فهرس الكتاب

المؤلفات

التفسير وعلوم القرآن

الصفحة الرئيسية

 

لكم رؤوس أموالكم

القرآن الكريم بيّن أسس الاقتصاد الصحيح، فقد جعل الله تعالى للإنسان رأس ماله، قال سبحانه: [ لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون] (1).

وهذا هو نتيجة سعي الإنسان أو ما أشبه سعيه كالإرث، قال تعالى: [ وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى] (2).

وقال سبحانه: [ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة] (3).

فإن طبيعة الربا أن يتضاعف ويتضاعف، حتى يجعل أحد الطرفين أغنى الأغنياء، والطرف الآخر أفقر الفقراء، وذلك ليس خلاف القرآن فحسب بل خلاف فطرة الإنسان، وهذا مما ابتلي الإنسان به في الحال الحاضر، فبطون تتخم وبطون تحرم(4).

لكن الإنسان الطاغي لا يريد إلاّ أكل حق الآخرين بالربا فلايرضى برأس ماله، بل يَظلم والإنسان الآخر يُظلم.

وقد جعل الله المضاربة قانوناً عادلاً حيث أن صاحب المال له الحق، إذ للمال المدخلية في الربح، والعامل له الحق إذ للعمل المدخلية في الربح أيضاً، ويكون الربح ـ إن كان ـ بينهما حسب الموازين الاقتصادية العرفية، من النصف أو الثلث، لهذا أو ذاك، أو نحو ذلك(5).

ولكن اليوم قد شاع الربا في كل العالم(6) لجشع الإنسان، وعدم إيمانه لابالله سبحانه واليوم الآخر فحسب، بل بالإنسان بما هو إنسان، بل بنفسه، لأن الإساءة تعود لنفسه أيضاً، قال تعالى: [ يا أيهّا الناس إنما بغيكم على أنفسكم] (7) وقال سبحانه:[ إن أسأتم فلها] (8). فإن الأمر وإن كان قصير المدة في ربح المرابي، لكنه طويل المدة في خسرانه، وقد ذكرنا تفصيله في بعض كتبنا الاقتصادية(9).

فإن الربا، والسلاح، والتجمل، وزيادة الموظفين، أربعة أمور أورثت العالم هذه المشاكل التي تحيرت فيها حتى أولوا الألباب(10)، ولا علاج لها إلاّ بالرجوع إلى سنن الله تعالى، فإنك [ لن تجد لسنّة الله تبديلاً ولن تجد لسنّة الله تحويلاً] (11)

الأرض لله ولمن عمّرها

القرآن الكريم أكّد على أن الله تعالى خلق للانسان الارض وما فيها، حيث قال سبحانه: [ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً] (12).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأرض لله ولمن عمّرها) وقد قال سبحانه: [ وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى] (13).

وهكذا كان حال المسلمين، فلم تكن (أزمة السكن)، وإني اذكر قبل ستين سنة حينما عمرت محلتان في النجف الأشرف وهما: (الجبل) و(الجديدة) حيث لم يكن للأرض ثمن، فهي كالماء والهواء والحرّ والبرد، يستفيد منها الجميع بقدر إرادته بشرط عدم مزاحمة الآخرين واستغلال حقهم.

وكذلك عمرت محلة (السعدية) في كربلاء المقدسة بلا ثمن، أليست الأرض لله ولمن عمرّها؟

فالأرض كانت مباحة لمن عمرها، من دون حاجة إلى رخصة من الدولة وما أشبه.. وكان البستان ونصب الرحى وما إلى ذلك مجاناً، حتى أن القبر لم يكن له ثمن.

وهذا هو القانون الإسلامي الذي بينّه القرآن الكريم وعمل به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) فانه ورد أن علياً (عليه السلام) بنى في الكوفة دكاكين وأعطاها للناس مجاناً، حتى لا يغلى ثمن البضائع.

وقال (عليه السلام): ما من شخص إلاّ وأعطيته داراً.

وقبل ذلك قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المنورة: (الأرض لله ولرسوله، ثم انها لكم مني أيها المسلمون).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (موتان الأرض لله ورسوله فمن أحيى منها شيئاً فهو له)(14).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عادي الارض لله ورسوله ثم هي لكم مني فمن أحيى مواتاً فهي له)(15).

بينما كانت الأرض في بلاد فارس والروم قبل الإسلام للدولة، وكانوا قد ضيقوا على الناس، كتضييق الحكام في يومنا هذا على الشعب في الأرض، مسلمين وغير مسلمين، ولذا تسمع باسم (أزمة السكن) وتراها بأم عينيك، فصاروا يبيعون حتى (القبر)! وليس ذلك إلاّ لملأ غرورهم بإرادة السيطرة من ناحية، وملأ جيوبهم بتكديسهم المال من ناحية ثانية.

ولو رجعنا إلى القرآن الحكيم، وإلى الإنسانية بما هي هي أي بفطرتها لا نحلت المشكلة [ وكان أمر الله قدراً مقدوراً] (16).

حيازة المباحات

القرآن الكريم أجاز حيازة المباحات، وقد صرح بذلك كثير من الروايات، فكل ما لا مالك له من الناس فهو لمن حازه، قال تعالى: [ خلق لكم] (17).

فكل مباح لا مالك له يكون لمن حازه، بشرط عدم التعدي على حقوق الآخرين، ولذا ورد: (من حاز ملك).

وحيث أنه تعالى قال: [ لكم] (18) كان معناه بدون مزاحمة الآخرين، بقدر حقه وحقهم، حال ذلك حال غرف المدرسة للطلاب حيث لا يحق لطالب أن يزاحم حق الآخرين.

وقد رأيت أنا في العراق هذا القانون مطبقاً، حيث كانوا يأخذون من معدن الملح، ومعدن الجص، وأسماك الأنهار، وأشجار الغابات، وحيوانات البر وطير السماء، وكل شيء نراه اليوم أدخلوه تحت القانون ومنعوا الناس منه إلاّ بإجازة وضريبة وما أشبه.

أما الحكام اليوم فللغرور من ناحية، ولملأ جيوبهم من ناحية ثانية، جعلوا كل ذلك تحت القانون بضرائب كثيرة، وإجازات ملتوية، وهكذا تركوا القرآن ونبذوا قانون الإسلام الذي دام منذ زمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قبل خمسين عاماً في العراق، وإلى قبل ثمانين عاماً في إيران، حيث حكم البهلوي(19) وقد جاء لتحطيم الإسلام، ولماّ انتهت أوامره التي صدرت من المستعمرين أخرجوه بكل ذلة، وهكذا جازوه بأسوء الجزاء، فـ [ خسر الدنيا والآخرة] (20).

وقد رأينا كيف أن (عبد الكريم قاسم) (21) وضع قوانين ضدّ القاعدة الإسلامية المذكورة(22) إطاعة لمواليه، لكنهم بعد ذلك قتلوه أبشع قتلة، نعم قال سبحانه: [ ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاً] (23) وسنرى آخرتهم حيث قال: [ ونحشره يوم القيامة أعمى] (24).

فاللازم أن نرجع إلى القرآن وإلى تطبيق قانون الإسلام إذا أردنا الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، ولا يكون ذلك إلاّ بالوعي العام لمليارين من المسلمين(25)، فان الوعي أول التقدم، وما ذلك على الله بعزيز.

1- سورة البقرة: 279.

2- سورة النجم: 39- 41.

3- سورة آل عمران: 130.

4- ففي مجلة (المجلة) العدد 955 ص 49 بتاريخ 6 / 6 / ‏1998: (تدفع أفقر دول العالم مبلغ 34 مليون دولار يومياً لفوائد هذه القروض).

وفي المجلة العدد 981 ص 16 تاريخ 29 / 11 / 1998م: (ديون هندوراس للبنك الدولي تبلغ 4 مليارات دولار، اما نيكاراغوا فديونها 6مليارات دولار. وتدفع كل دولة حوالي مليونين و200 الف دولار يومياً خدمة لذلك الدين. ويذهب 51% من دخل نيكاراغوا لخدمة ديونها. اما هندوراس فتنفق 80% على ذلك).

5- راجع موسوعة الفقه ج 53 ـ 54 كتاب المضاربة وكتاب (الاقتصاد بين المشاكل والحلول) للإمام المؤلف (دام ظله).

6- كما ذكرنا بعض الإحصاءات في ذلك.

7- سورة يونس: 23.

8- سورة الإسراء: 7.

9- راجع موسوعة الفقه ج 107- 108 كتاب (الاقتصاد) وكتاب (لمحة عن البنك الاسلامي) و(الاقتصاد الإسلامي المقارن) و(الكسب النزيه) و(الاقتصاد الإسلامي في سطور) و(الاقتصاد الإسلامي في خمسين سؤالاً وجواباً) و… للإمام المؤلف (دام ظله).

10- راجع كتاب (الفقه: طريق النجاة) للإمام المؤلف (دام ظله).

11- سورة فاطر: 43.

12- سورة البقرة: 29.

13- سورة النجم: 3و4.

14- مستدرك الوسائل ج17 ص111 ب 1 ح20903.

15- مستدرك الوسائل ج17 ص112 ب1 ح20906.

16- سورة الأحزاب: 38.

17- سورة البقرة: 29.

18- سورة البقرة: 29.

19- البهلوي الاول: رضا خان بهلوي (1295 ـ 1363هـ / 1878 ـ 1944م) شاه إيران (1343 ـ 1359هـ / 1925 ـ 1941م) ضابط من ضباط الجيش الايراني، اطاح بأسرة قاجار الحاكمة وأعلن نفسه شاهاً على إيران عام 1925م. اضطر إلى التنازل عن العرش لابنه محمد رضا بهلوي.

20- سورة الحج : 11.

21- عبد الكريم قاسم (1332 ـ 1382هـ / 1914ـ 1963م) ضابط عراقي قاد حركة الانقلاب ضد النظام الملكي في العراق وأطاح به في 14 يوليو 1958م / 1377هـ . انتهج في الحكم نهجاً استبدادياً، ثار في عهده الأكراد =في شمالي البلاد، لقي مصرعه في الانقلاب الذي قاده ضده (عبد السلام عارف) فبراير 1963م / 1382هـ.

22- قاعدة (حيازة المباحات).

23- سورة طه : 124.

24- سورة طه : 124.

25- تدل الاحصاءات الأخيرة على أن عدد المسلمين بلغ 2,000,000,000.