وإن كره، فإنه مما أمر الله عزوجل به عباده يقول: (ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ ( وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ((22) ما تكافئ عدوك بشيء أشد عليه من أن تطيع الله فيه»(23).
إن آل بيت النبوة (عليهم السلام) مارسوا السلام واللاعنف المطلق بكل أشكاله وأبعاده، ثم أوصوا المسلمين بعدهم بالسير على خطاهم، لأنهم كانوا دعاة صلح ومحبة ووفاق بين عامة المسلمين ودعاة سلم بين البشرية، فيقول الإمام (عليه السلام): «بالعفو تستنزل ـ تنزل ـ الرحمة»(24).
وقول الإمام العسكري (عليه السلام): «من كان الورع سجيته، والإفضال حليته، انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه»(25).
وهكذا تتناغم طروحات آل بيت النبوة(عليهم السلام) في تطبيق السلم ونبذ العنف في معالجة الكثير من المشكلات التي تنتج عن العنف وحالات الغضب، فقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) موجهاً حديثه إلى الإمام علي (عليه السلام):
«يا علي من صفات المؤمن:
أن يكون عظيماً حلمه، جميل المنازعة..
أوسع الناس صدراً، وأذلهم نفساً..
لا يؤذي من يؤذيه..
لين الجانب، طويل الصمت، حليماً إذا جهل عليه، صبوراً على من أساء إليه..
حليماً رفيقاً..
ذا قوة في لين، وعزمة في يقين..
إذا قدر عفا..
لسانه لا يغرق في بغضه..
يعطف على أخيه بزلته»(26) الحديث.
وعليه فإن آل بيت الرسول(عليهم السلام) كانوا دعاة سلام ومسالمة في السلوك والتعامل والتعايش مع عامه الناس، رغم ما تحملوه من مصاعب ومتاعب من أبناء قومهم، ولكنهم كانوا على حق في استمرار دعوتهم السلمية ومبدئها اللاعنف في السلوك والتطبيق، والمسالمة وتحقيق السلام بين الناس التي هي سمة من سماتهم (عليهم السلام) والتي هي من مصاديق قوله سبحانه وتعالى: (وَجَزَآءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ((27).
وقول الإمام علي (عليه السلام): «شيئان لا يوزن ثوابهما: العفو والعدل»(28).
وقوله (عليه السلام): «من قابل الإحسان بأفضل منه فقد جازاه»(29).
إن الدين الإسلامي دين سلام، دين محبة بين البشرية جمعاء، وإن الله سبحانه وتعالى بعث للبشرية أفضل السبل عن طريق رسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أرسله رحمة وهدى للعالمين لينير لهم الدروب والسبل ويوضح لهم طريق الخير والمحبة، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته الطاهرون (عليهم السلام) هم دعاة سلم ومحبة ومسالمة، دعاة نبذ العداوة والعنف، وحل المنازعات باللاعنف، رغم أن الإنسان في تكوينه قد يرغب في القسوة واتباع طرق العدوان، إلا أن آل البيت (عليهم السلام) كانوا أشد رحمة بالبشرية جمعاء.
وكان المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) في عصرنا الحالي أبرز العلماء والفقهاء الذين تبنوا نظرية السلم واللاعنف في مختلف جوانب الحياة، ابتداءً من علاقة المرء بذاته، وانتهاءً بعلاقته بالآخر أياً كان هذا الآخر، وبمعنى أوضح فإن الإمام الشيرازي (رحمه الله) لم يقصر تنظيره حول فقه السلم واللاعنف فيما يتعلق بالجانب الفقهي فحسب، بل انطلق بطرحه ليضفي على هذا المفهوم بعداً أشمل وأوسع برفضه كل أشكال العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري وحتى في الحرب، وذلك اعتماداً على أن المسالمة نظرية متكاملة، ومنهج سلوك متواصل، وخيار حضاري، وعليه كان الشيرازي (رحمه الله) داعية اللاعنف ومجدداً ورائداً في مبدأ السلام ونبذ الإرهاب في حل جميع المشكلات والقضايا المعاصرة، وكل ما تعانيه البشرية من سلوكيات منحرفة، فانتشار الأساليب والآليات التي يدعو إليها سماحته في حل الصراعات الفردية والجماعية والدولية في طريقها إلى التنفيذ، وما زالت كل دعواته إلى المسالمة واللاعنف تجد طريقها إلى التطبيق الميداني، فقد جمع (قدس سره) في طرحه لمبدأ المسالمة واللاعنف أرقى الآراء والاتجاهات والأفكار المعاصرة، بل تنوعت بأبعادها أكثر مما طرحه (المهماتا غاندي)(30) ـ وهو أحد أبرز رواد مبدأ اللاعنف في القرن العشرين ـ وذلك لأن الإمام الشيرازي (رحمه الله) استلهم هذه الفكرة من القرآن الكريم وسيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ومن هنا يتضح أفضلية أطروحته على سائر الأطروحات الموجودة عالمياً.
وربما تجاوز معاصريه في التقسيمات التخصصية النوعية لمبدأ السلام، فهو أبدع بطرحه كنظرية مصرفية تارة، وأبدع باعتباره يشكل مدرسة اجتماعية إنسانية لمبدأ اللاعنف تارة أخرى، فضلاً عن العنصر الفعّال في العمل والسلوك أو التنظير العقلي تارة ثالثة، فقد نسج (رحمه الله) نظرية واتجاهات متجانسة في السلام واللاعنف تناول خلالها رؤيته وأفكاره وأسلوبه العلمي وخلفيته كإطار نظري مرجعي للرؤية الإسلامية ونجح في ذلك أكبر نجاح.
فحينما يرفض الإمام المجدد (قدس سره) العنف والعدوان كأسلوب لحل المشاكل، إنما يستند في ذلك إلى فكرة الإسلام القائم على جانب السلام بقوله:
(إن السلام يصل بصاحبه إلى النتيجة الأحسن، والمسالمون يبقون سالمين مهما كان لهم من الأعداء).
وإزاء ذلك عندما يطرح آراءه ونظرياته كاتجاهات حديثة تواكب السياقات الدولية في رفض التسلط والعنف والإرهاب بكل أشكاله على الأفراد أو على الشعوب، إنما يستمد رؤيته من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وما قاله آل البيت (عليهم السلام)، وكذلك الاعتماد على الحجج في المنطق العقلي لاستنباط مبدأ المسالمة، بالإضافة إلى القدرة الفائقة على الاجتهاد حول قضايا العصر وكذلك التشخيص الموضوعي للواقع الإسلامي ومشكلاته، وإزاء ذلك نستنتج من خلال هذه المعايير العميقة الفكر النظري والتطبيقي لوضع الإطار العام حيز التطبيق الميداني.. وتأسيساً على ذلك يمكن نستنتج:
1: لم تكن طروحات الإمام (قدس سره) الفكرية، نظرية خالصة، بل اعتمد مبدأ التطبيق الميداني للمشكلات.
2: تفاعل ظروف الوضع الراهن للمجتمعات الإسلامية (عربية وغير عربية) بالأحداث وتطابقها مع آرائه ونظرياته.
3: توافق المتغيرات الدولية الحالية مع طروحاته النظرية حتى ما طرحها قبل عدة عقود سابقة.
4: تأكد طروحاته في رؤيته لمبدأ السلم والسلام (وهي متغيرات مستقلة) كالأفكار والتعليمات والآراء،على التأثير بشكل متشابك على الوضع الدولي الراهن، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وهي متغيرات تابعة.
وهنا نلاحظ أن السلام ركيزة أساسية في النظرية السياسية التي يطرحها الإمام الشيرازي (رحمه الله) في بحوثه ودراساته وفي ممارساته وتطبيقاته.
فالسلام عنده هدف وغاية من جهة، ووسيلة وطريقة من جهة أخرى، أي إن السلام مبدأ استراتيجي شامل، وهو ليس هاجسا كما يتصوره البعض وإنما هو رؤية سياسية كاملة، بدليل الشمولية والتوكيد، فالهاجس طارئ، فيما الرؤية ثبات واستمرار ونظر ودليل..
فنراه (قدس سره) يقول كقاعدة أولية وكقانون أصلي: (إن الأصل في الإسلام السلم واللاعنف)..
وفيه تتفق رؤيته مع الآراء والاتجاهات النظرية الحديثة في دراسة المجتمعات والشعوب ودعواتها إلى السلم والمحبة، واستخدام المنطق والعقل، وقوته في قدرة التمييز بين الخير والشر.
هذه الرؤية هي رؤية الإسلام، الذي يدعو إلى التفاهم والحوار وحل النزاعات كافة مهما تغيرت الأزمنة، لا سيما أن الإنسان هو المخلوق الذي اصطفاه الله بين الكائنات الحية الأخرى لنشر تعاليم الأديان كافة وحمل الرسالات وإشاعة الصفاء والمحبة بين الجميع.
يُعرّف الإمام الشيرازي (رحمه الله) مبدأ المسالمة أو اللاعنف في تطبيقه العملي: (أن يعالج الإنسان الأشياء سواء كان بناءً أو هدماً، بكل لين ورفق، حتى لا يتأذى أحد من العلاج، فهو بمثابة البلسم الذي يوضع على الجسم المتألم حتى يطيب).
ثم يضيف: لذا فالواجب على التيار الإسلامي والدولة الإسلامية، اختيار مبدأ المسالمة واللاعنف في الوصول إلى الغاية وهي إقامة الدولة الإسلامية بالنسبة إلى التيار، وإبقاؤها بالنسبة إلى الدولة القائمة حتى تتسع في بُعدَي الكم والكيف.
ويرى الإمام الشيرازي (قدس سره) أن السلم يحتاج إلى نفس قوية جداً، تتلقى الصدمة بكل رحابة ولا تردها، حتى وإن سمحت الفرصة بالرد.
ثم يطرح سماحته تقسيماً نوعياً للاّعنف أو المسالمة على ثلاثة أقسام:
الأول: اللاعنف الملكي، أي تكوين النفس بحيث تظهر على الجوارح.
الثاني: اللاعنف القسري الخارجي، أي أن الضعف أوجب ذلك، فإن الضعيف
ـ عادة ـ يلتجأ إلى هذا النوع من المسالمة للوصول إلى هدفه.
الثالث: اللاعنف القسري العقلاني، أي أن يرجح اللاعنف على العنف، من باب الأهم والمهم، وهذا قادر على العنف لا كالثاني، ولا ينبع اللاعنف عن ضمير وفضيلة، وإنما يرجحه حيث يراه طريقاً للوصول إلى هدفه.
وهكذا ربى الإمام الشيرازي (رحمه الله) أجيالا على مبدأ اللاعنف وأسس مدرسة السلم في عالمنا المعاصر. فهذا نجله آية الله السيد مرتضى الشيرازي يقول: إن الإسلام يدعو إلى اللاعنف والمسالمة حتى في اللسان، ويستشهد بقول الله سبحانه وتعالى:
(وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ((31)، وقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إني أكره لكم أن تكونوا سبابين»(32) ويصل بالنتيجة بقوله: إن من يملك قوة المنطق لا يحتاج إلى منطق القوة.
وعند عرض آراء ونظريات الإمام الشيرازي (رحمه الله) نجدها مستلهمة من مدرسة القرآن والعترة، وعند ملاحظتها مع الآراء والمنطلقات الأخلاقية للأديان، السماوية منها وغير السماوية، والاتجاهات الإصلاحية المعاصرة، نجد أنها تتفق مع المنطق الفكري والسلوكي لمبدأ اللاعنف، فجميعها تدعو إلى المسالمة واحترام الرأي والمعتقد عند الإنسان، واحترام الإنسان كمخلوق بشري، فيرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) أن قوة الروح غالبة على قوة الجسد، وملكة المسالمة واللاعنف من صفات الروح التي تؤثر على سلوك الإنسان وتصرفاته.
وهنا نلاحظ ترابطاً جدلياً في نظرية الإمام الشيرازي (قدس سره) بين السلام العالمي والعدالة الاجتماعية، وهي أطروحة تؤكد عليها جميع الدراسات المعاصرة بقوة، ففي هذا المجال يقول (ليستر بيرسون)(33) الحائز على جائزة نوبل للسلام: (إن رخاء الشعوب هو دعامة من دعائم السلام، وقد تطور هذا الموضوع في أذهاننا)، وهذه مقاربة فكرية رائعة مع طروحات ونظرية الإمام الشيرازي(رحمه الله) في السلم والسلام، وأيضاً هنالك ترابط روحي خلاّق في فكر الإمام الشيرازي بين السلام والأخلاق، يدعمه العالم (سيبنوز) في قوله: (إن السلام ليس شيئاً آخر غير العزم الذي ينبثق من فضائل الروح).
وهكذا يكتمل البناء النظري والتطبيقي للسلام في سياسة الدولة الإسلامية، فهو عمل دائب تتفاعل في نطاقه العاطفة، والفكر، والمادة، والروح، والإرادة..
ثم إن العمل السياسي لتشكيل الحكومة الإسلامية ينبغي أن يقوم على السلام، فالإمام الشيرازي (رحمه الله) يرفض العنف طريقاً لهذا الهدف العقائدي الكبير، ويطرح مبدأ اللاعنف والمسالمة بكل مجالاتها واتجاهاتها المتعددة النظرية والتطبيقية بدلاً عنه، وهو في ذلك يستلهم الفكرة من المنهج الإسلامي الذي نص عليه القرآن الكريم ورسوله العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام)، فقولـه (قدس سره): (من الضروري لممارسي التغيير أن يعملوا في مقدمة أهدافهم مسالمة الجميع، وأن يعيش الكل بسلام، فكما أن للإنسان الحق في أن يعيش بكرامة وحرية ورفاه وسلام، عليه أن يترك الآخرين يعيشون كذلك).
وبناءً على ما تقدم فإن الإمام الشيرازي (رحمه الله) عد داعية اللاعنف في العصر الحديث لما لطروحاته النوعية والكمية في مبدأ السلم والسلام، والتي تعد مؤشراً مهماً للغاية من حيث دلالتها على إمكانية التطبيق الميداني في السلوك والممارسات، فالاتجاهات الإسلامية التي تؤمن بقوة هذا المبدأ، تستطيع أن تتلمس بدقة وعناية المفاهيم والآراء التي طرحها الراحل الإمام الشيرازي (رحمه الله) والتي تستند إلى مفاهيم ورؤى القرآن والسنة النبوية وروايات أهل بيت النبوة (عليهم السلام).
مركز الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)
 للتحقيق والنشر
بيروت - لبنان
 
(1) سورة البقرة: 208.
(2) نهج البلاغة: الكتب 53.
(3) سورة الإسراء: 70.
(4) سورة الحجرات: 13.
(5) سورة يونس: 99.
(6) سورة الغاشية: 21-22.
(7) سورة البقرة: 256.
(8) سورة النحل: 125.
(9) سورة آل عمران: 159.
(10) سورة الزمر: 18.
(11) سورة فصلت: 34 - 35.
(12) سورة البقرة: 83.
(13) بحار الأنوار: ج95 ص167.
(14) بحار الأنوار: ج68 ص414 ح31.
(15) وسائل الشيعة: ج18 ص440 ح24005.
(16) مجمع الزوائد للهيثمي: ج8 ص82 باب تعافوا تسقط الضغائن.
(17) وهكذا ورد بالنسة إلى الباري عزوجل وأنه أهل العفو وأحق به، قال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «يا أهل العفو، يا أحق من عفا، اغفر لي». مستدرك الوسائل: ج10 ص37 ح11399.
(18) غرر الحكم ودرر الكلم: ص245 ح5016.
(19) نهج البلاغة: الحكم القصار 194.
(20) وسائل الشيعة: ج12 ص171 ح15990.
(21) من لا يحضره الفقيه: ج2 ص625 ح3214.
(22) سورة فصلت: 34 - 35.
(23) بحار الأنوار: ج10 ص110.
(24) غرر الحكم ودرر الكلم: ص246 ح5053.
(25) بحار الأنوار: ج66 ص407 ح115.
(26) مستدرك الوسائل: ج11 ص178 ح12686.
(27) سورة الشورى: 40.
(28) مستدرك الوسائل: ج11 ص320 ح13146.
(29) غرر الحكم ودرر الكلم: ص278 ح6130
(30) (موهنداس كرامشاند) (1869 - 1948م): فيلسوف ومجاهد هندي، ولد في بور بندر. اشتهر بلقب (المهاتما) أي النفس السامية، دعا إلى تحرير الهند من الإنجليز بالطرق السلمية والمقاومة السلبية بعيداً عن العنف. وكان سلاحه الأقوى الإضراب عن الطعام، أدت جهوده إلى استقلال الهند عام (1947م)، يعد من أبرز دعاة السلام، اغتاله براهماني متعصب.
(31) سورة الأنعام: 108.
(32) نهج البلاغة: الخطب 206.
(33) ليستر بيرسون: سياسي كندي 1897 – 1972م. رئيس الوزراء 1963 – 1968م. قام بدور الوساطة في كثير من المنازعات الدولية, ومن أجل ذلك منح جائزة نوبل للسلام لعام 1957م.