الرسالة التي ينهض بها الانسان هي التي ينبغي الاهتمام بها




بمناسبة قرب حلول أيام محرم الحرام، استقبل سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة جمعاً من الفضلاء والمبلغين وطلاب العلوم الدينية من مدينة إصفهان، وألقى فيهم كلمة قيمة جاء في جانب منها:

ورد في إحدى زيارات الإمام الحسين سلام الله عليه التي رواها الأعاظم، عن كامل الزيارات للمرحوم ابن قولويه القمي، وفي المزار للشهيد الأول ومصباح ابن طاووس والعلامة المجلسي في البحار ـ عن الإمام الصادق سلام الله عليه :

«أشهد أنك طهر طاهر مطهّر من طهر طاهر مطهّر، طهُرتَ وطهُرتْ بك البلاد وطهرت أرض أنت بها وطهر حرمك».[1]

عشر صيغ مكررة وغير مكررة من مادة «طهر» استعملها الإمام الصادق سلام الله عليه في مخاطبة جده الإمام الحسين سلام الله عليه. ونسبة الطهر إلى الإمام إذا قصد منها العصمة، فهذا يعني أن هناك خصوصية للإمام الحسين سلام الله عليه في هذا المجال لا يشاركها فيها إلا أخوه الإمام الحسن سلام الله عليه؛ فالنبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والصديقة الطاهرة والحسن والحسين والائمة التسعة من ذريته سلام الله عليهم كلهم طاهرون مطهرون لأنهم كلهم معصومون بلاشك، ولكن ليست كل أمهات الأئمة ولا أم النبي وأم الإمام أمير المؤمنين معصومات، كما أن النبي صلى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه لا ينحدران من أبوين معصومين، وإن كان آباء المعصومين كلّهم طاهرون وأمهاتهم كلّهن طاهرات، ولكن ليست الطهارة التي من سنخ العصمة إلا أبو الإمامين الحسن والحسين وأمهما، وأبو الصديقة الزهراء وآباء الأئمة التسعة من ذرية الحسين سلام الله عليه.

وبعبارة أخرى إن النبي صلى الله عليه وآله وهو سيد الأولين والآخرين ينحدر من أبوين طاهرين ولكنهما ليسا بمعصومين، وهكذا الحال بالنسبة لأمير المؤمنين. أما الصديقة الزهراء والأئمة التسعة من ذرية الحسين فكلهم ينحدرون من أب معصوم لكن أمهاتهم ليست معصومات ولذلك يخاطب الإمام الصادق سلام الله عليه جده الإمام الحسين سلام الله عليه بقوله: «أشهد أنك طهر طاهر مطهر من طهر طاهر مطهر». وإثبات العصمة لهؤلاء الأشخاص الأربعة عشر هو مما تسالم عليه الشيعة الإمامية.

وهذه خصيصة للإمام الحسين سلام الله عليه لم يشاركها فيه إلا أخوه الإمام الحسن.

ودعا سماحته العلماء للبحث في هذه القطعة لأنها عبارة فريدة لم يرد مثيل لها في حق أحد غيره ولما فيها من نكات مهمة لم تبحث بعد، سواء من الناحية اللغوية والبلاغية أو من النواحي الأخرى.

وضرب لذلك مثلاً بكلمة طهر وهي مصدر وصف بها الإمام وجيء بها أولاً قبل طاهر ونبّه إلى أن في ذلك نكات دقيقة تستدعي البحث والتأمّل، أشار إلى بعضها ووقف عندها.

وقال سماحته:

إن للطهارة مراتب فلنجعلها نصب أعيننا ونبذل جهدنا من أجل تحقيقها في ذواتنا، وأن شهر محرم خير فرصة لاتخاذ هذا القرار فلننتهز هذه الفرصة، ولنتذكر أن الطهارة قابلة للتأثر، ويمكن أن تتلوّث بسرعة بالذنب والمعصية كالماء الطاهر الذي ينفعل ويتلوّث إن لاقته النجاسة، والذنوب نجاسات فلا تدعوها تلوّث طهارتكم.

كما أكّد سماحته على السادة المبلّغين أهميّة دور التبليغ وضرورة استغلال شهري محرم وصفر لهذه المهمّة العظيمة والمقدّسة، وذكر سماحته قصة في هذا المجال لبيان عظمة هذا الدور وبيان ثوابه خاصة لأولئك الذين يتوجّهون للقرى والأرياف مع ضعف الإمكانات وكثرة المشكلات وقال:

دخل على الميرزا الكبير في أحد الأيام رجل علم عادي ولكن الميرزا نهض من مكانه واستقبله استقبالاً حافلاً وقبّل ما بين عينيه، فعجب الطلبة الذين كانوا يحضرون المجلس لأن الميرزا كان لا يقوم لكل أحد يومذاك بسبب كهولته، ولم يكن الشخص الوافد يحظى بدرجة علمية مهمة، وعندما استقرّ المجلس توجّه أحد الطلبة بسؤال الميرزا عن هذا الشخص الذي قام من أجله وكرّمه فقال: إنّه من الذين أخشى أن أغبطهم يوم القيامة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: لقد كنّا ندرس سوية في بحث الخارج، وفي أحد الأيام تناهى إلى سمعه أن هناك قرى في العراق تحتاج إلى من يبصّرها بأمور دينها، فأهلها أناس أميون لا يعرفون كثيراً عن أحكام الإسلام، فشعر هذا بالمسؤولية وترك الدرس والرقي العلمي وتوجه لإجابة نداء الواجب الذي أحسّ به تجاههم. وبدأ بتعليم أطفالهم القراءة والكتابة ثم تعليم الكبار أحكام الدين حتى وفق أخيراً إلى رفع مستواهم وبناء مراكز علمية ودينية وعبادية لهم.

وخلص سماحته إلى القول:

 فالرتبة العلمية لا تعني كل شيء ، بل الرسالة التي ينهض بها الإنسان هي التي ينبغي الإهتمام بها، والمبلّغون يقومون برسالة عظيمة في هذين الشهرين وفي شهر رمضان المبارك فهنيئاً لهم وليعرفوا قدر ما يقومون به، وليعبئوا أنفسهم من أجل القيام بهذه المهمّة على أحسن وجه.

يُذكر أنه قد حضر اللقاء المبارك كلّ من سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته وأنجال السيد المرجع دام ظله إضافة إلى الأفاضل الذين قدموا من إصفهان ، منهم فضيلة السيد مهدي الإمامي والسيد علي الأبطحي والشيخ مصطفى بهرمن.

[1] من زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه في اول رجب والنصف من شعبان.


مراسل موقع الامام الشيرازي - قم المقدسة