بمناسبة المولد المبارك للامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مركز الفردوس للثقافة والاعلام يقيم  أمسيته الأولى من مهرجانه العالمي الخامس في المركز الثقافي العربي في دمشق




 

خاص – موقع الامام الشيرازي

من على بعد مئات الأمتارمن قصرالعدل في منطقة المزة وسط العاصمة السورية دمشق يشاهد الزائر لهذه المدينة القديمة قدم الحضارات والأمم الأولى تقاطر العلماء والمفكرين والكتاب والإعلاميين والجامعيين , من الرجال والنساء , ومن أديان ومذاهب وقوميات وجنسيات متنوعة , إلى المركز الثقافي العربي , الذي علت فضاءه لافتات ملونة بألوان طيف الشمس واضاءات القمر, وزاد ذلك شذرات الورد والرياحين والأزهار التي خط بها أجمل عبارات المحبة والترحيب بالقادمين ابتهاجاً بمولد سيد العادلين ومولى الموحدين وناصر المظلومين وراحم الفقراء والمساكين الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) والذي يقع في الثالث عشر من شهر رجب الأصب .

ومع أول عتبات المبنى يؤكد القائمون للحفل وكما في كل عام ومنذ خمس مواسم مضت ديمومة وتوهج نجاحهم من خلال التجدد في الفعاليات , والانفتاح على الأفكار والأطروحات ’ ومواكبة الأحداث والتطورات التي يشهدها عالمنا الفسيح مؤسسين بذلك منهجاً عالياً في بلورة مضامين الاحتفاءات إلى لمسات وآثار فاعلة ومؤثرة في الإنسان والواقع الذي يعيشه عازمين على ألا تظل تلك الاحتفاءات – كما هو في الحتفالات التقليدية -  حبيسة نفسها ودوائر شعاراتها وكلماتها وإنما تؤكد حياتها وحياة من يحييها ويشارك فيها عبرانطلاقتها في رحاب العقل والأرض وآفاق الحياة والكون , لتغرس طيباً , وتؤكد معروفاً , وتقلع شوكاً, وترفض منكراً.

وعلى لوحات مستطيلة طويلة صفت على يمين ويسار المدخل الرئيسي وباحة الاستقبال حتى باب قاعة الاحتفال المنعقد تحت شعار " أمير المؤمنين وثقافة التعايش ) وضعت ملصقات ملونة لمئات الكتب والكراسات التي خطت في عشق علي ( عليه السلام ) وحبه ومودته , وهو إشارة نبيلة من الأخوة المنظمين لمهرجان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الخامس الى أن علي ( عليه السلام ) لا يقرأ الا بالعقل والوعي والفكر المتعدد والمتجدد والحر كما أنه ( عليه السلام ) يرسم بالقلب والروح بعديد مواقفه الإنسانية ومآثره الأخلاقية وبطولاته الأسطورية .

وبحضور حشد كبير غصت به قاعة حفل الأمسية الأولى من ليالي المهرجان الثلاث التي لم تسعفها المقاعد المتحركة التي أضيفت إلى تلك القاعة المبتهجة والساحة الخارجية التي تقع بمحاذاة حديقة المبنى الواسعة استهل الحفل الذي يقام برعاية وإشراف وتنظيم مركز الفردوس للثقافة والإعلام بتلاوة آيات كريمات من الذكر الحكيم رتلها القارئ السيد محمد الموسوي على أسماع الحاضرين , ثم كلمة ترحيبية وأشعار من وحي المناسبة العطرة لعريف الحفل الشاعر والمحامي زكي النوري

كلمة الافتتاح لمعهد الإمام الشيرازي الدولي للدراسات للمهندس فؤاد الصادق ألقاها بالنيابة مدير مركز الفردوس للثقافة والاعلام سماحة العلامة السيد فاضل الطباطبائي أكد فيها ماهية قيم التعايش وأبعادها المعنوية والمادية والانسانية قائلا:

 التعايش هذا الاصطلاح القديم الجديد , السهل تنظيرا, الصعب تطبيقا, لتعقيداته وتداخلاته ومقوماته ولكونه من صنف الأزهار بطيئة النمو, سريعة الزوال . وهو يشمل : تعايش الإنسان مع ذاته هو, مع الآخر داخل جماعته , أو خارجها تعايش الجماعة مع الفرد العضو في نفس الجماعة أو في غيرها , ومع الجماعات الأخرى , تعايش الجماعات الأفقية والعمودية في المجتمع الواحد , تعايش الأكثرية والأقلية , تعايش بين الأغلبية من جهة , والأقلية , أو الأقليات من جهة أخرى , تعايش بين الشعوب أو الأمم أو الدول أو  الحضارات المختلفة , تعايش مع البيئة الطبيعة .

وأضاف : ان التعايش يفرض نفسه أينما وجدت علاقة بين الطرفين, وهي مسؤولية مشتركة يتحملها الطرفان غالبا, والحاجة إلى إرساء ودعم وتشريب مفاهيم التعايش حاجة ماسة وضرورية , ولاسيما مع تحول العالم إلى قرية صغيرة , وفي ظل ما يسوق من صراع المصالح باسم الدين تارة , وباسم صراع الحضارات تارة أخرى .

وقال سماحته : عملية التعايش تبدأ من نظرة الإنسان إلى نفسه وتقييمها , وتتأثر بمدى نجاحه في إقرار حالة التعايش الداخلي مع ذاته , فالذي ينظر إلى نفسه نظرة ايجابية مطلقة أو سلبية مطلقة , بينما يقيم الآخر بأنه سلبي أو ايجابي بصورة مطلقة , لا يمكنه أن  يتعايش مع الآخر, وكذلك المتعثر في التعايش مع ذاته في محاكاته وحواراته مع الذات للخروج بتوازن بين الإرادات الداخلية المتباينة كالعقل والعاطفة والضمير والنفس وما إلى ذلك فيكون ذا شخصية بعيدة عن التوازن والاعتدال والوسطية , وهذا مما يبعد الإنسان عن التعايش ...

وقال : ان الاختلاف والتمايز سيكون دائما موجودا, لكن بالإمكان تحويله إلى أداة ايجابية تنافسية فعالة تغني الأطراف المختلفة المتمايزة , لتجييره في تخديم الأسرة البشرية الواحدة , وهذا ما يأمر به الإسلام, وبعبارة أخرى فالإسلام يصحح النظرة إلى الذات أولاً, والى الآخر ثانيا , والى التعددية ثالثا, ويزرع متطلبات التعايش رابعا , فيعالج التحجيم والتضخيم سواء في النظرة إلى الذات أو إلى الآخر بتأصيل وحدة الأصل الإنساني وتكريم الإنسان بما هو إنسان إلى جانب نفيه للغرور والتعصب وما شابه ذلك من معوقات الاتصال والتعارف, كما يؤصل الحرية للإنسان, ويرفض التجانس القهري لضمان التعامل الايجابي البناء معها وبكل صراحة وصدق وثقة وبعيدا عن المراوغة أو النفاق أو الاضطرار وما نحو ذلك .

وفي نظرة الاسلام الى مبدأ التسامح وتأصيله في نفس الانسان المؤمن قال السيد الطباطبائي: التسامح في معناه الاصطلاحي الحديث يدل على قبول اختلاف الآخرين – سواء في الدين أو العرق – أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين أو إكراههم على التخلي عن آخريتهم , بل أكثر من ذلك , فهو يطبق ما يسمونه مؤخرا بأرقى أنواع التسامح والذي يدعو إلى تجاوز الموقف الذي يقتصرعلى التسامح بمعنى قبول اختلاف الآخرين والتقدم إلى موقف التقدير المناسب لخصائص الآخر واحترام " آخريتهم " فالإسلام لم يحترم آخرية الآخرين فحسب , بل سمح للآخر بتطبيق قوانينه في بيئته وضمن المجتمع أو النظام الإسلامي وقاعدتي الإلزام والإمضاء في الفقه الإسلامي خير دليل على ذلك , وفي الأحلاف والاتفاقيات التي عقدها وطبقها الرسول الأكرم ( ص) على الصعيدين الخارجي والداخلي ما هو أكبر وأرقى من أرقى أنواع التسامح المطروحة هذه الأيام مع بداية الألفية الثالثة , هذا من جهة , ومن جهة أخرى فالإسلام يكرس كل متطلبات ودعائم التعايش وما ينعشه ويضمنه بصورة مستدامة مثل : القسط , العدل , الإنصاف , العفو , الصفح , إحقاق الحق , نفي الظلم , حسن الظن و ما إلى ذلك .

وجاء أيضا في كلمة الافتتاح : ان منطق حصر الألوان في الأسود والأبيض مرفوض حتى فيما يرتبط بالإيمان كما هو الإقصاء والتسقيط كذلك , حتى لو برز بعباءة الإيمان فللتسقيط  بداية بلا نهاية , ومن أسقط سيسقط بعد حين .

وختم سماحته قائلا : لقد عمل الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لتكريس التعايش بزرع مقوماته مفهوما وممارسة , كالتعددية والتسامح واللاعنف والعدالة, فالمفاهيم هذه بلا عدالة , تبقى مفاهيم نظرية , عصية على التطبيق , ولا تتعدى عن كونها معلومة من المعلومات , وحلما من الأحلام , لذلك نرى الإمام علي ( عليه السلام ) نذر نفسه الطاهرة لتكريس وتأصيل مقومات التعايش , وعلى رأس تلك المقومات العدالة , في كل خطوة , وفي جميع الأحوال والمراحل , فحوّل (ع) التعايش إلى أصل معرفي , فعبر من دائرة الفكر, إلى دائرة القرار , ومن غربة النظرية إلى واحة الممارسة , فأمست عدالته قادرة وفاعلة على رفد التعايش بسر الحياة والخلود حتى استشهد لأجل عدالته كما يقول الكاتب المسيحي جبران خليل جبران : " قتل علي في محراب عبادته لشدة عدله " ,  ان اليونسكو قد تنبهت لأهمية التعايش ومنذ عشر سنوات فاعتبرت شعار : " تعلم للعيش مع الآخرين " احد الأعمدة الأربعة المطلوبة في أي نظام تربوي إلى جانب الأعمدة الأخرى :" تعلم لتعرف ", " تعلم لتعمل " , " تعلم لتكون " , فإني أتمنى ومن مؤتمركم المبارك هذا , وفي هذه الأمسية المباركة التقدم إلى اليونسكو باقتراح لجعل شعار " تعلم العدالة لتسعد بانتعاش التعايش " احد الأعمدة المطلوبة في أي نظام تربوي واعتبار كتاب نهج البلاغة مصدرا من مصادر النظام التربوي الدولي  

بعد  ذلك كانت الكلمة للاستاذ برهان بخاري الذي أشار الى اشكالية التوغل في التاريخ دون التعمق في التأمل في خلفيات أحداثه وأبعادها المختلفة وصولا الى منطقة مشتركة تجمع المتنوعين في الدين والمذهب والرؤى والأفكار وتعزز عبر ذلك أواصر التعايش في المجتمع .

وقال : تأتي إشكالية العيش المشترك أو التعايش المشترك من أننا بتنا نعيش في عصر باتت تصطرع فيه المجتمعات والدول والقارات والحضارات , وفي وقت وصل فيه القطب الأوحد  في الكون إلى أعلى درجات الشراسة باحتلاله لدول عربية وإسلامية وبارتكاب المجازر والفظائع بحق شعوبها بنوع من التنكيل والحقد الذي عز نظيره وضمن أجواء وصل فيها العالمان العربي والإسلامي إلى مرحلة ما قبل الحضيض حيث تسود الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية المنذرة بالخراب الشامل .

وأشار الاستاذ بخاري الى مضامين العدالة العلوية والتي اعتبرها الأساس في ثقافة أي عيش مشترك قائلا :

في ما يخص ( العدالة ) فإنه من الصعب إحصاء موارد ورودها ضمن الدلالة التي نقصدها وعليه سأكتفي بإيراد بضعة شواهد فقط تعكس الرؤية الخاصة والفذة للإمام علي (عليه السلام) في هذه المفهوم الجوهري :

1-   قال (عليه السلام) : فإن في العدل سعة , ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق .

لن أعلق على هذه المقولة كثيرا لكنني أود أن أركز على الجدلية القائمة بين كلمتي السعة والضيق والعدل والجور, و أن أشير أيضا إلى أن الجدل هو أهم ما تتميز به بنية خطاب الإمام علي (عليه السلام) .

2-   قال (عليه السلام)  : يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجورعلى المظلوم .

تتضح هنا أيضا الجدلية الرائعة بين العدل والجور.

3-   قال (عليه السلام) ليس من العدل القضاء على الثقة بالظن .

بودي أن اعرف مكانة مثل هذه المقولة الرائعة في وقت يقتل فيه الأبرياء من أطفال ونساء في سيارات مفخخة .

4-   قال (عليه السلام) أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر .

لقد تحولت هذه المقولة إلى مثل سائر على ألسنة الناس دون أن يعرف معظمهم أنها للإمام علي (عليه السلام) و لعل ما يعطيها قيمة استثنائية هو أنها صدرت من إمام لا كالأئمة .

5-   قال (عليه السلام) اللهم احملني على عفوك ولا تحملني على عدلك .

الوصول إلى أغوار هذا المعنى يحتاج إلى محاضرة قائمة بذاتها .

وختم كلمته متمنيا: ما أود الوصول إليه تحديدا أنه ليس المهم البحث في الرؤية الخاصة للإمام علي (عليه السلام) من مسألة ثقافة العيش المشترك, لكن المهم هو المقدار الذي اكتسبناه وتمثلناه وتشربناه من تلك الثقافة , والذي سيعطينا شرف أن نكون من تلاميذه النجباء ومن مريديه الأوفياء .  

ثم ألقى الاستاذ سهيل عروسي رئيس اتحاد الكتاب في الحسكة التي استهلها بقوله :

زمن صعب هذا الذي نعيش فيه اليوم , صعب بكل المعاني والمقاييس وحسناً فعل مركز الفردوس للثقافة والإعلام حين دعانا لاستحضار قيم ومنطق وأخلاقيات الإمام علي بن أبي طالب وهو بلا شك من القلة القليلة التي ينبغي العودة إليها عندما تمر الأوطان والشعوب بحالات الوهن والضعف في كل المستويات والعناوين كما هو الوضع الآن . وإني كمسيحي مشرقي يعتز أيما اعتزاز بكل القيم التي أنبتتها هذه الأرض المقدسة لا يرى الإنسان إلا  كما رآه الإمام علي بن أبي طالب إنه : إما أخ له في الدين أو نظيرله  في الخلق يرى بنفس الوقت : إننا وكما جاء في رسالة بطاركة الشرق الأول ( آب 1981) إننا مسيحيون و مسلمون :

-         ننهل من تراث حضاري واحد نتقاسمه وقد أسهم كل منا في صياغته انطلاقا من عبقريته الخاصة .

-         أن  قرابتنا الحضارية هي ارثنا التاريخي الذي نصرعلى المحافظة عليه وتطويره وتجذيره وتفعيله كي يكون أساس عيشنا المشترك وتعاوننا الأخوي.

-         إن المسيحيين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين , كما أن المسلمين في الشرق جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين.

ومن هذا المنطلق فنحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام  الله والتاريخ , ولذا يتحتم علينا أن  نبحث بشكل مستمر عن صيغة لا للتعايش وحسب بل للتواصل الخلاق والمثمر الذي يضمن الاستقرار والأمان لكل مؤمن بالله في أوطاننا بعيداً عن آلية الحقد والتعصب والفئوية ورفض الآخر .

وعلى هذا الأساس فإن إصلاح شأن الناس التعايش والتعاشر , كما قال الإمام علي يقتضي الحوار .

وأضاف : الحوارهو ضرورة وفضيلة في آن واحد , ضرورة من حيث التواصل الإنساني , وفضيلة من حيث الاعتراف بالآخر, وهو يعكس مظاهر التنوع الإنساني وتعدد ظواهره من جهة , وقدرة وعظمة الله من جهة أخرى .

أن  ضرورة الحوار من ضرورة الاختلاف الذي هو مشيئة ربانية أكدها القرآن الكريم :

" وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لاَمَنَ مَن فِي الأرْضِ كُلّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"(يونس /99) .

"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّلْعَالَمِين"( سورة الروم /22) .

وفي المسيحية قبل أن يبدأ السيد المسيح بشارته حاور إبليس في ثلاث محطات ولم يغضب المسيح .

كذلك في القرآن الكريم عندما طلب الله من إبليس أن يسجد لآدم فرفض إبليس معتبراً أن الله خلقه من نار بينما خلق الإنسان من طين والنار أرقى من الطين , وبالرغم من هذا الرفض تركه إلى يوم الوقت المعلوم .

 وقال الاستاذ عروسي : لقد كان الإمام علي رجل الحوار دون تمييز بين عدو وصديق فلقد كان لعلي أعداء كثيرون في مسيرة حياته السياسية ولكنه لم يوقف الحوار مع أي منهم فلقد اختلف مع معاوية , إلا أن القارئ لنهج البلاغة سيجد أن الحوار مع معاوية قد أحتل مساحة واسعة في الكتاب حيث بدأ حرص الإمام على عدم  قطع الصلات حتى مع مناوئيه بحيث يمكن الحديث عن شعرة علي لا شعرة معاوية فحسب .

واستطيع القول أن مجمل صفات ومناقب الإمام قد احتوتها رسالته الشهيرة إلى مالك النخعي والتي يمكن اعتبارها بحق المرتكز الفلسفي والأخلاقي لأية سلطة وحاكم والتي لم تأخذ الاهتمام المطلوب لدى أصحاب الشأن وأولى الأمرلاعتبارات تنم عن جهل أو قصر نظر فهذه الرسالة – النهج والمنهج – يفترض بأي حاكم عربي على الأقل تسطيرها بماء الذهب لتكون أمام مرأى عينيه ينهل منها مقومات السلطة العادلة والحكم الرشيد , وان تقوم المؤسسات الثقافية بطباعتها وتيسير توزيعها على الناشئة لتكون لهم عوناً وسنداً في مواجهة الصعاب .

يظهر علي في هذه الرسالة كأب للجميع دون تمييز بين مسلم وغير مسلم فالرعية واحدة وعلى الوالي " أن يكون رحيماً للرعية لطيفا بها , فلا يكونن عليهم سبعاً ضارياً فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق , وقد جسد الإمام هذا القول في تصرفاته السياسية تجاه أهل الذمة حيث يقول :

 – إنما قبلوا عقد الذمة لتكون أموالهم كأموالنا أو دماؤهم كدمائنا

-         أن دية اليهودي والنصراني كمثل دية المسلم

كما حافظ علي على كرامات أهل الذمة فمنع تعذيبهم أو ضربهم لمجرد تحصيل المال منهم فقد كان يقول لعماله :

 ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم .

ولا أريد الاستطراد في تصرفات علي القولية والفعلية فليس هذا مكانها من حيث الوقت وطبيعة الندوة ولكني وقفت عند بعض المحطات لأصل إلى مجموعة من المفاهيم أو إطار مفاهيمي عام يمكن التأسيس عليه لتحقيق أفضل صيغة للتعايش:

أولاً : إن استحضار القامات المديدة في تاريخنا ينبغي ألا يكون من قبيل إسقاط الواجب فالضرورة تقتضي تسليك مفاهيمهم في قنوات حياتنا العملية وهي مسؤولية ينبغي على المؤسسات المعنية القيام بها مهما غلا  الثمن وارتفعت التضحيات .

ثانياً : النظر إلى النصوص بعين الائتلاف لا بعين الاختلاف , فالبحث في المشتركات بين الدينيين السماويين بموضوعية ودون مسبقات تاريخية أو فقهية سيجعلنا نقف على نقاط تجعل من مسألة الحوار ذات إمكانية عالية في التطبيق , ويذهب بي الاعتقاد إلى أن المسألة  ليست في النصوص بقدر ما هي في النفوس , ليست بين المسيحية والإسلام بقدرماهي بين المسيحيين والمسلمين في خصوصهم لا في عمومهم وهذا يقتضي الانفتاح على النصوص لتسييل حركة النفوس .

وأضاف : إن المسيحي ليس هو الآخر بالنسبة للمسلم , كما أن المسلم ليس هو الآخر بالنسبة للمسيحي والمشكلة تنبع برأيي من أن المسيحي لم يقرأ النص القرآني بفضائه الأوسع وان المسلم لم يقرأ النص الإنجيلي بفضائه الأعمق , والمطلوب اليوم من المسيحي أن يقرأ الإنجيل والقرآن وكذلك المسلم بروحية من يبحث عن الائتلاف لا عن الاختلاف وعندها سيجد كل منهما إن مساحات التوتر قليلة إذا ما نظر إليها بعين الائتلاف وكثيرة إذا ما نظر إليها بعين الاختلاف .

إذا المسألة هي في الفقه ( اللاهوت ) غير المتحرك الذي يقف حائلاً دون تحريك النصوص وتسييلها باتجاهات التلاقي وهذا ليس من وضع الله بل من وضع عباده وما صنعه البشر يمكن تحريكه وما صنعه الله يمكن تكييفه على قاعدة أن نختلف في الكفر خير من أن نتفق في الإيمان فالاختلاف رحمة وهو من عدل الله

" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّلْعَالَمِين"( سورة الروم /22) .

يقول بولس الخوري :

" إن الإسلام بما هو دين قريب في بنيته من المسيحية برغم الفروقات الأكيدة التي تميزه عنها فهو يملك على مثالها الوظائف الدينية الخمس الأساسية : فالمبدأ الأساسي أي الله هو في المسيحية أب , وفي الإسلام رب. والوحي في المسيحية هو المسيح الإقنوم الإلهي , وفي الإسلام القرآن , النص الإلهي والجماعة الدينية في المسيحية هي الكنيسة بوجهها الإلهي والإنسان , وهي في الإسلام جماعة من المؤمنين بوجهها الإنساني الواحد , وقاعدة الحياة الدينية في المسيحية هي الروح الإلهي, وهي في الإسلام الشريعة الإلهية , وأخيرا الموقف الديني النموذجي في المسيحية هو المحبة , محبة الله والناس , وهو في الإسلام الإيمان بالله الواحد والتسليم المطلق لمشيئته .

ثالثاً: التركيز على القضايا العملية والابتعاد عن مسائل الاعتقاد بتفصيلاتها فلكل ديانة كتابا وعقيدتها, وكل ديانة تعتبر كتابها مقدساً , إذن ما هو العلاج ؟ العلاج جاء به القرآن الكريم في سورة الحج 69 :

"  لّكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ إِنّكَ لَعَلَىَ هُدًى مّسْتَقِيمٍ(67) وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ(68) اللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"

فالمسيحية والإسلام طريقان متنوعان يقودان كلاهما إلى الله الواحد : فلننطلق من قاعدة نتفاهم حول ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه , ومن المسائل العملية التي ينبغي التركيز عليها :

التعاون من أجل إقرار المبادئ والتعاليم الدينية المشتركة التي تحث على احترام الحياة الإنسانية وعلى مراعاة حرمة الإنسان,

والسعي في الأرض من أجل الخير والأمن والسلام ,. ومحاربة الإلحاد والرذيلة والفساد والظلم والطغيان , ودعوة الناس إلى قيم المحبة والتسامح والإخاء الإنساني . وهذه المسائل كلها قد تضمنتها مقاصد الشريعة الخمسة لحماية الحياة – حماية العقل – حماية الدين – حماية الملكية – حماية الأسرة .

رابعاً : إن صلاح شأن الناس التعايش والتعاشر كما قال الإمام علي وهذا يستوجب طرح سؤال كيف نحمي العيش المشترك ؟

1 - نحمي العيش المشترك بإشاعة ثقافة دينية مؤسسة على قيم التسامح

2- تثقيف ديني متبادل من خلال تجريد الدين من ثقل التاريخ بإسقاط تلك الصور النمطية الذهنية المشوهة عن الآخر في المخيلة الشعبية .

3       - التوجه نحو الإيمان بالله الواحد والأرض الواحدة للخليقة الواحدة .

4       - نحمي العيش المشترك عندما يتحول التسامح إلى حالة يعيشها المجتمع وذلك من خلال نشر قيم التسامح على أوسع نطاق لتشمل كل شرائح المجتمع وتصبح جزءا من ثقافة الشعب .

خامساً : ينبغي أن نربي أولادنا على أن المسيحي هو المسلم غير معلن وان المسلم هو المسيحي غر معلن وإني إذ أتحدث اليوم عن الإمام المفكر علي بن أبي طالب يكون من قبيل التماثل أن يتحدث المسلم عن الرسول بولس, فيلسوف المسيحية , وهكذا نجد إن الواحد يتحدث عن الآخر كما يتحدث عن ذاته .

وبعده ألقى د. علاء الدين زعتري كلمته التي ابتدأها قائلا :

الإمام علي ( كرم الله وجهه ) آية الحق , وراية الهدى , ومصباح الدجى [1]

من كملت فيه الفضائل , ولم يشك في سابقته الأواخر ولا الأوائل [2] وهو قدوة المتقين , وزينة العارفين [3] طيب الأخلاق وكريم الأعراق[4] سما في القلوب محبة وعلا في النفوس مهابة

وقال : يتزايد الاهتمام في الآونة الأخيرة بضرورة إيجاد السبل لتعايش الهويات الثقافية المختلفة المشارب لجهة خلق مناخ عالمي بالتقارب بين الشعوب , وإنقاذ البشرية من الضياع والانزلاق في مهاوي الأزمات الاجتماعية والغرق في دوامة القلق النفسي , وانعدام الأمن, وتفشي الجرائم والتفسخ الأخلاقي , وإذكاء الصراعات العرقية والدينية .

وأضاف : ان التعايش بين الناس مبدأ أصيل من منبع القرآن الكريم والسنة النبوية , ويعبرعن حاجة إنسانية ملحة تفرضها سنة التدافع الحضاري وحالة الصراع القائم , وإذا كان التراث الحضاري الإسلامي يزخر بنماذج من الأفكاروالدعوات لبناء حوار الحضارات فإنا نقف اليوم مع أروع المرويات عن آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) بخصوص المعاملات الاجتماعية قوله : " صلاح شان الناس : التعايش والتعاشر"

نص حكيمي يحوز قصب السبق في فكرة التعايش بين الشعوب والأمم , واحترام تنوع الهويات الثقافية , وخلق مناخ من السلام والتفاهم بين مختلف الحضارات الإنسانية .

أثر ورواية تعد أداة للعمل وشعاراً للتطبيق في هذا الزمن العصيب لحل الأزمات النفسية والاجتماعية التي تعصف بالعالم اليوم .

وأضاف قائلا : إن القراءة التاريخية للأمم والشعوب التي بنت حضارات رائعة تعطي نتيجة واضحة , هي : ان الأمم تقدمت وتطورت وارتقت سلم الحضارة هي تلك التي استطاعت أن  تعيش حالة التجانس والتعايش والتفاهم بين مختلف الفئات والقوميات والطوائف والأديان وفي مختلف جوانبها النفسية والاجتماعية والسياسية . والأمة الإسلامية التي أنشأها رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم ) شاهد حي لازال يزخر بنماذجه الرائعة . أما الأمم التي غرقت في صراعاتها وخلافاتها السلبية فقد تحولت إلى فتات مهمش لا يقوى على تجميع أجزائه , وكم سقطت أمم عن عليائها نتيجة للتعصب والتمرد ضد الآخرين بحيث تحولت حياتها إلى جحيم ملتهب لعدم قدرتها على التفاهم والتعايش .

 وقال الشيخ د. زعتري إن قدرة أي أمة في تحقيق قوتها ورقيها هو في قدرتها على استيعاب الآخرين وضمهم في مسيرتها وتحقيق الوفاق الجماعي الشامل .. وقوله تعالى "  يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِير"( الحجرات : 13)

فالآية الكريمة هي الأساس في فقه التعارف , وتؤكد عدة مسائل منها :

·       تأكيد واقعية الخصوصيات الإنسانية والقومية والعرقية والجغرافية التي لا يمكن إلغاؤها .

·   يشجع الإسلام على تحريك الخصوصيات بوجهها الايجابي , عبر التفاعل عاطفيا وعمليا مع من يشاركونه تلك الخصوصيات . بشرط أن لا تتحول تلك المشاركة إلى عقدة عصبية تأخذ ميلا عدوانيا تجاه الآخرين .

ولعل أبلغ تعبير عن هذه الفكرة , ما ورد في الحديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) حول العصبية و حيث قال : " إن العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين , وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه , ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم "[5]

وفي تبعات إنكار الآخر قال فضيلته :

 قد تنشأ من رفض الآخر تبعات آثار تبرز بشكل مميز في حياتنا يمكن قراءتها على هذا الشكل :

أولاً : التواصل السلبي مع الآخر: يتقدم الفرد وتنمو المجتمعات بنمو تواصلها الايجابي , ولكن مع فقدان التواصل الايجابي والحوارالمتفاهم لغة التبادل إلى لغة سلبية قائمة على التصادم والشك والتلقي الثقافي السيئ  .

ثانياً : عدم فهم المتغيرات المحيطة :

مع وجود الشك في الآخر وعدم التواصل معه يصبح من العسير التجانس مع المتغيرات والتطورات , وهذا يقود لوجود تأثيرات سلبية متزايدة لأننا سنكون تحت قبضة عالم متنام لا نعرف ماذا يجري حوله . ومع عدم القدرة على استيعاب المتغيرات الحتمية التي تهب علينا نصبح أسرى لمسيرة القدر وقوة سلطان الآخرين .

ثالثاً : الانحراف نتيجة تراكم الأفكار السلبية : لقد اثبت الواقع ان أغلب الانحرافات العقائدية والأخلاقية تنشأ في الأجواء المنغلقة والاستبدادية, لأن عدم التواصل المستمر يلغي حركة الحوار والتخاطب البناء في المجتمع مما يساهم في ترسيخ الأفكارالسلبية ونموالأفكار الضالة التي تنشأ في الأذهان لشبهات بسيطة لم تجد جوابا ونقاشا من الآخرين .

رابعاً : تسلط الجمود والركود وموت الإبداع والفاعلية : فبالتنافس يحي الإنسان ويتحرك ويبدع وينمو, وأغلب الحضارات والإبداعات ظهرت عندما واجهت تحديات وتواصلت بشكل إيجابي مع الآخرين لأن إبداع الآخر يستثير ويحرك روح التنافس .

والآية القرآنية أفادت بهذا المعنى : " لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"( المائدة /48)

خامساً: فناء الجماعات : إن النتيجة الأساسية لموت الإبداع والتفاعل هو فناء الجماعات المنغلقة , لأنها بانغلاقها تفتقد مقومات البقاء والاستمرارية , وإن التراث الايجابي الذي خلفته الحضارة الإسلامية لازال يرفد الأمة بالحيوية والمثل والقيم , أما الصيحات الفارغة كالخوارج مثلاً وغيرهم فقد اندثرت إلا ما بقي منهم كأمثولة يستدل بها على جهلهم وسطحيتهم .

سادساً : سلطان العنف : العنف يستخدمه البعض عندما لا يستطيع أن يستجيب لمتطلبات التواصل والحوار

وقال فضيلته مستعرضا سبل التواصل مع الآخر قال :

لكي نتواصل لا بد من :

1-   التأكيد على القواسم المشتركة التي تقرب النفوس والأفكار وإغفال التقاطعات التي تبعد وتقطع الاتصال .

2-  إيجاد روح التعاون والتعايش في النفوس عبر تنمية الروح الجماعية في الفرد وإخراجه من القوقعة التي تحدد فكره وسلوكه .

3-  الرأي الآخر ينمي إمكانية الإنسان الفكرية والثقافية , فإذا توسع الإنسان صدره أعطى مساحات واسعة لعقله في استيعاب الفكر الآخر فإنه يكون قادرا على التواصل الايجابي المثمر .

عن الإمام علي بن الحسين ( عليه السلام ) : " وحق المشير عليك أن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه ,إذا أشارعليك فإنما هي الآراء وتصرف الناس فيها باختلافهم ".

والتوجهات تحضنا على صلة من قاطعنا , فعن الإمام علي  ( كرم الله وجهه ) :

" احمل نفسك من أخيك عند صرمه – قطعه – على الصلة , وعند صدوده على اللطف والمقاربة , وعند جموده على الذل , وعند تباعده على الدنو , وعند شدته على اللين , وعند جرمه على العذر".

4-   القبول بمبدأ الخطأ وأن كل واحد لا يمتلك الحقيقة لوحده .

إن أخطر أخطاء الإنسان أنه يلبس أفكاره بالعصمة والحقيقة الكاملة , ويلغي أفكار الآخرين ويعتبرها خطأ مهما كانت الاستدلالات وهذا يبعد المسافات ويقطع التواصل ويرسخ الانعزال في الجزر النفسية .

وقد وردت روايات شريفة في هذا توجه الإنسان للاستفادة من رأي الآخر والتقارب معا نحو الحقيقة , فعن أمير المؤمنين ( كرم الله وجهه ) : " ليكن آثر الناس عندك من أهدى إليك عيبك وأعانك على نفسك " .

وعنه ( كرم الله وجهه ) :" أفضل الناس رأيا من لا يستغني عن رأي مستشير ".

وعن رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم ) : " المؤمن مرآة المؤمن "[6]

وعن الإمام الحسن بن علي ( عليه السلام ) : " الرجل ثلاثة : رجلٌ رجل , ورجل نصف رجل , ورجل لا رجل , فالرجل الذي هو رجل من كان ذا عقل واستشار ذوي العقول , والرجل الذي هو نصف الرجل من كان ذا عقل واستبد بعقله , والذي هو لا رجل من لم يكن ذا عقل ولم يستشر ذوي العقول " .

ثم أتشد الشاعر الدكتور محمد رضا رجب قصيدة رائعة مطلعها :

  

منك استمدَّ الحبَّ كلُّ مٌتيم

و إليكَ أسرارُ الحقيقيةِ تنتمي

وبكَ استعانَ ليطمئنَّ مُروعٌ

بأثامهِ فشفعتَ للمتأثِّم

حبُّ سما بالنَّفس حتَّى حلَّقت

بجناحها النُّوريِّ فوقَ الأنجم

و أخوةٌ  تسعُ الوجودَ وما حوى

 

وختم قصيدته بالأبيات التالية :

وتُضيءَ أعماقَ الزَّمان المُظلِم

 

 

لن تصلحَ الدُنيا إذا أبناؤُها

لم يقرؤَوك بدقةٍ وتفهُّم

فإذا الغنيُّ يرى الفقيرَ نظيرهُ

و إذا السَّعيد يرقُّ للمتألَّم

واذا البعيد يكونُ اقربَ من أخٍ

و إذا الفؤادُ يكونُ أفصحَ من فمِ

و إذا التِّراثُ من الوجودِ قد امَّحتْ

و أبلَّ داءُ العالَمِ المتأزَّم ِ

و إذا الحنيفَة ُوحَّدت أبناءَها

فالتمّ َشملُ القوم بعد تشرذُمِ

يا حُجَّة اللهِ العظيمِ على الورى

النَّاس قد خفروا الحقيقةَّ فاقدَمِ

 

 وبعد أداء الحضور صلاتي المغرب والعشاء بامامة سماحة العلامة الشيخ عبد الحميد المهاجر الذي فاجأ وأسعد المحتفين بحضوره المبارك وتناول المرطبات أكمل الحفل وختم بكلمة الشيخ المهاجر الذي أكد فيها على عمق شخصية علي (ع) وآفاقها المنفتحة والواسعة الأرجاء والتي يذعن  كل انسان حر وكريم الى الانبهار بها والانشداد  اليها بكل جوارحه وقلبه وروحه.

كما أشار سماحة الشيخ المهاجر الى الفرق بين التنافس المحمود والتصارع المذموم حيث ان التنافس يكون بين انسان وآخر أو بين مجموعة وأخرى في المجالات الصالحة والتي تنفع من يقوم بها وغيره , بينما يكون التصارع بدوافع نزوات أو حماقات أو شهوات تحكمها المصالح الضيقة التي لاتهتم بغير نفس صاحبها وان احترق العالم بأكمله .

واستعرض سماحة الشيخ المهاجر قصة المولد الكريم للامام علي بن أبي طالب (ع) وما تضمنته من معاجز وكرامات تدل بوضوح على علاقة ذلك المولود المنتظر ومذ كان جنينا في بطن أمه بالسماء .

ودعا الشيخ المهاجر في كلمته الى التأمل في مواقف علي (ع) لا لغرض الاستئناس بتلك المواقف الفريدة والنادرة والعظيمة وانما لغرض الفهم والوعي بتلك الشخصية وبعد ذلك حسن الاقتداء بها والانضباط بتوجيهاتها وارشاداتها لأنها توجيهات وارشادات لن يكون مصير من تمسك بها الا سعادة في الدنيا وفوز كبير وحسن مآل في الآخرة والعكس بالعكس وهذا ما يلفت عقولنا وأذهاننا وقلوبنا الى عظمة تلك التوجيهات والارشادات وخطرها  وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.


 

[1] ينظر موسوعة الإمام علي بن أبي طالب , في الكتاب والسنة والتاريخ , محمد الريشهري ,( 3391- 3394)

[2]  ينظر موسوعة الإمام علي بن أبي طالب , في الكتاب والسنة والتاريخ , محمد الريشهري,( 3905),8/ 373.

[3] موسوعة الإمام علي بن أبي طالب , في الكتاب والسنة والتاريخ , محمد الريشهري , ( 3954), 8/ 408.

[4] موسوعة الإمام علي بن أبي طالب , في الكتاب والسنة والتاريخ , محمد الريشهري,( 3969) 8/ 417.

[5] الكافي ,ج3 , ص 308 , حديث : 7.

[6] سنن أبي داوود ,(4918)4/280, والبيهقي (16458) , 8/ 167.

 


مراسل موقع الامام الشيرازي - دمشق