الفهرس

المؤلفات

 العلوم الاخرى

الصفحة الرئيسية

 

حيوانات انقرضت بسبب التلوث

يذكر أن أصنافاً من الثدييات انقرضت من على سطح الكرة الأرضية، فقد انقرض منها (248) نوعاً، وأما من الطيور فقد انقرض منها (287) نوعاً، وأما من البرمائيات فقد انقرض منهـا (36) نوعاً، وانقرض أيضاً (119) نوعاً وتحت النوع من الزواحف.

ولا زالت ظاهرة الانقراض سارية في أكثر من بلدٍ، فالاتحاد السوفياتي ـ السابق ـ وحده يتهدد بانقراض (50) نوعاً مـن الثدييات و(63)نوعاً من الطيور و(121) نوعاً مـن الزواحف والبرمائيات و(418) نوعاً نباتياً راقياً حسب إحصاء الكتاب (الأحمر) لسنة 1394هـ (1974م)(1).

وعندما ينقرض حيـوان أو نبات فأثره يتعدى لغيره، حيث الارتباط الوثيق والموازنة بين أجزاء الكون وجزئياته من غير فرق بين أن يكون الملوث أو المتلف إنساناً أو غير إنسان في البر أو البحر، حيث يؤدي تخريب الغطاء النباتي والصيد غير المنظّم وتلوث الماء والهواء وغيرها إلى نقصان أعداد بعض الحيوانات وزيادة أعداد البعض الآخر.

ويوجد في كل نظام بيئي العديد من الحيوانات ذات التأثير البالغ، والتي تشترك في الحلقات المكونة للتوازن، وقد تكون هذه التأثيرات إيجابية أو سلبية ـ مثلاً ـ للحيوانات دور إيجابـي كبير في الغابة، فهي التي تؤدي إلى خلخلة الطبقة السطحية من التربة وتزيد من قدرتها على امتصاص الماء وتقلل الجريان السطحي. كما وتُغني التربة من المواد العضوية وتساهم في زيادة تحلل البقايا النباتية، بالإضافة إلـى بعثرة ونثر البذور علـى مساحات كبيرة، كما أنها تساعد علـى زيادة انتشار البذور، وذلك عندمـا تطأ أقدامها على البذور تنغرس قليلاً في التربة وتغطي بجزئياتها، وهذا يحمي البذرة من الحرارة المرتفعة أو المنخفضة، وفي إخفائها عن الحشرات وغيرها، وبالتالي تبقى هذه البذور محتفظة بقدرتها على الانتشار أكثر مـن تلك التي تبقى موجودة على سطح التربة. كما أنها تقوم بالقضاء علـى العديد من الحشرات الضارة بالأشجار والنباتات الأخرى والقوارض أثناء عمـل جحورهـا، وتقوم بخلخلة التربة وتساعد في اختراق الجزء العلوي من التربة مع بقاء النباتات الساقطة مما يزيد من نسبة المادة العضوية في التربة ويُحسن من تهويتها، وهذا يساعد وبشكل كبير علـى انتشار البذور وزيادة نمـوٍ البادرات، حيث في الصين ـ مثلاً ـ تشاهد العصافير بكثرة هائلة حتى أنها أخذت تنافس الإنسان في جمع البذور والحبوب، فأمَرَ (ماتسى تونغ) فـي أحد الأعوام بإبادة العصافير، فأبيدت بصورة وحشية وغير رحيمة، وفي العام التالي شاهدوا إصابة البذور بالتسوس، وبعد اكتشاف الأخصائيين لأسباب هذا المرض ظهر لهم أن العصافير كانت تضر بالبذور من جانب لأنها كانت تأخذ غذاءها منها ولكنها في الوقت نفسه كانت تقضي على الحشرات والديدان التي تؤثر علـى هذه البذور، ثم أمر (ماتسى تونغ) بعد ذلك بجمع العصافير من أنحاء العالم وإرسالها إلى المناطق الزراعية ونحوها، فعادت البذور إلى وضعها الصحي من جديد.

وهناك مثال آخر مـن الاتحاد السوفيـاتي ـ السابق ـ، فالمعروف عن الذئب أنه يفترس الأغنـام والأرانب والحيوانـات الأليفـة الأخرى المفيدة للإنسان، خاصة في غابات المناطق المعتدلة الباردة، ولذا قامت السلطات في موسكو وفي بولونيا بمحاولة القضاء على الذئاب، وظهر بعد أن قلَّت أعداد الذئاب بشكل كبير أن الأمـراض السارية بدأت تنتشر وبشكل سريع بين الحيوانات ذات الفراء، والتي كانت تتغذّى على لحومها الذئاب.

وأدت هذه الأمراض من جانبها إلى خسائر كبيرة، ونتيجة للدراسات تبيّن أن قلّة أعداد الذئاب بشكل كبير هو المسؤول عن انتشار الأمراض بين هذه الحيوانات، ذلك لأن الذئب يمسك بالطريدة بعد أن يطاردها ركضاً، فالحيوانات الضعيفة تسقط ضحيـة تحت أنيـاب الذئاب، أما القوية منها والسليمة فإنها تتخلص من أنياب الذئاب.

ولذا قرر الخبراء في موسكو وبولونيا الحفاظ علـى الذئاب التي تقوم بالقضاء على الحيوانات المريضة، التي تسبب نشر الوباء بين الحيوانات، وقد جلبوا أعداء الكبيرة من الذئاب إلى هاتين المدينتين.

والشيء نفسه بالنسبة إلى ثدييات وآكلات الحشرات والطيور الجارحة، فمثلاً يقضي الغرير على أكثر من (500) من الحشرات يومياً، وهناك طير آخر يقضي كل يوم على (10 آلاف ) من الديدان الصغيرة، وهناك أمثلة أخرى يجدها الإنسان في كتب البيئة والحيوان.

أمـا بعض التأثـيرات السلبية للثدييـات، والـتي لا يمكن مقارنتها بالإيجابيات، فتظهر بشكل خاص عندمـا تزداد أعدادها بشكل كبير بحيث تقوم بالتهام كافة البذور لدرجة أنهـا تمنع تجدد الأشجار والنباتات الأخرى، كما أنهـا تأكل الأجزاء الفتية مـن الأشجار والشجيرات وكذلك البادرات الفتيّة. كذلك يمكن أن تُسبب الطيـور أضراراً للغابات حيث تأكل البذور وبالتالي تقلل من تجدد الأشجار، وبعض الطيور تعيش في الشتاء على حساب براعم الأشجار وهـذا يلحق ضرراً بها، ولكن مـن ناحية أخرى فللطيور تأثيرات إيجابية بالغة، فهي التي تخلص الغابات من أعداد هائلة من الحشرات حيث تشكل الحشرات القسم الأساسي مـن غذائهـا، وخاصة الحشرات الضارة، ـ فمثلاً ـ أحد الطيور والذي يسمى ب‍(سنِّ المنجل) يخلِّص الغابة من ثلاثة أرباع يرقات نوع من الحشرات الضارة وليس الأشجار فقط بل أوراق الأشجار أيضاً، وقد وُجد في بطن (15) طيراً منها (548) يرقة من هذه الحشرات، وهكذا ـ مثـلاً ـ الرُخ وأبو لحية وغيرهما كثير مـن الطيور التي تفترس جثث الحيوانات الميتة، وبذا تمنع انتشار الأمراض، كما إن (التلوث البيئـي) هواءً كان أو ماءً تسبب تلوثاً كبيراً بالنسبة إلـى الثروة السمكيّة، ونتيجة للتلوث فإنّ أعدادها قلّت وبشكل كبير في الأنهار والبحيرات وأطراف البحار الكبيرة. وحتى أن الأفاعـي التي تسبب الخـوف والهلـع والرعب والتسميـم أحياناً للإنسان أو الحيوان تعتبر مفيدة مـن وجهة نظر أخرى، فالسم مـن الأدوية ذات الفوائد الكبيرة، والذي يُستعمـل حالياً في علاج العديد من الأمراض، كما وإن جلود الحيّات مـن أفضل أنواع الجلود ولها متانة وقدرة على البقاء وتضاهي الجلود الأخرى.

ولا شك إن للأفاعي فوائد فـي خلق حالة التوازن في الطبيعة، فهي تتغذى علـى الحشرات والأحياء التي لـو بقيت وتكاثرت لأثّرت على حياة الإنسان، ومن بين الحيوانات الضارة التي تقضي عليها الأفاعي هي الفئران.

والدراسات دلّت علـى إن 99% مـن الحشرات مفيدة للإنسان إمّا مباشرة كالنحل ودودة القزّ، أو غير مباشرة كالحشرات التي تلتهم الحشرات الضارة. ومن الواضح أن كل ما خلقه الله تعالى فهو لحكمة وبميزان دقيق وإن لم نكتشف أبعاد ذلك.

ولا ريب إن الحيوانات السامة من أفاعي أو حشرات لها فائدة أخرى من تطهير الأجواء مـن التلوث، فهي تأخذ السموم من الهواء، حالها حال الأشجار التي تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الجو وتحوله إلى أوكسجين.

لذا كان من اللازم الحفاظ على مختلف الحيوانات سواء التي يُستفاد منها من لحمها أو جلدها أو فرائها، ويستفاد من أجزاء منها كدواء مفيد لمعالجة بعض الأمراض.

من هنا سعت بعض الدول إلى تربية هذه الحيوانات لإغراض اقتصادية بحتة، ومـن هنا يتضح أن لبعض الحيوانات الضارة مـن أفاعي وحشرات وغيرها، تأثير كبير في التوازن الحيواني وفي توفير النظام البيئي، حيث تساهم في وقف زيادة عدد الحشرات الضارة بالتهامها أو قتلها أو ما شابه ذلك.

وهكـذا يلـزم الحفاظ علـى الحيوانات والنباتات التي هي في طريق الانقراض، ومـع انقراضها تخسر البشرية حلقات هامة من حلقات التوازن الطبيعي في الكائنات الحية.

وقـد أشار أحـد الباحثين الغربيين علـى أنه لو لم يُقض على البقرة البحرية، وهـي بقرة كانت تعيش فـي الشواطئ غير العميقة لمنطقة الشرق الأقصى وكانت تتغذى على الأُشنيّات وعلى النباتات المائية، فربما أخذ حل مشكلة البروتينات الحيوانية مجرى آخر يختلف عمّا هو عليه الآن، ولأُنشأت مزارع بحرية لهذه الأبقار في كل أجزاء العالم.

مبيدات الحشرات

مسألة: مبيدات الحشرات(2) أيضاً من الملوثات، وتعدّ بعض الحشرات من القديم مـن أنواع الآفات. وقد سُجّل منها حتى الآن (10 آلاف) نوع كآفات ضارة بالمحاصيل والحيوانات النافعة والإنسان والمنتجات المخزونة.

وقد ذكرت بعض التقارير أنه يوجد فـي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها نحو (200) نوع من الآفات الحشريّة الخطيرة، ونحو (500) نوع آخر قد تُحدث أضراراً اقتصاديـة كبيرة، كما ويوجد بها نحو (300) نوع من النباتات تندرج تحت الحشائـش، وقرابـة (1800) نوع من النباتات تسبب أضراراً اقتصادية نتيجة لتأثيراتها علـى المحاصيل الزراعية ويوجد عدد كبير من النباتات المضرة، وهي تعدّ بالآلاف مثل الطحالب والنباتات الطفيلية والنباتات المفرزة للسموم.

وقد بلغ عـدد الأمراض النباتية التي تسببهـا الفطريات والمسجلّة في أمريكا زهاء (100 ألف) مرض مُعدي.

وكما خلق الله سبحانه وتعالى النباتات والحشـرات الضارة لمصلحة أهم، كذلك خلق أنواعاً كثيرة من النباتات والحشرات النافعة. وقد عدّ في إيران وحدها (100 ألف) نوع مـن النباتات والأعشاب النافعة لمختلف الأمراض. ولا عجب فـي ذلك فقد أحصى الأطباء القدامى الأمراض التي تصيب الإنسان ب‍ـ(24 ألف) نوع من المرض لكل واحد من السوداء والصفراء والبلغم والدم ستة آلاف مرض حسب إحصائهم.

وفـي التاريخ المدوّن(3) أن الإنسان كان منذ القدم وهو يعالج الآفات بالنباتات، وقد استخدم علماء الإسلام البصل العنصل لمكافحة الفئران، كما استعمل السومريّون سنـة 2500 قبـل الميـلاد مركبات الكبريت الطبيعية لمكافحة الحشرات، وفـي عام 1500 قبل الميلاد استخرج الصينيّون المبيدات الحشرية مـن مصادر نباتية، وقـد استخدموهـا لحماية بذور النباتات من الإصابات الحشريـة، وكذلك لتدخيل بعض النباتات المصابة ببعض الآفات الحشرية(4).

وفي سنة 300 بعد الميلاد أُدخلت طـرق مكافحة الحشرات من خلال مزارع المفترسات، حيث أطلق نوع النمـل المفترس علـى الخنافس الثاقبة لأشجار الفاكهة.

وقد أوصى جماعة من العلماء بعدم استخدام مبيدات الحشرات إلاّ عند الضرورة القصوى، وذلك في حالة فشل الطرق غير الكيماوية في منع بعض الآفات من إحداث أضرار اقتصادية، لكن نُظم المكافحة فـي الوقت الحاضر اتجهت إلـى استخدام المبيدات الكيماوية الـتي تميّزت بفاعليتها وبساطتها ورخص ثمنها وتوفّرهـا فـي الأسواق. وكان أول المركبات العضوية التي استخدمت لمكافحة الآفات مركب (دي دي تي)(5).

وقد أدى التطوّر السريع الذي حدث في الصناعات البتروكيماويات إلى إنتاج عدد هائل من المبيدات الكيماوية.

وقد ساعد نجاح أسلوب رشّ المبيدات بواسطة الطائرات على التوسع الهائل في استخدام المبيدات الكيماوية في المساحات الشاسعة من العالم التي تم زراعتها.

وبذلك كثر المحصول إذ كانت الحشرات والجراثيم قـد سببت خسائر فادحة في المحاصيل الزراعية التي يعتبر البشر بأمسّ الحاجة إليها. وقد تبيّن أن الحشرات وغيرها من الآفات الزراعية تُتلف خُمس المحاصيل الزراعية في بعض البلدان، ففي الهند ـ مثـلاً ـ تستهلك الحشرات سنوياً كميّات من المحاصيل تكفي لتغذية تسعة ملايين إنسان. وفـي أمريكا تبيد الفطريات والحشرات والجراثيم ما قيمته خمس مليارات مـن الدولارات سنوياً، فضلاً عن الجهود الضخمة لمكافحة الآفات الزراعية.

وتستعمل المبيدات في الحال الحاضر فـي كافة أرجاء الكرة الأرضية، وقد بدت المكافحة الكيماوية فـي البداية فعّالة لدرجة أثار الاعتقاد بمقدرتها على التغلّب على مشكلات الآفات الزراعية بشكل نهائي، ولكن هذا العمل لم يدم طويلاً إذ سرعان مـا تبيّن أن المبيدات تنقذ المحاصيل والغابات والمروج من أخطار الأمراض، ولكنها مـن ناحية ثانية تؤدي إلى تخلخل النظام البيئي وتلوث الوسط البيئي وتؤثر بأشكال سلبية عديدة على حياة الإنسان وحياة الحيوانات والنباتات.

أضرار المبيدات الكيماوية

وقـد ازداد وبشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية استعمال المبيدات الكيماوية، وقد أخذت المجلات العلمية تنصح باستعمال مركبات مختلفة مثل (دي دي تي) وغيره، والتي استعملت لأكثر أمراض النباتات وضدّ الحشرات الضارة المختلفة، وأثمرت بنتائج كبيرة وأنقذت العديد من المحاصيل، وازداد إنتاج العالم من المبيدات بشكل كبير إذ وصل في سنوات 1370 ـ 1371هـ (1951 ـ 1952م) إلى أكثر من مائة ألف طن.

ومما لا شكّ فيه فإن المبيدات الكيماوية ساهمت وإلى حدّ بالغ الأهمية في القضاء على عدد كبير مـن أمـراض النباتات وقضت على الحشرات الناقلة للأمراض، كما وساهمت المبيدات الكيماوية وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في القضاء على وباء التيفوئيد وعلى مرض الملاريا، وذلك عن طريق القضاء على البعوض الناقل للأمراض، ويقدّر عـدد الذين نجوا بفضلها (5 ملايين) إنسان كمـا حالت دون حـدوث (100 مليون) إصابة، ولذا فقد أقبل المزارعون ومربّوا الماشية علـى استعمـال المبيـدات الكيماوية خاصة وإن جهودهم لمقاومة الحشرات كثيراً ما باءت بالفشل.

ولكن استعمال المبيدات له أضرار كبيرة حتى قال بعضهم: إن أمثال هذه المبيدات سوف تسمّم كل العالم وتصل إلى الإنسان والحيوان وغير ذلك مما يسبب مختلف الأمراض والأعراض.

وينجم خطر المبيدات مـن تركيبها الكيماوي، وهي تبقى فترة طويلة ربما (10 سنوات) أو أكثـر دون أن تتغيّر خواصّها الكيماوية، كما وإن تركيزها يزداد عبر انتقالها إلى السلسلة الغذائية ويتركّز في دهون الحيوانات.

ويؤدي استعمال المبيدات بدون رقابة علميـة شديدة إلى أضرار بالغة على النباتات، حيث يلاحظ في البداية تغيّر في لون الأوراق التي تغدو سمراء داكنة ومـن ثـمّ صفراء فاقعة كما وتتغيّر شدة التعرّق والتركيب الضوئي. فتفاعل الهرمونات ومن ثم موت النباتات. ولهذا لابدّ من معرفة تأثير المبيدات على النباتات وبشكل دقيق قبل استعمالها، أما تأثيرها على الإنسان فيتوقف على طبيعتها الكيماوية وعلى طريقة وصولها إلى الإنسان على شكل أبخرة أو ذرّات دقيقة عن طريق التنفّس أو مع المياه أو الأطعمة أو ما أشبه ذلك.

وهناك أنواع شتى من المبيدات الحشرية تختلف فـي تركيبها الكيماوي وفي آثارها السامّة، كما تختلف في شدّة تلويثها للبيئة، بالإضافة إلى تباينها في الخصائص المميّزة لها مثل ميلها للذوبان في الماء أو قابليتها للتبخر أو التطاير أو مقاومتها لعمليات التحلل الكيماوي المختلفة أو الصورة العامة التي تكون عليها. إذ يمكن أن يكون بصـورة مسحوق أو بصورة حبيبات أو بصورة محلول أو بصورة أبخرة أو بسائر الصور الأخرى.

ويستهلك العالم حالياً أكثر من (4 ملايين) طن من المبيدات الحشرية في كل سنة، ويزداد هذا القدر زيادة مطّردة عاماً بعد عام، ورغم ذلك فإن الحشرات ما زالت تقضي فعلياً على مـا ربما يصل إلى نصف كمية المحاصيل الزراعية قبل نضجها وحصادها.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها قُدّر أن ما قيمته (500 ألف) طـن مـن المبيدات الحشرية يتم استعمالها سنوياً لإبادة الحشرات والقوارض والأحياء المجهرية التي تهاجم المحاصيل، وتكلّف هـذه الكميـة نحو مليونين ونصف المليون من الدولارات.

وفي الحرب العالمية الثانية كانت هذه المواد حكراً على الحلفاء، حيث استعمل على نطاق واسع في الاستخدامات المدنية مثل مكافحة الآفات التي لا علاقة لها بالصحة العامة كالذباب والبعوض والقمّل والقراد وما أشبه ذلك. كما استعمل للحدّ من وباء التيفوئيد في إيطاليا، واستعمل في حماية الجيوش في المحيط الهادي من بعوض الملاريا، وفي سنة 1370هـ (1950م) أدى استخدام هـذا المبيد في جزيرة سيلان (سريلانكا) إلـى خفض خطر مرض الملاريا مـن قرابة (3 ملايين) حالة إلى ما يقارب (7 آلاف) حالة. فقد استخدم ال‍ـ(دي دي تي) بشكل محاليل ومساحيق ودهونات، وهو يؤثر في الحشرات أثناء الملامسة، وهـو يعدّ أساساً من السموم العصبية وتتأثر أجزاء الجهاز العصبي المركزي بهذا المركب.

وقد أدى الإفراط فـي استخدام ال‍ـ(دي دي تي) إلى أن أصبح هناك العديد من سُلالات الحشرات المقاومة لتأثير المركب(6)، ولقد حدثت زيادة وبائية فـي الآفات غير الاقتصادية بعد استخدام (دي دي تي) في مصر مثل العنكبوت الأحمر والمنّ.

وهناك عـدة مشتقات للـ (دي دي تي) تؤدي نفـس المفعول وهي تتّصف بثباتها الشديد وبطأ تحلّلها فـي التربة، إلـى غير ذلك من المبيدات المختلفة، والتي لهـا آثار جانبية بالنسبة إلـى الإنسان والحيوان والنبات بل والتربة أيضاً(7).

أقسام المبيدات

ثمّ إن المبيدات على أقسام:

المبيدات العشبية والمبيدات الحشرية والمبيدات الكيماويـة، فالمبيدات العشبية أوّل ما استعملت كانت لإزالة الأعشاب الضارة من جوانب الخطوط الحديدية والخطوط العامة وأطراف الفنادق المبينة في الساحات والقضاء على الأعشاب الضارة التي تنمو في المزروعات المختلفة، كما وقد استعملت لإبادة المزروعات ولإسقاط أوراق الأشجار أثنـاء الحرب الفيتنامية، فإن للمبيدات العشبية تأثيرات كبيرة وخاصة فـي حال استعمالهـا لمقاومة نوع معين من الأعشاب الضارة، أما في حال استعمالها مـن الطائرات فإن تأثيرها يكون سلبيّاً إلى حد ما.

كما وإن هناك مبيدات تؤدي إلـى سوء نمو الثمار والمحاصيل، كما وتسبب أضراراً كبيرة على بشرة العمال الذيـن يصنعون بعض المواد أو يوزعونها، ولهذا فهي مـن المواد الخطرة. وقـد ازدادت المبيدات الحشرية بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية.

وتعتبر المبيدات الحشرية المنقذ الفعّال من الآفات الحشرية، ولكن كثيراً ما كانت لها نتائج خطيرة خاصة وإنّ تحلّلها يتم بشكل بطيء، وبالتالي يزداد تركيزها من عام لآخر سواء في التربة أو في الماء أو في أجسام الكائنات الحية لدرجة أن الباحثـين يعتقدون أن الوسط أصبح ملوثاً بهذه المواد الكيماوية، ولكن جملة من المواد تؤثر على صحة الإنسان والحيوان، فقد تجمعت حالياً الكثير من الحقائق عن تأثير المبيدات وخاصة الـ(دي دي تي) وغيرها على الجملة العصبيـة، وعلـى استقلاب الهرمونات الجنسية للثدييات والتي من ضمنها الإنسان نفسه.

ولذا ذكر جملة من الأطباء أن هذه المواد يجب أنّ لا تستعمل أكثر من مرتين، كما لابدّ من استبدالها بطرق أخرى غير ملوثة للوسط.

وتؤدي هذه المواد إلى تطور غير طبيعي لكثير من الكائنات الحية ذات الأهمية الاقتصادية، والـتي تعيش فـي الماء، كمـا وتؤدي إلى تقليل شدة التركيب الضوئي بشكل كبير وإلى نقص كمية الأوكسجين في الماء ‎.

وقد استعمل الـ(دي دي تي) في الولايات المتحدة الأمريكية للقضاء على البعوض فـي مستنقعات خاصة، حيث رشّت هـذه المستنقعات عدّة سنوات و… وكان تركيز هـذه المادة قليـلاً بحيث لا يؤثر على الكائنات المائية، ولكن عند استعمال هذه المواد غاب عـن أذهان الباحثين أنها صعبة التفكّك، وأنها تبقى فترة زمنيـة طويلة محتفظة بسميّتها، وقد امتصت هذه المواد من قبل النباتات المائية الموجودة فـي هـذه المستنقعات ثم انـــتقلت إلى الأسماك التي تعيش على حساب النباتات وبعدها انتقلت إلى نسج الحيوانات المفترسة التي تأتي في قمة السلسلة الغذائية كالطيـور آكلة الأسماك، وكان تركيز هذه المواد يزداد في أجسام الحيوانات المفترسة. ونجم عن زيادة التركيز لـ(دي دي تي) في أجسام الحيوانات المفترسة إلى موت جماعات منها، كما وتبين أن للطيور حساسية كبيرة لهذه المواد لأنها تعيق تَشَكُّل قشرة البيضة كما وتؤثر بشكل كبير على الغُدد الصمّاء.

أما تأثير المبيدات الكيماوية، فقد ظهرت سنة 1380هـ (1961م) حالات تسمّم بين الثيران في مزرعة البحوث في مصر بعد تغذيها على الحصة التي سبق رشّها منـذ ثلاثة أسابيع بمزيج مـن ال‍ـ(دي دي تي). وتضمنت الأعراض حركات عصبيـة وتقلصات عضليـة بالرأس امتدت إلى عضلات الكتفين وزيادة حساسية الحيوانات وكثرة اللّعاب، وأصيبت الماشية في سنة 1388هـ ( 1968م) نتيجة رشّ حقول القطن بواسطة الطائرات.

وقد قام جماعة من العلماء في شمال (سانفرانسيسكو) بمشاهدة أعشاش الطيور في وقت من السنة الذي تكون فيهـا هذه الطيور قد اكتست بالرشّ وأخذت تستعد للطيران من أعشاشها.

وقد أثرت هذه المادة على بيوض الطيور حيث جعلتها رقيقة قابلة للكسر بسرعة، منها طيور البجع الذي يسبب فقس البيض بمجرد الرقود عليه.

كما ودلت البحوث على أن تركيزاً محدوداً من مادة (دي دي تي) يؤدي حتماً إلى موت 90% من يرقات وبيض المحّار. وقد حدّدت وزارة الصحة في أمريكا مبيداً كلوريّاً كمسبب لقتل (10 ملايين) سمكة في حوض نهر (المسيسيبي) و(خليج المكسيك).

كما وقد توصّل بعض الباحثين إلى أن الزراعة المميتة من ال‍ـ(دي دي تي)، التي لا تؤدي إلـى الموت تسبب خفـض نسبة التناسل لمختلف أنواع الحيوانات. وقد اكتشف جماعة مـن العلماء أن الفئران التي تغذّت بأغذية ملوثة ببعض المبيدات أصيبت بالسرطـان، ولذلك فقد حرّمت السلطات استخدامه كليّاً.

وعلى أي حال: فبعض المبيدات يجب منع استعمالها لضررها الفادح، والبعض الآخر يجب التقليل منها إلى أقصى حدّ في إطار باب التزاحم والأهم والمهم، فإن الإكثار من استخدامها يؤدي إلى تلوث التربة الزراعية، فغالباً ما يتبقى جزء كبير من هذه المبيدات في الأرض الزراعية، وقد تصل نسبته إلى نحو 15% من كمية المبيد المستعمل. ولا يزول أثر مثل هذه المبيدات المتبقية في التربة إلاّ بعد انقضاء مدة طويلة قـد تصل إلى أكثر من (10) سنوات. وقد تحمل مياه الأمطار بعض هذه المبيدات مـن التربة إلى المجاري المائية، وتسبب كثيراً من الأضرار لما بها من كائنات حية ثم تصل هذه المبيدات من الأحياء الموجودة في الماء إلى الطيور ومن الطيور إلى الإنسان.

وإذا كانت مبيـدات الآفـات تؤدي دوراً هاماً فـي حياة النباتات والأشجار، حين تؤدي إلى تقليل مخاطر الآفات الضارة مثل ذباب الفاكهة ودودة القطن، فإن الإفراط في استخدام هذه المبيدات من جانب وعدم ترشيد استعمالها وعدم التوعية بأضرارها من جانب آخر يؤدي حتماً إلى ظهور نتائج وخيمة بالغة الخطورة على صحة الإنسان والحيوان وعلى التربة الزراعية نفسها بالإضافة إلى تأثيرها بالنباتات. فالنباتات الـتي تزرع في التربة الملوثة بمبيدات الآفات تمتص جزءاً من هذه المبيدات وتختزنها في سوقها وأوراقها وثمارها، ثم تنتقل هذه المبيدات بعد ذلك إلى الحيوانات الـتي تتغذى بهذه النباتات وتظهر في ألبانها ولحومها وتسبب كثيراً من الأضرار لمـن يتناول لحوم هذه الحيوانات وألبانها، حتى إن هذه المبيدات تنتقل من ألبانها إلى صغارها، كما وتنتقل إلى الطيور عبر الحيوانات المتفسخة التي تحتوي على كمية من هذه المبيدات.

وتؤثر هذه المبيدات في الكائنات الدقيقـة الموجودة في التربة الزراعية، وينقسم العاملون في مجال وقايـة النباتات إلـى فريقين اثنين عند دراسة هذا التأثير، حيث يعتقد فريق منهمـا أن المبيدات لا تؤثر بدرجة خطرة في هذه المجال، وإنما أضرارها يسيرة، ويمكن تحمّلها وإزالتها بسبب الأدوية، ويرى الفريق الآخر أن وصول هذه المبيدات إلى التربة يؤثر في التوازن الموجود بين مكوّنات التربة الطبيعية والكيماوية، وهو أمر يؤدي إلى تقليل خصوبة التربة الزراعية وانخفاض إنتاجيّتها.

وقد أحدثت جميع المبيدات التي تمّ اختبارها تأثيرات ضارة في الكثير من الكائنات الدقيقة المفيدة التي تسهم في تكامل عناصر البيئة في التربة الزراعية، وخاصة خلال الأسابيع الأربعة الأولى من رشّ المبيدات.

كما وتبين أن المبيدات الحشرية الكيماويـة تتسبّب في قتل الكثير من الأحياء الدقيقة التي تستوطن التربة، والتي تسهـم فـي تحليل المواد العضوية والمخلّفات النباتية التي ينتج عنها العناصر الحية المكونـة للتربة الزراعية، فإن الكائنات الحية الدقيقة لها دورها المهم في التوازن الطبيعي للبيئة، فهي تسهم في تنقية الماء في كثير من عوامل التلوث، ذلك لأنها تساعد على الحفاظ على نسبة الأوكسجين الذائب في الماء.

وقد حدث في (نيكاراغوا) أنه وقعت أكثر من (3 آلاف) حالة تسمّم، وما يربو على (400) حالة وفاة بين العمال الذين يعملون في حقول القطن سنوياً على مدى عشر سنوات، كما وحدثت حالات مماثلة في بعض دول أمريكا الوسطى حيث يزرع القطن على نحو تجاري.

وفي الهند بلغـت حــــالات التسمّـم بالمبيدات نحو (100) حالة سنة 1378هـ (1958م) ونحو (54) حالة في سنة 1387هـ (1967م)، وفي سوريا بلغت عدد الحالات (1500) حالة في سنة 1380هـ.

ويتأثر الإنسان بهذه المبيدات بطريقة مباشرة إما عن طريق الملامسة أو عن طريق استنشاق أبخرة هذه المبيدات.

وقد يتأثر بها بطريقة غير مباشرة، فهو يتغذى بالحيوانات والنباتات، ويصل إليه مع هـذا الغذاء كلما يختزن من المبيدات في أنسجة هذه الحيوانات والنباتات، وكلّما يلـوث منتجاتها مثل البيض واللبن والزبد والدهن والجبن وما إلى ذلك، كما وتسبب مبيدات الآفات العديد من الأمراض الخطرة مثل السرطان، وقد أوضحـت الدراسات المخبرية إن الاستخدام المكثف لهذه المبيدات في حقول القطن فـي بعض الولايات الغربية أدى إلى حدوث أورام سرطانية في حيوانات التجارب.

وتمثّل مشكلة مخلفـات المبيدات فـي المحاصيـل الزراعية تحدياً هائلاً باستخدام المبيدات الكيماويـة، وتوجد هذه المخلفات عادة في الغذاء أو في الماء بكميات صغيرة لكنها ضارة على كل حال.

ثم إنه كثير ما تسبب الفطريـات الطفيلية خسارة فادحة في المحصول وهذه الأمراض يتم القضاء عليها بعدة مواد كيماوية مختلفة، فقد استعملت عدة مركبات تحتوي على النحاس بمختلف الآفات الزراعية والعفن التي تسببها الفطريات، وعند استعماله لمدة، تصبح التربة ملـوثة بالنحاس وتتأثر تبعاً لذلك البيئة الحيوانية فتنقـرض الديدان، ولكـن لا تأثير له على الأشجار الناضجة إلاّ تأثيراً ضعيفاً، ولا تتأثر البيئة المحيطة إلاّ تأثيراً ضئيلاً.

وكثير من المبيدات الفطرية العضوية لها تأثير ملحوظ خاصة في الحدائق ولكن بما إنّ الكمية العامة المستعملـة ليست كبيرة إذا ما قورنت ببعض المواد الأخرى ـ كما وإنها عموماً أعلى سعـراً ـ لذلك استعملت بكثير من الحذر ولاحتمال حدوث حالات تلوث خطيرة مـن جرّاء استعمالها، لكنّه ملوث أيضاً ومؤثر على التربة والزرع والحيوانات وأخيراً الإنسان.

وقد استعملت عدة مركبات يدخل في صنعها الزئبق كمبيدات فطرية، واستعمل أيضاً كمطهّر للإنسان وفـي الحدائـق بكميات كبيرة، وهكذا استعملت مركبات الزئبق العضوية في عملية تبخير الحبوب لدرجة إن حبوب القمح فـي بريطانيـا تبخّـر حسب طلب الزبائن، وعملية التبخير في هذه تستعمل لمنع إصابة الحبوب بالفطريات سواء كانت تسبب ضرراً أم لا في أي مجال، لكن الزئبق ملوِّث عـام، فهو يخزن ويتركز بواسطة الأحياء، وقد ينتقل ويتركز في سلسلة الغذاء، ولقـد كانت هناك الكثير من الحالات التي قامت بها الأسماك والقواقع بتركيز نسب عالية من الزئبق فحدثت حالات وفاة بالإضافة إلى حالات مرضية كثيرة بالنسبة إلـى من أكلوا هذه الأسماك أو القواقع.

والحالات الخطيرة من التلوث قـد حدثت نتيجة الاستعمال الصناعي ونتيجة صناعة الأخشاب أكثر مـن الكميات الصغيرة المستعملة في الزراعة. وقد تسمّمت بعض الطيور جرّاء أكل الحبوب المبخرَّة.

وفي بريطانيا يتم التبخير بواسطة مركبـات الزئبق خاصة والتي ليست حادة السميّة للفقاريات وإن كانت سميّة أيضاً، وتتخثّر خصوصاً بعد تركزها في الحيوان.

وتجارب الغذاء على الطيور توضح أنه أخطر من تعاطي جرعات مميتة، بينما استعمل في بعض الدول الأوربية مركـب الزئبق على نحو خاص بتوسع وهو سام جداً، وقد قتلت مـن جرّاء استعمالـه بعض الطيور بدرجة غير متوقعة.

ومن الواضح إنّ المركبـات الزئبقية مختلفة في خطورتها حسب تراكيبها المختلفة، وإحدى هذه المخاطر هـو تحللها وتغييرها عند وصولها للبيئة بفعل البكتيريا إلى نوع خطير من السموم.

وقد يحدث هذا في معدة الحيوان المجترّ التي يحدث التمثيل فيها أو في قاع البحيرة أو الطبقة العفنة، ولهذه الأسباب يجب بذل الجهود لتقليل نسبة الزئبق من ناحية، ومن ناحية ثانية الاستغناء عنه مهما أمكن، لأن ما أضرّ كثيرُهُ أضرّ قليله أيضاً لكن بنسبة.

وهذا ينطبق على الصناعة أكثر من الزراعة، كما إن كميات كبيرة من الزئبق الموجود في البرِّ أو البحر وجدت في الصخور بفعل الطقس، وقد مثّل أحد العلماء السلسلة الغذائية التي تتأثر بواسطـة المبيـدات بقوله إن حشرة صغيرة قد تأكل حافة أحـد أوراق النبات الملوث بالمبيد الحشري، ثم تأتي حشرة أكبر فتلتهم عدداً من هذه الحشرات الصغيرة، ويأتي بعد ذلك عصفور نهم فيأكل أعداداً كبيرة من هذه الحشرات، وأخيراً يأتي صقر مفترس فيلتهم هذا العصفور(8).

والملاحظ إن كل خطوة مـن هـذه الخطوات تؤدي إلى تركيز المبيد الحشري في جسم الحيوان، ويبلغ هذا التركيز حدّهُ الأقصى في جسم الحيوان الذي في نهاية السلسلة ويكون مأكولاً للإنسان. ويبدو تأثير هذه السلسلة في كثير من الأماكن ففي بحيرة (كلير) بولاية كاليفورنيا يستعمل بنسبة ضئيلة من مبيد الحشرات يماثـل الـ(دي دي تـي) يعرف باسم (دي دي دي) بتركيز لا يزيد عن 14% مـن المائة جزء فـي المليـون للقضاء على إحدى الكائنات غير المرغوب فيها، ووجودها في مياه هـذه البحيرة، ومع مضي الوقت لوحظ موت بعض الأسماك التي تعيش فـي هذه البحيرة كذلك بعض الطيور والبط البريّ.

وقد تبين في التحليل إن ماء البحيرة يحتوي على 14% من المائة جزء في المليون من هذا الجزء، إلاّ أن هـذه النسبة ارتفعت إلى (221 جزءاً) في المليون في الأسماك الكبيرة، وإلى نحو (2500 جزءاً) في المليون في الأنسجة الدهنية للبط البري الذي يعيش فوق سطح هذه البحيرة.

وقد تبين أن مبيد (دي دي تي) يدخل في العمليات الكيماوية المؤدية إلى تكوين عناصر الكالسيوم في أجسام الطيور، ويؤدي ذلك إلى وضع هذه الطيور بيض رقيق القشر لا يتحمل الصدمات، وقد يتهشم هذا البيض تحت ثقل جسم أنثى الطائر عندما تحتضنه للتدفئـة أو عندما تحرّكه لتجعلها ظهراً لبطن، مما ينتج عنه موت الأجنّة، وتتعرض هذه الطيور لخطر الانقراض.

ومن أمثلة الطيور التي أوشك بعضها علـى الانقراض لهذه الأسباب، النسر الأمريكي والصقر وطائر البليكان وغيرها.

وقد اكتشف المهتمّون بحماية الحياة البريّة وجـود قسم من المبيدات في بيض النوارس، وهو أمر يسبب فـي موت أجنَّة الطيور داخل البيض، كما وإنه تؤثر مبيدات الآفات في النحل والحشرات الملقّحة الأخرى، مما يؤدي في النهاية إلى انخفاض معدل التلقيح في الأزهار بالإضافة إلى ضعف قوة طوائف النحل نتيجة لموت عدد كبير مـن الشغّالات التي تقوم بجمع الرحيق، وقد ترتب على ذلك انخفاض مهول للعسل بالإضافة إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل الحقلية والبستانية، وكثيراً مـا يدخل العسل مـن هـذه المبيدات فإذا أكله الإنسان تسبب له أمراضاً.

وقد ظهرت هذه المشكلة بصورة خطرة في مـــصر بعد تنفيذ نظام الرشّ الجوي للمبيدات بالطائرة والذي أدى إلى قلّة المحاصيل.

والنتيجة طبعاً ازدياد نسبة الفقراء والجياع وبالتالي سوء التغذية وانتشار الأمراض، كما حدث في مصر وبعض البلدان الأخرى كما أن اختلال حجم السكان في مصر من ناحية الزيادة ومن ناحية قلة المساحة المزروعة يعدّ إحدى المعوقات الهامة للإنتاج الزراعي بالإضافة إلى ما ذكرناه.

وفي بداية هذا القرن لـم يتجاوز عدد السكان في مصر (10 ملايين) نسمة، وفي سنة 1356هـ (1937م) زاد عـدد السكان ليصل إلى حوالي (15 مليون) نسمة، ثـم أصبح (18 مليون) سنـــة 1366هـ (1947م) و(23 ملـــيون) ســــنة 1379هـ (1960م) ليصل إلى زهاء (49 مليون) سنة 1404هـ (1984م) وفـي مواجهة تلك الزيادة المستمرة لحجم السكان لم تحقق الرقعة الزراعية نمواً مماثلاً نتيجة ترك العمل بالقوانين الإسلامية والتي منها (الأرض لله ولمن عمرها)(9) وقاعدة (من سبق)(10) وغير ذلك. فمنذ بداية هذا القرن حتى سنة 1405ه (1985م) والرقعـة الزراعية تتراوح بين (6 ملايين) فدّان وشيء، فقد تعرّضت فـي السنوات الأخيرة لخطر التجريف والزحف العمراني من البيوت والمنشآت الصناعية ومشروعات الطرق والمرافق. وبالتالي تم تحويل جزء كبير من الأراضي الزراعية إلى استعمالات غير زراعية، وكان نتيجة ذلك أن انخفض متوسط نصيب الفرد من الرقعة الزراعية انخفاضاً شديداً. فقد كان هذا المتــــوسط فـي سنة 1379هـ (1960م) يدور حول 22% من الفدان ثم انخفض ليصل إلـى 16% مـن الفدان سنة 1395هـ (1975م)، وأخيراً انخفض هذا المتوسط حتى وصل إلى 13% من الفدان طبقاً لإحصاءات سنة 1405هـ (1985م). فإذا انضم هذا إلى ما ذكرناه من التسمّم والتلوث تكون النتيجة الجوع.

هذا بالإضافة إلى إنّ الإصلاح الزراعـي الذي نفّذه جمال عبد الناصر خفّض المستوى لأنه بدّل الأيدي المديرة إلـى أيدي غير مديرة، كما حدث ذلك في العراق في عهد عبد الكريم قاسم(11) أيضاً، فقد كان العراق يصدّر الكثير من المحاصيل حتى الحنطة إلاّ أنه بعـد الإصلاح الزراعي أخذ يستورد حتى التبن.

وقـد كتب الأخ السيد صادق (حفظه الله) دراسـةً حول الإصلاح الزراعي الذي وقع في العراق، وطبعه ثم أمرت الحكومة إحراق الكتاب لأنها لم تجد جواباً لعلامات الاستفهام التي طرحها الكتاب.

وكان من آثار الإصلاح الزراعي نزوح الكثير من الفلاحين إلى المدن، لأن الربح في المدن أكثر من الربح في الزراعة الخاضعة للإصلاح الزراعي(12). وقـد فعـل مثـل ذلك ملـك إيران ـ محمد رضا ـ مسبباً اكتظاظ المدن بالفلاحين.

وقد نجم عـن الزحف الريفـي إلـى المدن ـ الناجم عن ذلك المنهج الاقتصادي الخاطئ ـ رخص الأيدي العاملة حسب قانون العرض والطلب.

وعلى أي حال: فمن البديهي إنه كلّما كان تركيز المبيد عالياً كانت الآثار الضارة الناتجة عنه كبيرة، وكذلك كلّما طالت هذه المدة ازداد الأثر السيئ للمبيد، ولا فرق هنا إن كان استعمال المبيد عبر آلات ميكانيكية أم بالرشّ عبر الطائرات أم بالتعفير باليد.

ثم لا يخفى أن لكل نوع من التربة ونسبة الرطوبة فيها ودرجة حرارتها وكونها قريبة من الشمس كخط الاستواء أو بعيدة عنها دور كبير في حفاظ التربة مـن مبيدات الآفات التي تتساقـط فيها أو تتسرّب إليها عند استخدام المبيدات لقتل الآفات الزراعية.

كما أنه تختلف قدرة النباتات على امتصاص المبيدات الحشرية لاختلاف أنواعها، فمثلاً: زراعة أنواع مـن البطاطس والفجل والجزر في تربة زراعية عولجت بمبيد (الألدرين) بمعدل رطل في الفدّان، ووجد أن البطاطس لم تحتو على بقايا من هذا المبيد يمكن قياسه، في حين احتوى الفجل على 3% من المائة جزء في المليون من هذا المبيد. واحتـوى الجزر على 5%. وبناءً على ذلك فإن الجزر من بين جميع المحصولات التي أجريت عليها الدراسات يحتوي على أكثر تركيز من البقايا الكيماوية للمبيد الحشري الموجود في التربة.

ومن الواضح أنه يؤدي استعمـال بعض المبيدات إلى حدوث أضرار في النباتات الخضراء وبخاصـة للمحاصيـل الحساسة والضعيفة النمو. وإذا ما استخدمت المبيدات بتركيز عالٍ مـن العناصـر المشابهـة لها أو بتوقيت غير مناسب أدّى ذلك إلى حدوث أضرار كبيرة جداً، والتي منها حروق للأوراق أو حدوث تحوّر في أشكالها مما يؤدي إلى جفافها ثم سقوطها ثم موت النبات في نهاية الأمر.

وقد يحدث الضرر نتيجة لوصول المبيد إلى العصارة النباتية مما سيؤدي إلى حدوث خلل داخلي في النشاط النباتـي، ثـم توقـف عمليات التمثيل الغذائي، وهو أمر يتسبب في موت النبات في نهاية المطاف.

كما وتسبب بعض المبيدات فـي إبادة الغابات الخضراء. ففي حرب فيتنام استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مبيـد الحشائش لتعرية غابات الأشجار من أوراقها، وجعل تلك الغابات الكثيفـة عبارة عـن أعواد من الخشب كئيبة المنظر ليس بها من ورق أخضر، بل استعمل هذا المبيد في تدمير حقول الأرز.

وبناءً على ذلك فاللازم إيجاد رقابـة عالمية علـى المبيدات سواء مبيد الحشرات أو غير ذلك بعيداً عـن السياسـات الاستعماريـة وعن الغايات الاقتصادية حتى لا يتضرر الإنسان بالنتيجـة بهـا، أو يكون الضرر أقل من القليل، إلاّ أن الحضارة الحديثة لا تعير أية أهمية لهذه الأمور، لما ذكرنا سابقاً من فقدان الإيمان بالله سبحانه وتعالى والخروج عـن مظلّة الأنبياء، والأمران يسببان الانحراف عن الطريق المستقيم(13).

أمراض الحيوانات والنباتات

ومما يبحث في البيئة إجمالاً الأمراض التي تتعرض لها الحيوانات والنباتات معلولة لاختلال البيئة أو مسبّبة لها إذ تــتعرض النباتات والحيوانات إلى الأمراض كالإنسان، فالنخيل مثلاً تصاب بــأمراض خاصـة مثل تبقّع الأوراق ويعرف بالمرض الفحمي الكاذب أيضاً ويسببـه الفطر الذي يصيب السطح السفلي للورقة ويحدث بها بثرات بارزة لونهـا أسود داكن، وتتناثر من هذه البثور جراثيم الفطر المذكورة ويلاحـظ أن الإصابـة تتوجه في أغلب الأوقات إلى المساحة السُفلى القديمة مما يسبب اصفراره وجفافـه، الأمر الذي يحتم إزالة السعفات المصابة وإحراقها، ويعالج بالرشّ بمحلول خاص على دفعتين الأولى بمجرد ظهور الإصابة مباشرة، والثانية بعد أربع أسابيع مـن الرشّ الأول. ومثل ذلك اللفحة السوداء وأكثـر ما يتضح وجوده علـى السعف الحديث الغضّ، ومظهـره تقرّح بُني اللون لا يلبث أن يَسوَّد بتقدم الإصابة، وينتهي الأمر بجفاف الموضع المصـاب ويعالج بتقليم الأجزاء المصابة ثم الرشّ بمحلول خاص، كما يدهّن موضع الإصابة على الأوراق بعجينة خاصة، وقد انتشر هذا المرض من ساحل البحـر المتوسط شمالاً حتى أسوان جنوباً ويبدأ باصفرار الرأس فتتناثر جذوع النخل بـلا رأس، وهو مرض مدمّر لم يعرف علاجه. ومثل الحُلم الأبوفي ويصيب القلب حيث يجعل الأوراق معوجّة ملتصقة القوس مكتكتة هشّة يسهل كسرها، غـير منطلقة النمـو، تبدو وكأنها متسببة، ويعالج بالرشّ بالكبريت القابل للبلل. ومثل العفـن الدبيودي الذي يصيب الأوراق والقمّة النامية، وكـذلك المنطقة الجذرية ونتيجة للإصابة به تموت الفسيلة أو النخلة فجأة.

ويرى المختصون بأمراض النباتات إن العـلاج لهـذا المرض أن تغمر الفسائل قبل الزراعة في مخلوط خاص أو محلول خاص بنسبـة خاصة ثم تزرع الفسيلة مباشرة.

وكذلك عفـن نورات النخيل، وهذا المرض يصيب الشقائق الزهرية ويعرف بهذا الاسم، وتتميز أعراض الإصابة به بوجود بقع دميّة متقابلة على العراجيل مصحوبة بتعفن الشقائق الزهرية بما تحمله من أزهار حتى تتحول إلى كتلة دميّة مشوّهة مغطاة بالنمـو الأبيض بالفطر، وهو يتميز بلونه الأبيض الذي يتحول إلى الأحمر، وعلاج هذا المرض بأن يجري تعفير النخيل بمخلوط خاص من النحاس وما أشبه.

وهذه تعد جزء مـن الأمراض التي تصيب النخيل، أما الحشرات التي تصيب الشجرة أو الثمرة، فمـنها حشرة النخيل القشرية والحشرة القشرية السوداء، وحشرة النخيل القشرية الرخوة، وهـذه الحشرات تصيب السعف الخارجي. والبقّ الدقيقي وثاقبة النخيل وتحفر الحشرة في هذا المرض الكاملة في الجليد فتنشره الرياح كما تحفر فـي عراجيل البلح فتجـف الثمار وتكثر الإصابة بهذه الحشرة في بعض مناطق مصـر. كما سجّلت هذه الحشرة في بعض المناطق الأخرى، وهـذه الأمور هـي خاصة بالنخيل، وهكذا لكل شجرة أمراضها وأعراضها الخاصـة وعلاجهـا الخاص، وإنما ذكرنا النخيل كمثال حيث يكثر وجودها في العراق.

ولا يخفى أنّ عدد النخيل في العراق قبـل التدمير المتعمّد الذي قام به صدام كان على حسب بعـض الإحصاءات (32 مليون) نخلة، وقد وصل عددها بعد ذلك إلى (3 ملايين)، فقط فأصــــبح العراق يأتـــي بالمرتبة السادسة بعــــد أن كان يحتل المرتبة الأولى(14).

وتجري القاعدة على الحبوب أيضاً مثل الحنطة التي تتعرّض إلى مشاكل صحية فتسوسها سواء كانت فـي سنبلها أو كانت في خوابي خاصة، أما لو روعيت الشرائط فلا تسوس حتى لو مرّ عليها فترة طويلة.

وقد وُجد عند الفراعنة فـي مصر حنطة عمرها (4 آلاف) سنة، ولما زرعوها أخرجت ثمارها وكأنها حنطة هذه السنة.

ثـم إنه تتركز المقاومة البيولوجية فـي الغالـب على استعمال الحشرات الملتبسة أو الطفيلية للحدّ من انتشار الأنواع الضارة مثـل استعمال حشرة الدعسوقة وكبح انتشار حشـرة المنّ والاستعمال للأحياء الدقيقة في مكافحة الآفات الزراعيـة بمبدأ المكافحـة البيولوجية كان مصدراً جديداً في مكافحة الآفات، وقـد جاء كردّ فعل للعواقب السيئة التي برزت من جرّاء استعمال المبيدات الكيماوية، وقد حققت المكافحة البيولوجية أكثر من حالة نجاح كــــامل في مختلف أرجاء العالـم، وفي أمريكا الشمالية عمدت مراكز الأبحاث الزراعية إلى استيراد طفيليات تتغذى على الحشرات الضارة وتبيدها، وبذلك أمكن توفير عشرات الملايين من الأموال التي تنفق على رش المبيدات الكيماوية، فخنافـس أوراق نباتات الحروق وسوس أوراق البرسين أمكن التحكّم فيها والحدّ من أضرارها عن طريق استيراد حشرة طفيلية من إيطاليا وفرنسا وبعض البلدان الأوربية الأخرى تلتهم تلك الحشرات الضارة وتفنيها، وهذه الطفيليات تبيد بيض الحشرات الضارة وتأكل يرقاتها.

وقد اثبت استخدام هـذه الطفيليات نجاحـاً ملموساً في قتل كل من خنفسة البطاطس وخنفسة الفاصوليا الـتي تسبب خسارة تقارب ما يعادل (100 مليون دولار) سنويـاً، وكذلك أمكـن إبادة نحو (50% ) من حشرات العثّ الموجودة فـي أمريكـا باستخدام طفيليات أمكن استيرادها وتنميتها خلال بضع سنوات واستخدام نـوع مـن النحل لمكافحة خنافس البطاطس أيضاً، وعلى الرغم من صغر حجم هذا النحل إلاّ أنه تمكن أن يبيد نحو (80% ) من مجموع خنافس البطاطس فـي المناطق التي جرى اختباره عليها في بعض الولايات الأمريكية.

وقد لاحظ أحد علماء الغـرب إن إناث حشرات السوس الطاووســـي تطلق نوعاً من الشحنات الكهربائية أو الموجات الكهربائية كالمغناطيسيــة التي تجذب الذكور إليها، وبعد أعوام مـن هـذا الحادث تمكن علماء الألمان أن يعزلــوا المادة المثيرة للجنس فـي دودة القز وأطلق علـى هـذه المادة اسم الفيرومون، وقد طوّر العلماء عدة وسائل لصنع الفيرومونات الـتي تجتذب الحشرات الضارة حيث يجري صيدها بعد ذلك وإبادتها.

كما وإنهم تمكنوا من إبطال تخصيب البيض، ومما يتسبب في انقراض تلك السلالات من الحشرات التي عُقم بيضها، وقد استخدمت هذه الطريقة بإحداث العُقم في ذكور حشرات ذبابة الفاكهة والذبابة الحلزونية،(سبحان الذي خلـق الأزواج كلهـا ممـا تنبـت الأرض ومـن أنفسهم ومما لا يعلمون)(15) وسبحان من جعل لكل شيء موافقاً ومخالفاً، وسبحان الذي يعلّم هذه الأمور حيث أنـه ورد عـن الإمام الصادق (عليه السلام): (العلم سبعة وعشرون جزء، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان، لم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام القائم، أخرج الخمس والعشرين حرفاً، فبثها في الناس، وضمّ إليها الحرفين، حتّى يبثها سبعة وعشرين حرفاً)(16)، ولعلّ المراد بخمسة وعشرين ليس العدد وإنّما الصيغة المبالغية مثل (سبعين) كما في الآية: (إن تستَغفِر لهم سبعينَ مرَّة)(17) الواردة في القرآن الكريم وما أشبه ذلك. فما توصلت إليه البشرية مـن علوم هـي لا شيء بالنسبة إلى العلوم الواقعية في الكون. ولذا نشاهد أن الله سبحانه وتعالى يصـف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخُلُق العظيـم فـي مجـال الأخلاق (إنّك لعلى خُلقٍ عظيم)(18)، أما حينما يأتـي دور العلـم، يقول سبحانه: (وقل ربِّ زدني علماً)(19) على الرغم من أنه اعلم المخلوقات على الإطلاق. وقال سبحانه بالنسبة للإنسان بشكل عام: (وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً)(20).

نفايات المصانع

مسألة: النفايات الخطرة التي تخلِّفها الصناعات الكيمـاوية كثيرة في البلاد الصناعية، وهي نفايات لا يمكن الاحتفاظ بهـا، ولـذا أخذ الغرب وبعض البلاد الصناعية الأخرى الشرقية كاليابان بتصديـر هذه النفايات إلى البلاد الفقيرة في قِبال عمولات معينة. مسببين أضراراً كثـيرة على الإنسان والحيوان والنبات. وهي إما أن تكون سامـة بحيـث تتسبب القضاء على الإنسان وسائر الأحياء عاجلاً أو تكون ذات مخاطر صحية بحيث لا تؤدي إلى هلاك من يتعرض لها مباشرة، وإنمـا تسبب الضعف والمرض المفضيين إلى التسمم والعجز والإعاقة وبالنتيجة تؤدي إلـى الموت. وتقدر النفايات الكيماوية الخطيرة التي ينتجها العالم سنوياً علـى أقل تقدير بما يتراوح بين (300 ـ 400 مليون) طن، وهـذا شيء كبـير جداً بالنسبة إلـى النتائج الخطيرة المترتبة عليها، ومن الواضح إن الدول الصناعيـة الكبرى هي طليعـــة الدول المنتجة لهـــذه النفايات حيث يصل إسهامها نحو (90% )، والولايات المتحدة الأمريكية تقع في المرتبة الأولى في هذه القائمة.

ويبلغ عدد المواد الكيماوية المستخدمة بصفة اعتيادية حالياً حوالي (75 ألف) مادة، وهي في تزايد مستمر، حيث يضاف إليها كل سنة ما يقارب ألف مادة جديدة.

وتصنِّف وكالات الحماية البيئيـة (35 ألف) مـادة على أنها ضارة بصحة الإنسان والحيوان والنبات، وذلك إما بصفة قطعية وأما على وجه الاحتمال. ومن الواضح إن الضرر المحتمل أيضاً في هكذا موارد لا يجوز تحمّله ولا تحميله للآخرين، خصوصاً إذا كان الضرر كبيراً كأضرار هذه المواد. وهي غالباً تكون من نفايات النحاس والرصاص والزئبق والزرنيخ وما أشبه ذلك، فإنها تورث السرطان الجلـدي والأورام الخبيثـة الداخلية والأضرار بالجهاز العصبي أو بالكلية وتورث العديـد مـن الأمراض الموهنة والمشوّهة والأضرار العقلية.

وهناك نفايات سامة تؤدي إلى الموت مباشرة إثر التعرض لها، وبعض منها يحدث مشكلات صحية أخرى كالحروق والطفح الجلدي والإصابة بالعنه والعقم وسقوط الأجنَّة والولادات الميّتة والعيوب الخلقية والولادات المشوّهة وما أشبه ذلك.

بينما الكثير منها تسلب من الرجال القدرة الجنسية. كما إن كثيراً منها تسبّب عدم اتزان الأعصاب، ولهذا نشاهد فـي عالمنـا اليوم أمراضاً عصبية منتشرة بكثرة، وحيث عرف الغرب الصناعي أضرار هـذه المواد فقد طوَّر أساليب وتقنيات التخلص من هذه النفايات بما في ذلك الحـرق وتحويلها إلى رماد، لكن ذلك لا ينفع إذ رمادها أيضاً يسبب أضراراً وغازاتها أيضاً ضارة وحتى دفنها في مواقع خاصة من البحـر أو الأرض أو إعادة استعمال بعضها من جديد في الصناعات الكيماوية، وحيث أن معظم هذه الأساليب مكلفة للغاية وينتج عنها مشكلات بيئية غير محمودة في بلادهم فالحرق يتسبب في انطلاق كميات كبيرة من الغازات الملوّثة إلـى الهواء الجوي والتي تسبّب الانتشار حتى في البلاد المجاورة. كما إن دفنها في مواقع خاصة تصبح مصدراً لتلويث المياه الجوفية بالمواد الكيماوية السامة وبالتالـي تسبّب ضرراً للإنسان بصورة مباشرة أو نتيجة امتصاص الحيوانات والنباتات لها إذا تسرّب إلى البحر أو المزارع.

ويصدّر الغرب هذه النفايات إلى الدول الفقيرة مقابل تعويضات لا قيمة لها. هذا بالإضافة إلى أنه لا يزيد نصيب حرق النفايـات الخطرة على اثنين بالمائة من حجم التخلص من النفايات في بعض البلاد الغربيـة، وذلك نظراً لارتفاع التكلفة إذا ما قورنت بتكلفة اللجوء إلى أساليـب التطهير وكذلك بسبب الحرص على سلامة المناطق المجاورة لمنشآت حـرق النفايات من آثار الحرق. والعلاج الواقعي يتحقّق عبر:

1 ـ تقليل الإنتاج المسبّب لهذه النفايات إلى أقل قـدر ممكن، وذلك بإخراج قيمة التجمّل وما تقتضيه السياسة وما تقتضيه التجارة وإرادة استعمار الشعوب عن قيمة الإنتاج. إذ الإنتاج دخله الرغبة في التجمل إلى حد الإفراط وبكثرة الاستعمال مما يعد من مصاديق الإسراف واستهداف المقاصد السياسية واستهداف الاقتصاد والتجارة حتى إذا كان على حساب الإنسان وحياته كما دخلت كل ذلك في مختلف أبعاد الحياة.

2 ـ تحويل الإنتاج إلى المواد الصالحة ولو كلّف كثيراً.

3 ـ محاولة تحصيل الطرق الصالحة لإبادة هذه النفايـات. وقد اقترح البعض رميها في أعالي الفضاء بواسطة الصواريخ وما أشبه ذلك، لكن أجاب الاقتصاديون عن ذلك بأنها بالإضافة إلى كونها مكلفة لا يؤمن مـن رجوع أضرارها إلى الأرض أيضاً.

ولا يخفى إنّ الأضرار ليست خاصة بالبلاد الفقيرة المنقـول إليها تلك النفايات، بل قد أدت آبار المياه في مدينة تون بولاية تينسي الأمريكية بواسطة مركبّات بعض هذه النفايات إلى إصابة سكان المدينة بأمراض في الكبد وجهاز الدوران وإلى الشعور بالدوران والإغماء وحالة الكسل والترهّـل. كما أدى التلوث الكيماوي الناتج عن رشّ بعض المواد السامـة كالبنـزين وما أشبه ذلك وترسبّه إلى المياه الجوفية التي تستخدم فـي الشرب إلى حدوث حالات إجهاض كثيرة وتشوّه الأجنَّة، والسرطان، وبثـور جلدية بين سكان قرية (لجلر) إحدى قرى ولاية (نيوجرسي) الأمريكية، وهكذا أدت بعض هذه النفايات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى آثار مشابهة أو مختلفة عن الآثار التي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أظهرت دراسة أوعزتها الوكالة الأمريكية لحماية البيئة أن ما يزيد على (70% ) من العدد المقدَّر للبرك السطحية التي تلقى بنفاياتها الخطرة في الولايات المتحدة الأمريكية بثمانين ألف بركـة ليست مجهزّة ببطانة معيّنة تكسو جدرانها وقاعاتها من التسرّب، كمـا أظهـرت الدراسة نفسها أن (90% ) من هذه البرك قد يشكّل مصدراً لتلويث الميـاه الجوفية التي تنتهي أيضاً إلى الإنسان والحيوان والنبات(21).

ويتفق معظم أهل الخبرة على أنّ الحواجز الصلصالية التي تقام لاحتواء النفايات الخطرة كثيراً ما تعجز عن منع تسرّب المـواد الكيماوية من مواقع دفنها إلى داخل الأرض وهو ما يؤدي إلى وصول هذه المواد إلى أحواض المياه الجوفية، فإنّ المياه الجوفية وإن كانت راكدة في أغلب الحالات لكنها تتموّج أيضاً بسبب الزلازل فتصل إلى البحار والأنهار وغير ذلك. بالإضافة إلى إنّ المياه الجوفية قد تستعمل في الجفاف بسبب الآثار الارتوازية.

وتقدر الوكالة الأمريكية لحماية البيئة تكاليف القيـام بأعمال التنظيف الضرورية لبرك النفايات الخطرة في الولايات المتحدة الأمريكية بما يتراوح بين (20 ـ 100) مليار من الدولارات. وتتجاوز تقديـرات التكاليف اللازمة لعلاج مشكلات جمع النفايات في الدانمارك المليار دولار، وفي ألمانيا الاتحادية تتعدى هذه التقديرات عشرة مليارات دولارات وهكـذا بالنسبة إلى مختلف البلاد الغربية مضافاً إلى اليابان وبعض البلاد الصناعية الأخرى كالهند.

وقد أشرنا إلى أنّ البلاد الصناعية أخذت تفكر في تصدير النفايات إلى الدول الفقيرة في مقابل تعويض محدود، فقد كتبت بعض الصحف البيروتية أن إيطاليا تنتج سنوياً (50 مليون) طن مـن النفايات السامة يجري التخلص من (10% ) منها داخل إيطاليا و(20% ) خارجها بطرق قانونية. أما الباقي فيجري التخلص منه بطرق غير قانونية كالطريقـة الـتي اعتمدت في لبنان. وهناك شركات لتحميل بواخر وناقلات وسفن بمـا لديها من نفايات سامة وإرسالها لتصبّ حمولاتها في جنح الظلام فـي قبالـة شواطئ الدول الفقيرة والنامية في بعض الأحيان، وتستغل هذه الشركات الحروب الإقليمية لتنفيذ عملياتها التخريبية كما حدث في لبنان حـين قامت الباخرة (زنّوبيا) بإنزال شحنة تزن (2400) طن من النفايات الصناعية السامة في أماكن متباعدة من شواطئ بيروت وقد حوَّلت الصراعات اللبنانية الداخلية هذه المأساة إلى جزء من حملة اتهامات موجهة إلى عدد من الزعماء المحليّين وقادة القوات المتحاربة متّهمة إياها بالفساد والتواطؤ والتغطية على مستورد النفايات لتسهيل عملية إدخال المواد السامة إلى لبنان مقابل العمولة وبطريقة غير قانونية ودون اعتبار بصحة المواطنين وسلامة البيئة. وقد ذكر بعض المطّلعين إنّ كثيراً من الأسماك تسمّمت ونقلت هذا التسمم إلى الأهالي وحتى إلى النباتات والحيوانات.

وقد قرأت في بعض الكتب المعنية بهذا الشأن إنّ التخلص من النفايات الخطرة بدأ في الدول الصناعية وذلك بتصديرهـا إلـى الدول الفقيرة ومن ثم تحولت حركة النقل العالمي من النفايات السامة الخطـرة إلـى تجارة هامة، واجتذبت هـذه التجارة عدداً كبيـراً من الوسائط والشركات الإجرامية، حال ذلك حال المواد المخدّرة، فهناك مزارعون وهنـاك مصدِّرون وهناك عملاء والكل يعمل على الإضرار بالبشر، سواء الساكنين فـي الغرب أو في الشرق وكذلك تجار الأسلحة المحرّمة تجارة واستعمالاً وما أشبه ذلك، والمهم عند الإنسان الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجني الأرباح فحسب، فقد تورَّط كثير من الساسة في هذه التجارة غير المشروعة سواء بالمواد المخدّرة أو النفايات أو السلاح أو ما أشبه ذلك. فالدول الصناعيـة التي عجزت عن علاج مشكلة نفاياتهـا السامة أو لم تتحمـل ميزانيّتهـا الضخمة تكاليف التخلص منها تناست تماماً قدرة الدول الفقيرة على احتواء هذه المشكلة حتى في القرن القادم، وقد استطاعت إحدى الشركات الغربية باسم (سي سي كو) أن تحصل على عقد من قبل حكومة فقيرة تقبل بموجبه هذه الدولة (5 ملايين) طن من النفايات سنوياً مقابل دولارين ونصف الدولار فقط للطن الواحد. في حين تدفع الشركات الأوربية الـتي تنتج النفايات السامة ألف دولار لشركة (سي سي كو) لقاء التخلص من الطن الواحد.

وقد ذكرت بعض المجلات(22) إن مؤسسة (لين داكو) فـي ديترويت بالولايات المتحدة الأمريكية طلبت مـن الحكومـة الأمــريكية إذناً بسحب (6 ملايين) طن مـن النفايات الكيماوية إلى غينيا وهي من الدول الفقيرة المتخلفة بمعدل (15 ألف) طن أسبوعياً مقابل (40 دولاراً) للطن الواحد، وقد كشفت (منظّمة السلام الأخضر) المهتمـة بحماية البيئة من التلوث عن دقائق هذه الصفقة، فذكرت أن مدير البيئة فـي وزارة الأبحاث في الكونغو كان قد وافق على رمي مليون طن من الزيت والأحماض والمذيبات العضوية والمخلَّفات التي تحتوي على الزئبق وما أشبه ذلك في وديان (ديوسو) ببلاده، كما وصفت صحيفة (الأمة) كثيراً من الساسة الأفارقة بأنهم مثال للجشع ونعتتهم بأنهم تحولوا إلى حيوانات من أشرس الأنواع لتواطئهم مع الشركات الأوربية في استيراد النفايات السامة بصورة غـير مشروعة للقارة الإفريقية، نظير رشاوى مغرية قدمها عملاء هذه الشركات إليهم.

وكان من المفترض أن تنقل مؤسسة سويسريـة مبلـغ مليون طن من النفايات من ألمانيا الغربية إلى الكونغو، ولكـن الموظفين المتورطين في هذه الصفقة اكتشف أمرهم وتمّ اعتقالهم فـي هـذه الدولة، وأفادت أنباءٌ من سيراليون أنه ألقي القبض على قاضي سيراليـوني ورجل أعمال لبناني بتهمة استيراد ودفن مواد سامة قرب العاصمة فلتاون.

وفي غينيا اعتقل نائب قنصل السفارة الماليزية لتمثيله شركة أنزلت رماداً من محرقة أمريكية في جزيرة كاسا بجوار العاصمة (كوناكرين) ونقلت الأنباء المحلية أنّ الرماد أتلف الأشجار في هذه الجزيرة الخضراء وكثيراً من الحيوانات التي كانت متعلِّقة بتلك الجزيرة.

وقد وصف المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة تصدير النفايات عبر الحدود(23) بأنه عارض جانبي من مخلفـات التصنيع للدول المتقدمة وهو عارض بشع وغير أخلاقي وغير قانوني وغير مرغوب فيه، ولم يذكر السبب في ذلك وانه كيف ينتقل الإنسان من الإنسانية إلى هذه الحالة إلاّ بسبب عدم إيمانه بالله واليوم الآخر، فإنّ الإيمان هو الذي يجعل الإنسان أخلاقياً وقانونياً ومرغوباً فيه وإلاّ فالإنسان حيوان هائـج وشرس فقد قتل هتلر وموسيليني في الحرب العالمية الثانية مع زعماء اشتركوا في المذابح أكثر من (75 مليون) من البشر حسب بعض الإحصاءات.

هذا بالإضافة إلى تخريبهم الديار وإبادتهم الآثار وتسبب بإمراض عدد كبير من البشر(24)، وعلى غرار ذلك ما قتله ستالين، ففي بعض التقريرات أنه قتل (خمسة) ملايين من البـــشر في نظـام المزارع الجماعية، وما قتله ماوتسي تونغ من (39 مليون) من البشر مدة حكمه(25).

فإننا أمام أيّة كارثة حصلت مـن عدم الإيمان بالله واليوم الآخر. ولم يكن ذلك بالنسبة إلى الضحايا فحسب بل بالنسبة إلى المجرمين أيضاً كما قال سبحانه: (إن أحسنتم أحسنتـم لأنفسكم وإن أسأتـم فلها)(26)، وقال سبحانه: (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم)(27)، وقـد قال سبحانه: (كل أمرء بما كسب رهين)(28)، ولم يكن ذلك بالنسبة إلى القبر وإلى الآخرة فقط بل بالنسبة إلى الدنيا أيضاً. وفـي سنة 1419م (1998م) ذكرت مصادر صحفية قبرصية أنّ السلطات هناك أحبطت محاولة لتفريغ (20) طن من النفايات الخطرة في البحر كانت محمولة علـى باخرة (زنّوبيا) لحساب شركة (جي لي) الإيطالية، وأشارت المصادر إلى إنّ ألمانيا الغربية اتفقت مع تركيا على دفن (5 آلاف) طن من المخلّفات الصناعيـة السامة في القسم الشمالي من جزيرة قبرص التي تسيطر عليها القوات التركية.

وقد ذكر جملة من الكتّاب إنّ كثيراً مـن السفـن تحت غطاء عملاء غشاشون استطاعوا أن يفرغوا حمولاتها من النفايات السامـة في عرض البحر مثل سفينة الشحن (بي لي كانو) التي أغرقت (200) طن من الرماد السام قبالة شواطئ هايتي ومثل سفينة عجمان جلوري التي قامت بإلقاء مجموعة من براميل النفايات الخطرة في مياه الخليج قبالة شواطـئ دولـة الإمارات سنة 1409هـ (1989م)، وقد حدث مثل ذلك في نيجريا فدخلت هذه الدولة في نزاع دبلوماسي مع إيطاليا بعـد أن تبين لهـا أن (خمسة) شحنات من النفايات على الأقل أردمتها السفـن الإيطالية في ميناء (كوكو) في جنوب البلاد، وقد اتضح أنّ هذه النفايات تحمل درجة عالية من السم وأن البعض منها يحمل إشعاعاً نوويا. ولا عجب بعد ذلك أن نرى العالم بطوله وعرضه بشماله وجنوبه وشرقه وغربـــه ووسطه ابتلي بأمراض وأخطار غريبة لم يذكر التاريخ مثلها وقد قال الشاعر قديماً:

إذا كان ربّ البيت بـــالدفِّ ناقــــراً            فشيمة أهل البيت كلهم الــــرقص

ولا تسألن عمّا أتى بنتائج من السوء مما هو خارج عن الحصر.

 

1 ـ يقول الأكاديمي الروسي ف دا فيننابا: إنّ الكتلة الحيّة تحتوي في الوقت الراهن على ما لا يقل عن واحد بالمائة من أنواع الحيوانات والنباتات التي تعيش على سطح الأرض منذ ظهور الحياة عليها أمّا النسبة الباقية فقد فنيت، ومن المستبعد تقديم ضمانات للبشريّة حول إمكانيّة العيش في حال حدوث أيّة تغييرات طارئة في البيئة المحيطة بما في ذلك المناخ. موسوعة الطقس ص284 أسامة حوحو.

وقد ذكرت الإحصاءات منذ بداية القرن الحالي في بلجيكا وحدها يختفي سنوياً نوع نباتي واحد إضافة إلى أن مائتي نوع تفقد أكثر من 75% من أفرادها كما اختفى 49 نوع نباتي من إقليم أنجو الفرنسي منذ بداية هذا القرن. يقول جان ماري بيلت في كتابه عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة ص95، (إنّه من الممكن التساؤل عن جدوى الأنواع التي تختفي. ومن السهل الإجابة عن هذا السؤال بسؤال مماثل عمّا تكونه جدوانا نحن. لكن لنساير الجدل نظراً لأنّ السؤال المطروح هو عمّا تكونه جدوى تلك الأنواع بالنسبة إلينا نحن، وهو سؤال ما أيسر الإجابة عنه: فتلك النباتات والحيوانات هي أنفع ما في بيئتنا وأعزّه وأجمله، إذ إنّ كلاً منها يؤدّي دوره على مسرح الحياة الكبير ويسهم في توازن الطبيعة التي تعتمد عليها فيما نتنفّسه من هواء ونتناوله من طعام ونستخدمه من موادّ أوّليّة. ويمكن مواصلة الاعتراض بالقول إنّه يكفينا بعض هذه الأنواع: وعلى وجه التحديد تلك الأنواع التي نستأنسها ونربّيها أو نتعهّدها بالرعاية. وفي هذا الردّ تجاهل لواقع مؤداه أنّنا نكتشف كلّ سنة تطبيقات جديدة لعشر نباتات بريّة في مجالات الصناعة أو التغذية أو العلاج. فإذا نحن انتقصنا تراثنا البيولوجي وأفرغنا مستودعاته، فإنّما نقتطع من زادنا ونحرق مراكبنا. وعلاوة على ذلك من ذا الذي يستطيع العيش طويلاً بلا طيور ولا زهور، في عالم معدني يتّسم بطابع اصطناعي في سجن أو في عربة فضائيّة، فمع كلّ اندفاعة في نشاطنا الصناعي المحموم تموت حفنة من الطبيعة إلى غير رجعة. فبوسعنا أن نفعل كلّ شيء سوى بعث نوع يحلّ به الموت. ونحن نقتل من الأنواع أكثر ممّا تستطيع الطبيعة، بتطوّرها البالغ البطء، خلقه في مدّة معادلة من الزمن. وتجري عمليّة التدهور في صمت، إذ تهلك الأنواع دون أن تعترض أو تحتج إذ أنى لنا أن نسمعها وقد أصمتنا ما نحدثه نحن من ضجيج؟ وعلى ذلك فإنّ نزف الرصيد الجيني العالمي نتيجة لاختفاء الأنواع أمر لا يدركه إلاّ الإخصّائيون. والآثار المتراكمة آثار مرجأة ومن ثمّ فنحن نعيش في غفلة من أمرنا، إذ لن نطالب بدفع الثمّن إلاّ في وقت لاحق!

هذا ويجب الحفاظ على المواطن البرية التي تعيش فيها الحيوانات والنباتات للحفاظ على التنوع الوراثي بحيث أنه إذا ما هاجم مرض أو وباء الحيوانات أو المحاصيل الغذائية سيكون لدينا خيار انتخاب سلالات مقاومة لسد الثغرة خاصة وأن البشرية تعتمد اليوم على 90 نوع من أنواع الحيوانات والنباتات كمصادر لغذائها.

فعلى سبيل المثال أن الذرة التي تنتجها أمريكا هي محددة وراثياً حيث أنها مهجنة من نوعين فقط من بين 200 نوع من الذرة بالعالم، وأن أكثر من ثلثي إنتاج أمريكا من الذرة تعتمد على أنساب طبيعية ولهذا فالذرة حساسة اتجاه الأمراض والحشرات وتتطلب حماية كيماوية.

2 ـ وهي على أنواع: مبيدات الفطور ومبيدات القوارض والحشرات وما أشبه.

3 ـ وهو قرابة خمسة آلاف سنة.

4 ـ وقد ثبت علمياً إنّ النباتات التي تستعمل كغذاء للإنسان جعل الله فيها آليات كيماويّة حيويّة تسمح لها بإنتاج نوع من مبيدات الحشرات من نفسها لمواجهة هجمات الحشرات والفطور.

5 ـ اكتشف مركب (دي دي تي) في بعض البلاد الغربية، واستعمل إبان الحرب العالمية الثانية في الأغراض الطبية ثم استخدم كمبيد للحشرات.

6 ـ فهناك 250 نوع من الحشرات أصبحت في عداد المقاومات، وأصبح أصناف من الحشرات تحتاج دائماً إلى المبيدات، فمثلاً في عام 1941م ظهر أوّل أنواع القمل المقاوم لمادّة (دي دي تي)، حيث بعد مضي عشرة أعوام في أثناء الحرب الكورية، كانت تلك الأنواع قد تكيّفت له إلى درجة أتاحت عزل نوع منه لم يكن لينمو ويترعرع إلاّ إذا أضيف ال‍(دي دي تي) إلى الوسط الذي يعيش فيه. هذا إضافة إلى بعض السلالات من الحشرات غير المؤذية والتي أصبحت في عداد المؤذيات بعد أن لم تجد ما تعيش عليه.

7 ـ ففي هولندا مثلاً: تسمّم خطاف البرّ من جرّاء آثار مبيد الآفات ـ ديلدرين ـ. وكذلك انتشر هذا المبيد في مياه بحر الشمال ممّا أدّى إلى تسمّم خطاف البرّ وهبط عدده من أربعين ألفاً سنة 1950م إلى ثلاثمائة سنة 1965م، حيث تراكم هذا المبيد في كبد هذه الطيور ممّا سبّب موتها. ومن الطرائف أنّ النسيج الدهني للمواطن الأمريكي يحتوي على عشرة أجزاء من المليون من مادّة (دي دي تي) والإسرائيلي على تسعة عشر جزء من المليون والهندي على تسعة وعشرين جزءاً من المليون.

8 ـ وهكذا في انتقال المواد الكيماوية حيث ذكر جوزيف ف رودريكس في كتابه الأخطار المحسوبة ص44 الوسائط الكيماوية فقال: ينطلق معدن الرصاص المضاف إلى البنـزين (الوسيط الأوّل) في الهواء (الوسيط الثاني) عند احتراق البنـزين ـ مثلاً ـ ويترسب بعض الرصاص الذي يحمله الهواء في التربة (الوسيط الثالث) التي تستخدم لإنماء الذرة. ويذوب بعض الرصاص الموجود في التربة في الماء (الوسيط الرابع) ويتحرّك خلال جذور الذرة ثمّ يتجمّع في أكواز الذرة (الوسيط الخامس) وبعدها تقدّم الذرة كعلف للماشية الحلوب ويرشّح بعد الرصاص في اللبن (الوسيط السادس) ولهذا يعتبر اللبن الوسيط الذي يسبّب تعرّض الإنسان للرصاص. وهكذا فقد مرّ الرصاص خلال ستّة أوساط حتّى وصل إلى الكائن البشري. ولزيادة الطين بلّة، من الممكن أن يتعرّض الناس للرصاص في عدّة نقاط أخرى على طول العمر، مثلاً عند تنفّس الهواء (الوسيط الثاني) أو عند التلامس مع التربة (الوسيط الثالث).

9 ـ الكافي (فروع): ج5 ص279 ح2، الاستبصار: ج3 ص108 ب72 ح3.

10 ـ تهذيب الأحكام: ج6 ص110 ب22 ح11، الكافي (فروع): ج4 ص547 ح33.

11 ـ عبد الكريم قاسم من مواليد حي المهديّة في بغداد عام 1333هـ (1914م). عيّن آمر لواء المشاة 19 في عهد فيصل الثاني. قام بانقلاب عسكري صبيحة السابع والعشرين من ذي الحجّة عام 1377هـ (الرابع عشر من تمّوز عام 1958م) وأطاح بالحكم الملكي وأعلن الحكم الجمهوري، وشكّل مجلس السيادة لإدارة البلاد وترأس مجلس الوزراء إضافة إلى وزارة الدفاع. ألغى مظاهر الديمقراطية كالبرلمان والتعدّدية الحزبية وألغى الحكم المدني. واستمرّ حكمه قرابة أربع سنوات ونصف. تعرّض في صبيحة يوم الجمعة 14 رمضان 1382هـ (8 شباط عام 1963م) لانقلاب عسكري دبّره عبد السلام عارف مع مجموعة من الضبّاط، واُعدم رمياً بالرصاص في ظهيرة التاسع من شبّاط عام 1963م.

12 ـ أصدر عبد الكريم قاسم قانون الإصلاح الزراعي في 13 صفر 1378هـ (30/8/1958م) على غرار قانون الإصلاح الزراعي المصري والسوري، وكان لتطبيقه ردود فعل في الأوساط السياسيّة والدينيّة، نتيجة مخالفته للعقل والشرع والواقع الاقتصادي، ونتيجة لاهتمامه بالجانب البيروقراطي على حساب الجانب الفنيّ والعملي، ونتيجة لتركيزه على الحدّ من نفوذ كبار الملاّكين وشيوخ العشائر أكثر من تركيزه على زيادة الإنتاج.

13 ـ هذا إذا أحسنّا الظنّ بالحضارة الحديثة، فهناك نظريّة تدلّ على أنّ الأمراض والأوبئة ظاهرة أوجدتها الحضارة، وهناك شواهد كثيرة على ذلك فالطاعون انتشر في أعقاب الحرب الصليبيّة، والتدرّن نشأ في المناجم والمصانع في القرن التاسع عشر نتيجة لغياب الهواء والضوء عنها وإنّ الإكثار من الأطعمة مع قلّة الحركة وعدم ممارسة الرياضة يؤدّي إلى الإصابة بنـزيف المخ.

14 ـ وقد ذكرت مجلّة ألف باء العراقية في عددها المرقم 1364 هذا الإحصاء حيث كتبت: إنّ العراق يمتلك 400/000/32 مليون نخلة عام 1952م، و13 مليون منها توجد في البصرة، وينتج650 نوع من التمور. وهبط هذا الرقم إلى 699/997/2 مليون نخلة عام 1989م. وفي السنوات الأخيرة تضاءل هذا العدد إلى أقلّ ما يمكن.

15 ـ سورة يس: الآية 36.

16 ـ منتخب الأنوار المضيئة: ص201.

17 ـ سورة التوبة: الآية 80.

18 ـ سورة القلم: الآية 4.

19 ـ سورة طه: الآية 114.

20 ـ سورة الإسراء: الآية 85.

21 ـ علماً إنّ كميّة النفايات في أمريكا تقدّر بثلاثمائة مليون طن سنوياً أي معادل طن واحد تقريباً لكلّ أمريكي في السنة، وهذه النفايات يتمّ إلقاؤها إمّا في البحر أو تحت الأرض أو في الجو.

22 ـ وهي مجلة الآفاق العلمية في عددها الصادر سنة 1408هـ (1988م).

23 ـ وهو الدكتور مصطفى كمال طلبة في بعض مؤلفاته.

24 ـ وقد ذكرت إحدى التقارير: إنّ الاتحاد السوفياتي السابق اشترى من الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية (25) مليون من الأجزاء البشريـة مثل اليد والرجل والعين والأذن والأنف وما أشبه ذلك.

25 ـ على حسب ما ذكرته إذاعة موسكو.

26 ـ سورة الإسراء: الآية 7.

27 ـ سورة يونس: الآية 23.

28 ـ سورة الطور: الآية 21.