
|
كلمة سماحة السيد المرجع بجموع المعزين ليلة (11) من محرم الحرام 1428 للهجرة |
|||
|
|
|
||
|
|
|||
|
بمناسبة ليلة الحادي عشر من محرم
الحرام والتي تسمى بليلة (الوحشة) ألقى المرجع الديني سماحة آية الله
العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي كلمة حول مصاب مولانا سيد الشهداء
الإمام الحسين سلام الله عليه بجموع المعزين في بيته المكرم بمدينة قم
المقدسة يوم الثلاثاء مساءً الموافق للعاشر من محرم الحرام 1428 للهجرة،
إليكم نصّها الكامل: لقد كان حبيب بن مظاهر الأسدي وشمر بن ذي الجوشن كلاهما من مدينة واحدة، وعاشا معاً سنوات طويلة، ولكن شتّان ما بين عاقبتيهما وما آل إليه أمر كلّ منهما في يوم عاشوراء. فهذا خُتمت حياته وهو في صفّ الإمام الحسين سلام الله عليه ومعسكره، وذلك انتهى به الأمر لأن يكون في زمرة أعدائه وقاتليه. كان زهير بن القين رجلاً عثمانيّ الهوى، وكان وهب نصرانياً، في بداية أمرهما، ولكنهما بلغا في عاشوراء منزلة بحيث صارا ضمن من وقف ويقف الملايين أمام قبورهم ويخاطبونهم بالقول: «بأبي أنتم وأمي» أي يفدّونهم بالآباء والأمّهات، وفيهم العلماء والمحدّثون والمؤمنون فضلاً عن عامّة الناس. هذا في حين لم يحظ بهذا الشرف الرفيع أشخاص كانوا يعدّون من الشيعة مثل عبيد الله بن الحرّ الجعفي، الذي دعاه الإمام الحسين سلام الله عليه كما دعا زهيراً، ولكنه لم يلبّ دعوة الإمام ومال عنه، فخسر الدنيا والآخرة، ولا يُعلم الآن ما هو مصيره الأليم، وفي أيّ عذاب يقيم حتى أبد الآبدين؟! أجل، في هذا العام أيضاً حدث نفس ما حدث بالأمس ـ أي في عام 61 هـ والأعوام التي تلته ـ فهناك من خدم وضحَّى في طريق الإمام الحسين سلام الله عليه وبذل الجهد في سبيل إقامة شعائره التي هي من شعائر الله تعالى، وهناك من صنع المشاكل ووضع العراقيل في طريق هذه الشعائر وآذى واستهزأ بالمقيمين لها؛ فسقط في الفتنة ولم يكن من المشمولين بدعاء الإمام الحسين سلام الله عليه في قنوته، والذي نقله النائب الخاص الثالث للإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف؛ إذ روي أنّ سيّد الشهداء سلام الله عليه كان يقول في قنوته: «وأعذ أولياءك من الافتتان بي»(2)، أي: ارحم يا إلهي الشيعة وأولياءك بأن تحفظهم من السقوط في الإمتحان الصعب بسببي. وقال سماحته:
إنني لم أر في أيّ دعاء من أدعية
المعصومين سلام الله عليهم مثل هذا الدعاء، وهو بلا شكّ لايشمل أولئك الذين
لا يتبعون سبيل أهل البيت سلام الله عليهم؛ فإنّهم ليسوا بأولياء ولا
أحبّاء لله تعالى لأنهم ليسوا أولياء لأهل بيت نبيّه صلوات الله عليهم
أجمعين، وإنّما المقصودون هم أتباع آل البيت سلام الله عليهم خاصّة، فهم من
عناهم الإمام في دعائه. وأضاف سماحته:
جاءني قبل أيام شخص يعتقد أنه من
أتباع أهل البيت وكان يشكك بواحدة من شعائر الإمام الحسين سلام الله عليه،
فسألته عن سبب تشكيكه فقال: لإشكالين؛ الأول: أنّ هذه الشعيرة لم تكن
موجودة في زمن النبي صلّى الله عليه وآله والأئمة المعصومين سلام الله
عليهم. والثاني: أن بعض من يمارس هذه الشعيرة قد يرتكب بعض المحرّمات أو
يتخلّف عن بعض الواجبات. أما عن الإشكال الأول فقلت له: إن هذا من كلمات
الوهّابية، فلا ينبغي لكم ترديده، والوهّابية لا يرجعون إلى سند قويّ؛ إنهم
يستندون في أفكارهم وفقههم إلى أمثال أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد
الوهاب، وهؤلاء أقلّ ما يقال فيهم أنهم ليسوا بأكثر من جهلة لا اطلاع صحيح
لهم عن الدين، أما نحن فنستند في عقائدنا وفي فقهنا إلى مدرسة أهل البيت
سلام الله عليهم الذين لا يقاس بهم من الناس أحد. الثاني: إن هذه الشعائر من مقدّمات وجود الواجب، ومقدّمات وجود الوجوب ـ كما هو معلوم ـ واجبة، عينية كانت أو كفائية، وإنّ علماء الشيعة من الشيخ المفيد وحتى زمننا الحاضر بحثوا هذه المسائل بتحقيق وعمق وبسط. إذن فهذا الإشكال غير وارد، وهو كلام الذين لم يقرأوا القرآن أو قرأوه ولم يفهموه، أو لم يقرأوا الحديث أو قرأوه ولم يعوه. أما الإشكال الثاني فجوابه: أنّ الشخص العادي ـ فضلاً عن المتفقّه ـ يدرك أنّ وقوع الحرام أو التخلّف عن الطاعة في مكان أو مقام، لا يعني عدم مشروعية ذلك المكان أو المقام، وإنما تنحصر الحرمة في الفعل نفسه. فلو أنّ إنساناً بات في مسجد مثلاً من طلوع الفجر حتى طلوع الشمس، وبسبب تساهله فاتته الصلاة، فهل يؤمر بغلق هذا المسجد أم يجب هداية ذلك الإنسان بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وقال سماحة السيد المرجع: روى السنة في كتبهم ـ فضلاً عن الشيعة ـ مايلي:
ذكر ابن حزم من طريق الليث عن جرير بن
حازم عن حميد عن أنس قال: وقال سماحته: إنّ النبي هو أفضل الخلق عند الله وأعزّهم لديه، ولم يخلق الله تعالى ـ شاء أن لا يخلق ـ له نظيراً، حتى لقد قال فيه من ساواه بنفسه ـ الامام علي سلام الله عليه ـ : أنا عبد من عبيد محمد(11)، ولقد بلغ صلّى الله عليه وآله من المكانة أن قال الله تعالى فيه: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(12) وقال: «فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى»(13) ولكن عندما تصل النوبة للأحكام يقول الله تعالى: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ. لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ»(14). ويقول العلماء إن القضية الشرطية صادقة حتى مع عدم صدق الطرفين. لا شكّ أنّ النبي صلّى الله عليه وآله لا يفعل ذلك، ولكن الله تعالى يريد أن يخبرنا عن قضية مهمة وهي عظمة أحكام الله تعالى وحرمة الإفتاء بأن يُنسب إلى الله ودينه مالم يقله، فكيف إذا كان هذا الإفتاء ـ بغير ما أنزل الله ـ في حق سيد الشهداء سلام الله عليه وقضيته وشعائره؟!إننا لا نستغرب من التشكيك الذي يمارسه البعض بشأن قضية الحسين سلام الله عليه بعد أن أعيتهم الحيل في مواجهتها؛ وذلك لأن الشيطان هو الذي علّم أولياءه التشكيك في مثل هذه المواقف، فلقد جاء في كتاب كامل الزيارات الذي يعدّه بعض علماء الشيعة أصحّ حتى من الكافي والتهذيب والاستبصار، وهو بحقّ من أفضل كتب الروايات لدى الشيعة، رواية تقول إن زينب سلام الله عليها سألت أباها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عن حديث أم أيمن ـ وهو نفس الحديث الذي أخبرت به زينب ابن اخيها الإمام زين العابدين سلام الله عليه في كربلاء والذي جاء فيه «وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة...»(15)؛ فقال لها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: الحديث ما حدّثتك به أم أيمن. وفي هذه الرواية التي نقلتها عن أمير المؤمنين سلام الله عليه وعن أم أيمن عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أن إبليس أمر شياطينه قائلاً: يا معاشر الشياطين ... فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس(16). إن إبليس لما عرف أنه وأتباعه لا يستطيعون أن يواجهوا قضية الإمام الحسين سلام الله عليه دعاهم للتشكيك بها، فعلى الذين يفترض أن يكونوا ممن دعا لهم الإمام الحسين في قنوته، أن يحذروا من دعوة إبليس هذه وأن لا يكونوا من المشككين. وأضاف سماحته:
إنّ قضايا عاشوراء لم يبلغنا منها إلا
القليل، فلقد أحرق الأعداء كتب الشيعة، فضاع الكثير مما يتعلق بعاشوراء
وغيره. من المعلوم أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه خرج من مكة المكرمة في
الثامن ذي الحجة، ووصل كربلاء في الثاني من محرم، أي استغرقت مسيرته (24)
يوماً، وكان يرافقه في هذه المدة ألف شخص حتى ورد كربلاء. فكم مسألة سألوا
الإمام سلام الله عليه خلال هذه المدة؟ أين صارت؟ وأين خطبه سلام الله
عليه؟
وقالوا: إنّ السيد المرتضى كان عنده
(80) ألف كتاب انتقلت بعد وفاته للشيخ الطوسي رحمه الله، وقد أحرقت مكتبة
الطوسي في بغداد. كما نسمع أن فلاناً الرواي نقل (30) ألف رواية مثلاً عن
الإمام، مع أنه لم يصلنا منها ألف رواية. وأن فلاناً نقل مئة رواية، لكنا
لم نسمع منها حتى عشر روايات. فأين ذهبت الروايات الباقية؟
من جهة أخرى: إن من المستحبات الدعاء
للقائمين بالشعائر الحسينية بأن يوفّقهم الله تعالى ويعينهم ويلهمهم الصبر
وزيادة التحمل في هذا الطريق. وهذا المستحب مأخوذ من الرواية المتواترة ولا
أقل بالتواتر الإجمالي والمنقولة عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه دعا
حال السجود لزوّار قبر الإمام أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه وأولئك
الذين يبذلون جهداً في عزائه فقال: «فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس
وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا»(17). ويقول العلماء في أمثال ذلك: إن
المورد ليس مخصصاً، فالعبرة بإطلاق الوارد لا بخصوص المورد. ومن الشعائر في
هذه الأيام أن بعض الموالين يأتون بأطفالهم الرضع تشبيهاً برضيع الإمام
الحسين سلام الله عليه فيحملونه على الأكفّ ليشتدّ بكاء الناس، ولا شك أن
لهم بذلك أجراً إن كان في مقام تعظيم شعائر أبي عبد الله سلام الله عليه؛
ولقد روي أن الإمام الصادق سلام الله عليه كان جالساً يستمع لمرثية شاعر في
مصاب الإمام الحسين سلام الله عليه وكانت النسوة خلف ستار يستمعن أيضاً
فجيء بطفل من وراء الستار فوضع في حجر الإمام سلام الله عليه فلما رآه
الإمام اشتد بكاؤه. هذا مع أنه كانت تمرّ على حادثة عاشوراء ومقتل الطفل
الرضيع عقود من الزمن، ولكنها كانت مؤثّرة جدّاً. وختم سماحته قائلاً: أسأل الله أن يشملنا بفضله العميم وأن يجنّبنا نقمته وغضبه التي جعلها لمن وقفوا أو يقفون في وجه الإمام الحسين سلام الله عليه وشعائره. وأن يجعل جميع المؤمنين من المشجّعين للشعائر الحسينية المتريثين في إطلاق ما لا يعلمون حكمه وأن يرجعوا في ما يختلفون فيه إلى المراجع فعليهم تقع المسؤولية، وأن يتقبل الله من الجميع ما بذلوه في هذا السبيل. 1/ سورة الروم: الآية 14.
3/ بحار الأنوار/ ج45/ ص 74. 4/ سورة الفرقان: الآية 77. 5/ سورة النجم: الآية 39. 6/ سورة النحل: الآية 125. 7/ عمدة القاري/ج13/ ص 36 والسيل الجرار/ ج3/ ص 16. كما ذكر ابن حجر في فتح الباري/ج5/ ص 125 الحادثة نفسها مع أم سلمة. 8/ منية المريد للشهيد الثاني (ره)/ ص47. 9/ وسائل الشيعة/ ج8/ الحج/ أبواب وجوبه/ الباب 1/ ص 7/ ح12. 10/ المصدر نفسه/ ج9/ الحج/ أبواب بقية كفارات الإحرام/ الباب 13. 11/ أصول الكافي/ ج1/ باب الكون والمكان/ ص 90/ ح5. 12/ سورة القلم: الآية 4. 13/ سورة النجم: الآية9. 14/ سورة الحاقة: الآيات 44ـ 47. 15/ كامل الزيارات/ الباب التسعون إن الحائر من المواضع .../ ص 260. 16/ المصدر نفسه/ص 444. 17/ ثواب الأعمال/ ثواب من زار قبر الحسين سلام الله عليه/ ص 94. 18/ الأمالي للطوسي/ المجلس التاسع في بقية أحاديث.../ ص 238. 19/ معالي السبطين/ ج1/ ص18. 20/ وسائل الشيعة/ ج9/ ص 342/ ح8. 21/ سورة الشمس: الآية 14.
|
|||
|
|
|||
|
|
|
||
|
|
|
||
|
مراسل موقع الإمام الشيرازي - قم المقدسة |
|||