بيان مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية في موسم الحج




 

موقع الإمام الشيرازي

7/ذو الحجة/1428

أصدرت مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية بياناً بمناسبة موسم الحج 1428 دعت فيه المسلمين الى أن يزرعوا في قلوبهم التراحم والتوادد ونبذ الخصام والتباغض تأسيا برسول الله (ص) وآل بيته الأطهار (ع)، عبر تجسيد الأخوة وصولاً الى الأمة الواحدة، كما دعت الى نشر روح التسامح وإشاعة المحبة ونبذ التفرقة وترك التحريض على العنف والتكفير وحمل الآخر على المحمل الحسن عبر إقامة المؤتمرات في البقاع الطاهرة، كما دعت السلطات السعودية الى فسح الحريات للمسلمين للتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم وبناء قبور البقيع.

وفيما يلي نص البيان:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)" سورة الحج.

 

( لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيك، لَبَّيكَ لا شَريك لَكَ لَبَّيك، إِنَّ الحمدَ وَالنِّعمةَ لَكَ وَالمُلك، لا شَريكَ لَك)

ليس ثمة شيء أسمى وأصدق من أن يسلم الإنسان نفسه لله مخلصاً له الدين نازعاً عن جسده ثياب زائلة تميزه عن غيره من نظرائه في الخلق ليتوشح لباساً يراه فيه رب العزة أثناء رحيله عن هذه الدنيا الفانية، وأن ينزع عن قلبه كل غل وحقد أو حسد يحمله لأخيه الإنسان وأن يلاقي بارئه بقلب سليم، ونفس عامرة بالإيمان يحدوها الطمع في رحمة الله سبحانه وتعالى للفوز بجنانه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إذ يقول سبحانه وتعالى (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (109) سورة المؤمنون.

ففي مثل هذه الأيام من كل عام كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الأئمة الأطهار (عليهم السلام) يجتمعون بالناس الذين يتوافدون الى بيت الله على اختلاف ألوانهم وأجناسهم من أجل أن يزرعوا في قلوبهم التراحم والتوادد ونبذ الخصام والتباغض حتى استطاعوا أن يلموا شملهم على الإيمان وأن يجعلوا منهم أمة كبيرة بين الأمم تمتد حدودها من بلاد الأندلس غرباً والى الصين شرقاً وهم كالجسد الواحد حيث يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وحيث ان الرسول الأعظم هو الأسوة الحسنة لكافة الناس كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً) آية (21) الأحزاب. وكذلك أئمة أهل البيت الطيبين الأبرار، فحري بنا اليوم أن نكون ممن حملوا فكر الإسلام المحمدي الممتلئ بكل معاني وقيم الإنسانية الحقة لنجسد للعالم تلك الأفكار والمفاهيم التي أمرنا بها الله سبحانه وتعالى حيث يقول: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ...) آية(110)آل عمران.

فما أراده الله ورسوله من هذه الشعيرة ليس الطواف والسعي والحلق ونحر الأضحية فحسب وإنما أراد من خلالها أن يجتمع أكبر عدد من المسلمين في مكان واحد وفي زمان واحد متطلعين الى يوم تشرئب فيه الأعناق لتتجسد الروح العبادية الإيمانية لديهم وليقولوا للآخرين إننا أمة واحدة جئنا الى هذا المكان الطاهر لنعبر عن أخوتنا وتلاحمنا في الله، يقف فينا الأبيض الى جوار الأسود في صلاته ويطوف الأمير مع الفقير على قدميه وينحر الجائع والشبعان الأضاحي من أجل فقراء الناس.

نريد أن نجسد:

1.  الأخوة في الله وأن نتعاهد مع الله ومع أنفسنا بأن نهتم بكل ما يقربنا من بعضنا ونترك ما يفرقنا، وعلى هذا الأساس فإن فريضة الحج فلسفتها أوسع من أدائها كطاعة تعبدية أو فريضة واجبة، بل ان أبعادها تتعدد في تفاصيلها التشعبية وحاجاتها الآنية في تفصيل حالة الألفة الاجتماعية وتساوي عباد الله في ميزان القياس إلا بالتقوى، وهو ما عجزت عن تطبيقه أفضل قوانين الدول المتقدمة في حقوق الإنسان أو التي وفرت لمواطنيها أفضل سبل العيش.

2. قدسية هذه الشعيرة على أكمل وجه وان لا نجعلها تمر مر السحاب بل ان نكرسها لما فيه سعادة المسلمين وتقدمهم وأن نؤكد للعالم إن حاضرنا هو حضارتنا الإسلامية وهو مستقبلنا الذي على نهجه نربي أبنائنا وأجيالنا القادمة.

 

3. رسالة الإسلام المحمدي وفكره، من خلال التأسيس لدولة الإسلام على مفاهيم حضارية لم يسبقنا فيها أحد، ليعلم الشرق والغرب إن رسالة الإنسان المسلم في هذه الحياة ليست هي الموت في سبيل الله فقط كما يريد أن يصورها البعض، وإنما هي الحياة في سبيل الله لأنه خليفة الله في الأرض.

4. نشر فكر الإسلام كدين ونظام للإنسانية جمعاء وهو يساوي بين جميع أبناء الجنس البشري وإنه لم يختص بقوم بعينهم ولا بزمن محدد وإنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض أو أسود ولا غني ولا فقير إلا بتقوى الله وطاعته، وإن تعاليمه السمحاء جاءت لتلائم كل زمان ومكان.

5. الآيات الحيوية في القرآن الكريم – كما عبر عنها الإمام الشيرازي الراحل قدس سره – وهي آيات الشورى – الحرية – الأخوة الإسلامية – الأمة الواحدة – التعددية والعدل والإحسان.

6. روح التسامح وإشاعة المحبة ونبذ التفرقة والتحريض على العنف والتكفير وحمل الآخر على المحمل الحسن ممتثلين لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) آية (94) النساء. ويتم ذلك من خلال عقد اللقاءات في هذا الموسم من أجل التعرف على بعضهم البعض، الأمر الذي يجعل كل طرف يرى ويسمع عن كثب رأي الآخر واحترامه، فما يعرفه المسلم عن الآخر وجها لوجه هو أفضل مما ينقل إليه عن طريق من لم يرد بالمسلمين خيراً.

 

وبذلك يجب علينا كمسلمين ترجمة تلك الى الأفكار الى حقائق عملية من خلال:

1- إقامة المؤتمرات المتنوعة والمتعددة في البقاع الطاهرة من أجل مناقشة مشاكل المسلمين وتقريب النفوس وصولاً الى تحقيق القيم الحضارية القائمة على التسامح والتسالم والتعايش.

2- تكثيف اللقاءات مع الجهات المسؤولة عن شعيرة الحج من أجل فسح المجال لجميع الخطباء من جميع المذاهب للحث على نبذ العنف وإشاعة روح التسامح ونبذ التكفير.

3- الضغط على حكام المملكة السعودية من خلال هذا الموسم المبارك من أجل بناء الأضرحة الطاهرة لقبور أهل بيت النبي (عليهم السلام) والمشاهد المقدسة الأخرى.

4- إنشاء هيئة إعلامية يكون أعضائها من مختلف الطوائف المسلمة تأخذ على عاتقها تبني المفاهيم الإسلامية التي تدعو الى الألفة والمحبة بين المسلمين، وتقوم بتوجيه رسالة سلام في يوم عرفة موجهة الى جميع بلدان العالم ورسالة أخرى الى علماء الدين الذين تستظل القوى التكفيرية بظلهم من خلال حثهم على عدم الإفتاء بتكفير الآخر.

5- التحرك من أجل تحقيق الحريات الإسلامية لمختلف المذاهب للتعبير عن حريتها وحماية حقوقها الإنسانية المشروعة، خصوصاً ان الاستبداد والتكفير صنوان لا يفترقان.

مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية

 

المكتب الإعلامي

العراق - كربلاء المقدسة

السادس من ذي الحجة 1428

17/12/2007


مراسل موقع الإمام الشيرازي - قم المقدسة