
|
السيد المرجع يستقبل طلبة علوم دينية من مدينة كربلاء المقدسة |
|||
|
|
|
||
|
|
|||
|
موقع الإمام الشيرازي 29/شعبان/1429 إن الإنسان بالنور يرى الأشياء وبالنور يعرف الخطر والنفع، ويبصر المجوهرات والعقارب والحيّات. وقد اعتبر الإسلام العلم نوراً، واعتبر الجهل ظلاماً وفرّق بينهما وفضّل العلم على الجهل، حيث قال سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»(1). فصاحب العلم صاحب نور، والجاهل غارق في الظلام. والعلم والجهل بنسبتهما يتعاكسان في الصعود والنزول، أي كلما كان الإنسان أكثر علماً كان أكثر نوراً وأقلّ ظلاماً، والعكس بالعكس. هذا ما قاله المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في توجيهاته التي ألقاها على جمع من طلاب العلوم الدينية من مدينة كربلاء المقدسة، وذلك في بيته بمدينة قم المقدسة، يوم الاثنين الموافق للثالث والعشرين من شهر شعبان المعظّم 1429 للهجرة. وقال سماحته أيضاً: إن العلم الذي اعتبره الإسلام نوراً هو العلم المقرون بتقوى الله تبارك وتعالى. لأن العلم بلا تقوى يؤدّي أحياناً إلى الضلالة والإفساد والفساد كما ورد في الروايات الشريفة، ومنها الحديث الشريف عن مولانا الإمام زين العابدين (صلوات الله عليه): «..فإنّ العلم إذا لم يُعمل به لم يزدد صاحبه إلاّ كفراً ولم يزدد من الله إلاّ بُعداً»(2). فعلماء السوء عبر التاريخ أفسدوا الأمة وأفسدوا التاريخ أيضاً. أما العلم المقرون بتقوى الله سبحانه فهو الذي يجعل صاحبه عظيماً، ويخلّده في التاريخ كما خلّد الشيخ المفيد والسيد الرضي والمحقّق الأردبيلي والشيخ الأنصاري والسيد بحر العلوم (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين). وأضاف سماحته: إن تحصيل العلم بحاجة إلى تعبئة جيّدة، فالشيخ المفيد درس معه زملاء كثيرون لكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه الشيخ المفيد، وذلك لأنهم لم يعبّئوا أنفسهم تعبئة علمية جيدة، ولم يبذلوا طاقاتهم في تحصيل العلم. وقد ذكر الميرزا النوري (رضوان الله تعالى عليه) في خاتمة موسوعة (مستدرك الوسائل) مجموعة من قصص العلماء الكبار، فاقرأوها وانظروا كيف وُفّق أولئك العلماء الكبار، وكيف نالوا المراتب العلمية العليا. وقال سماحته مشيراً إلى تاريخ بعض العلماء الكبار (رضوان الله عليهم): لقد كان نظام الحوزة العلمية المباركة في السابق لا يعرف للعطلة معنى، فكان الطلاب يدرسون في فصول السنة كلها، وأحد العلماء الذين أدركتهم في حياتي بكربلاء المقدسة كان يحضر درس الخارج لمدة ثلاثة عشرة سنة بانتظام ودون انقطاع، وفي طول هذه الفترة انقطع عن الدرس مرّة واحدة فقط، وذلك لأنه كان عليه أن يسافر إلى بغداد لإنجاز عمل ضروري. فقد ذهب مبكراً إلى بغداد كي ينجز عمله ويرجع ليحضر الدرس، ولكنه تأخرّ ووصل في نهاية الدرس وكان سبب تأخّره هو أن السيارة التي ركبها ليرجع إلى كربلاء لم تنطلق في الوقت المحدّد لعدم وجود المسافرين. وأردف سماحته: إن شريف العلماء (رضوان الله تعالى عليه) مات في عمر دون الأربعين، وقبل وفاته كان يدرّس بحث الخارج وكان يحضر درسه ألف طالب، والعديد منهم صار من كبار فقهاء الشيعة. كما أن بعض العلماء ومراجع التقليد كانوا في بادئ أمرهم كسبة، والتحقوا بتحصيل العلوم الدينية في الثلاثين من عمرهم، فصاروا من كبار العلماء والمراجع وذلك لأنهم بذلوا طاقاتهم في تحصيل العلم وعبّأوا أنفسهم تعبئة علمية جيدة، وأنا شخصياً أدركت اثنين منهم، أحدهما المقدّس المحقّق السيد البغدادي صاحب كتاب (المحصول) في علم الأصول الذي كان يدرّس في الحوزة قبل صدور كتاب (الرسائل) للشيخ الأنصاري، وإلى الآن يستفيد العلماء من كتبه في الدراية والرجال. والثاني السيد علي الطباطبائي صاحب كتاب (رياض المسائل) وكتاب (الشرح الصغير). فهذان العلمان وأمثالهما ممن عاش في زمانهما وقبلهما (رضوان الله عليهم) كانوا يدرسون وكانوا يواجهون مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية أشدّ وأكثر من اليوم، لكنهم تحمّلوها واعتنوا بالدرس واهتموا بتحصيل العلم أكثر فوّفقوا وصاروا من العظماء. وأضاف سماحته: نقلوا في تاريخ السيد الطباطبائي أنه: في السنة السادسة عشرة بعد الألف والمائتين من الهجرة المقدسة هجمت الجماعة الوهابية النواصب لعنهم الله على مرقد مولانا الإمام الحسين (عليه السلام) فارتكبوا فيه مجزرة عامة! وذلك في يوم عيد الغدير، حيث كان غالب أهل البلد متوجهين فيه إلى زيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بالزيارة الخاصة. فمن عجيب ما اتفق في تلك الواقعة العظيمة بالنسبة إلى سيدنا الطباطبائي (عليه الرحمة) أنه لما وقف على قصدهم الهجوم على داره بقصد قتله وأهله ونهب ماله، أرسل في الخفاء بحسب الإمكان أهله وماله إلى مواضع مأمونة، وبقي معه منهم طفل صغير لم يذهبوا به معهم غفلة وذهولاً. فلما وصلوا إلى داره وهجموا عليه الدار صعد إلى بيت معدّ لخزن الحطب والوقود وأمثالهما ليختفي فيه عنهم، فلما دخلوا وجعلوا يجوسون خلال الحجرات في طلبه وهم ينادون: أين مير علي؟ دخل هو تحت سلّة كبيرة كانت هناك وجعل الطفل على صدره. فلما صعدوا إلى تلك الزاوية ورأوا فيها حزمة الحطب في ناحية منها ظنوا أن السيد قد اختفى فيها، وقد أعمى الله أبصارهم عن مشاهدة تلك السلّة الكبيرة، فجعلوا يرمون بالحطب على تلك السلّة ويبحثون عنه في الحطب حتى يئسوا منه فانقلبوا خائبين. وفي سكون ذلك الطفل الصغير بل الرضيع عن البكاء والصراخ عبرة للناظرين، «ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين». وخاطب سماحته الحضور مؤكّداً: كل إنسان سيّد نفسه، فإن جدّ واجتهد فسيوفّقه الله تعالى. وأنتم بمقدار ما تبذلونه من جهود وطاقات توفّقون وتنالون المراتب الرفيعة. لذا عليكم أن تهتموا وتلتزموا بالأمرين التالييين: الأول: التعبئة العلمية الجيّدة. الثاني: التقوى الحقيقية. ومن بنود التقوى وكما ذكر القرآن الكريم والأحاديث الشريفة أن يحبّ المرء لأخيه ما يحبّ لنفسه. (1) سورة الزمر: الآية 9. (2) أصول الكافي/ ج1/ باب استعمال العلم/ ص44/ح4.
|
|||
|
|
|||
|
|
|
||
|
|
|
||
|
مؤسسة الرسول الأكرم (ص) الثقافية |
|||