الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

جريمة التهجير

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأَكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) [1].

لتوضيح الآية المباركة نقول: (( فَالَّذِينَ هَاجَرُوا)) إلى المدينة ((وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)) أخرجهم المشركون من مكة، والآية عامة لكل مهاجر من دياره، ومخرج من بلاده ((وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي)) لأنهم آمنوا وأطاعوا ((وَقَاتَلُوا)) لأجل الله سبحانه ((وَقُتِلُوا)) قتلهم الكفار ((لأكَفِّرَنّ)) أي: أمحونّ ((عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) فلا آخذهم بها ((وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ)) أي تحت نخيلها وقصورها ((ثَوَاباً)) أي: جزاءاً لهم ((مِنْ عِنْدِ اللهِ)) على أعمالهم ومشاقهم في سبيله ((وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) أي: الجزاء الحسن، ليس غيره ممن لايقدر ولايملك الثواب الحسن.

إذا تأمل الإنسان كيف يكون الكفار في هذه النعمة والراحة والسياحة والأسفار، والمسلمون مضطهدون يُخرجون من بلادهم ويؤذون، مع أن الله سبحانه ناصرهم وظهيرهم؟!

فيأتي الجواب في الآية اللاحقة ((لاَ يَغُرَّنَّكَ)) وأصل الغرور إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه، فالمعنى: لا يوهمنّك يا رسول الله، أن الكفار في سرور ((تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ)) فإن تقلبهم لا يعود إليهم بالنفع؛ فإن ذلك (( مَتَاعٌ قَلِيلٌ)) أي: يتمتعون بذلك في زمان قليل (( ثُمَّ مَأْوَاهُمْ)) مصيرهم ((جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)) أي: ساء المستقر لهم[2].

إن قضية تهجير مئات الآلاف من المؤمنين من أبناء الشعب العراقي من القضايا المهمة على الصعيد الإسلامي عامة، وعلى الصعيد العراقي بشكل خاص، فقضية تهجير عشرات الألوف من أبناء الشعب العراقي المظلوم إلى إيران، وبأبشع الطرق التي تنافي الضمير الإنساني، فقد هجّروا وشردوا من ديارهم وسلبت أموالهم، بعد أن مورس بحقهم شتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي بما في ذلك التفريق بين العائلة الواحدة، حيث فرقوا بين الزوج وزوجته، والطفل وأبويه، وسفّروا قسماً من العائلة، وتركوا القسم الآخر رهناً للاعتقال في سجون نظام البعث المظلمة، ومارسوا بحق المهجّرين وأقاربهم، ومَن يمتّ لهم بصلة قربى ألواناً أخرى من التعذيب الجسدي، كالضرب والإهانات والشتائم والاعتداء على الأموال والأعراض والأنفس، منتهكين بذلك جميع القوانين والأعراف الإسلامية والدولية، حتى قال بعض المحققين: إنهم ـ أي طغاة العراق ـ فاقوا جميع السفاحين وحشية على مدى التاريخ قديماً وحديثاً، أمثال:

بني أمية..

وبني العباس..

وهولاكو[3]..

وجنكيز خان[4]..

وهتلر[5]..

ومن أشبه.

فقد جمع أزلام هذا النظام جميع الصفات الإجرامية والأساليب اللاأخلاقية المتمثلة بالسفاحين، وحينما صهر المجرمون في بوتقة واحدة تولد عن هذا الخليط أبشع وأرذل وأخبث نظام عرفه العالم ألا وهو نظام عصابة البعث العراقي الحاكمة.

وفي هذا الكتاب نحاول أن نحيط ببعض المواضيع المتعلقة بهذا الحدث المهم، وسنحاول أيضاً أن نوضح طبيعة النظام الحاكم في العراق، الذي مارس هذه العملية بحق الأبرياء المؤمنين من إخواننا في العراق الجريح، ونبين الأساليب التي استخدمها هذا النظام، والظروف التي استغلها.

كذلك نناشد الروح الإسلامية المغروسة في الضمائر والنفوس الحية في أبناء الإسلام، وأصحاب الضمائر الحية لأحرار العالم للوقوف بوجه هذا النظام والإطاحة به، ومن الله التوفيق[6].

التركيبة السكانية

بداية نحاول أن نبين التركيبة السكانية للشعب العراقي ـ بشكل موجز ـ وبعد ذلك نسلط الضوء على الفئة المستهدفة من عملية التهجير اللاإنساني من قبل النظام العراقي!

يتألف الشعب العراقي من مجموعة من القوميات كالعرب، والأكراد، والتركمان، وبعض الأقليات الأخرى، والغالبية العظمى من الشعب هم من العرب، وهذه الغالبية أيضاً منقسمة إلى قسمين: عرب عراقيين بالأصل، وعرب سكنوا العراق هم وآباؤهم وأجدادهم وهؤلاء كانوا يُسمون قديماً (بالموالي) وربما كانوا من أصل فارسي أو تركي أو ما أشبه، وقد عاشوا في العراق وولدوا في العراق، وتجنسوا بالجنسية العراقية، وبعضهم لم يمنحوا (شهادة الجنسية العراقية) بالمصطلح الحديث أو أنهم لم يتقدموا بطلبها، وبعضهم كتب في صحيفة أحواله المدنية اسم (تَبَعي). والظاهر أن المسألة هي ذاتها قديماً وحديثاً ـ من حيث التفرقة بين هذا عربي وغير عربي ـ، إذ لم يتغير من الأمر شيئاً إلا لفظة (الموالي) التي كانت السائدة في عصر بني أمية فتحولت إلى التبعية[7]، واستغل نظام الحكم في العراق هذه اللفظة ـ أي التبعية ـ والتي تتنافى مع الروح والتعاليم الإسلامية التي أُمرنا باتباعها؛ لأن المسلمين كلهم سواسية ولا فرق بينهم وهم أبناء الإسلام، واخوة في الدين، ووطنهم الواحد بلاد الإسلام أينما امتدت فلا يجوز شرعاً إخراج وتهجير وتسفير أحد لمجرد أنه من أصل آخر.

فقد قال تبارك وتعالى: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) [8].

وقال عز من قائل: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) [9].

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لما كان يوم فتح مكة قام رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في الناس خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب أن الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، والتفاخر بآبائها وعشائرها. أيها الناس، إنكم من آدم وآدم من طين، ألا وإن خيركم عند الله وأكرمكم عليه أتقاكم وأطوعكم له، ألا وإن العربية ليست بأب والد ولكنها لسان ناطق، فمن طعن بينكم وعلم أنه يبلغه رضوان الله حسبه، ألا وإن كل دم مظلمة أو إحنة كانت في الجاهلية فهي تظل تحت قدمي إلى يوم القيامة»[10].

وقال أبو جعفر (عليه السلام): «أصل المرء دينه، وحسبه خلقه، وكرمه تقواه، وإن الناس من آدم شرع سواء»[11].

وروي: أن سلمان الفارسي دخل مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ذات يوم، فعظموه وقدموه وصدروه؛ إجلالا لحقه، وإعظاماً لشيبته، واختصاصه بالمصطفى وآله (صلوات الله عليهم) فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب؟

فصعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المنبر، فخطب فقال:

«إن الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلا بالتقوى.. » [12].

فأمثال هذه الحواجز والتمايزات اللاإسلامية لا يقرها الدين الحنيف، بل المائز هو الإيمان والتقوى أمام الكفر.

نعود ونقول: إن نظام الحكم في العراق استغل لفظة (التبعية) واتهم العديد من العراقيين بذلك للقيام بعمليات التهجير الواسعة؛ وذلك لتغيير البنية السكانية والمذهبية للشعب العراقي، ولخلق نوع من الإرهاب والظلم الجماعي، بتشتيت وتفريق العوائل المتدينة والملتزمة بالإسلام، بإلصاق التهم والافتراءات الكاذبة عليهم والبعيدة عن الواقع؛ ليجد التبريرات الواهية التي تمكّنه من سلب أموالهم وتعذيبهم، ومن ثم تهجيرهم بكل قسوة ووحشية.

وتجسدت ـ في واحدة من أشدها ـ هذه العمليات الإجرامية، حينما جمع تجار ووجهاء السوق الكبير في بغداد (الشورجة) وسفّرهم إلى خارج العراق، مستولياً على أموالهم وممتلكاتهم، زاعماً أنهم غير عراقيين، وهكذا عملوا في جميع محافظات العراق وخصوصاً كربلاء المقدسة والنجف الأشرف والكاظمية المشرفة والكوت، وباقي المناطق التي يتواجد فيها الشيعة... [13].

سيرة الحزب الحاكم في العراق

إن أي شخص يريد أن يتناول سيرة نظام حزب البعث الحاكم في العراق سيعجز عن الوصف الكامل والدقيق لهذا النظام، ولا أعني بذلك وصف هيكله العام، أو الأفراد المنتمين إليه، أو الجهة التي ساعدت في نشأته، فكل ذلك سهل يسير على الباحث، ولكن الشيء العسير هو الإحاطة الكاملة بالأعمال الإجرامية التي مارسها أفراد هذا الحزب بحق أبناء الشعب العراقي المسلم، من التعذيب وقتل النفس التي حرمها الله، وهتك الأعراض، وسلب الأموال والممتلكات، وكذلك قيامه بعمليات التهجير الواسعة ضد أبناء شعبنا المظلوم، وما إلى ذلك من الأساليب التي يعجز القلم عن كتابتها، واللسان عن سردها.

ولم يتوقف هذا النظام عن ظلم الشعب العراقي بجميع فئاته عرباً وأكراداً، شيعة وسنة، بل حتى الأقليات الصغيرة لم تسلم من حقده وظلمه وجوره، وكذلك تعدى في ظلمه حدود العراق والشعب العراقي فعم ظلمه الشعوب الأخرى، فحربه التي شنها على إيران أحد دوافعها الرئيسية هو حقده على الإنسانية بصورة عامة وعلى الشعبين المسلمين العراقي والإيراني بصورة خاصة.

كذلك دخوله في مؤامرات سرية و ـ بعض الأحيان ـ علنية مع القوى الكبرى المعادية للإسلام، لضرب الشعب العراقي المسلم، وضرب نهضته الإسلامية المتوقدة.

ومن هذه المؤامرات السرية تعاونه بصورة سرية مع الكيان الصهيوني لضرب الإسلام والمسلمين، ومن مؤامراته العلنية تحالفه مع نظام الشاه لضرب الأكراد في شمال العراق[14] ـ على سبيل المثال لا الحصر، ودخل في تحالفات مشبوهة كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا [15].

الغاية في وجود الحزب الحاكم

من الطبيعي في نشوء أي فكرة أو نظام أو حزب أو ما إلى ذلك كله، أنه يحتاج إلى علة وغاية لوجوده[16]، سواء كانت الغاية سامية ونبيلة أم كانت سافلة ورذيلة. وفكرة إيجاد حزب البعث في العراق نشأت بأوامر وتوجيهات الاستعمار الغربي بصورة عامة، والاستعمار البريطاني بصورة خاصة.

أما الغاية من إيجاده في جسد الأمة الإسلامية بصورة عامة، والشعب العراقي بصورة خاصة، فكانت كالتالي:

إن النفوذ الاستعماري لدول الغرب، أعقاب الحربين العالميتين اتخذ أبعاداً خطيرة، وخاصة الدول المنتصرة ـ الحلفاء ـ كأمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، ولقد عملت الدول المذكورة بكل ما تستطيع من قوى على إبقاء دول العالم هناك تحت هيمنتها، فقسمتها إلى مناطق نفوذ لها، فكل دولة أخذت مجموعة من الدول الصغيرة وضمتها إلى سيطرتها، وكان العراق من حصة بريطانيا[17]، وهذا فيه كلام كثير ذكر في محله.

والدول الاستعمارية عادة تفكر في أسهل وأرخص الأساليب لإدارة شؤون البلاد المستعمرة، إما بطريقة مباشرة بواسطة الاحتلال المباشر، أو بطريقة غير مباشرة، أي بزرع أنظمة وتكتلات من داخل البلاد المستعمرة تدير شؤون البلاد بطريقة تضمن مصالح الدولة الاستعمارية.

مارست بريطانيا الأسلوبين معاً في إدارة شؤون العراق، ففي بداية الأمر استخدمت الأسلوب الأول (التدخل المباشر)، عبر احتلال العراق عسكرياً، وذلك عام (1917م) عندما أكملت الجيوش البريطانية احتلال بغداد وقال قائدها [18]: (إن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل محررين)، ولكن هذا الأسلوب فشل في إدارة شؤون العراق؛ وذلك للتصدي والمعارضة الشديدة التي أبداها أبناء الشعب العراقي بقيادة العلماء لمخططات الاستعمار ومكائده، إبان ثورة العشرين[19] التي قادها العلماء المراجع ضد قوات الاحتلال البريطاني وجيوشه التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى أمام دول المحور، ولكنها خرجت منكسرة أمام جهاد الثوار وصمود وصلابة قادة الثورة الذين انضوى تحت قيادتهم كافة أفراد الشعب العراقي وعشائره. وفي ظل هذه الظروف أخذ الإنكليز بالمراوغة والتجئوا إلى الأسلوب الثاني، أي أسلوب زرع التنظيمات والتكتلات الاستعمارية داخل الشعب العراقي لإدارة شؤون البلاد والضغط على الشعب، ومن ثم عقد اتفاقيات ومعاهدات تمرر عبرها كل مؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين عموماً والعراقيين خاصة.

وحتى تستفيد من أغلب خيرات العراق، الطبيعية والصناعية والمعادن والموارد الحيوية من نفط وغاز وفوسفات وكبريت... الخ، وكذلك لتستغل الأيدي العاملة العراقية لصالحها، ولتجميد عقول العراقيين عن التفكير في شؤون بلادهم وكيفية الوصول إلى الهدف المنشود خلقوا للشعب مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية بجعل همهم الوحيد كيفية الحصول على لقمة العيش، والاحتراز من السيف المسلط عليهم من قبل النظام الحاكم.

الوعي الديني السياسي

من أهم الأسباب التي دعت الاستعمار البريطاني إلى إيجاد نظام تعسفي يدير شؤون العراق ويحكمه بالحديد والنار هو نمو الوعي الديني والسياسي، وظهور الصحوة الإسلامية عند غالبية الشعب العراقي، فأغلبية الشعب العراقي اتحدت تحت لواء علماء الدين المتمثلة في تلك الفترة بمراجع الدين العظام[20]، وكذلك تعددت قنوات التوعية في المجتمع العراقي، من أمثال الخطباء والشعراء الإسلاميين، وانتشار الكتب والمجلات والموسوعات العلمية، التي تحاول جميعها أن تجعل من الشعب العراقي شعباً واعياً في أمور دينه ودنياه. هذا كله إضافة إلى غايات سياسية أخرى جعلت الإنجليز يفكرون في إيجاد نظام يحمل جميع مواصفات الإجرام والتبعية، فزرع نظام حزب العفالقة في جسد الأمة الإسلامية في العراق، ليحقق لهم من المطامع والمصالح ما لم يستطيعوا هم تحقيقه مباشرة وبشكل لم يحلموا به، ومن ذلك يتبين لنا أن غاية وجود هكذا أنظمة في العراق إنما هو لصالح الاستعمار، وليس لصالح الشعب العراقي[21].

فعلى كافة المسلمين في هذه المعمورة وعلى المسلمين المجاهدين من أبناء شعبنا العراقي المظلوم، وخصوصاً الذي هجّرهم النظام البعثي، ونفاهم عن أراضيهم ومسقط رأسهم، وعلى كافة الخيرين في العالم الوقوف بوجه هذا النظام بكافة الوسائل والإمكانيات؛ لأن خطره ليس على الشعب العراقي فحسب، بل على العالم الإسلامي بأكمله، بل وعلى جميع الخيرين ومحبي الإنسانية في العالم، وإن جبين الإنسانية ليندى من تصرفات وأفعال هذا النظام الاستعماري الغادر، وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) كلمة الفصل حينما انبرى مخاطباً الإنسان الذي لا يعمل على مكافحة الظلم والطغيان: «أما بعد فقد علمتم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد قال في حياته: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يُغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله... »[22].

التهجير وسلوكية الحزب الحاكم

إن من أشد المآسي التي ابتلي بها شعبنا العراقي المسلم، في ظل حكم العفالقة، هي مأساة التهجير اللاإنسانية والتي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان والقوانين والأعراف الدولية، خاصة مع تلك الظروف التي مر بها المهجرون خلال الحملات الهمجية المفتقدة لأبسط معاني الإنسانية.

حيث قام هذا النظام بتهجير مجاميع كبيرة من أبناء هذا الشعب المظلوم، يصل عدد المجموعة الواحدة إلى ألف شخص أو أكثر أو أقل ـ وفي بعض الأحيان عائلة واحدة تهيم على وجهها في البراري والقفار دون راشد أو دليل ـ في ظروف مأساوية وعبر مناطق حربية حدودية مزروعة بالألغام والمتفجرات، راح ضحيتها عدد كبير من هؤلاء الأبرياء، الذين سفرهم نظام البعث لا لذنب اقترفوه، سوى أنهم من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن أنصار سبط رسول الله الحسين بن علي (عليه السلام)، لا لأنهم غير عراقيين (تبعية) كما يدعي النظام[23].

فإن من سلوكية النظام البعثي الحاكم في العراق هو ملاحقة الخيرين ليس في العراق فحسب بل في جميع بقاع العالم.

فالشخص الملتزم صاحب المبادئ الذي يسير مع الحق ويحارب الظلم مستهدف من قبل النظام العراقي. ويستخدم النظام عدة وسائل في سبيل تصفية مثل هؤلاء الأشخاص في العراق، كالإعدام بتهم ملفقة، والسجن مع أشد التعذيب، أو التهجير وسلب الأموال والممتلكات الأخرى، كما فعل بهذه الثلة الخيرة من أبناء العراق الجريح، أو الغدر والاغتيال غيلة كما فعل بالأخ الشهيد السيد حسن الشيرازي[24]..

وغيره[25].

فالتهجير أسلوب استخدمه طغاة العراق لإرهاب الناس ونشر سيطرتهم على البلاد ونهب ثروات العراق، ولكنهم جهلوا أن هذا الأسلوب سوف يعود عليهم بالخزي والعار الآن وفي المستقبل، وسوف يسجل التاريخ على طغاة العراق وفي صفحة بارزة مفصلة جميع أعمالهم الإجرامية، لتكون شاهداً على تبعيتهم وانحرافهم قال تعالى في كتابه الكريم: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)) [26].

ولقد صبغ النظام البعثي العراقي هذه العملية (التهجير)، بصبغة قومية لتبرير أعماله اللاإنسانية، واستمالة بعض الأقلام المتعنتة المأجورة، التي تنادي بالقومية الجاهلية التي تخالف الإسلام.

لذا يلزم على جميع المثقفين من كتاب وصحفيين ومبلغين في جميع أنحاء المعمورة، وخصوصاً العراقيين منهم، أن يعملوا على فضح وتعرية أساليب هذا النظام، ففي الحديث الشريف: «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»[27].

وأذكّر، بل وأحذّر الأخوة المسلمين من مهجّرين وغيرهم من مغبة التقاعس عن العمل، أو التهاون في طريقة التعامل مع هذا النظام، سواء كان بأسلوب مباشر أو بأسلوب غير مباشر، مثل: الكلام لصالحه دون قصد، أو الانخراط في المشاغل الشخصية فقط، وترك المسؤولية الكبرى وهي الجهاد في سبيل إسقاط نظام طغاة العراق عبر نشر الوعي والثقافة في جميع أوساط الأمة والتبليغ بالمال والقلم واللسان ونحو ذلك، وتأسيس المنظمة العالمية الإسلامية للدفاع عن الحقوق المهدورة.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [28].

العناصر الدخيلة في نظام الحكم

إن النظام الحاكم في العراق عندما قام بتهجير عشرات الألوف من أبناء العراق بحجج وادعاءات واهية وضعيفة، مبنية على أساس أن هؤلاء المهجرين هم غير عراقيين من الذين لم تدرج أسماؤهم ضمن سجل الأحوال المدنية لسنة (1920م)، وأدّعى بأنهم من أصول فارسية وتركية، فهذا يبطله الواقع؛ لأن أغلب المهجرين هم من حملة الجنسية العراقية، وهم مولودون في العراق أباً عن جد، وقد ساهموا في إعمار وحماية العراق من المخاطر الخارجية والداخلية، وأغلبهم شارك هو أو آباؤه أو أجداده في الثورات التي قام بها أبناء الشعب العراقي ضد المستعمرين الأجانب، وخصوصاً ثورة العشرين التي قامت ضد الاستعمار الإنكليزي.

وإذا كان ما يدعيه النظام ـ صحيحاً ـ بأنه سفّر هؤلاء الخيرين من أبناء العراق لأنهم غير عراقيين، فهذا الإدعاء هو وحده كاف لإدانة هذا النظام؛ فالسؤال الذي يطرح نفسه هو:

إذا كان قرار التسفير أو التهجير مبنياً على عدم أصالة وانتماء الشخص إلى العراق، أي إذا كان الشخص من غير العراقيين الأصليين فهو معرض للتهجير، فمن أين تأتي الأصالة إلى أزلامه وعناصره المتنفذة، من أمثال:

ميشيل عفلق[29].

وشبلي العيسمي[30].

وطارق يوحنا عزيز[31].

والبيطار[32].

وحفيد ساسون حسقيل (أحمد حسن البكر) [33].

وصدام[34].

فحقيقة هؤلاء الأشخاص تثبت أنهم غير عراقيين، بل إن بعضهم غير عربي أصلاً.

فالشخص الأول في الحزب وهو ميشيل عفلق لا ينتمي للعراق ولا للعروبة في أصل أو فرع، فهو مسيحي غربي، واختلف في ذلك أيضاً، هل هو غربي فرنسي أم غربي يوناني؟ فهو وأبوه ينتميان إلى الديانة المسيحية، أما أمه فهي من الديانة اليهودية، وهو الصديق الحميم لرئيس وزراء إسرائيل (مناحيم بيغن) [35]، فقد درس معه في مدرسة واحدة، وفي صف واحد.

إضافة إلى ذلك فهو ـ عفلق ـ يُعد من العملاء المخلصين للحكومة البريطانية، وهو أحد الأعضاء الفاعلين لشركة لايف الصهيونية[36].

أما شخص شبل العيسمي، فهو أيضاً مسيحي وغير عراقي، فهو من أصل سوري، وقد حكم عليه بالإعدام في سوريا، وفرّ إلى العراق.

أما طارق يوحنا عزيز، فهو يدين بالمذهب الآشوري المسيحي.

أما حفيد ساسون حسقيل (أحمد حسن البكر)، فهذا جده يهودي الأصل، عمل تاجراً في سوق بغداد المعروف بسوق (الشورجة) [37]، وكان يدعى بـ (ساسون حسقيل)، وكان يعمل مع أبناء عمومته في نفس السوق (الشورجة) وحصل خلاف بينه وبين أبناء عمومته بشأن بعض المعاملات التجارية فقطع علاقته بهم، وترك العمل في دكانه وغير مجرى حياته، فرحل إلى تكريت، وأسلم ظاهرياً في تكريت على يد أحد علماء السنة يدعى (الشيخ عبد الله)، وأخذ يشتهر بين الناس في تكريت بأنه قد أسلم، وقد تبين فيما بعد أن هذا العمل ما هو إلا خطة استعمارية، ثم بدّل هذا الملا ـ كما يدعى ـ اسمه إلى (أبو بكر) ثم جعلوا ينادونه باسم (بكر)، ثم يولد للبكر هذا ولد يسميه (حسن)، ومن الجدير بالذكر أن أسم (حسن) هو اسم قليل الشياع بين أهل السنة في العراق، فيتضح هنا بأن وضعهم لاسم (حسن) ما كان إلا خطة مدروسة لتضليل أبناء الشعب العراقي، ولكسب عواطف الشيعة، ثم بعد ذلك ولد لهذا، أي لـ (حسن) مولود سمي بـ (أحمد).

وأما (صدام) فقد تحير العراقيون في إرجاع نسبه، هل هو عربي عراقي أم غير عراقي؟ وهل هو مسلم أو مسيحي أم يهودي أم ماذا؟

فبعضهم يقول: بأن اسم (حسين) هذا ليس هو الاسم الحقيقي لوالده، وكان بعض العراقيين يعرف أباه، ويقول أنه كان يعمل في السفارة البريطانية بصفة خادم، وبعضهم قال: إنما سماه الإنكليز بهذا الاسم ـ حسين ـ لكي لا يستطيع أحد أن يطلع على اسمه الحقيقي، فنسبه إذن من الأمور المجهولة على الشعب العراقي، وقيل بأن صدام كان قبل الانقلاب العسكري عام (1968م)، موظفاً صغيراً يعمل في دائرة الكهرباء براتب بسيط، وعندما جيء به من قبل الاستعمار إلى الحكم في العراق ما هي إلا فترة حتى أصبح يعد من أغنياء العالم، والسبب معروف ونحن لسنا بصدد ذلك الآن.

إذن هؤلاء هم عناصر الحزب الحاكم في العراق، ومن على شاكلتهم أيضاً هذه سيرتهم، فهم بالإضافة إلى أصولهم وأنسابهم غير العراقية، وغير العربية، أو المشكوك فيها أصلاً عملوا على ظلم الشعب العراقي بكافة الوسائل التي وضعها لهم الاستعمار، وقتلوا وشرّدوا وسجنوا وسلبوا حقوق الشعب كافة، حتى أصبح العراق سجناً كبيراً بفعل تصرفاتهم المشبوهة، بل ويتبجحوا باتهام العراقيين بأنهم غير عراقيين، وغير عرب، فأي الفريقين أولى بالتسفير؟!

هل الأشخاص الذين يعملون في سبيل الله والوطن، وقاوموا الاستعمار وأطماعه هم وآباؤهم وأجدادهم، وضحوا بدمائهم وأموالهم في سبيل الله والإسلام والوطن، أم أولئك البُعداء عن الشعب والوطن المرتبطين بتحالفات مشبوهة وأحزاب تتسر بشعارات مزيفة، والذين عملوا ما عملوا بهذا الشعب من أعمال إجرامية قادت العراق إلى هذا الوضع المتردي والمزري الذي هو فيه الآن[38].

فجميع الأعراف والقوانين الدولية والمحلية ينددون بهذه الزمرة الطاغية التي ظلمت وشردت وقتلت أبناء الشعب العراقي؛ وذلك لأن الظلم قبيح، وعامل القبيح يستحق الذم والعقاب من قبل جميع العقلاء، فلينتظر حكام العراق مصيرهم الأسود بالقريب العاجل ـ إن شاء الله تعالى ـ قال عز من قائل في كتابه الكريم: ((إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ)) [39].

وقال تبارك وتعالى: ((وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)) [40].

[1] سورة آل عمران: 195.

[2] تفسير تقريب القرآن: ج4 ص88 سورة آل عمران.

[3] هولاكو (نحو 1217ـ1265م) مغولي مؤسس دولة المغول الإيلخانية في إيران سنة (1251م) حفيد جنكيز خان، أخضع أمراء الفرس والإسماعيلية في قلعة (الموت) (1256م) لحكمه، قضى على الخلافة العباسية في بغداد (1258م) واحتل سورية، هاجم المماليك جيشه في عين جالوت وأبادوه (1260م)، عرف عنه وعن جيشه البطش والفتك الشديد بمن يقف في طريق إقامة دولتهم.

[4] جنكيز خان (1167ـ 1227) اسمه تيوجين بن يشوكي، مؤسس الإمبراطورية المغولية، أخضع جميع الدول بين الصين والبحر الأسود، اشتهر من سلالته (باتوخان) و (هولاكو) و (تيمور لنك).

[5] أدولف هتلر (1889-1945م) سياسي ألماني ولد في النمسا، دخل الحزب العمالي الألماني (1919م) وأصبح زعيمه، وسماه الحزب الوطني الاشتراكي أي النازي (1921م) حاول القيام بعصيان مسلح في ميونخ عام (1923م) ففشل وسجن، وفي السجن وضع كتابه (كفاحي) عرض فيه مذهبه العنصري العرقي، الذي صار شعار النازية، أصبح مستشاراً عام (1933م) ثم رئيس الدولة المطلق (1934م)، أقام نظاماً ديكتاتورياً بوليسياً احتل فيه البوليس السري مركز القيادة الإرهابية، أدت به سياسته التوسعية إلى احتلال رينانيا (1936م) والنمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا، أشعل الحرب العالمية الثانية عام (1939م) ثم هزم من قبل قوات الحلفاء وانتحر هو وزوجته في برلين عام (1945م).

[6] أصدر الإمام الراحل بيانات عدة حول جريمة التهجير، منها ما هو موجه إلى جمعيات حقوق الإنسان، ومنها ما هو موجه إلى المهجرين، حيث يوصيهم بالصبر والعمل الجاد في سبيل الله عزوجل؛ انظر كتاب مجموعة بيانات آية الله العظمى الحاج السيد محمد الحسيني الشيرازي إلى الشعب العراقي المسلم، طبع وتوزيع علماء الدين المجاهدون في العراق.

[7] في ظل النظام الحاكم في العراق أصبحت لفظة (التبعية) أو (التبعي) تهمة عظيمة وسبة كبيرة، يرتعب منها ويحاول أن يبتعد عنها أي عراقي، حتى وصل الحال إلى أن يُجبر الزوج على تطليق زوجته؛ لأنها من أصول غير عربية ـ تبعية ـ والزوجة تنفصل عن زوجها لأنه من أصول غير عربية، بل كان الموظف في دوائر الدولة يطرد من وظيفته إذا لم يبادر إلى تطليق زوجته ـ التبعية ـ وكذلك الموظفات، كما أن النظام استغل بعض ضعاف النفوس من التبعية فعملوا لدى دوائر أمن النظام بصفة عملاء وجواسيس؛ لإثبات الولاء الأعمى واللامحدود للنظام العفلقي حتى لو أدى بهم ذلك إلى الوشاية بأقربائهم.

هذا وقد أصدر ما يسمى بمجلس قيادة الثورة قراراً ظاهره ترغيب الزوج بتطليق زوجته إذا كانت من التبعية الإيرانية، وباطنه ـ وهو الواقع ـ الإجبار على ذلك، والشواهد من الواقع الملموس كثيرة، وفيما يلي نص القرار:

 (القرار المرقم 474 في 15/4/1981.

استنادا إلى أحكام الفقرة (1) من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 5/4/1981مايلي:

يصرف للزوج العراقي المتزوج من امرأة من التبعية الإيرانية مبلغ قدره أربعة آلاف دينار إذا كان عسكريا، وألفان وخمسمائة دينارا إذا كان مدنيا في حالة طلاق زوجته أو في حالة تسفيرها إلى خارج القطر.

2-يشترط في منح المبلغ المشار إليه في الفقرة (1) من هذا القرار ثبوت حالة الطلاق أو التسفير بتأييد من الجهات الرسمية المختصة وإجراء عقد زواج جديد من عراقية.

3-يتولى الوزراء المختصون تنفيذ هذا القرار.

التوقيع

صدام حسين / رئيس مجلس قيادة الثورة)

وصدر قرار آخر تأكيداً لتنفيذ القرار السابق، وتوضيحاً لبعض من يلتبس عليه الأمر، وهو فيما يلي:

 (كتاب مجلس قيادة الثورة – مكتب أمانة السر – السري والشخصي في 31/12/1981:

نشير إلى قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 474 في 15/4/1981 نقرر ما يلي:

يصرف المبلغ المشار إليه في القرار أعلاه للمتزوج من إيرانية قبل نفاذ القرار المذكور ممن يبادر إلى طلاق زوجته وعدم العودة لمطلقته، ولا يصرف المبلغ في حالة الزواج من إيرانية بعد نفاذه ولو بادر بتطليقها بعد ذلك.

عند إيقاع الطلاق تقوم وزارة العدل بإشعار وزارة الداخلية لتقوم الأخيرة من جانبها بتسفير المطلقة المذكورة إلى خارج القطر ـ لاحظ الفرق بين النص السابق وبين هذه الفقرة ـ.

يلزم الشخص الذي استفاد من قرار مجلس قيادة الثورة أعلاه بعدم الزواج ثانية من إيرانية، وفي حالة زواجه يسترد منه كافة المبلغ.

[8] سورة الأنبياء: 92.

[9] سورة الحجرات: 13.

[10] مستدرك الوسائل: ج12 ص88 ب75 ح13596.

[11] مستدرك الوسائل: ج12 ص88 ب75 ح12597.

[12] بحار الأنوار: ج22 ص348 ب10 ح46.

[13] بدأ صدام جريمته تلك بالمكر والخداع، التي تدل على انحطاطه الخلقي ودمويته، فبوقت واحد من شهر نيسان عام (1980م) وباتفاق سري مسبق، ووفق خطة أعدت بإحكام، قامت غرف التجارة في محافظات العراق بتوجيه دعوة رسمية تم بها استدعاء كبار تجار الشيعة لاجتماع عاجل، بحجة التباحث في بنود قانون تجاري جديد تزمع الحكومة إصداره، والتداول والتشاور في الأمور الاقتصادية بهدف حل أزمة المواد المعيشية التي استعصت على الدولة، وبعد أن وصل التجار إلى أمكنة الاجتماعات المزعومة، تم اعتقالهم فورا والاستيلاء على سياراتهم التي قدموا بها، وسيقوا جماعات جماعات، وتحت حراسة مشددة إلى الحدود، فرموا بالعراء وأمروا بالسير نحو الأراضي الإيرانية، بعدما أبلغوهم بأنهم غير مرغوب بهم في البلد لأنهم عجم، ويجب أن يعودوا إلى بلادهم، وأنذروهم بأن أي شخص يحاول العودة إلى الوطن، أو يتردد في الحركة إلى إيران فإن النار ستطلق عليه بدون إنذار!.

وهذا كله لا لشيء سوى أنهم يتولون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل البيت(عليهم السلام) أي: لأنهم من الشيعة.

[14] في الخامس من أيلول عام (1975م) وقعت الحكومة العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر، وقد وقعها عن العراق صدام التكريتي الذي كان نائباً لرئيس الجمهورية، وتقضي هذه الاتفاقية بأن يوافق العراق على المطالب الإقليمية للشاه في المياه والأراضي العراقية على الأخص الملاحة في شط العرب، في مقابل وقف الشاه مساندته للأكراد في ثورتهم على النظام الحاكم، بل ومحاصرتهم وتقديم المعلومات عنهم للنظام الحاكم مما سبب أشد انتكاسة مرت بها الحركة الكردية، فشرَّد وقتل عشرات الآلاف من الأكراد الآمنين.

[15] الحزب الحاكم في العراق منذ (17/ تموز/ 1986م) هو حزب البعث ـ الحزب الوحيد الحاكم ـ وهو حزب قومي علماني يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي، شعاره المعلن (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة). وأهدافه: (الوحدة، والحرية، والاشتراكية)!!

ففي سنة (1932م) عاد من باريس قادماً إلى دمشق كل من ميشيل عفلق وهو نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية، وصلاح الدين البيطار، وذلك بعد الدراسة العالية في فرنسا على يد كبار المستشرقين، ومن أشهر هؤلاء المستشرقين لويس ماسنيون الذي قال عن عفلق: هو أخلص تلميذ تتلمذ على يدي. فعادا ـ عفلق والبيطار ـ محملين بأفكار قومية وثقافة غربية، فعملا في مجال التدريس، ومن خلاله أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب. وأصدر تجمع أنشأه عفلق والبيطار مجلة الطليعة بالاشتراك مع الماركسيين سنة (1934م) وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم (جماعة الإحياء العربي).

وفي نيسان (1947م) تم تأسيس حزب تحت اسم (حزب البعث العربي)، وكان من المؤسسين: ميشيل عفلق، صلاح البيطار، جلال السيد، زكي الأرسوزي، كما أصدروا مجلة باسم البعث.

وفي سنة (1953م) اندمج كل من حزب (البعث العربي) و حزب (العربي الاشتراكي) الذي كان يقوده أكرم الحوراني في حزب واحد أسمياه (حزب البعث العربي الاشتراكي).

استولى أحد أجنحة الحزب المنشقة على السلطة في العراق بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي:

في الرابع عشر من شهر تموز عام (1958م) حدث انقلاب على النظام الملكي بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، فقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ومن عثر عليه من أفراد العائلة المالكة، ونوري السعيد وأعوانه، فاسقط النظام الملكي، وبذلك انتهت الملوكية في العراق، ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية.

وبعد عشرة أيام من نشوب الثورة وصل ميشيل عفلق إلى بغداد وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر) ولكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيما أوحد للعراق. وفي اليوم الثامن من شهر شباط لعام (1963م) قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم، وقد شهد هذا الانقلاب قتالاً شرسا وأحداثاً دموية رهيبة في بغداد وأغلب مدن العراق، وبعد نجاح هذا الانقلاب تشكلت أول حكومة بعثية، وسرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث في العراق فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق في (18/ ‏تشرين الثاني‏/ 1963م) وعين عبد السلام عارف أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين نائباً لرئيس الجمهورية، وأوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضوا في القيادة القطرية لفرع حزب ا العراقي. وبعد مقتل عبد السلام عارف في حادث الطائرة المدبر في عام (1966م) استلم أخوه عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية في العراق الذي اتّسم حكمه بالتدهور الاقتصادي والمعاشـي وبالتمييـز الطائفـي والعنصرية والقبلية، وكـان يتأثر بالمحيطين به ويثق بهم، ويتبنى عادة رأي آخر من يقابله.

نحي عن السلطة بعدما أوعزت المخابرات الأمريكية والبريطانية إلى عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود وأحمد حسن البكر بتغيير السلطة في العراق، حيث نفي إلى تركيا.

ففي (17/ تموز/ 1968م) قام حزب البعث العراقي بالتحالف مع ضباط غير بعثيين بانقلاب أسقط نظام عبد الرحمن عارف، وفي اليوم الثلاثين من الشهر نفسه طرد حزب البعث كافة من تعاونوا معه في انقلابه، وعين أحمد حسن البكر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيسا للجمهورية وقائدا عاما للجيش، وأصبح صدام التكريتي نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، ومسؤولاً عن الأمن الداخلي.

وتمت تصفيات عديدة في صفوف قادة الحزب كان بطلها ومخططها صدام التكريتي، ففي سنة (1970م) تم اغتيال الفريق حردان التكريتي في الكويت، الذي كان من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي وعضواً في مجلس قيادة الثورة، ونائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع. وفي عام (1971م) تم اغتيال فؤاد الركابي، وكان المنظر الأول للحزب، وأحد أبرز قادته في العراق وقد تم اغتياله داخل السجن. وفي عام (1973م) جرى إعدام ناظم كزار رئيس جهاز الأمن الداخلي وخمسة وثلاثين شخصا من أنصاره، وذلك في أعقاب فشل انقلاب قاموا به. وفي عام (1975م) وقعت الحكومة العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر. وفي عام (1979م) أصبح صدام التكريتي رئيسا للجمهورية العراقية بعد إعفاء البكر من جميع مناصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزله، ثم قتله صدام بحقنة ترفع نسبة السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش، وذلك عام (1982م). وفي العام نفسه ـ 1979م ـ قام صدام بحملة إعدامات واسعة طالت أكثر من ثلث أعضاء مجلس قيادة الثورة وأكثر من خمسمائة عضو من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي. وفي العام نفسه أقدم صدام على إعدام كل من: غانم عبد الجليل وزير التعليم، ومحمد محجوب وزير التربية، ومحمد عايش وزير الصناعة، وصديقه الحميم عدنان الحمداني، والدكتور ناصر الحاني، ثم قتل مرتضى سعيد الباقي تحت التعذيب، وقد سبق لكل من الأخيرين أن شغلا منصب وزير الخارجية، وقد بلغ عدد من أعدمهم صدام خلال أقل من شهر واحد ستة وخمسين شخصاً من كبار أعضاء حزبه، ولم يبق على قيد الحياة من الذين شاركوا في انقلاب عام (1968م) سوى عزت الدوري وطه الجزراوي وطارق حنا ـ أو يوحنا ـ عزيز.

وفي يوم (22/ أيلول/ 1980م) شن صدام حربه على إيران بعد إلغائه اتفاقية الجزائر ـ التي وقعها مع الشاه ـ التي أسفرت عن سقوط ما يزيد على النصف مليون من شباب العراق وأكثر من سبعمائة ألف من المعاقين والمشوهين، هذا غير جيش الأرامل والأيتام والمعاقين الذين خلفتهم الحرب، وغير من أعدموا بسبب رفضهم المشاركة بهذه الحرب الغبية ـ كما سماها أحد المحللين السياسيين ـ إضافة إلى نفقات الحرب التي تجاوزت مائتي ألف مليون من الدولارات، وكذلك تجميد كل تنمية طوال مدة زمنية تجاوزت الثماني سنوات، بعد ذلك خرج صدام بعد كل هذه التضحيات ليعلن للعالم أن حربه مع إيران كانت خطأ، وأن الحق كل الحق في العودة إلى الاتفاقية المبرمة بينهما ـ اتفاقية الجزائر ـ.

وفي أثناء حربه مع إيران أنزل بالمواطنين الأكراد أبشع أنواع القتل والبطش والتنكيل والإبادة باستخدام الغازات السامة والكيماوية وقنابل النابالم الحارقة بصورة همجية لم تعرف حرمة لشرع ولا لدين ولا لمروءة ولا لشرف.

وقد ذاق الشعب العراق الأمرّين على يد هذا النظام وجلاوزته عقب الهزيمة المنكرة في حرب الخليج الثاني، عندما قام النظام باجتياح دولة الكويت واستباح أرضها وطرد شعبها وخرب منشآتها ونهب متاجرها وقتل أبناءها وفجّر آبار النفط فيها، فقادت الولايات المتحدة تحالفاً أخرج الجيش العراقي وتم طرده من الكويت، الأمر الذي أنزل به هزيمة كاسحة راح ضحيتها مئات الآلاف من جنود الجيش العراقي، وجعله يستسلم في ذلة وخنوع ويوافق على كل شروط قوات الحلفاء، بعد أن دك الطيران كافة المنشآت والمرافق في العراق وتركها خرابا في معركة غير متكافئة أطلق عليها أسم (عاصفة الصحراء) ورجعت الحكومة الكويتية من منفاها ومارست سلطاتها. وثار الشعب العراقي في انتفاضة كبيرة عرفت بالانتفاضة الشعبانية، حيث حررت خمسة عشر مدينة من مدن العراق الثمانية عشر، وبعد مساندة من أسياده المستعمرين ومؤمرات بعض دول الجوار وانقطاع الإمدادات عن الثوار بدأت الكفة تميل لصالح قوات النظام فقام بالبطش الشديد بالشعب المغلوب على أمره، وأمر هذا الطاغية جنده أن يدكوا بمدافعهم مدنا بأكملها على رؤوس من فيها من النساء والأطفال والشيوخ والرجال، وانتهكوا حرمة العتبات المقدسة في كربلاء والنجف.

فقام هذا الطاغية بقمع الانتفاضة الشعبانية، ونكّل بالثوار أشد تنكيل، فقد قدرت أعداد الضحايا بما يزيد على خمسمائة ألف قتيل وقيل مليون بالإضافة إلى الآف المفقودين والمحتجزين في السجون لا يعرف لهم خبر.

هذا بعض ما جناه العراق من الطغاة الذين تسلطوا على رقاب شعبه وتمكنوا من التصرف بثرواته وخيراته.

أما عن سلوكيات ومبادئ حزب البعث في العراق، فقد نادى مؤسس الحزب بضرورة الأخذ بنظام الحزب الواحد؛ لأنه وكما يقول ـ عفلق ـ: إن القدر هو الذي حملنا هذه الرسالة، وخولنا أيضا حق الأمر والكلام بقوة والعمل بقسوة لفرض تعليمات الحزب.

ومن ثم لا يوجد أي مواطن عراقي يتمتع بأبسط قدر من الحرية الشخصية أو السياسية في قبال ذلك؛ فكل شيء في دولة العراق يخضع لرقابة بوليسية صارمة، وتشكل دوائر المباحث والمخابرات والأمن قنوات الاتصالات الوحيدة بين المواطنين والنظام.

وتركز سياسة الحزب على قطع كافة الروابط بين العروبة والإسلام، وتنادي بفصل الدين عن السياسة، والمساواة بين شريعة حمورابي وشعر الجاهلية وبين الدين الإسلامي.

وادعت سياسة الحزب أن تحقيق الاشتراكية شرط أساسي لبقاء الأمة العربية ولإمكان تقدمها، مع أن النتيجة الحتمية للسياسة الاشتراكية التي طبقت في العراق لم تجلب الرخاء للشعب، ولم ترفع مستوى الفقراء، ولكنها ساوت الجميع في الفقر، وبعد أن كان العراق قمة في الثراء ووفرة الموارد والثروات، أصبح ـ بطيش الحزب الحاكم ـ عاجزاً عن توفير القوت الأساسي لشعبه، كما قام بتجريد الدستور العراقي من كل القوانين التي لها صلة بالإسلام، فأصبحت العلمانية هي دستور العراق، ومعتقدات صدام وحزبه ومبادئه هي مصدر التشريع لقوانينه.

لقد ورد في التقرير المركزي للمؤتمر القطري التاسع المنعقد ببغداد عام (1982م) ما يلي: وأما الظاهرة الدينية في العصر الراهن فإنها ظاهرة متخلفة في النظرة والممارسة.

ولذلك فقد اتجه صدام التكريتي وحزبه إلى إعلان الحرب على الإسلام والعاملين له في كافة المجالات، ولسان حاله: وكنت امرءً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي.

فقام بقتل العلماء ومهاجمة الحوزات العلمية، وأصدر أوامره بإغلاق مئات المساجد والحسينيات والمراكز الإسلامية في العراق؛ لمجرد أن الشباب المسلم يلتقي فيها، وقام بإلقاء القبض على من يتردد إليها، وتتابعت القرارات بإعدام الآلاف من الشخصيات الإسلامية.

وأحال الكثيرين من أساتذة الجامعات إلى التقاعد، ثم قدمهم إلى المحاكمة، وصدرت بحقهم أحكام مختلفة بسجنهم لفترات طويلة.

كما قام بالجرائم التالية:

محاربة ارتداء الحجاب الإسلامي بين الفتيات المسلمات.

تشجيع العلاقات غير الشرعية بين الفتيان والفتيات.

فتح النوادي الليلية وتشجيع الفساد في كافة المجالات.

تقديم معونات سخية لكل من يقوم بفتح محلات اللهو والرذيلة، حتى أصبحت مظاهر الفجور والعهر تكسو بعض الشوارع والأسواق، وحانات الخمر تملأ الأزقة والأحياء.

وكان هذا النظام من آخر الدول التي قبلت الانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي بعدما شعر بعزله إسلامياً، ولم يلتزم بقرارات المؤتمر عملياً.

كما دأب على دعم النظم العلمانية ضد كل من يرفع شعار الإسلام سواء في لبنان أو كشمير أو فلسطين أو قبرص أو أفغانستان، وهكذا في كل قضية إسلامية أخذ موقعه إلى جانب القوى المعادية للإسلام.

وقد جلب من وسائل التعذيب في سجون ومعتقلات بلاده ما تقشعر لهوله الأبدان، وعرف عن جلاوزته أنهم يلجئون إلى أبشع وسائل التعذيب شناعة وقساوة في سبيل انتزاع الاعترافات من المساجين أو ثنيهم عن معتقداتهم، حتى فاق كل طغاة التأريخ في الإرهاب من أمثال الحجاج وزياد بن أبيه وابنه وهارون ومن شاكلهم في الجرم والإجرام.

وقد اتضحت سياسة طغاة العراق وكذبهم في المناداة بالوحدة وانكشفت أطماعهم في السعي للهيمنة على العالم العربي عن طريق الضم بالقوة، حيث بدأ بمنطقة الخليج، وتسببت في انهيار وعجز الأمة العربية بمختلف مؤسساتها ومنظماتها عن ردع العدوان الإسرائيلي.

وفضحت أطماع وتوجهات هذا الحزب لاحتلال السعودية الكويت ودول الخليج العربي، بعدما وجهوا صواريخهم لضرب المدن في الجزيرة العربية، وقاموا بنسف آبار النفط في الكويت وإضرام النار فيها. وغير ذلك من الويلات والمآسي التي جرت على الشعب العراقي الذي ابتلى بهذا النظام.

لا شك أنه بشخص صدام التكريتي ونظامه قد انكشف زيف وكذب ادعاءات وشعارات الحزب الحاكم في العراق وأصبح مرفوضا على المستوى المحلي والعربي والإسلامي، بسبب أسلوبه الهمجي في التعامل مع جيرانه وأشقائه ومواطنيه، كما أصبح صدام ممقوتا من حيث جبلته الشريرة وغريزته العدوانية المسعورة، وجنون العظمة المسيطر على تصرفاته، ولجوئه إلى المخادعة بعد أن انكشفت نواياه الخبيثة في التعامل مع شعبه وفي حربه مع إيران، ثم في انقلابه على الكويت الداعمة له في حربه السابقة.

ومن الملاحظ أن كلمة الدين لم ترد مطلقا في صلب الدستور العراقي. وان كلمة الإيمان بالله على عموميتها لم ترد في صلب الدستور، لا في تفصيلاته، ولا في عمومياته، مما يؤكد على الاتجاه ضد الديني في الحزب الحاكم في العراق، حتى في بناء الأسرة لا يشيرون إلى تحريم الزنى ولا يشيرون إلى آثاره السلبية.

أما في السياسة الخارجية لا يشيرون إلى أية صلة مع العالم الإسلامي. ولا يشيرون إلى التاريخ الإسلامي الذي أكسب الأمة العربية مكانة وقدرا بين الشعوب.

ورغم تظاهر الحزب بالمطالبة بإتاحة أكبر قدر من الحرية للمواطنين فإن ممارساته القمعية فاقت كل تصور وانتهكت كل الحرمات ووأدت كل الحريات وألجأت الكثيرين إلى الهجرة والفرار بعقيدتهم من الظلم والاضطهاد.

والنظام الحاكم في العراق يتطلع إلى استلام السلطة في جميع أرجاء الوطن العربي؛ باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من طموحاته البعيدة، وقد أدت بهم هذه الرغبة العارمة إلى السقوط في حمأة الإنذار المقنع والتهديد السافر والعدوان الصريح، وربما يكون حزب صدام وزمرته أسوأ ما شهده التاريخ في هذا البلد.

[16] المقصود من العلة: الموجد، والمقصود من الغاية: الهدف.

[17] وذلك عبر اتفاقية سايكس ـ بيكو (1916م) وهي اتفاقية سرية تم إبرامها في الفترة من (9-16/5/1916م) بين فرنسا وبريطانيا العظمى، بموافقة روسيا القيصرية، وأطلق عليها في البدء (الاتفاقية الإنكليزية الفرنسية الروسية) أو اتفاقية (سايكس ـ بيكو ـ سازانوف) نسبة إلى ممثلي الدول الثلاث المعنية، وقد تم بموجب هذه الاتفاقية، التفاهم على تقسيم سورية ولبنان والعراق وفلسطين وبعض الأراضي التركية فيما بين هذه الدول وتعتبر هذه الاتفاقية المشروع الذي اعتمدت عليه فرنسا وبريطانيا لتقسيم المشرق العربي فيما بعد.

ففي نهاية القرن التاسع عشر أنجزت الدول الاستعمارية التخطيط الجدي لتصفية الإمبراطورية العثمانية وتصفية تركتها، وقد مثل السير مارك سايكس الجانب البريطاني للمفاوضات وجورج بيكو الجانب الفرنسي ووافق عليها سيرغي سازانوف وزير الخارجية الروسي، وبعد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا عام (1917م) قامت القيادة البلشفية بكشف كافة الاتفاقيات والمعاهدات السرية التي كانت الحكومة القيصرية قد عقدتها ومنها اتفاقية (سايكس ـ بيكو ـ سازانوف) وهذا مما أثار الرأي العام العربي حيث فوجئ الأمير الهاشمي حسين بن علي شريف مكة بأمر الاتفاقية، وحين سأل عن صحتها أنكر البريطانيون ذلك واتهموا تركيا بالسعي لبث الفرقة بين العرب والإنكليز.

واستغلت بريطانيا انسحاب روسيا من الاتفاقية ووجود قواتها بكثافة في فلسطين والعراق فأخذت تناور على فرنسا لإجبارها على التخلي عن جزء من حصتها ونفوذها في المشرق العربي لصالح بريطانيا، وبعد صراع خفي دبلوماسي بين حليفي الأمس تم التوصل إلى حل وسط تمثل في توقيع اتفاقية معاهدة جديدة بين البريطاني لويد جورج والفرنسي جورج كليمنصو في (15/9/1919م) وكانت هذه الاتفاقية هي الأساس الذي استند إليه مؤتمر سان ريمو في (1920م) وما صدر عنه من معاهدات واتفاقات.

[18] قائد القوات البريطانية التي احتلت بغداد في (11 آذار 1917م) هو الفريق السير ستانلي مود، حيث أذاع في بيان بعد إكماله احتلال بغداد فقال: (إن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل محررين) ـ أي من الحكم العثماني ـ. مات في (18 تشرين الثاني 1917م) اثر تسمم أصيب به، أقيم له تمثال أمام السفارة البريطانية بجانب الكرخ في بغداد. انظر (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها).

[19] هي ثورة عارمة ضد الاستعمار الإنكليزي في العراق عام (1338هـ 1920م)، حيث اصدر قائد الثورة الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي قدس سره  والذي كان المرجع الأعلى للطائفة، فتواه الشهيرة ضد التواجد الإنكليزي في العراق مما اضطروا للخروج بعد الخيبة والانكسار، وهذا نص الفتوى: (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم) انظر (الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920م ونتائجها): ص192- 195).

[20] فقد كان في العراق وحده من المراجع الكبار الذين كان لهم الدور الكبير والمؤثر في السياسة الدولية كالمجدد الشيرازي والميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ كاظم الخراساني والسيد الحبوبي والسيد الحكيم وغيرهم من كبار العلماء.

[21] وهو واضح وجلي ويظهر بوضوح لما آل إليه أمر الأمة الإسلامية والعراق خصوصاً في هذه السنين، حيث أدخل في حربين خاسرتين استنزفت طاقات وموارد العراق البشرية والمادية، أولها الحرب التي هاجم فيها إيران واستمرت ثمان سنوات وذهب ضحيتها مليوني إنسان من الشعبين العراقي والإيراني ومئات المليارات من الدولارات كخسائر مادية، والحرب الأخرى عندما أقدم النظام على احتلال الكويت، حيث أدى ذلك إلى تجمع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فقامت بإخراج العراق من الكويت ووضع العراق تحت حصار طويل الأمد، وكلفت هذه الحرب مئات الآلاف من الخسائر البشرية ودمرت البنية التحتية للبلد ويرزخ الآن على كاهل العراق من الديون ما يزيد على مئات المليارات من الدولارات، وهذا كله نتيجة وجود هذه الأحزاب العميلة.

[22] بحار الأنوار: ج44 ص381 ب37 ما جرى عليه (عليه السلام) بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية إلى شهادته صلوات الله عليه...

[23] انظر ما نصت عليه قرارات التهجير التي أصدرها ـ التي ذكرناها سابقاً ـ النظام الحاكم تتضح الأهداف والغايات.

[24] آية الله الشهيد السيـد حسن بن السيد الميرزا مهدي الشيرازي قدس سره ، ينحدر من أسرة اشتهرت بالعـلم والفضيلة والتقوى ومكافحة الاستعمار. وُلد في مدينة النجف الأشرف عام (1354هـ). درس السطوح العليا على يد العلماء الكبار أمثال والده آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي قدس سره  وآية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني قدس سره  وآية الله العظمى الشيخ محمد رضا الأصفهاني قدس سره . اشتهر في الأوسـاط العلمية بالعلم والفقاهة والـذوق الأدبي والعمل الدؤوب.

كان من طليعة المحاربين للحكومات الجائرة التي تعاقبت على العراق بالفكر واللسان والعمل، فتعرَّض لمضايقات عديدة وللاعتقال والتعذيب. ترك العراق مهاجراً إلى لبنان وسوريا عام (1390هـ) واستمر في نشاطه العلمي والديني والفكري والسياسي، على أرض المهجر وتعريف ظلامة الشعب العراقـي للعالم. فأسس المدارس الدينية والمراكز الإسلامية والحسينيات، فأسس الحوزة العلمية الزينبية فـي سوريا عام (1393هـ) بتوجيه من أخيه الإمام الراحل قدس سره  وكـان يدرِّس فيهـا بحث خارج الفقه والأصول، وأسس مكتب جماعة العلماء في لبنان عام (1397هـ) ومدرسة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) ودار الصادق عليه السلام  وغيرها.

اغتيل (رحمه الله) برصاصات عملاء نظام الطغاة الحاكم في العراق بمدينة بيروت عام (1400هـ).

خلّف آثاراً مطبوعة ومخطوطة منها: موسوعة الكلمة في 25 مجلداً تتضمن: كلمة الله (جل جلاله)، وكلمة الإسلام، وكلمة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، وكلمة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)، كما ألف كتاب (خواطـري عن القرآن) الذي يقع في ثلاثة مجلدات، والاقتصاد الإسلامي، ودواوين شعرية، والعمل الأدبي، والأدب الموجه، والشعائر الحسينية، وغيرها، للتفصيل راجع كتاب (حضارة في رجل) للسيد عبد الله الهاشمي، وكتاب (أسرة المجدد الشيرازي) لنور الدين الشاهرودي، و (الراحل الحاضر) لمؤسسة المستقبل للثقافة والإعلام و (الموجز الجامع) للشاهرودي والفدائي.

[25] كالعلامة الشهيد السيد محمد مهدي بن آية الله العظمى الإمام السيد محسن الحكيم قدس سره  الذي ولد في النجف الأشرف سنة (1353هـ) واستشهد في السودان على يد عملاء مأجورين لطغاة العراق في عصر يوم الأحد (27 جمادى الأولى 1408هـ) المصادف (17 كانون الثاني 1988م).

[26] سورة الأنعام: 123.

[27] الكافي: ج2 ص164 باب الاهتمام بأمور المسلمين والنصيحة لهم ح5.

[28] سورة الممتحنة: 9.

[29] ميشيل عفلق مسيحي من أم يهودية مواليد دمشق (1910م)، أحد مؤسسي حزب البعث مع صلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني وغيرهم، سافر إلى باريس عام (1928م) للدراسة فتخصص بدراسة تاريخ الثورات وتاريخ الأديان، وكان تحت رعاية المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون الذي يعتبره من أحسن تلاميذه المؤمنين بأفكاره، وفي عام (1932م) عاد إلى دمشق مع صلاح البيطار وامتهنا التدريس ليبثا من خلاله أفكارهما الغربية والقومية في المجتمع، بين الطلاب والأساتذة، وفي عام (1941م) أسس حركة الإحياء العربي.

ترك التدريس ليتفرغ لتأسيس حزبه الذي أعلن عنه في (7 نيسان عام 1974م)، وبعد الإنشقاقات التي حصلت داخل الحزب عام (1966م) مال عفلق مع الجناح الدموي للحزب في العراق وكان راعيه وعرابه، وفي عام (1989م) سافر إلى باريس للعلاج فهلك في إحدى مستشفيات باريس بعد عملية جراحية، أعيدت جثته إلى بغداد وقبر فيها، فعمل له النظام الحاكم ضريحاً لكي لاينسى العراقيون أبرز رموز مأساة الأمة الإسلامية والعراق، فتظل شاخصة أمام العراقيين!!.

[30] شبلي العيسمي سوري ولد عام (1930م)، عمل وزيرا للإصلاح الزراعي ثم وزيرا للمعارف، ثم وزيرا للثقافة والإرشاد القومي (1963م-1964م) ـ في سوريا ـ عضو القيادة القومية لحزب البعث. ونائبا للأمين العام لحزب البعث عام (1965م)، انضم إلى جناح حزب البعث في العراق.

[31] طارق حنا عزيز، أو طوني حنا عزيز، مسيحي، صحفي سابق، عضو في القيادة القومية لحزب البعث العراقي عام (1977م) بعد تصفيات واغتيالات لأغلب أعضاء الحزب الحاكم في العراق ـ ما يسمى بمجلس قيادة الثورة ـ إذ قاد صدام التكريتي بعد عزله للبكر رئيس الجمهورية آنذاك حملة اعدامات طالت أبرز أعضاء الحزب الحاكم، ولم يبق على قيد الحياة اليوم ممن شاركوا في انقلاب (1968 تموز) سوى عزت الدوري، وطه الجزراوي، وطارق حنا عزيز..!!

تقلد مناصب عديدة في جهاز النظام الحاكم أهمها وزارة الخارجية ونائب لرئيس مجلس الوزراء.

[32] صلاح الدين سوري أحد المؤسسين لحزب البعث مع عفلق واكرم الحوراني وغيرهم، درس في باريس مع رفيقه عفلق، عاد عام (1932م) أو (1933م)، عمل كل في مجال التدريس، ومن خلاله أخذ ينشر أفكاره الغربية والقومية؛ ترك التدريس ليتفرغ لحزبه، من المؤسسين لحزب البعث عام (1947م)، رئيساً للوزراء عام (1963م) في حكومة قيادة الثورة ـ في سوريا ـ.

[33] أحمد حسن البكر، من مواليد تكريت عام (1914م)، تقلّد منصب رئاسة الوزراء فـي حكومة عبد السلام عارف، ثمّ منصب رئيس الجمهورية في العشرين من ربيع الثاني (1388ه/17 تموز عام 1968م) إثر انقلاب دبره على عبد الرحمن عارف، بعد إيعاز من أسياده الإنكليز والأمريكان والصهاينة. منح نفسـه رتبة مهيب ـ أعلى رتبة في الجيش ـ بعد الانقلاب، منح أقرباءه وأصهاره وأبناء عشيرته وبلدته رتباً عالية دون استحقاق. تحكمت الطائفية والعصبية إبان حكمه للعراق وتدهورت الزراعة وتردّت الصناعة وملئت السجون بالمجاهدين والأحرار. عرف بلؤمه وغدره حتى بأقرب أصدقائه، نحي عن الحكم إثر انقلاب دبره عليه زميله في الإجرام صدام التكريتي بتاريخ (16 تمّوز عام 1979م) بعد أن حكم العراق 11 عاماً. قتله صدام بحقنة ترفع نسبة السكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش، وذلك عام (1982م).

[34] صدام التكريتي، طاغوت العراق في العصر الحديث وأتعس نموذج للدكتاتوريين، صاغه الغرب وفق متطلبات المنطقة وظروفها السياسية، وحافظ علـى أمنـه الشخصي فـي أدق الظروف وأحلك اللحظات، ولد عام (1939م) في قرية العوجة جنوب تكريت، نشأ نشأة غير سوية بشهادة كل من عرفه، انتمى إلى حزب البعث واشترك مع بعض عناصر الحزب في محاولة فاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم عام (1959م) هرب إلى سوريا ومنها إلى مصر. وخلال فترة بقائه في القاهرة، كثر تردده على السفارة الأمريكية، فقد ذكر في صحيفة الشرق الأوسط ـ عن أحد كبار المسؤولين العرب ـ، بأن الرئيس عبد الناصر قد أخبر ـ المسؤول العربي عام 1969ـ أن صدام حسين هو رجل أمريكا الأول في المنطقة، وإنه كان دائم التردد على السفارة الأمريكية بالقاهرة، وأن المخابرات المصرية قد صورت ورصدت كل تحركاته واتصالاته بالسفارة الأمريكية.

اشترك في انقلاب (17 تموز 1968م)، وكان المنفذ الأول لتصفية الحساب مع مجموعة عبد الرزاق النايف بعد ثلاثة عشر يوما من انقلابهم، حيث تمت تصفية غير المرغوب فيهم، وفي عام (1970م) أصبح صدام نائباً لمجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية في حال غياب البكر عن البلاد. وفي عام (1979م) أصبح رئيساً للجمهورية بعد إقصاءه البكر عن الحكم.

هاجم إيران عام (1980م) فاندلعت حرب الخليج الأولى التي استمرت ثمان سنوات. احتل الكويت عام (1990م) فاندلعت حرب الخليج الثانية، فقامت قوات الحلفاء بقيادة أمريكا بتدمير العراق ووضعه تحت حصار طويل الأمد. انتفض الشعب فقمع صدام انتفاضة الشعب العراقي بوحشية لا مثيل لها، فقد قدرت أعداد من قتلوا وأعدموا واختفوا ما يزيد على 500 ألف ـ وقيل مليون ـ عراقي.

[35] رئيس الوزراء الإسرائيلي الاسبق، في عهده تم اتفاق عرف بمعاهدة (كامب ديفيد) وهي معاهدة صلح إسرائيل مع مصر في عهد أنور السادات برعاية أميركا.

[36] وفي رسالة للبابا بولس الأول إلى عفلق قال له فيها: إنك خدمت المسيحية أكثر من أغلب الرهبان!!.

[37] وهو سوق كبير وقديم يقع في بغداد، كان التجار اليهود هم المسيطرون فيه على الأعمال التجارية، وفيه قبر الشيخ الحسين بن روح النائب الخاص للإمام الحجة(عجّل الله تعالى فرجه).

[38] وإن كان لهم تأريخ في العراق فتاريخهم يشهد على عمالتهم وخياناتهم وغدرهم بالأمة الإسلامية والعربية والعراق.

[39] سورة هود: 81.

[40] سورة آل عمران: 178.