فهرس الكتاب

المؤلفات

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

الشورى

القرآن الكريم ذكر (الشورى) في عدة آيات كريمة وأكد عليها.

قال سبحانه: [ وأمرهم شورى بينهم] (1).

كما أُمِر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشورى والاستشارة مع أصحابه فقال تعالى: [ وشاورهم في الأمر] (2) مع إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم ومسدد بالوحي، حتى قال سبحانه: [ وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى] (3).

لكنهم(4) يريدون الاستبداد فتركوا هذه الآيات من القرآن الكريم، فأصبحوا غارقين في المشاكل.

وأماّ الغربيون فقد أخذوا بالشورى ـ ولو نسبياً ـ وأوجدوا الأحزاب الحرة والمؤسسات الدستورية والانتخابات الحرة في كل أربع سنوات أو ما أشبه ذلك، ولذا استقامت بلادهم، وأخذ يأتي إلى الحكم الأفضل فالأفضل في نظرهم، وذلك نتيجة لممارستهم الديمقراطية والشورى وتركهم للاستبداد النسبي(5).

ولكن المسلمين والبلاد الإسلامية وحكامها فمشغولون بالاستبداد، فالحاكم يأتي إلى الحكم إمّا بالانقلاب العسكري أو بالوراثة أو ما أشبه، ثم يلتصق بالحكم مدة حياته، وأحياناً يعيّن الحكم لمن بعده من وارث أو ما أشبه، فلا شورى ولا تعددية ولا انتخابات حرة بالمعنى الصحيح ولا.. ولا.. ولذا أخذت بلادنا بالتدهور، وأخذ يأتي إلى الحكم بمرور الزمن الأسوء فالأسوء.

إن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنه معصوم وكان أعقل الناس ومتصلاً بالوحي، كان يستشير حتى في الأمور العرفية والشخصية فكيف بالأمور المهمة والتي تعم الجميع، فبعد وفاة خديجة (عليها السلام) استشار امرأة في مسألة زواجه وأنه بمن يتزوج (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبتتبع قليل واستقراء ناقص وجدت أن التاريخ اثبت الاستشارة من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثمانية عشر موضعاً، فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يستشير حتى النساء.

نعم إنهم(6) اخذوا بالقرآن ولو بعضاً، وفي ذلك البعض رجحت كفتهم علينا، فإن القرآن نور يضيء من أخذ به [ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور] (7).

فإن النور في طرق الحياة المظلمة ليس بالنور المادي، بل النور المعنوي، كما قال سبحانه: [ وأنزلنا اليكم نوراً] (8).

ولا علاج للمسلمين في هذا الأمر إلاّ بالأخذ بالشورى على الموازين الشرعية، وقد ذكرنا في كتاب (الشورى في الإسلام)(9) زهاء (مأتي) رواية، بالإضافة إلى الآيات الكريمة، فإنها تبين لزوم الأخذ بمبدأ الشورى كما تبين سائر خصوصياتها(10).    

الأخوة

القرآن الكريم ذكر (الأخوة) وأكد عليها، حيث قال سبحانه: [ إنما المؤمنون أخوة] (11).

وقد طبقّ رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) الأخوة بين المسلمين الأوائل مرتين، مرة في مكة المكرمة، ومرة في المدينة المنورة، فصار العربي والفارسي والرومي والحبشي إخوة، كما صارت النساء أخوات.

ومعنى الأخوة: أن لا يتميز أحدهم عن الآخر في جنسية أو لون أو لغة أو غير ذلك من الفوارق، حتى صار يعطي أحدهم بنته للآخر، ويأخذ منه البنت ويشاركه في كسب أو تجارة، ولا يهم أن كان أصله شريفاً أو وضيعاً، عالماً أو جاهلاً، غنياً أو فقيراً.

وفي قصة الإمام السجاد (عليه السلام) وزواجه المذكورة في كتاب (وسائل الشيعة) وغيره، شاهد على ذلك، وكذلك في قصة تزويج جويبر بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(12).

لكن أعداء القرآن يريدون عدم الأخوة، فجعلوا الحدود الجغرافية، فكل واحد من المسلمين في هذه الحدود المصطنعة قد تكون له بعض المزايا وغيره أجنبي، لا يحق له أيّ شيئ، فهذا أفغاني وذاك ايراني، وهذا عراقي وذاك باكستاني، وهذا مصري وذاك إندونيسي، و هذا سوري وذاك تركي، وهكذا(13).

وإنما تركوا (الأخوة) لأنهم يريدون الاستبداد والسيطرة على الشعوب ففرقوا بينهم وجعلوا الامتياز، ولا يهمهم قوانين القرآن إذ قال سبحانه: [ يا أيهّا الناس إناّ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم] (14).

أماّ الإسلام فلا يعترف بهذه الخصوصيات فغير المسلم بمجرد أن يسلم يكون أخاً للمسلمين بلا زيادة عنهم أو نقصان، كما نراه في تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيوم أسلمت صفيّة اليهودية، وتزوج منها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صارت (أم المؤمنين) وكان يدخل عليها كبار المسلمين قائلين: السلام عليك يا أم المؤمنين!.

هذا وظاهرة عدم الأخوة والتفرقة بين إنسان وإنسان ليست في بلاد الإسلام فحسب بل في البلاد غير الإسلامية أيضاً، وهو من النقاط السلبية عندهم، فترى أحدهم في أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أو سائر بلاد الغرب يحتفظ بأصله، والذي ليس من أهل البلاد، ليس له حق من حقوقهم ولا عليه واجب من واجباتهم، إلاّ بعد سنوات يحددها القانون الذي وضعوه بأنفسهم.

وكم لهذا القانون من مآس بشرية، وامتيازات عنصرية، وحرمانات اجتماعية وسياسية وغيرها.

الحرية

القرآن الكريم أكّد على الحريات، قال الله تعالى في وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): [ الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم] (15).

وهكذا أكّد الإسلام على حرية الإنسان في آخر هذه الآية المباركة ووصف نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه يضمن حريات الإنسان ويضع عنه إصره وأغلاله وقيوده، فإن الإنسان يقيده أمران:

الأول: القوانين الحكومية، وهي الأغلال التي تكون عليه.

الثاني: العرف الاجتماعي بموازينه غير الصحيحة في النكاح والطلاق والولادة والموت وألف شيء وشيء.

فلو فكر كل إنسان رأى نفسه مغلولاً بين هذين الأمرين، ولكن الإسلام ببيانه نهج الصحيح للحياة وللإنسان يضع عنه الإصر والأغلال، ويضمن له كافة الحريات المشروعة، وقد ألمعنا إلى جملة من ذلك في كتاب (الفقه: الآداب والسنن)(16) وذكرنا جملة من الحريات الإسلامية في كتاب (الفقه: الحريات)(17).

فللإنسان حرية الزراعة والتجارة، والسفر والإقامة، والعمارة والبناء، والتأليف والكتابة، والزواج والمعاشرة، وألف حرية وحرية.. في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

وجاءت القوانين غير الإسلامية ـ سواء في بلاد الإسلام أو البلاد غير الإسلامية ـ لتحدد من نشاط الإنسان، وتجعله في قفص من القوانين الوضعية، حتى أن الإنسان في بعض بلاد الغرب ممنوع من اقتناء الدواجن في بيته(18)، ولو اقتناهن شخص يلزم عليه أن يدفع غرامة نقدية على ذلك، فإنهم حيث أرادوا إثبات شخصيتهم حتى يقولوا: (نحن)! ولما أرادوا السيطرة على مصادر الثروة، وحيث أرادوا نهب أموال الناس بالباطل تحت أسماء وأسماء، حددّوا كلّ تلك الحريات.. فالزراعة بإجازة، والعمارة بضريبة، والسفر بتأشيرة، والإقامة برخصة، وهكذا وهلّم جراً.

والفرق بين بلاد الإسلام وغير بلاد الإسلام إن الحريات تكبت في بلاد الإسلام بالاستبداد والديكتاتورية وفي اكثر مجالات الحياة، أما في غير بلاد الإسلام فتكبت باسم الديمقراطية!، والحاصل أن في بلاد الإسلام كبت وسلب إرادة، وفي بلاد الغرب كبت بإرادة، حيث يزعمون أنّ الكبت بإرادة الناس أنفسهم فلا محذور، بينما هذا الكبت والاستبداد ليس إلاّ بالقوانين الجائرة والإعلام المضلل وكله تحت غطاء الديمقراطية.

فاللازم العمل بالحريات الإسلامية لإنقاذ البلاد الإسلامية وغيرها، وقد ذكرنا في بعض كتبنا أن الحريات الإسلامية اكثر بكثير من الحريات في الغرب(19).

الأمّة الواحدة

القرآن الكريم أمر بالأمة الواحدة، قال تعالى: [ إن هذه أمتكم أمة واحدة] (20).

وهكذا أراد الله للبشرية أن تكون أمّة واحدة كما لها رب واحد.

أما الحدود الجغرافية بين بلاد الإسلام فهي من صنع (لورانس الإنكليزي) وذلك لتفرقة المسلمين، وليسهل عليهم السيطرة على البلاد الإسلامية، فهي مخالفة للإسلام والقرآن، وإنما أرادها المستعمر لقاعدة (فرّق تسد)، وأرادها الحكام العملاء لأن في ذلك غرورهم وطريقة لنهبهم الثروات وحفظ العمالة.

إني اذكر جيداً أنّ الشخص كان يأتي من قم المقدسة إلى كربلاء المشرفة بتسعة توامين(21)، ثم ارتفعت الأجور فصارت الأجرة خمسة عشر توماناً، ثم ارتفعت كذلك فصارت عشرين توماناً، واليوم جعلوها ربع مليون تومان، والسماء سماء، والأرض أرض، والمسافة نفس المسافة، والمزار نفس المزار، والزائر نفس الزائر ـ في كونه إنساناً معتقداً بالزيارة ـ فما هو الفارق؟.

أليس هو طمع المستعمر، وجهل الحاكم وإرادته المال؟.

كما أذكر انه قبل ستين سنة وضع البهلوي الأول(22)  قانون الضريبة على كل مسافر يأتي من إيران إلى العراق، والضريبة كانت على المسافر وأهله ـ ولو كانوا عشرة ـ خمسة قرانات(23)  وكان يُعطى للزائر ورقة فيها اسمه واسم أهله، وكان الكثير لايأخذون هذه الورقة استهزاءً، حتى قال شاعرهم ما مضمونه(24):

قد دفعنا لأجل السفر خمسة قرانات ظلماً وعدواناً..

فما عدا مما بدا ؟

نعم غيرّ الاستعمار والاستثمار أمتنا وفرقّوا المسلمين، وقد وصلوا إلى ما أرادوا، فقد وحّدوا بلادهم (أوروبا) ذات سبعمائة مليون، وقسموا بلادنا ذات ألفي مليون.

فيجب أن نوحّد البلاد الإسلامية ونكون أمة واحدة وذلك ممكن، فـ(غاندي) المشهور(25) وحّد بلاد الهند ذات ثلاثمائة دولة استعمارية، وذات الأديان الكثيرة… بعد ما تسلط الإنكليز عليها.

والكلام في هذا الباب وفي كل الأبواب التي ذكرناها وسنذكرها طويل، وإنما نكتفي هنا بالالماع، لعّل الله يحدث بعد ذلك أمراً، ويرجع المسلمون إلى الإسلام وإلى قوانين القرآن.

بل اللازم رجوع البشر إلى موازين الإسلام وتعاليم القرآن حتى وإن لم يكونوا مسلمين، فما معنى الحدود الجغرافية بين الإنسان والإنسان الآخر، ممّا ليست حتى بين الحيوان والحيوان، كالأسماك والطيور والحشرات والسباع وغيرها ؟.

1- سورة الشورى: 38.

2- سورة آل عمران: 159.

3- سورة النجم: 3و4.

4- أي الذين يحاربون القرآن.

5- قال احد الرؤساء الغربيين: ( ما نحن بالسادة.. الشعب هو السيد وما نحن غير خدم الشعب، انسوا ذلك وسيريكم الناخبون كيف يحسبون منكم ما أعطوه لكم) راجع مجلة العربي العدد 470 ص51.

6- أى الغربيين.

7- سورة النور: 40.

8- سورة النساء: 174.

9- يقع الكتاب في 104 صفحة من الحجم المتوسط، طبع عدة مرات، الطبعة الأولى: دار الفردوس بيروت لبنان 1409هـ 1989م.

10- كصفات المستشير والمشير، وموارد المشورة ومقدارها و كيفيتها وما أشبه.

11- سورة الحجرات: 10.

12- حيث أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جوبير ان يخطب من زياد بن لبيد بنته الدلفاء، فتزوجها. راجع بحار الأنوار ج 22 ص117 ب 7 ح89.

13- وقد ذكرت مجلة (المجلة) في عددها 982 ص14 بتاريخ 6 /12/ 1998 : (اوضحت الاحصائيات الصادرة عن المديرية العامة للجوازات في السعودية ان المجموع الكلي للذين تمت معالجة حالتهم وأوضاعهم من المتخلفين ومخالفي أنظمة الاقامة والعمل بالسعودية ضمن الحملة التي اعلنها وأشرف عليها وزير الداخلية، والتي تحمل شعار (معاً ضد مخالفي انظمة الإقامة والعمل) بلغ (1966095).

14- سورة الحجرات: 13.

15- سورة الأعراف: 157.

16- موسوعة الفقه ج94- 97 كتاب الآداب السنن.

17- يقع هذا الكتاب في 325 صفحة من الحجم الكبير، وقد طبعته مؤسسة الفكر الاسلامي، بيروت لبنان، عام 1414 هـ 1994م. وراجع أيضا كتاب (الصياغة الجديدة) للإمام المؤلف (دام ظله).

18- كما هو القانون في بريطانيا.

19- راجع كتاب (الصياغة الجديدة) للإمام المؤلف (دام ظله).

20- سورة الأنبياء: 92.

21- كل تومان يعادل عشر ريالات إيرانية. والآن الدولار الواحد يعادل اكثر من سبعة آلاف ريال إيراني!.

22- رضا خان بهلوي (1295 ـ 1363هـ / 1878 ـ 1944م) شاه إيران (1343 ـ 1359هـ / 1925 ـ 1941م) ضابط من ضباط الجيش الايراني، اطاح بأسرة قاجار الحاكمة وأعلن نفسه شاهاً على إيران عام 1925م. اضطر إلى التنازل عن العرش لابنه محمد رضا بهلوي.

23- والقران: ريال واحد.

24- بنج صاحب قرآن به بتذكره جي قرض بي وجه را أدا كرديم

25- غاندي (1285-1367هـ / 1869-1948م) الزعيم السياسي والروحي الهندي. لقب بـ الماهاتما ـ أي النفس الكبيرة ـ نادى باللاعنف والمقاومة السلبية، وعمل على تحرير الهند من نير الاستعمار البريطاني، ودعى الى إزالة الحواجز بين الطبقات الاجتماعية والى الوحدة بين الهندوس والمسلمين والسيخ.. اشهر آثاره: سيرته الذاتية التي دعاها (تجاربي مع الحقيقة) عام 1927م / 1345هـ، قتله هندوس متعصب.