الفهرس

الأدعية

الصفحة الرئيسية

 

قول الحقّ وإن عزّ

واحدة من أهمّ مصاديق حلية الصالحين وزينة المتقين التي يطلبها الإمام زين العابدين سلام الله عليه من الله سبحانه وتعالى، قول الحق، وإن قلّ ناصروه وكثر مناوئوه وتبعته المخاطر والصعوبات.

ملاحظتان في البدء

قبل أن نشرع في بيان ذلك لا بدّ من تأكيد نقطتين هامّتين في الموضوع، هما:
1. إنّ قول الحقّ يعدّ من أهمّ أسس الصلاح والتقوى للفرد المسلم، يؤيّد ذلك ما صدر عن أهل البيت سلام الله عليهم من القول بالحقّ دائماً، ولولاه لما كنّا اليوم مسلمين ولما بقي للإسلام والإيمان من أثر، خصوصاً في ظلّ محاولات الحكّام الظلمة، الهادفة إلى محو الدين وطمس أهمّ معالمه ورموزه.
2. لقد أمرنا الدين الحنيف مراراً وتكراراً أن نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق للصلاح والتقوى، وأن نشفع سؤالنا هذا بالعمل والتطبيق؛ قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعبَأ بكم رَبي لَولاَ دعَاؤكم﴾(1) في إطار التحريض على الدعاء وإدراك أهميته. وقال أيضاً: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسَان إلاَّ مَا سَعَى﴾(2) حيث ينبغي أن يكون السلوك الصالح مصدّقاً لما يلهج به في الدعاء.
لماذا القول وليس العمل؟
قد يتبادر إلى الذهن هذا السؤال وهو أنه: لماذا قال الإمام في هذا الدعاء: «قول الحقّ» ولم يقل: العمل بالحقّ؟
إنّ لمعاريض كلام أهل بيت النبوّة عليهم الصلاة والسلام جوانب عديدة وآفاقاً مديدة، وما غاب عنّا أكثر مما نستحضره، إلا أنّ ما يمكن قوله بهذا الصدد هو أنّ المجتمع الإسلامي كما هو بحاجة إلى فعل ليصدق عليه أنّه مجتمع إسلامي، كذلك هو بحاجة إلى قول وتصريح بالموقف الحقّ وبحزم.
أمّا إذا اقتصرت حياة الفرد على الجلوس في الدار دون أن يتكلّم بما يطلبه الحق منه، وتبعه الآخرون من أفراد المجتمع في الإحجام عن القول والتصريح أدّى ذلك إلى عدم العمل أيضاً، فعند ذلك لن يتحقّق الهدف المتمثّل ببناء مجتمع الصلاح والتقوى في المجتمع الإسلامي أبداً.
نعم قد جرت العادة في القرآن الكريم والأحاديث والروايات الشريفة على حثّ الإنسان على العمل أكثر من القول، نظراً لأنّ العمل هو الركيزة الأساسية في الإنسان؛ فإنّ تلفّظ الفرد بشهادة «لا إله إلا الله» أسهل عليه ملايين المرّات من العمل وفق شروطها؛ إذ العمل بهذه الشهادة يستوجب في كثير من الأحيان تقديم التضحيات الجسيمة وتحمّل المصاعب والمشكلات الكبيرة.
ولكي يهون الأمر في سبيل ذلك فلابدّ من نظرة إلى من نصّبهم الله تعالى قدوة، لتؤنس وحشتنا بعظيم رزئهم، وتشحذ هممنا بجميل صبرهم، فلقد كان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه نموذجاً أوحد في العمل بمقتضى شرائط التوحيد، الأمر الذي كلّفه أن يقصى عن الحكم مدّة خمسة وعشرين عاماً، وهو الأعلم والأفضل والأتقى والأقضى من بين الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
وكذلك كان شأن الكثير من عظماء الإسلام ممّن شايعه واقتدى به مثل الصحابيّ الجليل أبي ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه الذي التزم وعمل بشهادة التوحيد ما أمكنه جهده؛ فمات بسبب ذلك نفياً وغربة ووحدة وجوعاً، بعد أن كابد الفاقة والجوع قبل ذلك فترات طويلة.
إذاً المجتمع الصالح، بحاجة إلى القول كما هو بحاجة إلى العمل، ولعلّ الإمام استعمل هنا كلمة (قول) لإرادة هذا الأمر، وإن كان ثمّة تناوب في الاستعمال بين هاتين الكلمتين، حيث قد تُطلق إحداهما ويراد بها الأخرى، كقولهم: قال بيده هكذا أي عمل هكذا، إلا أنّ الذي هو ثابتٌ أنّه لا يكفي من أجل صلاح المجتمع، العمل بالحقّ وحده، بل لابدّ من الدعوة إليه، والتصريح به.

ما هو الحقّ؟

ذكروا للحقّ معاني، ففي اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، واصطلاحاً: الحكم المطابق للواقع؛ ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك(3). وعندما نقرأ القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت سلام الله عليهم نجد لهذه الكلمة معاني متشابكة ومتداخلة، وكلّ معنى له خصوصيته، والجامع لكلّ معانيه هو وقوع الشيء في موقعه الذي هو أولى به. ويشخّص الحقّ في الفتوى الفقيه، وفي البناء المهندس، وفي الصحّة الطبيب، وتشخيصه في التاريخ والسيرة من اختصاص المؤرّخ، وهكذا.

أفضل الحق

إن أفضل الحقّ عندما يكون إظهاره والعمل بمقتضاه عزيزاً.
أمّا كيف يعزّ قول الحق؟
إذا قلّ الشيء النافع وندر أصبح عزيزاً، فمثلاً الماء الذي تتوقّف عليه الحياة، وجُعل منه كلّ شيءٍ حيّ، يصبح عزيزاً إذا ما ندر أو حيل بينه وبين طالبه. أمّا إذا كان متوفراً فلا يسمى عزيزاً رغم نفعه وأهميّته، وهذا يعني أنّ الشيء العزيز هو النافع النادر.
والقول بالحقّ أمر حسنٌ جدّاً ونافعٌ، ولكن ما يجعله حلية للصالحين وزينة للمتقين هو عندما يكون إظهاره والعمل به عزيزاً ونادراً، بسبب المخاوف والمخاطر، كالتعذيب والحرمان والاعتقال وسائر الصنوف الأخرى التي يستخدمها الظالم لإرهاب من يجترئ على قول الحقّ بوجهه.
إنّ التاريخ يتشرّف بأولئك الذين صدعوا بالحقّ بعد أن عزّ وغاب قائله فضلاً عن فاعله، وأصدق من قال الحقّ في عزّته، هم محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ومنهم السيّدة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها حيث كانت أوّل المقدمين في قول الحقّ بعد وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله حين ظهر الباطل فأصبح الحقّ عزيزاً، فكان أوّل ما قامت به عليها الصلاة والسلام هو فضحها للمؤامرة ـ أو قل المؤامرات ـ التي حيكت ضد الإسلام لاستهداف أصوله وصميمه، حتى تسنّى بفضل قولها الحقّ أن حافظت على جوهر الدين من الدمار التامّ، وأبقت للمسلمين ما يتمسّكون به، وإلا لنجح الشياطين في إرجاع الناس إلى الجاهلية الأولى.
ومن هنا نفهم وندرك عمق تصريح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حينما أجاب عن أفضل الجهاد، فقال: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر»(4)؛ فقول الحقّ بوجه الظلمة يعدّ جهاداً بل أفضل الجهاد، الأمر الذي يشير إلى مدى أهميّته وخطورته، فضلاً عن ندرة المتصدّي له.
وهذا الحديث الشريف ورد بلفظ «عند إمام جائر» أيضاً، وهذا يستدعي التأمّل أيضا؛ فكلمة (سلطان) ذات مفهوم أو استعمال أوسع من كلمة (إمام). ففي الاصطلاح الإسلامي إذا جار الحاكم الكافر سمّي سلطاناً جائراً، أمّا إذا جار الحاكم المسلم، فيسمّى إماماً جائراً.
والجهاد ضدّ إمام الجور بقول كلمة الحقّ بوجهه، أفضل من الجهاد ضد سلطان الجور؛ لأنّ ما يضعف الإسلام ويؤدّي إلى تآكله من الصميم وفي نفوس المستضعفين من المسلمين ويدفع بغيرهم إلى الإعراض عنه، هو ما يقترفه إمام الجور، مثل يزيد بن معاوية لعنهما الله، الذي حكم باسم القرآن والرسول صلى الله عليه وآله، وكان في الوقت نفسه من أعدى أعدائهما، حتى أنّه اختطّ خطّاً في الجريمة والتجاوز على مقدّسات الدين ورموزه، لا تزال مظاهره تؤذي بدن الدين والأمّة، ظاهرة في كلّ من تقمّصها من بين الحكّام الذين توالوا بعده وهم يحملون معاول التحريف بالدين والتنكيل بالأمّة كلّما تهيّأت الظروف لهم.
ومن هنا أكّدت الأحاديث الشريفة بأن ظالمي محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله لو كانوا قد امتنعوا عن الظلم والاضطهاد، وفسحوا المجال لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بممارسة دوره بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، لما بقي على وجه الأرض كافر، لأنّ الإسلام الذي يطبّقه عليّ بن أبي طالب ويحكم هو به هو الإسلام الحقّ وإنّما هو ضياء ورحمة للعالمين(5)، وكلّ من لم يكن جاهلاً أو معانداً، فمن طبيعته أن يبحث عن الضياء ليهتدي به.
إنّ كلمة الحقّ كثيراً ما تؤدّي بقائلها إلى المشكلات وحتى القتل، كما فعلت مع الشاعر الصنديد دعبل الخزاعي. فما قاله في إمام الجور هارون العبّاسي كان وحده يكفي في تعريض حياته للخطر، فاضطرّ إلى التشرّد والتخفّي بين البلدان، بسبب قوله:
قبـران(6) في طوس خير الناس كلهم*** وقــبـر شــرّهــم، هــذا مــن الــعـبـرِ
لا ينفـع الـرجـس مـن قـرب الـزكي ولا*** على الزكيّ بقرب الرجس من ضررِ
 
حتى قال في مناسبة: أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجد أحداً يصلبني عليه(7).

وفي الزهراء قدوة

روى أصحاب الحديث ومن مختلف الطرق إسرار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بضعته الصدّيقة الطاهرة سلام الله عليها حين دنت وفاته وقوله لها: «ليس أحد من نساء المسلمين أعظم رزية منك»(8).
وليس سبب هذه الرزية ـ كما تشهد بذلك الوقائع التاريخية كافّة ـ سوى قولها كلمة الحقّ في باكورة الخيانة الكبرى التي أفرزتها السقيفة، وبعد أن علم مناوئوها باستعدادها وإصرارها على قول كلمة الحقّ وعدم اكتراثها بمن يتنازل أو ينهزم؛ خوفاً أو طمعاً بمن صيّر نفسه إماماً للمسلمين وهو الذي صرّح بنفسه في أكثر من مناسبة «وُلّيتكم ولست بخيركم»(9)، ناهيك عن صنوه وقرينه الذي كشف عوراته للناس عندما أعلن سرّاً وجهراً بأنّ جميع الناس بمن فيهم النساء أفقه منه(10)، وهو الذي أصدر حكم الإعدام الجماعي ضدّ كلّ من كان طوله يقلّ عن خمسة أشبار(11).
ترى، لماذا رزئت الصديقة الزهراء سلام الله عليها وهي سيّدة نساء المسلمين والعالمين، بل كيف ولماذا تكون رزيّتها الأعظم من بين سائر النساء المسلمات؟
ذلك لأنّها تحمّلت مسؤولية الحفاظ على الإسلام مع زوجها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، عملاً بوصية أبيها صلى الله عليه وآله وذلك عبر كلمة الحقّ التي قرعت بها سمع حشود المسلمين الذين قلبوا لوصيّ المصطفى ظهر المجنّ، حتى أنّها اضطرّت سلام الله عليها إلى مصارحة عدوّها بالحرف الواحد حين قالت له: «والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة»(12).
ما أعظم رزيّتها سلام الله عليها وهي تتخطّى الرقاب لتدلي بخطبتها، وما أعظمها من كلمة حقّ عند إمام جائر، قد صدرت ممّن يغضب الله لغضبها ويرضى الله لرضاه(13)، لترسم لنا بذلك خطّ الإسلام الأبيّ، وتقول للتاريخ والأجيال: هذا هو الإسلام الأصيل الذي بُعث به أبي صلى الله عليه وآله.
فالتوفيق لقول الحقّ إن عزّ وندر، يعدّ من علامات التقوى وزينتها والصلاح وحليته، كما قال الإمام السجّاد سلام الله عليه، ويتحقّق ذلك بالطبع ضمن شروط وحالات حدّدتها كتب الفقه في مظانّها.
والمعرضون عن إظهار قول الحقّ حين يحقّ بوجه الجبابرة والطغاة، لا يُعدّون من الصالحين والمتّقين، وإن كانوا يصلّون ويصومون، لأنّهم بإعراضهم يداهنون الظالمين الجائرين الذين لا يهمّهم صلاة من صلّى أو صوم من صام، بقدر اهتمامهم بالطاعة وإبداء الصمت والتسليم لهم من قبل رعاياهم.
إنّ مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها آلت على نفسها إلاّ قول الحقّ بوجه إمام الجور بل أئمّة الجور، وإن كان يستجلب لها الظلم من قِبلهم وسلبها راحة العيش. والأمر هكذا قد تمّ فعلاً بعدما أنهت خطبتها حتى وصل الحال بهم أن صنعوا ما صنعوا، مما يعرفه الكُلّ.
فالتمسّك بقول الحقّ هو من أساس التقوى والصلاح، خصوصاً حينما يقلّ ناصروه ويكثر مناوئوه ويعزّ قائله ويكثر الصامت عنه.
(1) الفرقان: 77.
(2) النجم: 39.
(3) انظر الفروق اللغوية: 193 رقم 773 الفرق بين الحقّ والصدق.
(4) عوالي اللآلي: 1/ 432 ح131.
(5) لقوله صلى الله عليه وآله في علي سلام الله عليه: «علي مع الحق والحق مع علي، اللهم أدر الحق معه حيثما دار».
هذا الحديث مما اتفق عليه المخالف والمؤالف. رواه ابن طاووس في الطرائف: 102 وابن عساكر في تاريخ دمشق: 30/ 63 وغيرهما.
(6) ويقصد قبر الإمام علي الرضا سلام الله عليه وقبر هارون العباسي القريبين من بعضهما.
(7) الغدير: 2 / 369.
(8) الآحاد والمثاني: 369 ح2970.
(9) انظر كنز العمّال: 5/ 636 رقم 14118 والقرطبي في تفسيره: 3/ 262 من تفسير الآية 253 من سورة البقرة، وهو مشهور. كما يذكر الرواة أنّه قال: «والله لوددت أنّي كنت شجرة في جانب الطريق مرّ علي جمل فاخذني فادخلني فاه فلاكني ثمّ ازدردني ثمّ أخرجني بعراً ولم أكن بشراً». منهم المتقي الهندي في كنز العمّال: 12/ 528 رقم 35699 والمصنّف لابن أبي شيبة: 8/ 144 رقم 7 وغيرهم.
(10) روي أنّه لمّا أراد أن يمنع المغالاة في مهور النساء تصدّت له إحدى المسلمات فقالت: يابن الخطّاب! الله يعطينا وأنت تمنع. وتلت هذه الآية: (وآتيتم إحداهن قنطاراً) فقال: كلّ الناس أفقه من عمر. (راجع الرازي في تفسيره الكبير: 9/ 13 مورد الآية 20 من سورة النساء).
(11) انظر كتاب سليم بن قيس: 248، وفيه: أنّ عمر بن الخطاب بعث إلى واليه على البصرة أبي موسى الأشعري حبلاً طوله خمسة أشبار وقال له: «أعرض من قبلك من أهل البصرة، فمن وجدته من الموالي ومن أسلم من الأعاجم قد بلغ خمسة أشبار، فقدّمه فاضرب عنقه» ثمّ إنّ الأشعري راجع عمر وخوّفه من تفرّق الناس عنه... فكفّ عمر عن ذلك.
(12) بيت الأحزان: 84 في امتناع علي سلام الله عليه بيعة أبي بكر، والامامة والسياسة: 1/ 31 في اباية علي سلام الله عليه بيعة ابي بكر.
(13) روى الهيثمي في مجمع الزوائد: 9/ 203، والدولابي في الذرية الطاهرة: 119، والطبراني في معجمه الكبير: 1/ 108 ح182، وابن الأثير في أسد الغابة: 5/ 522. وغيرهم فضلاً عن الخاصة ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله لبضعته الزهراء سلام الله عليها: إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.