إحياء الذكرى السنوية السابعة لرحيل الإمام السيد محمد الشيرازي (قدس سره) في دمشق




 

موقـــع الإمــام الشـيرازي

10/شوال/1429

تجلى حضور الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله مقامه) وعطاءه في أكثر من مجال وزمان ومكان فقد تحول بنشاطه وحركته الدائبة ورؤيته المستقبلية وتفكيره الاستراتيجي، إلى حركة نهضة مجددة ومتجددة، إن كان على المستوى العلمي والفكري والثقافي أو على المستوى العملي والجهادي، وبفترة زمنية قياسية تحول إلى مدرسة متكاملة أثرت بشكل ملفت وتركت بصماتها واضحة على كل القضايا التي خاض غمارها. ولقد فرضت مدرسة الإمام الشيرازي الراحل حركة ونشاطاً على شريحة واسعة من المجتمع وخاصة على صعيد الحوزة والمرجعية والطبقة المثقفة. وفي السياق نفسه، فإن الإصلاح في جوهره وعمله يهدف إلى تجديد الواقع مع الحفاظ على مصادره الأساسية وتنمية كفاءاته وبناء قواه واستثمار موارده ذاتياً، لذلك فإن الإصلاح يحتاج إلى برنامج فكري عميق ومتدفق قادر على تغذية المشروع باستمرار بالرؤى النظرية والعملية بحيث يملك قابلية فهم معطيات التحول وعناصر التجديد، كما إن المشروع الحركي التغييري يحول الأفكار الإصلاحية إلى قاعدة جماهيرية تعتمد على التنظيم الفعال واستثمار الكفاءات، ويسعى الى مأسسة المجتمع بحيث يتحرك المشروع الإصلاحي صوب تحويل المجتمع إلى قاعدة بنيوية متماسكة قادرة على تبني المشروع وتجسيده ميدانياً، ويمثل المرجع الديني الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف) أحد أبرز رواد المشروع الإصلاحي في القرن الأخير، فكانت لنظرياته الإصلاحية واقع ميداني وجماهيري ومؤسساتي. لذلك, ومثلما  دأب المؤمنون على التواصل معه أثناء حياته المباركة للاطلاع على توجيهاته الشرعية ونصائحه الأبوية يحرص المؤمنون على التواصل مع فكره وتراثه وإحياء ذكرى رحيله السنوية.

وبمناسبة حلول الذكرى السابعة لرحيل العالم الرباني الكبير ورائد الإصلاح والتجديد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه) أقام مكتب المرجع الديني آية الله العظمى سماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في منطقة السيدة الحوراء زينب (عليها السلام) في العاصمة السورية/ دمشق مجلساً تأبينياً في حسينية الحوزة العلمية الزينبية، وذلك في يوم الأربعاء المصادف للثامن شوال/1429، وقد حضر المجلس التأبيني ممثلو مكاتب السادة المراجع وأساتذة حوزات وعلماء أفاضل، كما حضر من إيران سماحة العلامة السيد محسن الخاتمي، وقد غصت حسينية الحوزة العلمية الزينبية بحضور حاشد للمؤمنين.

وقد استهل المجلس التأبيني بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم رتلها فضيلة المقرئ الشيخ عباس النوري, ثم أتحفت مجموعة من قراء القرآن الشباب أسماع الحضور بتلاوات فردية وجماعية لآيات من الذكر الحكيم.

مقدم المجلس التأبيني فضيلة الشيخ سلطان الأفكاري تحدث بكلمة افتتاحية عن أهمية الاحتفاء بعلماء الأمة وقادتها في الفكر والإصلاح والتجديد لما في ذلك من قوة للأمة ورفعة ولما يعطيه ذلك للشعوب من حكمة وخبرة في إدارة أمور الحياة وغنى للنفس وحنكة في الإقدام واتقان في العمل، ثم أنشد أبياتاً تتحدث عن صاحب الذكرى، قائلاً:

بكتك من الأسفار ألف سطرتها                وأبدعت في التصنيف خير بديع

ففي كل علم قد كتبت مؤلفـــــاً                 وفي كل فن جئتنا بصنيـــــــــــع

فموسوعة الفقه العظيمة قد حوت              فروعاً من الأحكام بعد فــــروع

وخلفت أغنى ثروة أدبيـــــــــةٍ                 وعلميةٍ قد أشرقت بسطـــــــوع

لعمري لم يسبقك فيهن سابــــق                ولا سوف يأتي بعدها بتبيـــــــع

وفي مقطع آخر, قال:

وآثارك الغراء طار شعاعهــا                  وعمت من الأقطار كل صقيع

ففي كل قطر قد بنيت مساجداً                  وقمت بصرح شامخ ورفيـــع

وأنشأت فيها للعلوم معاهـــداً                   لكل بصير في الهدى وسميع

وتلك حسينيات قدس بنيتهـــا                   ليصحو فيها القوم بعد هجوع

فكم عالم ربيته بهدايـــــــــــةٍ                   ليحيي بها الأجيال بعد خنوع

وكم من خطيب نال منك خطابه               وأصبح منطقياً بكل ربـــــوع

وكم كاتب شجعته في كتابــه                   ففاز بصيت في مداه سريــــع

وربيت أبطالاً عظاماً وقـادةً                    وكم فيهم من سامع ومطيــــع

ثم ألقى نجل الإمام الشيرازي الراحل سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي كلمة الأسرة الكريمة والتي استهلها بتلاوة الآيات الكريمة "لاَ أُقْسِمُ بِهَـَذَا الْبَلَدِ(1) وَأَنتَ حِلّ بِهَـَذَا الْبَلَدِ(2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ(3) سورة البلد" مستعرضاً سماحته ثلاثة معاني لكلمة (حِلّ) الواردة في الآية المباركة, مشيراً في حديثه الى أن الإمام الشيرازي الراحل (رضوان الله عليه) أينما حل في بلدان متعددة ومجالات علمية متنوعة يكون عامل خير ونفع وبركة مؤكداً على أنه (قدس سره الشريف) كان دائب التفكير في السبل الكفيلة برفع راية الإسلام ونشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) وتطوير الواقع العلمي والإداري للحوزات العلمية وسائر المؤسسات الدينية, وفي الوقت نفسه، وكان (أعلى الله مقامه) يسعى بعزم ونشاط على حل مشاكل الأمة وفك قيود المشاكل والأزمات عن المحرومين والفقراء والمستضعفين والمهجرين, كما كان (رضوان الله تعالى عليه) وعلى الرغم من الظروف الصعبة والأليمة السائدة في أواخر القرن العشرين يستثمر كل فرصة ممكنة من أجل نصرة الشعوب المقهورة وخاصة التي لا يُسمع صوتها ولا يُستنصر لمظلوميتها.

وأشار سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي في كلمته التأبينية الى مشروع الإمام الشيرازي الإصلاحي مؤكداً إنه مشروع قادم من مرجعية عظيمة في علميتها ومواقفها وتاريخها وجماهيريتها وحركيتها، وهذا الإصلاح المتحرك الذي تضمنه المشروع يمثل بحد ذاته تأطيراً شرعياً وامتداداً تأصيلياً لحركة الأمة نحو التجديد والتحديث، خصوصاً وأن المرجعية الشيرازية تمتلك مقومات الإخلاص والورع والتقوى، ويدعمها تاريخ طويل من النزاهة والاستقامة، ذلك أن الإصلاح في مرجعية آل الشيرازي ليس وليد اليوم بل هو حركة تاريخية تمثل سجلاً عريقاً من النضال والجهاد الذي بدأه الميرزا الشيرازي الكبير صاحب ثورة التنباك، واستمر بالميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق، وسار به الإمام السيد محمد الشيرازي في مشروع إصلاحي واسع في العالم وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، واليوم يتجسد ذلك التراث وتلك المدرسة بالوجود المبارك لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله).

وختام المجلس التأبيني كان لفضيلة الخطيب السيد حاكم اليعقوبي الذي تحدث عن دور العلم والعلماء في تحرير الإنسان من حكم الهوى والانحراف وتخليص الشعوب المقهورة من نير الظلم والاستبداد وبناء الأمم الحية والحضارات المتقدمة.

كما تحدث فضيلة السيد اليعقوبي عن محطات عديدة في حياة الإمام الشيرازي الراحل واسهاماته في نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) وتقديمها بأجمل الصور وأكثرها يسراً وبأساليب متعددة مشيراً الى دوره (رضوان الله تعالى عليه) في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) والدفاع عنهم لا سيما مأساة هدم أضرحة العدل والإيمان والحياة في البقيع الطاهر حيث تقارب ذكرى رحيل الإمام الشيرازي ذكراها الأليمة التي وقعت في الثامن شوال من العام 1344هـ.

وفي جانب من المجلس التأبيني تحدث مدير مكتب المرجع الديني آية الله العظمى سماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) فضيلة السيد عطاء الله الحسيني لمراسل موقع الإمام الشيرازي عن الإمام الشيرازي الراحل في ذكراه السابعة قائلاً: إننا وفي هذه الذكرى الأليمة لا يسعنا إلا أن نستذكر حياة ذلك الرجل العظيم والإنسان الكبير الذي سخر أيامه وسنين حياته ولا أبالغ إذا قلت ساعاته لخدمة الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام) ومد يد العون والمساعدة الى الناس كل الناس, وهنا أستذكر كلمة سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي يوجز من خلالها حياة ذلك العالم الرباني الكبير حيث يقول (دام ظله): (لقد كان الأخ الأكبر آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي ‹أعلى الله درجاته› مصداقاً ظاهراً للحديث الشريف المروي عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام): "العلماء ورثة الأنبياء". إذ أن الأنبياء من أظهر ما فيهم من الصفات الخيرّة أنهم يستفيدون من كل طاقاتهم في سبيل الله (عز وجل)، ولا يعبؤون بشيء من مباهج الحياة الدنيا على حساب الله تعالى، وقد سار (رضوان الله عليه) ومنذ نعومة أظفاره على هذا النهج، فقد كان يجنّد كل قدراته في سبيل الله سبحانه", كما أشار فضيلة السيد الحسيني الى الأهمية التي كان يوليها الإمام الشيرازي الراحل للجانب الثقافي مطالعة وبحثاً وتأليفاً ونشراً, وكان (رضوان الله تعالى عليه) يشجع زائريه على التزود من زاد القرآن الكريم ونهج البلاغة والكتب التي تضم أحاديث وكلمات أهل البيت (عليهم السلام).

كما تحدث لمراسل الموقع مدير الحوزة العلمية الزينبية فضيلة الشيخ أمين الغفوري بهذه المناسبة، قائلاً: رحم الله تعالى الإمام الشيرازي في ذكرى رحيله السابعة والتي ما زالت حاضرة بألمها فقد حمل الإمام الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه)   مشروعاً إصلاحياً فيه خير المسلمين جميعاً بل للإنسانية جمعاء, وقد تضمن مشروعه النهضوي والإنساني والحضاري الكثير من الأفكار الأصيلة والمتجددة، وبالتالي فإنه قد غذى الأمة وحركتها بأفكار عديدة انعكست آثارها الطيبة في العديد من مجالات العلم ومفاصل الحياة, وقد ركزت أفكاره (قدس سره) بشكل أساسي على استمداد النهضة من نصوص القرآن الكريم مع فهم معاصر عميق لهذه النصوص المباركة قادر على حل الكثير من مشكلات التخلف والتنمية. وقد كان الإمام الشيرازي (أعلى الله مقامه) يطرح الآيات القرآنية الثلاثة: آية الحرية، وآية الأمة الواحدة، آية الأخوة، باعتبارها آيات أساسية تمثل محور إنقاذ المسلمين ونجاتهم، كما أنه طرح آيات أخرى تنبع مفاهيمها من هذه الآيات باعتبارها آليات التغيير مثل: آية الشورى، وآية السلم واللاعنف، وآية التعددية.

وفي نفس الإطار تحدث فضيلة الشيخ نجاح النويني (أستاذ في الحوزة العلمية الزينبية) عن الذكرى السنوية السابعة لرحيل الإمام الشيرازي المجدد قائلاً: إن أحد أهم عناصر قوة المشروع الريادي للإمام الشيرازي في الإصلاح والتجديد، هي رؤيته الحركية ومحاولة عقلنة الحركة الإسلامية عبر إخراجها من الاتجاه الثوري المفرط إلى اتجاه وحركة إصلاحية عقلانية تتكامل فيها أسس العمل التغييري السليم، فطرح في كتابه السبيل إلى إنهاض المسلمين مجموعة رؤى تستنهض الحركة الإسلامية في الاتجاه السليم، مثل: التوعية والتنظيم والتنظيم الجماهيري والعمل السلمي غير العنيف وأخلاقيات الحركة الإسلامية، من سعة الصدر وقضاء حوائج الناس والاكتفاء الذاتي والتعاون, كما إن من عناصر مشروع الإمام الشيرازي الاستقلالية وعدم الارتباط بدول وأنظمة سياسية حيث إنه يرى التبعية على أنها عامل يُفقد المشروع نزاهته ويبعدها – ولو قليلاً - عن أهدافها الحقيقية.

 


مراسل موقع الإمام الشيرازي - دمشق