الفهرس

الأدعية

الصفحة الرئيسية

 

العجب آفة العبادة

من يتدبّر في دعاء الامام سلام الله عليه يرى أنّه يسأل الله سبحانه وتعالى روح الفضائل ويطلب منه أيضاً أن يقيه ويحفظه مما يفسدها، لأنّ لكلّ فضيلة آفة تفسدها، فقد قرأنا في الجمل السابقة قول الإمام سلام الله عليه: «وأوسع عليّ في رزقك ولا تفتنّي بالنظر» أو بالبطر، لأنّهما من آفات سعة الرزق، وكذلك قوله سلام الله عليه: «وأعزّني ولا تبتلِيَنّي بالكِبر» لأنّ الكبر آفة العزّة؛ حيث يتكلّف الإنسان فيه الشموخ على غيره بلا موجب، والكبر في النفس كما أنّ التكبر في المظهر والسلوك. وسَيمرّ قول الإمام سلام الله عليه: «وأجرِ للناس على يدي الخير ولا تمحقه بالمنّ»؛ لأنّ المنّ آفة عمل الخير للناس، وأيضا قوله سلام الله عليه: «وهب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر» فإنّه آفة معالي الأخلاق. أمّا هنا فيقول عليه السلام: «وعبّدني لك ولا تُفسد عبادتي بالعجب»؛ لأنّ العبادة فضيلة بل هي أمّ الفضائل وأرومتها، ولكن آفتها العجب، ولذلك عندما يطلبها الإمام من الله يطلب معها أن يقيه العجب.
إذاً في هذه الجملة أيضاً يطلب الإمام طلبين من الله تعالى وهما التعبيد والوقاية من العجب الذي يفسده.

معنى التعبيد

لم يرد استعمال لفظة (التعبيد) في الأدعية التي وصلتنا ـ على كثرتهاـ إلا نادراً، وربما لم يرد في القرآن الكريم إلاّ مرّة واحدة وذلك في قوله تعالى حكاية عن موسى على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام مخاطباً فرعون: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنـُّهَا عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرَائِيلَ﴾(1).
إنّ فرعون اتّخذ بني إسرائيل عبيداً وجعل يعاملهم معاملة السيّد الظالم المتجبّر لعبيده، ثمّ أخذ يمنّ على موسى عليه السلام في تربيته له ويقول له - كما حكاه القرآن الكريم - : ﴿... ألَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾(2)، فردّ عليه موسى عليه السلام بالقول: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنـُّهَا عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرَائِيلَ﴾. أي لِم حرمتَ أهلي من تربيتي وهدّدت قومي فاضطُرّت أمّي إلى إلقائي في البحر، فإنّ وقوعي بين يديك وتربيتك إيايّ إنّما كانت بسبب تعبيدك لبني إسرائيل وخوفهم منك ومن بطشك، فهذه ليست منّة بل هي جناية لأنّها نتيجة تعبيد وإخافة وبطش وإرهاب، فما وجه المنّة بذلك؟
فيكون معنى قول الإمام سلام الله عليه: «عبّدني لك»: اتّخذني، أو اجعلني عبداً، والمعنى الثاني أدقّ من باب مناسبة الحكم والموضوع ـ كما يقول الفقهاء ـ لأنّ الاتّخاذ نوع خصوصية وامتياز كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ َاللهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾(3) أي خصّه بهذه الفضيلة.
لكن قد يثار سؤال، وهو: أليس الخلق كلّهم عباد الله، وأنّ الله مالك الملك، كما نقرأ في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾(4) ؟ إذاً لماذا يطلب الإمام من الله أن يجعله عبداً له؟
بعبارة أخرى: إذا كانت عبوديتنا لله تعالى تكوينية قهرية؛ لانقطاعنا إليه سبحانه في الخلقة دون سواه، فما معنى طلب جعلنا عبيداً له؟
نقول: المقصود هنا هو القيام بما تقتضيه العبودية من العبد والإتيان بما ينبغي له، وهذا الأمر يتطلّب سعياً ودعاءً، ولذلك نرى الإمام سلام الله عليه وهو القمّة في العبودية لله يطلب ذلك منه تعالى ويقول: «وعبّدني لك» أي يا إلهي امنحني التوفيق بفضلك لأن أكون عبداً لك حقّ المعنى.
هب أنّ أحداً منّا عمل ما في وسعه وطاقته في عبادة الله تعالى، وقام بكلّ ما ينبغي له من فروض العبودية، من قيام بالواجبات والمستحبّات وترك للمحرّمات والمكروهات، بل عمل بوصيّة النبي صلى الله عليه وآله للصحابيّ الجليل أبي ذرّ حيث يقول صلى الله عليه وآله: «يا أباذرّ ليكن لك في كلّ شيء نيّة صالحة حتى في النوم والأكل»(5) ومفادها أن يسعى العبد لأن يجعل كلّ أعماله ـ حتى تلك التي لا يمكن الاستغناء عنها ـ عبادة لله سبحانه وتعالى، فهل يكون قد وفّى حقّ الله تعالى في العبادة وبلغ ما يليق بمقامه؟
كلاّ، لا يبلغ العبد مع ذلك حتى كنسبة القطرة إلى البحر المحيط، وهذا ما ندركه نحن بمستوانا، ناهيك عن المقدار والمستوى الذي لا نشعر به ولا ندركه!
فيكون معنى عبارة الإمام السجّاد سلام الله عليه في قوله: «وعبّدني لك» هو: إلهي إنّ عبادتي هذه ليست بمستوى عبوديتك ـ وهو منزّه عن المستوىـ لكن إجعلها وكأنّها بذلك المقام؛ فضلاً منك.
روي عن الإمام الباقر سلام الله عليه أنّه قال: «دخلت على أبي عليه السلام في أحد الأيّام فرأيته وقد اصفرّ لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له، فإذا هو يفكّر، فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي، فقال: يا بنيّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمّ تركها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام»(6).

العبادة الصحيحة ما كانت مرضيّة عند الله تعالى

نستنتج مما تقدم أنّ القيام بالعبادة لا يكفي ما لم يعتبرها المعبود كذلك، أي تكون عنده عبادة، فلا يكفي أن يقول المرء أنا أعبد الله، بل المهمّ أن يقبل المعبود عبادته.
صحيح أنّ التكليف يسقط عن العبد وتبرأ ذمّته إذا قام بالعبادة وكانت جامعة للشرائط والأجزاء التكليفية وفاقدة للموانع والقواطع التكليفية، ولكنّ القبول شيء آخر قد وضّحه الفقهاء بمثال وقد ذكره المرحوم الميرزا النائيني رحمه الله في شرح مسألة أصولية وعبّر عنها «اللعب بالعبادة».
وتوضيحه: إذا قال مولى لعبده: ائتني بكأس ماء، فامتثل العبد وجاء بالماء إلى المولى ولكنّه في الطريق إليه كان يرقص ويضحك ويستهزئ بالمولى أو يقوم بحركات لا تليق بشأنه، فإنّ المولى إذا كان حكيماً يقول: إنّ هذا العبد قد أتى بالتكليف لكنّه خرق مقام العبودية، فلا يعاقبه على عدم الامتثال له في جلْب الماء ولكنّه لا يقبله منه، لأنّه لا يعدّه من المتقرّبين إليه؛ والإمام سلام الله عليه يعلّمنا في هذا الدعاء أن نطلب من الله تعالى أن يقبل عبادتنا لأنّنا لا نعلم إن كنّا قد أدّيناها بما يليق ومقام قدسه تعالى أم اقتصرنا على إسقاط التكليف وإبراء الذمّة، حسب. ومن ثمّ نسأله تعالى ونقول له: «وعبّدني لك» أي اجعلني اللهم عبداً مقبول العبوديّة عندك.

آفة العجب

وآفة العبادة العجب، ولذلك نرى الإمام سلام الله عليه يقرن دعاءه وسؤاله من الله عزّ وجلّ أن يعبّده له، بأن لا يفسد عبادته بالعجب. فالإنسان وإن بلغ القمّة الشامخة في العبادة، يكون أيضاً معرّضاً للمزالق أو ما عُبّر عنه بالزحاليف(7).
ثمة مسألة شرعية موجودة في الرسائل العملية ومشهورة بين الفقهاء وهي أنّ الرياء أثناء العبادة مبطل لها، وبعد العبادة مفسد لها وليس مبطلاً، فإنّ العبد إذا رائى في أثناء صلاته فإنّها تبطل ويجب عليه قضاؤها وإلاّ حوسب يوم القيامة على عدم الإتيان بها. وهذا أمر يقرّه العقلاء أيضاً، أمّا لو رائى بعد صلاته، فإنّه لا تجب عليه الإعادة أو القضاء لكن لا تُحسب له بصلاة ولا تُدرج في قائمة حسناته.
أمّا العُجب فالمشهور بين الفقهاء حسب الروايات أنّه ليس مبطلاً للعبادة وإن كان أثناء العمل العباديّ ـ وإن كان هناك رأي يقول بأنّه كالرياء من هذه الناحية أي يبطل العمل إذا كان مقروناً به، أي واقعاً في أثنائه ـ ولكنّه يُفسد العبادة على كلّ حال، أي لا يثاب المكلّف عليها وإن لم يحاسَب لعدم تركها، فالعبادة التي يُعجب بها صاحبها غير باطلة ـ حسب مشهور الفقهاء ـ ولكنّها فاسدة، وما كان فاسداً فلا يؤجَر عليه صاحبه وإن أتى به.
إنّ العجب لا يقتصر على إفساده للعبادة فقط بل يفسد كلّ شيء، فهو يفسد العلم والتقدّم والصحّة والأخلاق. فالعالم إذا كان عنده عجب بعلمه يكون قد غفل عن نكات دقيقة قد تفوته بسبب غروره وإعجابه بعلمه، وهكذا المعجب بصحّته قد يصاب بأمراض يحسب نفسه بعيداً عنها، والشيء نفسه يصدق بالنسبة للمعجب بأخلاقه. أمّا العبادة فيفسدها ويُذهب ثوابها.
إنّ الدنيا كلّها لا تساوي شيئاً من دون العبادة، فإذا فسدت العبادة فماذا يبقى للإنسان بعد ذلك؟ فقد ورد في الروايات أنّ الدنيا كلّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة(8).
فكم سيعيش الإنسان في هذه الدنيا؟ حتى لو فرضنا أنّه عاش مئات السنين بل آلاف السنين وأكثر وهو يرفل بالصحّة والعلم وغير ذلك من مباهج الدنيا، فإنّه سيرحل عنها إلى الآخرة، فإلى أين سيولّي وجهه في الآخرة إن لم تكن عنده عبادة حقّة أو كانت عبادته فاسدة بالعجب، لاسمح الله.
ولهذا نرى التركيز على بيان ضرر العجب في العبادة خاصّة في لسان الأدعية والروايات الشريفة بل أشار لذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾(9) وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾(10).
فالعجب في العبادة أمر يردّه الإنسان ولا يرى له موجباً إذا التفت إلى نفسه أدنى التفاتة أوتأمَّل ولو قليلاً؛ فما الذي يغري العبد لأن يعجب في عباداته؟ هل يعجب بصلاته وصومه وزكاته وصدقاته أم يعجب بصحّته التي بسببها استطاع أن يعبد الله تعالى أم بعقله الذي به عرف الله تعالى وأدرك وجوب طاعته وعبادته، وكلّ تلك الوسائل وغيرها التي مكّنته من أداء العبادة إنّما هي من الله تعالى.
فهل يحقّ لنا بعد ذلك أن نمنّ على الله تعالى في عباداتنا أو أن نعجب بها وهو الذي هدانا للإيمان إن كنّا صادقين(11). فإذا كان كلّ شيء من الله، أفلا يكون عجب المرء بعبادته لله تعالى إسفافاً وأمراً مثيراً للعجَب إذا تأمّل المرء قليلاً أدرك ذلك بسرعة، ولكنّ الشهوات هي التي لا تدع الإنسان يلتفت إلى هذه الحقائق.
هذا من جهة جهلنا وضعفنا وعجزنا، ناهيك إذا نظرنا إلى القضية من جهة العظمة ومقام الربوبية ولسنا ببالغين حقّ قدرها، وما يصدر عنا حين نعبّر عنهما فبمقدارنا وبمستوى ألفاظنا وتصوّراتنا فقط. وإلاّ فإنّ الله تعالى هو الذي يمنحنا الأموال ثمّ يطلب منّا إقراضه، ويعدنا بأنّه سيضاعفها لنا أضعافاً كثيرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾(12).
إذاً جدير بأن نسخّر كلّ العقل فينا لعبادته حقّاً، لأنّه قد يمرّ على الإنسان ـ والعياذ بالله ـ عشرات السنين وهو غافل غير ملتفت؛ ومن ثمّ فهو يحتاج إلى المراقبة والدعاء، فيرشده الإمام سلام الله عليه بأن يتوجّه إلى الله تعالى بالقول: «وعبّدني لك ولا تُفسد عبادتي بالعجب».

الإفساد، واختيار الإنسان

قد يتبادر سؤال إلى الذهن وهو: لماذا يقول الإمام سلام الله عليه في دعائه: «ولا تُفسد عبادتي بالعجب». فمن الذي يفسد العبادة؛ أيفسدها الله سبحانه، أم الإنسان يفسدها باختياره؟
الجواب: إنّ معنى قول الإمام هو: اللهم لا تتركني وتخلّيني وشأني فيستحوذني العجب وتَفسُد عبادتي. ومثاله من واقع الحياة كالشخص النازل من جبل ذي منحدرات شديدة فإنّه يكون معرّضاً للهويّ، إلا إذا كان هناك حبل ذو مقابض يمسك بها، فإنّه بحاجة إلى وجود هذه الأداة لئلا يزلّ ويسقط، فيقول لمن بيده الطرف الأعلى من الحبل: لا تسقطني في الوادي؛ ففي يدك نجاتي وحياتي ما دمت أنا متمسّكاً في الطرف الآخر. فهكذا الحال بالنسبة للإفساد والإضلال عندما ينسب إلى الله تعالى، فإنّ العبد هو الذي ينفلت عن قبضة الطرف الثاني للهداية فيفسد ويضلّ، حينها يُخلّى بينه وبين نفسه، لعلمه تعالى بعدم جدوى الصلاح والهداية فيه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾(13)، ولذلك كان على الإنسان أن يُلحّ على الله تعالى دائماً في أن يهيّئ له أسباب الهداية وأن لا يدعه وشأنه وإلا فإنّه هالك لا محالة.
ولكن ينبغي أن يعلم أيضاً أنّ الله تعالى لا يفعل شيئاً عبثاً، فهو لا يوفّر أسباب النجاة والهداية والصلاح أو يمنعها عن أحد دون حكمة.
إنّ الله تعالى يمتنع عليه العبث سبحانه فهو الحكيم، والحكيم يضع الشيء في موضعه، فإذا كان العقلاء يدركون ذلك ولا يتخطّونه في حياتهم أو يحاولون أن لا يتخطّوه، فكيف بالله عزّوجلّ وهو سيّد الحكماء؟!
لو جاء إنسان عادّي إلى فقيه ـ مثلاً ـ وسأله مسألة شرعية، فالفقيه يكتفي بإعطائه الحكم الشرعي، كأن يقول له: إنّه واجب أو مستحبّ أو حرام أو مكروه، ولكن إذا كان السائل من أهل الفضل فربما أضاف في جوابه أنّه هناك رواية صحيحة السند عمل بها الفقهاء، ودلالتها تامّة تقول كذا وكذا.
فإذا كنا ندرك هذا في مستوانا ونحاول أن نتصرّف بحكمة ونعطي كلاًّ ما يناسبه، فهل نتوقّع أن لا يعاملنا الله بالحكمة فيأخذ بيد من لا يستحقّ العناية، ويتخلّى عمّن يستحقّها؛ حاشاه سبحانه وتعالى عن ذلك.

لله الحجّة البالغة

روى أنّه: «يجاء يوم القيامة بالرجل الحسن الذي قد افتتن بحسنه فيقول: يا ربّ حسّنت خَلْقي حتى لقيت من النساء ما لقيت. فيجاء بيوسف عليه السلام فيقال: أنت أحسن أو هذا، قد حسّناه فلم يفتتن؟ ويجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابه الفتنة في بلائه فيقول: يا ربّ شددت عليّ البلاء حتى افتتنت. فيجاء بأيّوب عليه السلام فيقال: أبليّتك أشدّ أو بلية هذا، فقد ابتلي فلم يفتتن؟»(14).
وروي عن مسعدة بن زياد أنّه قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى: «قل فلله الحجّة البالغة»(15) فقال: «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي! أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم. قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلاً. قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل؟ فيخصمه، وذلك الحجّة البالغة»(16).
وهاتان الحالتان ليستا من باب الحصر بل هما مثالان وإلاّ فإنّ الشيء نفسه يصدق على كلّ فرد تشغله مسألة ما عن العبادة سواء كانت مسألة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها.
والأمر بعد ذلك بحاجة إلى دعاء وتوسّل إلى الله تعالى، مساوقة مع العزم والتصميم في السعي لنبذ الشيطان ووساوسه.
فإذا حصل أنّ أحداً ما يريد قراءة دعاء ـ كدعاء كميل في ليلة الجمعة مثلاًـ ويغالبه النعاس أو ذهنه مشغول بأمر ما، فيتردّد: أيكون الترك أفضل أم قراءة الدعاء مع حال اشتغال الذهن واللهو عن التوجّه بعمق إلى مضامين الدعاء؟ هذا سؤال وُجّه لكثير من الفقهاء ومنهم السيّد الوالد رحمه الله فكان يقول: عدم الترك أفضل في كلّ حال؛ لأنّنا إذا قلنا بترك الدعاء في مثل هذه الحالة فإنّ النفس ستبحث عن الأعذار في غيره من أسباب العبادة مهما كانت تلك الأعذار ضعيفة واهية، أمّا إذا عوّدت نفسك على الدعاء فسيأتي التوجّه تباعاً.
ثلاث فوائد
وأقرب ما يمكن أن نستفيده من عبارة الإمام سلام الله عليه: «وعبّدني لك ولا تفسد عبادتي بالعجب» ثلاثة معانٍ.
الأول: تَقَـبَّلني عبداً، أي اجعلني أعبدك وفق ما يسّرتني له من الطاعة، واعتبر عبادتي في مستوى ساحة قبولك ورضاك.
الثاني: تقبّلها منّي بغناك عنّي.
الثالث: اجعلني مشغولاً بعبادتك عن العجب بعبادتي لك.
ولمزيد من التوضيح نذكر المثال التالي:
إذا كان أحد الملوك يملك مئة من العبيد فهل هؤلاء كلّهم في مستوى واحد من حيث ارتباطهم بالملك؟ كلاّ بالطبع، فبعضهم يعمل في البناء، وبعضهم يقوم بالخدمة داخل القصر، وبعض يكون واسطة بين الملك ووزرائه، إذاً فالمستويات تختلف، ولكن المهمّ أن يكون عمل العبد مقبولاً لدى الملك وأن لا يزلّ فيطرده.

عبادة الله فخر وشرف

هَب أنّ شخصاً ما كان خادماً للملك، ألا تراه يفتخر على الآخرين لأنّه قريب من مصدر القوّة أو المال أو الوجاهة؟ فكيف إذا كان عبداً لله تعالى؟ لا شكّ أنّ مثل هذا الإنسان لا تهمّه الدنيا ولا يخشى في الله لومة لائم، وحقّ له ذلك.
جاء رجل للإمام الصادق سلام الله عليه وقال: إنّي أرى من هو شديد الحال مضيّقاً عليه العيش، وأرى نفسي في سعة من هذه الدنيا لا أمدّ يدي إلى شي‏ء إلا رأيت فيه ما أحبّ، وقد أرى من هو أفضل منّي قد صرف ذلك عنه، فقد خشيت أن يكون ذلك استدراجاً من الله لي بخطيئتي؟ فقال الإمام سلام الله عليه: «أمّا مع الحمد فلا و الله»(17)
(1) الشعراء: 22.
(2) الشعراء: 18.
(3) النساء: 125 .
(4) آل عمران: 26 .
(5) مكارم الأخلاق: 464، وصاياه صلى الله عليه وآله لأبي ذر.
(6) بحار الأنوار: 46/ 75، ح65، باب مكارم أخلاق الإمام السجاد وعبادته صلوات الله وسلامه عليه.
(7) ورد في دعاء الصباح للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «وصلّ اللهم على الدليل إليك في =
= الليل الأليل والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول» يعني به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله. (مفاتيح الجنان ـ دعاء الصباح).
(8) روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنّه قال: يا علي إنّ الدنيا لو عدلت عند الله تبارك وتعالى جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة من ماء. من لا يحضره الفقيه: 4/ 362.
(9) التوبة: 25.
(10) الحديد: 20.
(11) إشارة الى قوله تعالى: ﴿يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ الحجرات: 17.
(12) الحديد: 11.
(13) النور: 40 .
(14) بحار الأنوار: 7 / 285 .
(15) الأنعام: 149.
(16) الأمالي للمفيد: 227 ح6 مجلس 26.
(17) بحار الأنوار: 68 / 54، ح86 .