الفهرس

المؤلفات

 العقائد الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

التاريخ يتحدث

إن الذاهب إلى بلاد الشام ومدينة دمشق تحديداً، يُلاحظ قبرين مثيرين للعبرة والعظة:

أحدهما: قبر لمعاوية[1] بن أبي سفيان وابن هند آكلة الأكباد الذي حكم بلاد الشام طويلاً الذي يقع في بقعة مملوءة بالمزابل وأنواع الحشرات، وفي نفس الوقت ترى أصحابه ومحبيه يخفون قبره لكي لا يصل إليه أحد.

ثانيهما: قبر السيدة رقية[2]، وهو قبر لطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، وهي بنت الإمام الحسين (عليه السلام) ويقع بالقرب من قبر معاوية، ولكنه في مقابل قبر معاوية، حيث إن الناس يذهبون لزيارتها ويتبركون بقبرها ويطلبون من الله قضاء حوائجهم ببركتها، كل هذا لأنّ هذه الطفلة وكذلك عمتها السيدة زينب (عليها السلام) التي يقع مرقدها في ريف دمشق منطقة راوية من الذرية الطاهرة الذين هم امتداد للحق الذي سار عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) وهم جميعاً سادة أهل الدنيا والآخرة.

كما أنّ تعامل الناس مع السادة من ذرية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يُعبّر عن احترام وقدسية خاصة، واتباع لوصايا الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته (عليهم السلام) وذريته.

التأييد الغيبي لأهل الحق

إنّ صاحب البصيرة النافذة إذا أعطيت له حرية الاختيار بين الحق والباطل، ورفعت عنه جميع العقبات والحواجز، فإنه ـ وبلا شك ـ سوف يختار طريق الحق؛ لأنّ اتباع الحق يؤدي به إلى السعادة في الدنيا، والى الجنة والنعيم الدائم في الآخرة.

وطبيعة الإنسان العاقل أن يختار طريق الأمان والسلام، الذي هو طريق الحق، على طريق الهلكة والهوان، الذي هو طريق الباطل.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ الله عزوجل يحفظ الإنسان الذي يتبع الحق والحقيقة من النسيان والضمور، ويجعله في مأمن منها رغم تعاقب الأجيال، وتقلّبات الأيام، ويخلّد ذكره ليبقى قدوة للخير والفضيلة، والأمثلة على ذلك كثيرة. فهذا نبينا العظيم (صلى الله عليه وآله) ووصيه الكريم إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وكذلك الأنبياء والمرسلون وأوصياؤهم الكرام (عليهم السلام) من قبل ومن سار على نهجهم، تراهم جميعاً خالدين، فنبي الله نوح (عليه السلام) الذي مضى على نبوته آلاف السنين ـ حتى سمي شيخ المرسلين ـ بل آلاف القرون لقوله تعالى: ((قُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً))[3] قد ذكره الله في القرآن في مواطن عدّة، منها قوله تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأَْسْباطِ وعِيسى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً))[4].

وقال عزوجل: ((واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكاءكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ))[5].

وقال تعالى: ((قِيلَ يا نُوح اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ))[6].

وقال عزوجل: ((وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ومِنْكَ ومِنْ نُوحٍ وإِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً))[7].

وقال تبارك وتعالى: ((سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ))[8].

نعم، لقد حصل شيخ المرسلين نوح (عليه السلام) على هذا الذكر الطيّب والخالد لأنه (عليه السلام) كان يعمل في طريق الحق ومن أجل إعلاء كلمة الحق خالصاً مخلصاً.

فعلى الإنسان أن ينقطع إلى الله دائماً، وأن لا يأمل إلاّ الله أبداً، وأن يعتمد على نصرته تعالى في أداء واجبه وتكليفه، وأن يطلب العون منه (عزوجل) لا من المخلوقين، فقد روي عن الحسين بن علوان قال: كنا في مجلس نطلب فيه العلم وقد نفدت نفقتي في بعض الأسفار، فقال لي بعض أصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك؟ فقلت: فلاناً، فقال: إذاً والله، لا تسعف حاجتك، ولا يبلغك أملك، ولا تنجح طلبتك، قلت: وما علمك رحمك الله؟ قال: إن أبا عبد الله (عليه السلام) حدثني أنه قرأ في بعض الكتب: «أن الله تبارك وتعالى يقول:

وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي، لأقطعنّ أمل كل مؤمل (من الناس) غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولأنحينّه من قربي، ولأبعدنه من فضلي. أيؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي! ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقةٌ وبابي مفتوحٌ لمن دعاني، فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها، ومن ذا الذي رجاني لعظيمةٍ فقطعت رجاءه مني. جعلت آمال عبادي عندي محفوظةً فلم يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم (أن) من طرقته نائبةٌ من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحدٌ غيري إلا من بعد إذني، فما لي أراه لاهياً عني! أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده وسأل غيري، أ فيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلي! أبخيلٌ أنا فيبخلني عبدي؟ أوليس الجود والكرم لي؟ أوليس العفو والرحمة بيدي؟ أوليس أنا محل الآمال فمن يقطعها دوني؟ أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟ فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعاً، ثم أعطيت كل واحدٍ منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، وكيف ينقص ملكٌ أنا قيمه؟! فيا بؤساً للقانطين من رحمتي، ويا بؤساً لمن عصاني ولم يراقبني»[9].

نعم، إذا اعتمد الإنسان على الله وتوكل عليه فإنه يوصله إلى أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً))[10].

وقال تعالى: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ))[11].

[1] الذي يقع في زقاق ضيق في منطقة القيمرية في دمشق القديمة.

[2] قبر السيدة رقية بنت الحسين (عليها السلام) التي توفيت (عليها السلام) على رأس أبيها (صلوات الله عليه) حين طلبت رؤيته (عليه السلام) فأتوا لها بالرأس الشريف، ويقع قبرها الشريف في محلة العمارة وهو مزار مهيب ذو بناء واسع وعظيم وعامر دائماً بمحبي أهل البيت (عليهم السلام) وحتى من المخالفين أصحاب الحوائج.

[3] سورة الفرقان: 38.

[4] سورة النساء: 163.

[5] سورة يونس: 71.

[6] سورة هود: 48.

[7] سورة الاحزاب: 7

[8] سورة الصافات: 79.

[9] الكافي: ج2 ص66 باب التفويض بالله والتوكل عليه ح7.

[10] سورة الطلاق: 2،3.

[11] سورة آل عمران: 172 ـ 174.