الفهرس

المؤلفات

 التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

سورة مريم

(وفيها ثلاث آيات)

1 ـ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً / 50.

2 ـ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً/96.

3 ـ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ / 97.

((وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)):

مريم/ 50

روي الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي)

قال: أخبرنا عبد الرحمن بن علي بن محمد بن موسى البزاز (بإسناده المذكور) عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم):

وليلةَ عُرج بي إلى السماء، حملني جبرئيل على جناحه الأيمن، فقيل لي: من استخلفته على أهل الأرض؟ فقلت: خير أهلها لها أهلاً علي بن أبي طالب، أخي، ووصيي، وصهري (يعني ابن عمي).

فقال لي: يا محمد، أتحبّه؟ فقلت: نعم يا ربّ العالمين، فقال لي: أحبّه، ومُرْ أمتك بحبِّه، فإنّي أنا العلي الأعلى، اشتققت له من أسمائي اسماً فسمّيته علياً، فهبط جبرئيل فقال: إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: إقرأ، قلت: وما اقرأ؟ قال:

((وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ً)) [1].

((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّاً)).

مريم/ 96

روى العلاّمة النيسابوري في تفسيره [2]، وروى الفقيه الشافعي ابن حجر في صواعقه [3]، في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا)) عن ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّها نزلت في علي بن أبي طالب.

* * * * *

وروى محبّ الدين، أحمد بن الطبري، (الشافعي) في (ذخائر العقبى) بسنده عن ابن عباس أنّه قال: نزل قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّاً)) في علي بن أبي طالب، جعل الله له وداً في قلوب المؤمنين [4].

وأخرج العلاّمة السيد أبو بكر بن شهاب الدين، (الشافعي)، في كتابه (رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي) والمسمّى أيضاً بـ (الشاهد المقبول بفضل أبناء الرسول) نفس ما أخرجه المحبُّ، الطبري مع اختلاف يسير [5].

وأخرجه الخطيب البغدادي [6] أيضاً.

* * * * *

وقال (الصبّان الشافعي) في إسعاف الراغبين:

وذكر النفاشي في تفسيره: أنّها نزلت في علي [7].

* * * * *

وأخرج نحواً منه (الشبلنجي الشافعي) في نور الأبصار أيضاً [8].

* * * * *

وأخرج الإمام أبو عبد الله شمس الدين الذهبي في تذكرته عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال لعلي بن أبي طالب: (لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق) [9].

وأخرجه أيضاً الزمخشري في تفسيره [10]، والهيثمي علي بن أبي بكر في مجمعه [11]، والفقيه الحنفي الخوارزمي في مناقبه [12]، والفقيه الشافعي ابن المغازلي في مناقبه [13]، والمحدّث الشافعي جلال الدين السّيوطي في تفسيره [14] وآخرون كثيرون.

(وبهذه) المناسبة نذكر بعض الأحاديث الشريفة أيضاً في فضائل أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، التي ذكرها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم):

أخرج الفقير العيني في مناقبه، وعلاّمة الهند بسمل في أرجح المطالب، بأسانيد عديدة عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعلي (عليه السلام) كلِّهم سمعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال:

(عليّ خيرُ البشر من أبى، فقد كفر) [15]، وفي أرجح المطالب نحوه بلفظه [16].

وأخرج هو أيضاً، بسند آخر عن جابر (رضي الله عنه) قال قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم):

(عليّ خيرُ البشر من شك فيه، فقد كفر) [17].

(وروي) أيضاً بأسانيد عديدة أخرى، تنتهي إلى علي (عليه السلام)، وابن مسعود، وجابر أنّهم سمعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال:

(من لم يقل علي خير الناس، فقد كفر) [18].

(وأخرج) علاّمة الهند بسمل في أرجح المطالب بسنده عن عقبة بن سعد العوفي قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وقد سقط حاجباه على عينيه فسألناه عن علي فرفع حاجبيه فقال: " ذاك خير البشر" [19].

* * * * *

وأخرج الفقير العيني، بأسانيد عديدة تنتهي إلى معاوية بن جيث، والحكيم بن بهز عن أبيه، عن جده، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال لعلي بن أبي طالب:

(من مات من أُمّتي وهو يبغضك، مات يهودياً، أو نصرانياً) [20].

((فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا)):

مريم/ 97

روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال (أخبرنا) الحسن بن علي الجوهري (بإسناده المذكور) عن ابن عباس (في قوله تعالى):

((لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ)).

(قال): نزلت في علي خاصة.

((وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا)).

نزلت في بني أمية وبني المغيرة [21].

(أقول): قوله: (نزلت في عليّ خاصةً) يحتمل معنيين:

(أحدهما): أن يكون سبب النزول هو شخص علي بن أبي طالب (عليه السلام).

(ثانيهما): أن يكون المراد بـ (المتقين) هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) باعتباره الشخص الوحيد الذي يصدق عليه (المتقي) صدقاً كاملاً، من جميع الجهات وبشتى الاعتبارات، فكان غيره مع وجوده ليس متصفاً بهذه الصفة، كما يقال (إنّما الرجلُ زيدٌ).

سورة طه

(وفيها تسع آيات)

1 ـ وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (إلى) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي / 29 ـ 32.

2 ـ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى / 82.

3 ـ يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ / 109.

4 ـ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً / 124.

5 ـ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا/132.

6 ـ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ / 135.

((وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي))

طه/ 29 ـ 32.

أخرج (عالم الشافعية)، الحافظ الخطيب بن المغازلي في مناقبه (بإسناده المذكور) عن ابن عباس قال: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بيد علي فصلى أربع ركعات، ثم رفع يده إلى السماء فقال:

(اللّهم، سألك موسى بن عمران، وأنا محمد أسألك، أنْ تشرح لي صدري، وتُيّسر لي أمري، وتحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علياً، أشدد به أزري، وأشركه في أمري).

فقال ابن عباس: فسمعت منادياً ينادي: يا أحمد، قد أُوتيت ما سألت.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): ارفع يدك إلى السماء (وادع ربك، واسأله يعطك، فرفع يده إلى السماء) وهو يقول:

(اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك وداً) فأنزل الله على نبيه:

((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا)).

فتلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على أصحابه، فعجبوا من ذلك عجباً شديداً.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): (ممّ تعجبون، إنّ القرآن أربعة أرباع: فربع فينا أهل البيت خاصة، وربعٌ حلال وحرام، وربعٌ فرائض وأحكام، والله أنزل في علي كرائم القرآن) [22].

((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى))

طه/ 82

قال الفقيه (الشافعي) ابن حجر في (الصواعق)، هذا لفظه:

الآية الثامنة قوله تعالى:

((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى)).

قال: قال ثابت البناني: اهتدى إلى ولاية علي وأهل بيته [23].

((يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً)):

طه/ 109

روى ابن حجر العسقلاني (الفقيه الشافعي) في كتابه (فتح الباري) بإسناده عن أبي هريرة رفعه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال:

من قال: (اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وترحم على محمد وعلى آل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) شهدت له يوم القيامة وشفعت له [24].

(أقول): باعتبار أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) سيد الآل، ورئيس الآل، وكبيرهم، فالصلاة عليه مضافاً إلى الصلاة على الرسول وبقية الآل، تجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يشفع له، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا يشفع حيث لا تنفع الشفاعة، وإذا شفع قبل الله شفاعته.

((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى))

طه/ 124

روى الحافظ الحسكاني (الحنفي عن فرات بن إبراهيم في تفسيره (بإسناده المذكور) عن أبي عباس في قوله الله تعالى:

((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى)).

إنّ من ترك ولاية علي، أعماه الله، وأصمّه [25].

((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها)).

طه/ 132

روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا الحاكم الوالد (بإسناده المذكور) عن أبي الحمراء خادم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم):

إنّه لمّا نزلت هذه الآية:

((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها)).

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يأتي باب علي وفاطمة كل صلاة فيقول: الصلاة رحمكم الله.

((إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) 33/ الأحزاب [26].

* * * * *

وروى الشيخ المحمودي عن (تاريخ دمشق) بالإسناد المذكور فيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): قال حين نزلت، ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها)) كان يجيء نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى باب علي، صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: الصلاة رحمكم الله ((إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [27].

(أقول): إنّما كانت الثمانية الأشهر المساوية لمائتين وخمسين يوماً تقريباً، للتأكيد على أنّ أهل بيت النبي هم من في بيت علي، لا من في بيوت نفسه (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أزواجه حتى يشهد، ويرى عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذلك كل أحد خلال هذه المدة الكبيرة.

فالتأكيد لم يكن على الصلاة، إنّما كان على الإلفات الضمني بأن أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) هم علي وفاطمة وأولادهما، لا غيرهم.

والروايات في هذا الباب كثيرة، نكتفي بذكر هاتين ـ كعادتنا ـ في الإشارة إلى الفضائل لا الاستيعاب.

((... فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى)).

طه/ 135

روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا عقيل بن الحسين (بإسناده المذكور) عن ابن عباس قال:

أصحاب الصراط السوي هو ـ والله ـ محمد وأهل بيته.

والصراط: الطريق الواضح الذي لا عوج فيه [28].

(أقول): قد مرّ في الآية السابقة ـ وفي غيرها أيضاً ـ أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) هم علي وفاطمة وذريتهما، فشمول هذه الآية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) إنّما هو بلا إشكال.

سورة الأنبياء

(وفيها سبع آيات)

1 ـ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ / 7.

2 ـ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا / 44.

3 ـ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ / 89.

4 ـ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى (إلى) الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ / 101 ـ 103.

5 ـ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ / 111.

((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ))

الأنبياء/ 7

روى أحمد بن محمد بن إبراهيم المحدّث النيسابوري المعروف بـ (الثعلبي) صاحب التفسير الكبير، في تفسيره، عند قوله تعالى:

((فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)).

قال: جابر الجعفي: لمّا نزلت هذه الآية، قال علي:

(نحن أهل الذكر) [29].

(أقول): قد مرّ في سورة النحل في نظير هذه الآية الرواية التي تقول: (بأنّ يهودياً سأل عمر بن الخطاب ـ على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ـ شيئاً فلم يقدر على الجواب، ثم سأل علياً عن ذلك الشيء فأجابه علي، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بذلك فنزل قوله تعالى: ((فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)).

((... أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها)

الأنبياء/ 44.

روى العلاّمة البحراني (قُدِّس سرُّه) قال:

روى الزعفراني، عن المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، قال: لمّا قتل علي بن أبي طالب، قال ابن عباس:

(هذا اليوم نَقُصَ العلم من أرض المدينة، ثم إنّ نقصان الأرض نقصان علمائها، وخيار أهلها، إنّ الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساء جهالاً، فيسألوا فيُفتوا بغير علم فضلًّوا وأضلُّوا) [30].

(أقول): إنّما ذكر ذلك ابن عباس، لعلمه بأنّ نقصان الأرض ـ في التفسير أو التأويل ـ المقصود به موت الإمام، أو موت علي (عليه السلام) خاصةَ، باعتباره الفرد الأكمل للعالم.

وقال: (هذا اليوم نَقُصَ العلم من أرض المدينة) إمّا باعتبار أنّ المدينة المنوّرة حيث كانت مركز العلم، ومنبثق الإسلام، فنقص العلم منها معناه نقص العلم عن معينه وأساسه، (وإمّا) باعتبار أنّ علياً ما دام موجوداً ولو في خارج المدينة ـ فالعلم غير منقطع عن المدينة لترشح الآثار إلى المدينة من علي (عليه السلام)، أينما كان، فإذا مات علي (عليه السلام) فقد نقص العلم من المدينة يوم موته، لا يوم خروجه من المدينة.

وقوله: (نقص العلم) ولم يقل انقطع، لعلّه باعتبار تخلف مثل ولديه الحسن، والحسين ـ الإمامان قاما أو قعدا ـ محله، فلم ينقطع العلم بل نقص، أو باعتبار الملاءمة مع ظاهر الآية الكريمة (ننقصها من أطرافها).

(ولا يخفى) أنّه قد مرَّ نظيرُ هذه الآية في سورة الرعد، ونقلنا هناك حديثاً يشبه حديث ابن عباس ـ عن عبد الله بن عمر ـ قاله في موت علي (عليه السلام).

((رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ))

الأنبياء/ 89.

قال ابن أبي الحديد (المعتزلي) في شرح نهج البلاغة:

وجدنا في السير والأخبار من إشفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وحذره على أمير المؤمنين (كرّم الله وجه) ودعاءه له بالحفظ والسلامة، ما قاله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم الخندق وقد برز علي إلى عمرو ورفع (صلى الله عليه وآله وسلم) يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه:

(اللّهم، إنّك أخذت مني حمزة يوم أحد، وعبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم عليّ علياً).

(ثم تلا (صلى الله عليه وآله وسلّم) قوله تعالى):

((رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ)) [31].

وأخرج عبد الرحمن بن أبي بكر (السّيوطي) الشافعي نظير هذا الحديث في كتابه (القول الجلي في فضائل علي) عن الديلمي عن علي (عليه السلام) [32].

(أقول): هذا الآية وإنْ كانت واردة في القرآن الحكيم على لسان (زكريا) النبي (عليه السلام)، إلاّ أنّ تلاوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لها في مثل هذا المورد لا تخلو من دلالة على تفسير، أو تأويل بالمورد، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، هو الذي قال فيه القرآن ((وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى)) [33]، وهذا ممّا نطق به النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): فلابدّ أنّه أوحى إليه أن ينطق به.

((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ))

الأنبياء/ 101 ـ 103.

روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: حدثني أبو الحسن الفارسي (بإسناده المذكور) عن علي (بن أبي طالب) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم):

يا علي، فيكم نزلت هذه الآية: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ)) [34].

(أقول): (فيكم)! معناه: فيكم أهل البيت، أو معناه: فيك أنت وشيعتك، وعلى كل واحد من المعنيين شواهد تقف عليها في موارد عديدة من هذا الكتاب.

وروى هو أيضاً قال: حدّثونا عن أبي بكر السبيعي (بإسناده المذكور) عن أبي عمر النعمان بن بشير ـ وكان من سمار علي.

(أنّ علياً قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): يا علي، فيكم نزلت) [35]: ((لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها)) [36]:

* * * * *

وروى هو أيضاً عن أبي الحسن الفارسي، بإسناده المذكور عن علي أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): ياعلي، فيكم نزلت: ((لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ))

الناس يُطلبون في الموقف، وأنتم في الجنان تتنعمون [37].

(أقول): إمّا المراد بالجنان جنان المحشر، وهي ظل عرش الله، ولواء الحمد، وعند حوض الكوثر، ونحوها.

وإمّا المراد: أن الشيعة يدخلون الجنة، ويبقى غيرهم بعد في المحشر يطالبون بما لم يعتقدوه في أهل البيت في الدنيا.

((وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ))

الأنبياء/ 111

أخرج الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، (الشافعي)، المعروف بابن عساكر في كتابه الكبير (تاريخ مدينة دمشق)، في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب، بسنده المذكور، عن جمع من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) (ذكرهم بأسمائهم) أنّهم قالوا: قال علي بن أبي طالب يوم الشورى: والله، لأحتجن عليهم بما لا يستطيع قرشيهم ولاعربيهم ولاعجميهم ردّه، ولا يقول خلافه، ثم قال لهم أنشدكم الله، أنشدكم الله، وجعل يذكر فضائله التي تفرد بها دون سائر الصحابة، إلى أنْ قال:

وقد قال الله عزّ وجلّ:

((وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ)) [38].

(أقول): ذكر الإمام هذه الآية الكريمة بعد مناشداته للصحابة وتصديقهم إياه في جميعها بدون تردد، دليلٌ على أنّ هذه الآية في علي (عليه السلام) تنزيلاً، أو تأويلاً أو تفسيراً، أو تطبيقاً.

[1] شواهد التنزيل/ ج1/ ص358.

[2] تفسير النيسابوري/ ج2/ ص520.

[3] الصواعق المحرقة/ ص170.

[4] ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى/ ج1/ ص89.

[5] رشفة الصادي/ ص25.

[6] المناقب لأحمد بن علي بن أبي بكر البغدادي/ ص188.

[7] إسعاف الراغبين/ ص109.

[8] نور الأبصار/ ص112.

[9] تذكرة الحفاظ/ ج1/ ص10.

[10] الكاشف/تفسير سورة مريم (عليها السلام).

[11] مجمع الزوائد/ ج9/ ص125.

[12] المناقب للخوارزمي/ ص197.

[13] المناقب لابن المغازلي/ ص327.

[14] الدر المنثور/ ج4/ ص287.

[15] المناقب للعيني/ ص38 49/ أرجح المطالب/ ص588 ـ 590.

[16] أرجح المطالب/ ص41.

[17] المناقب للعيني/ ص38 49/ أرجح المطالب/ ص588 ـ 590.

[18] المناقب للعيني/ ص38 49/ أرجح المطالب/ ص588 ـ 590.

[19] أرجح المطالب/ ص41.

[20] المناقب للعيني/ ص49 62.

[21] شواهد التنزيل/ ج1/ ص365.

[22] مناقب علي بن أبي طالب/الحديث378.

[23] دلائل الصدق/ ج1/ ص218.

[24] فتح الباري/ ج13/ ص411.

[25] شواهد التنزيل/ ج1/ ص379 ـ 380.

[26] شواهد التنزيل ـ وهامشه/ ج1/ص381 ـ ص382.

[27] شواهد التنزيل ـ وهامشه/ ج1/ ص381 ـ 382.

[28] شواهد التنزيل/ ج1/ ص383.

[29] تفسير الثعلبي المخطوط/ ج2/الورقة30/ الصفحةالأولى.

[30] غاية المرام/ ص444.

[31] شرح نهج البلاغة/ ج/ ص250.

[32] القول الجلي للسّيوطي (المخطوط) الحديث (26).

[33] سورة النجم/ آية 3 ـ 4.

[34] شواهد التنزيل/ ج1/ ص384/384 ـ 385.

[35] بين المعقوفين فراغ في (شواهد التنزيل) والظاهر أن الساقط هو ما أثبتناه إما بلفظه أو بمعناه، بقرينة الأخبار الأخرى.

[36] شواهد التنزيل/ ج1/ ص384 ـ 385.

[37] شواهد التنزيل/ ج1/ ص384.

[38] ترجمة الإمام علي بن أبي طالب، من تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر/ ج3/ ص87 ـ 91.