فهرس الكتاب

المؤلفات

السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الصيغة الصحيحة للحكومة الأسلامية

للحكومة في البلاد الإسلامية صيغة صحيحة كما ذكرناها في كتاب(كيف نجمع شمل المسلمين) من شورى المرجعية بحيث يجمع كل المراجع ويتبعهم الحوزات العلمية، والأحزاب الحرة والانتخابات الصحيحة والمؤسسات الدستورية.

وحينذاك يكون صداقة وألفة وتعاون بين الطائفتين(1)، ويكون الشعب بكله وحدة واحدة، وعند ذاك يتبدّل الأمر وتسهل المشكلات وتأخذ بلاد الإسلام في التحضر والتعالي.

فإن الحكام قد أمروا باتباع العلماء ولا عكس فقد ورد في الحديث الشريف: (إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك، وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فنعم العلماء ونعم الملوك).

وفي الحديث: (الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك)(2).

إن لكل شيء باباً قال تعالى: (وآتوا البيوت من أبوابها)(3)، أما الزعم الفارغ، وأخذ وسائل الإعلام بالتطبيل والتهريج لطريق غير مستقيم، كما هو الحال في البلاد الإسلامية بمختلف أشكالها، وما تدعي الحكومات بأنها شعبية مائة في المائة حتى أن (عبد الناصر) كان يدعي انتخاب الشعب له بـ(99%) وبشيء أيضاً من ذلك الواحد الباقي، فلا يفيد شروي نقير.

وقد رأينا كيف أنه جمع(18) سنة من السلاح ثم لم يقم أمام هجمة إسرائيل إلاّ ست ساعات وهم يقولون ستة أيام حفظاً لماء الوجه، وبالنتيجة أعطى ناصر لإسرائيل سيناء والجولان والضفة والقدس وبقيت بأيدهم إلى اليوم ـ وقت الكتابة ـ باستثناء سيناء .

إن عبد الناصر سجن من شعبه في وجبة واحدة مائة وثمانين ألفاً بأمر من الاتحاد السوفيتي وقتل بعض زعمائهم، ولم تكن أمثال هذه الحوادث في مصر لوحدها ، بل كانت في بقية البلاد الإسلامية أيضاً وذلك نتيجة لما ذكرناه .

هذا مع قطع النظر عما ترتب على الاستبداد في مصر من التأخر ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً مما بقيت آثاره إلى اليوم، وستبقى إلى أن يصلح الله الوضع بانتهاج المسلمين الصيغة الصحيحة وسلوك الطريق المستقيم(4)

لهذا تأخر المسلمون

قد سافر شاب من العراق للدارسة في إحدى البلاد الغربية، وبعد مدة تعرف على فتاة جامعية وانعقدت بينهما صلة انتهت بالخطبة مقدمة للزواج، وذات مرة أهدى الشاب لخطيبته بعد سفره إلى العراق قطعة مصوغة ذهبية، فسألت هي وعائلتها عن مقدار الجمرك؟

فلما قال الشاب: لم أعطه وإنما تهربت من الإعطاء!

قالت الفتاة وعائلتها: هذه خيانة ونحن لا نقبل هذه الهدية حتى تذهب وتعطي الجمرك.

فاضطر الشاب ـ وهو مندهش ـ إلى الذهاب إلى الجمرك وإعطاء الجمرك المضاعف حتى قبلت الفتاة القطعة الذهبية.

وإلى ألف قصة وقصة كلها تشير إلى هذه الحقيقة هناك، وعكسها تماماً هنا وفي البلاد الإسلامية.

وأني أذكر في الحرب العالمية أنه كتبت الجرائد والمجلات أن الشعب ـ سواء في العراق أو في إيران أو في مصر ـ امتنع عن تقديم أية تسهيلات للحكومة إلاّ بالقوة، وكانوا يحتكرون أمتعتهم، ولذا وقع غلاء عجيب.

بينما في الغرب الذي كان داخلاً في الحرب أيضاً أعطى الشعب للحكومة كل التسهيلات في المواد الغذائية وغيرها.

وحتى كان الشعب في البلاد الإسلامية ـ عادة ـ يتهرب عن الجندية بينما الشعب هناك كان يتطوع بنفسه..

والسر في ذلك إن شعوبهم كانوا يرون أن الحكومة حكومتهم، بينما المسلمون كانوا يرونها عميلة تعمل ضدهم فكانوا ينتهزون الفرص للتهرب عن كل ما يمت إلى الحكومة بصلة.

وكذلك ذكرت بعض الجرائد في حرب العرب مع إسرائيل إن تجار إسرائيل ذهبوا إلى قياداتهم وعرضوا عليهم كل بضائعهم ـ واليهود معروفون بالبخل وبحب المال ـ بينما أذكر في العراق كيف فقدت الأجناس من السوق لأنهم أخفوها واغلوا في أثمانها لعدم تعاون الشعوب مع حكوماتها .

والجوهر في ذلك ما ذكرناه من أن المسلمين يرون أن الحكومة عدوة لهم، بينما يرى أولئك أن الحكومة منهم واليهم.

وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: (والذين آووا ونصروا)(5): إن المسلمين المهاجرين الذين جاؤوا من مكة المكرمة أو من غيرها، كانوا مع المسلمين الأنصار من أهل المدينة المنورة في أعلى مراتب الأخوة والمواساة(6)، وذلك بفضل التعاليم الإسلامية وبسبب اعتقادهم الوثيق بحكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)..

فكان المسلم الأنصاري يشارك المهاجر في دوره وأمواله وكسبه، وحتى أن بعض مسلمي المدينة المنورة كان يقول للمسلم المهاجر: أنظر أية زوجاتي تريد ـ وذلك قبل نزول آية الحجاب ـ حتى أطلقها وتأخذها زوجة لك بعد العدة.

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في وصف المسلمين: (ووثقوا بالقائد فاتبعوه)(7).

نعم هذا الفارق بين حكومات اليوم والحكومات السابقة من جراء ما ذكرناه.

وفي قبال ذلك كان الشعب دائماً مع العلماء ويضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله بأمر من العلماء.. وقضايا تضحية العراقيين في الحرب مع بريطانيا في ثورة العشرين تحت لواء القائد الإمام الشيرازي (قدس سره)(8) مشهورة وفي الكتب مذكورة.

الحكام الظلمة أعداء الحضارة

باني الحضارة هو الشعب الحر الذي له مشّوق، فإذا أخذ الحكام بمخالفة العلماء ومحاربتهم وسلبوا الحريات عن الشعب، فحينئذ لم ير الشعب في الحكام مظلة للتقدم، وكان ذلك سبباً في خمود الشعب، فيتأخر الكل عن ركب الحضارة والتقدم.

وإني أذكر أن رجلاً في بغداد صنع ساعة بلا فنر، فلما علم الحاكم بذلك أهلك الرجل ولم يتركه وشأنه، وأخذ ساعته البدائية ووضعها في متحف بغداد..

كما إني أذكر أن في إيران نبغ طبيب كان يعالج كثيراً من الأمراض الصعبة العلاج بالأعشاب فقط، وبسهولة ورخص، وكان يصدر مجلة باسم (راهنماي نجات از مرك مصنوعي) أي طريق النجاة من الموت المصطنع، لكن الحاكم أهلك الطبيب وذلك باصطناع حادث اصطدام سيارته..

وإلاّ فكيف يكون من المعقول أن ألفي مليون بشر وهم المسلمون كما في الإحصائيات الأخيرة(9) ليس لهم من الصناعة شيء يذكر، بينما الغرب تعج بالصناعات، مع أن الحضارة والصناعة والتقدم والعلم كان للمسلمين ومنهم انتقل إلى الغرب، كما صرح بذلك علماؤهم(10).

إذن الحضارة تتولد من الشعوب ولا يتمكن الشعب من إيجاد الحضارة إلاّ إذا أطاع الحكام العلماءَ وأعطوا للشعب كامل الحرية التي منحها الإسلام، قال سبحانه في وصف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(11).

فإن شأن الدين إعطاء الحريات، وشأن العلماء حفظ هذه الحريات، ولكن إذا حاربهم الحكام.. عند ذلك يتأخر الجميع، وحيث يتأخر الجميع يتأخر الحكام أيضاً ويكونون في ذيل القافلة كما نراه اليوم.

وليس سلب الحريات من الناس سبباً لتأخرهم الصناعي والحضاري فقط، وإنما يتأخرون عن الركب في السياسة والاجتماع والطب والاقتصاد والثقافة وغيرها من مختلف شؤون الحياة، قال تعالى: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)(12).

وقال سبحانه: (وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرّد له)(13).

ومن المعلوم أن الله لا يريد السوء بأحد إلاّ إذا انحرف عن طريقه سبحانه، قال عز وجل: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)(14).

لا فتوى بمحاربة الأكراد

ذات مرّة جاءني بعض الضباط من قبل(عبد السلام) قائلين: أفت بمحاربة الأكراد.

قلت: لا أفتي.

قالوا: إنهم يريدون تجزئة العراق وأنت تدعو إلى وحدة الإسلام.

قلت: أنا أدعو للوحدة تحت لواء الإسلام، لا الوحدة تحت لواء القومية.

قالوا: أي فرق بينهما؟

قلت: إنكم تدعون تفوق العرب، ولا تعطون حقوق الأكراد، وفي أي يوم أعطيتموهم حقوقهم بالتساوي كما أمر الإسلام، سأنظر في الأمر.

قالوا: سترى غبّ إصرارك على عدم الفتوى.

قلت: وسترون غبّ إصراركم لمحاربة الأكراد…

نعم رأوا ذلك حيث قتل(عارف) وتفرقت العراق إلى اليوم، إنهم وإن ضغطوا عليّ غاية الضغط حتى صادروا وباعوا سجادات صلاتنا المكتوب عليها أنه وقف لصلاة فلان، في المزاد العلني، لكنهم رأوا أسوء مما رأيت، ولم اقصد مما ذكرته إلاّ شاهداً للزوم الاستقامة في طريق الله سبحانه، والله مع المتقين أخيراً، قال تعالى: (والعاقبة للمتقين)(15).

وقال الشاعر:

للمتقين من الدنيا عواقبها

 

         وإن تعجل فيها الظالم الآثم السقم

أي : العلماء والحكام.

كنز الفوائد: ج2 ص33، وشرح النهج: ج20 ص304 الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام).

سورة البقرة: 189.

راجع كتاب(الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) و(الفقه: طريق النجاة) و(السبيل الى انهاض المسلمين) و(ممارسة التغيير لانقاذ المسلمين) و.. من تأليفات الامام المؤلف (دام ظله).

سورة الأنفال: 72و74.

وحتى في الميراث فكان الناس يتوارثون في المدينة المنورة بعقد الأخوة حتى أنزل الله هذه الآية وآية (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) فصار الميراث لأولي الأرحام، راجع المناقب: ج2 ص187، وتفسير القمي: ج1 ص280 سورة الأنفال.

نهج البلاغة: الخطبة 182 المقطع 32.

الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي(رحمه الله) قائد ثورة العشرين في العراق ضد الاستعمار البريطاني. راجع للتفصيل كتاب(العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل).

راجع كتاب(عند ما يحكم الإسلام) الصفحة الأخيرة، لعبد الله فهد النفيسي.

10ـ راجع كتاب(حضارة العرب) للدكتور غوستاف لوبون و(موجز تاريخ الإسلام) للإمام المؤلف(دام ظله).

11ـ سورة الأعراف: 157.

12ـ سورة الرعد: 11.

13ـ سورة الرعد: 11.

14ـ سورة طه: 124.

15ـ سورة الأعراف: 128.